النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ كتاب السير عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في إخراجِ اليَهودِ والنَّصَارَى مِن جَزيرةِ العَرَبِ قَالَ أبُو عِيْسَى: وأكْثَرُ أصحابٍ إسماعيلَ عَن قَيْسِ بْنِ أبي حازم؛ أن رسولَ الله وَلِّ بَعَثَ سَرِيَّةً، ولم يَذْكُرُوا فيه: عَن جَرِيرٍ، ورواه حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن الحَجَّاجِ بْنِ أرْطَاةَ، عَن إسماعيلَ بْنِ أبي خالدٍ، عَن قَيْسٍٍ، عَن جَريرٍ، مثلَ حديثٍ أبي مُعَاوِيَة، قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: الصَّحِيحُ حديثُ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ مُرْسَلٌ، وَرَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِّ وََّ قَالَ: ((لا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ، ولا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ، فَهُوَ مِثْلُهُمْ)) . ٤٣- باب مَا جَاء في إخراجِ اليهودِ والنَّصَارَى مِن جَزيرةِ العَرَبِ [ت ٤٣، ٤٣٢] [١٦٠٦] (١٦٠٧) حَدَّثَنَا الحسَنُ بْنُ علي الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا أبو عَاصِم وعبدُ الرَّزَّاقِ، قالا: أنْبَرَنَا ابنُ جُرَيْج، قَالَ: أخبرني أبو الزُّبَيرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عبد الله يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ◌َّهَ يَقُولُ: ((لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ العربِ، فَلا أتْرُكُ فيها إلَّا مُسْلِمًا)). [م: ١٧٦٧، د: ٣٠٣٠، حم: ٢٠١] . ٤٣ - باب مَا جَاءَ في إخراجِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى من جزِيرَةِ العَرَبِ الجزيرة: اسمُ موضعٍ من الأرض. وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يزن إلى منقطع السموة في العرض، قاله أبو عبيدة، وقال الأصمعي: من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولًا. ومن جدة وساحل البحر إلى أطراف الشام عرضًا، قال الأزهري: سميت جزيرة؛ لأن بحر فارس، وبحر السودان أحاطًا بجانبيها، وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفراتُ. وعن مالك: أن جزيرة العرب مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن. وفي ((القاموس)): جزيرةُ العربِ ما أحاطَ به بحرُ الهند وبحر الشام، ثم دجلةُ والفُراتُ. [١٦٠٦] قوله: (فلا أترك فيها إلا مسلمًا) قال النووي: أوجب مالك، والشافعي، وغيرهما من العلماء إخراجَ الكافر من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوزُ تمكينهم سكناها، ولكن الشَّافعيَّ خصَّ هذا الحكم بالحجاز، وهو عنده مكة والمدينة، واليمامة، وأعمالها دون الیمن وغيره. ٢٢٢ كتاب السير عن رسول الله ◌َله / باب مَا جَاء في تَرِكَةِ رسول اللهوَليه قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٦٠٧] (١٦٠٦) حَدَّثَنَا موسى بْنُ عبدِ الرَّحمنِ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُباب، أخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَن أبي الزُّبَيْرِ، عَنِ جابرٍ، عَن عُمرَ بْنِ الخطابِ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((لَئِنْ عِشْتُ - إنْ شَاء اللهُ - لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ)). ٤٤- باب مَا جَاء في تَرِكَةِ رسول الله وَ لَ [ت ٤٤، ٢ ٤٤] [١٦٠٨] (١٦٠٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أبو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءتْ فَاطِمَةُ إلى أبِي بَكْرٍ، فَقَالَت: مَن يَرِثُكَ؟ قَالَ: أَهْلِي وَوَلَدِي، قَالَت: فَمَا لِي لا أرِثُ أبِي؟ فَقَالَ أبو بكرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوََّ يقول: ((لا نُورَثُ))، وقالوا: لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز، ولا يمكَّنونَ من الإقامةِ فيه أكثر من ثلاثة أيام. قال الشافعي: إلا مكة وحرمها، فلا يجوزُ تمكينُ كافر من دخُولها بحالٍ، فإن دخلها بخفيةٍ وجبَ إخراجهُ، فإن مات ودفن فيها نُبشَ، وأخرج منها ما لم يتغير. وجوَّز أبو حنيفة دخولهم الحَرَمَ، وحجة الجماهير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وفي ((المعالم)): أراد منعهم من دخول الحرم؛ لأنهم إذا دخلوا الحرم، فقد قربوا من المسجد الحرام، قال: وجوز أهل الكوفة للمعاهدِ دخول الحرم. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [١٦٠٧] قوله: (لئن عشت) ، أي: بقيت. قوله: (إن شاء الله) قيدٌ لقوله: (لأُخرجنَّ اليهودَ، والنَّصارى) . ٤٤- بَابُ مَا جَاءَ في تَركةِ النَّبيِّ وَله بفتح الفوقانية وكسر الراء، أي: ما تَركَهُ النبيُّ ◌َد . [١٦٠٨] قوله: (لا نورث)، بفتح الراء ويصحُّ الكسرُ، وحكمته أنهم كالآباء للأمة، فمالهم لكلهم؛ أو لئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوراثتهم. ونزاع علي وعباس قبل علمهما ٢٢٣ كتاب السير عن رسول الله وَله باب مَا جَاء في تَرِكَةٍ رسول الله وَه ولكن أعُولُ مَن كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَعُولُه، وَأَنْفِقُ على مَن كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَهِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. [حم: ٥٩]. قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عُمَر، وَطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وعبدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدٍ، وعائِشَةَ، وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوجهِ؛ إِنَّمَا أسْنَدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وعبدُ الوَهَّابِ بْنُ عَطَاء، عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، وسألتُ مُحمَّدًا عَن هذا الحديث؟ فَقَالَ: لا أعلم أحدًا رواه عَن محمد بْنِ عمرو، عَن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إِلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ، وَرَوَى عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: نَحْوَ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. بالحديث، وبعده رجعا، وأعتقد أنه الحقُّ؛ بدليل أن عليًّا لم يغير الأمر حين استخلف، فإن قلت: فكيف نازعا عمر؟ قلت: طالبا في التصرف بعد أن يكونا متصرفين بالشَّركة، وكره عمرُ القسمة؛ حذرًا من دعوى الملك؛ كذا في ((المجمع))، (لكن أعول من كان رسول الله ونَ﴾ يعوله)، عالَ الرجلُ عيالَهُ يعولُهُم: إذا قَامَ بما يحتاجُونَ إليه من ثوبٍ وغيره. قوله: (وفي الباب عن عمر، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وعائشة). أما حديث عمر، وغيره، فأخرجه الترمذي(١) بعد هذا، وأما حديث عائشة، فأخرجه الشيخان(٢) عنها؛ أن أزواج النبي ◌َّ حين تُوفيَ أردنَ أن يبعثن عثمانَ إلى أبي بكر؛ يسألنه ميراثَهُنَّ، فقالت عائشة: أليس قال النبي ◌َّهِ: ((لا نُورثُ ما تركناهُ صدقةٌ)). قوله: (حديث أبي هريرة حديث غريب من هذا الوجه)، وأخرجه أحمد، قال صاحب ((المنتقى)) - بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا -: رواه أحمد، والترمذي وصحَّحه. انتهى. قلت: ليس في نسخ الترمذي الحاضرة عندنا تصحيح الترمذي، إنما فيها تحسينه فقط. وروى الشيخان حديث أبي هريرة بلفظ: قال رسول الله وَ له: ((لا تَقْتَسِمُ ورَثتي دينارًا، ما تركتُ بعدَ نفقةِ نسائي، ومُؤنةٍ عامِلي فهُو صدقةٌ))، وفي لفظ لأحمد: ((لا يقتسمُ ورثتي دينارًا ولا دِرهمًا))(٣). (١) الترمذي، كتاب السير. حديث (١٦٠٩، ١٦١٠). (٢) البخاري، كتاب الفرائض. حديث (٦٧٢٧)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٥٨). (٣) البخاري، كتاب الوصايا، حديث (٢٧٧٦)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٦٠). ٢٢٤ كتاب السير عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في تَرِكَةٍ رسول الله وَّ [١٦٠٩] (١٦٠٩) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ فَاطِمَةَ جَاءتْ أبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ضُهَا تَسْألُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِوَلَّ فَقَالا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ وَل يَقُولُ: ((إِنِّي لا أورَثُ)) قَالَتْ: والله لا أكَلِّمُكُمَا أَبَدًا، فَمَاتَتْ وَلا تُكَلِّمُهُمَا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: مَعْنَى، لا أكَلِّمُكُمَا، تَعْنِي فِي هَذَا المِيرَاثِ أَبَدًا، أَنْتُمَا صَادِقَانٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ . [١٦١٠] (١٦١٠) حَدَّثَنَا الحسَنُ بْنُ عليٍّ الخَلَّالُ، أخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن مالكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحدَثَانِ، قَالَ: دَخَلْتُ على عُمَرَ بْنِ الخطّابِ، ودَخَلَ عليهِ عُثمانُ بْنُ عَفَّانَ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ وعبدُ الرَّحمنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبي وقَّاصٍٍ، ثُمَّ جاء عليٍّ والعَبَّاسُ يَخْتَصِمَانِ، فَقَالَ عُمَر لَهُمْ: أَنْشُدُكُمْ بالله الَّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأرْضُ، تَعْلَمُونَ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلَ قَالَ: ((لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟)) قالوا: نَعَم؟ قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِوَ لَ قَالَ أبو بَكْرٍ: أنا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَجِئْت أنْتَ وهذا إلى أبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ أنْتَ مِيرَاثَكَ مِن ابنِ أخِيكَ، ويَطْلُبُ هذا مِيرَاثَ امْرأتِهِ مِن أبيهَا؟ فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إنَّ رَسُولَ الله وَلِّ قَالَ: ((لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))، والله يَعْلَمُ إِنَّهُ صَادِقٌ بَارُّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ. [خ: ٦٧٢٨، م: ١٧٥٧، ن: ٤١٥٢، حم: ٢٦] . [١٦١٠] قوله: (أنشدكم بالله)، أي: أسألكم، رافعًا نشدتي، أي: صوتي، (لا نورث) بالنون، وهو الذي توارد عليه أهلُ الحديث في القديم والحديث، كما قال الحافظ في ((الفتح))، (وما تركنا) في موضع الرفع بالابتداء، ((وصدقة)) خبره. وقد زعم بعضُ الرافضة أن: ((لا نورث)) بالياء التحتانية، و((صدقة)) بالنصب على الحال و «ما تركناه)) في محلِّ رفع على النيابة، والتقدير: لا يورث الذي تركناه حال كونه صدقةً، وهذا خلافُ ما جاءت به الرواية، ونقله الحفاظُ، وما ذلك بأول تحريف من أهل تلك النِّحلةِ، ويوضح بطلانه ما في حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: ((فَهُوَ صدقةٌ». وقوله: ((لا تقتسِمُ ورثَتي دينارًا))، وقوله: ((إنَّ النبيَّ لا يُورِثُ)). (قالوا: نعم) قد استشكل هذا. ٢٢٥ كتاب السير عن رسول الله وَ ل ◌َه / باب مَا جَاء في تَرِكَةِ رسول الله ◌ِّ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي الحديثِ قِصَّة طَوِيلَةٌ. وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن حديث مالكِ بْنِ أَنَسٍ. ووجه الاستشكال أن أصل القصةِ صريحٌ في أن العباس وعليًّا قد علِمًا بأنه وَلِّ قال: ((لا نورثُ))، فإن كانا سمعاه من النبي وَ لّ فكيف يطلبانه من أبي بكر؟ وإن كانا إنما سمعاه من أبي بكر، أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك، فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر؟. وأجيب بحمل ذلك على أنهما اعتقدا أن عموم: ((لا نورث)) مَخصوصٌ ببعض ما يخلفه دون بعض، ولذلك نسب عمر إلى علي، وعباس؛ أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما؛ كما وقع في ((صحيح البخاري))، وغيره، وأما مخاصمتهما بعد ذلك عند عمر، فقال إسماعيل القاضي - فيما رواه الدارقطني من طريقه -: لم يكن في الميراث؛ إنما تنازعا في ولاية الصَّدقةِ، وفي صرفها کیف تُصرف؛ کذا قال. لكن في رواية النسائي(١)، وعمر بن شبة من طريق أبي البختري - ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث، ولفظه في آخره: ثم جئتماني الآن تختصمانٍ، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما إلا بذلك، أي: إلا بما تقدَّم من تسليمها لهما على سبيل الولاية. وكذا وقع عند النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس نحوه. وفي ((السنن)) لأبي داود، وغيره: أرادا أن عمر يقسمها بينهما؛ لينفردَ كلٌّ منهما بنظر ما يتولَّاه، فامتنع عمر من ذلك، وأراد أن لا يقع عليها اسم القسمة؛ ولذلك أقسم على ذلك، وعلى هذا اقتصر أكثر شرَّاحِ الحديثِ، واستحسنوه، وفيه من النظر ما تقدم؛ كذا في ((النيل)). قوله: (وفي الحديث قصة طويلة ... إلخ) أخرجه البخاري، ومسلم بقصته الطويلة. - (١) ((السنن الكبرى)) للنسائي. حديث (٤٤٥٠) ٢٢٦ كتاب السير عن رسول الله وَ ◌ّر / باب مَا جَاء ما قَالَ النبيُّ نَّه يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةً ٤٥- باب مَا جَاء ما قَالَ النبيُّ ◌ِ﴿ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةً: ((إنَّ هذهٍ لا تُغْزَى بعدَ اليَوْم)) [ت ٤٥، م ٤٥] [١٦١١] (١٦١١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا بْنُ أبي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَن الحَارِثِ بْنِ مالِك بْنِ بَرْضَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ بَه يَوْمَ فَتْحِ مََّةَ يَقُولُ: ((لا تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ)). [حم: ١٤٩٧٨]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ صُرَد، ومُطيع، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهو حديثُ زَكَرِيًّا بْنِ أبي زَائِدَةَ، عَن الشَّعْبِيِّ، فلا نَّعْرِفُهُ إِلَّا مِن حديثهِ . ٤٥- بَابُ مَا جَاءَ ما قَالَ النَّبِيُّ :﴿ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ... إلخ [١٦١١] قوله: (عن الحارث بن مالك بن برصاء)، قال الحافظ في ((التقريب)): الحارث بن مالك بن قيس الليثي المعروف بابن البرصاء، صحابيٌّ، له حديث واحد، تأخّر إلى أواخر خلافة معاوية، (لا تغزى)، بصيغة المجهول، (هذه)، أي: مكة المكرمة، (بعد اليوم)، أي: بعد يوم فتحِ مَّةَ. قال في ((مجمع البحار)): أي: لا تعود دار كفر يُغزى عليه، أو لا يغزوها الكفار أبدًا، إذ المسلمون قد غزوها مرَّاتٍ، غزوها زمن يزيد بن معاوية بعد وقعة الحرة، وزمن عبد الملك بن مروان مع الحجاج، وبعده، على أن من غَزَاها من المسلمين لم يقصدوها، ولا البيت، وإنما قصدوا ابن الزبير، مع تعظيم أمر مكة، وإن جرى عليه ما جرى من رميهِ بالنار في المنجنيق، والحرقة، ولو روي: ((لا تُغزَ))، على النهي؛ لم يحتج إلى التأويل. انتهى. قوله: (وفي الباب عن ابن عباس(١)، وسليمان بن صرد(٢)، ومطيع(٣))، لينظر من أخرج أحاديث هؤلاء الصحابة - رضـ ـّ -. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، هذا الحديثُ من أفراد الترمذي، وقد تفرد بروايته الحارث بن مالك كما عرفت به. (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٣٨٦٦)، وقال الهيثمي (٢٨٤/٢): وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (٢) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤١٠٩). (٣) مسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٨٢). ٢٢٧ كتاب السير عن رسول الله وَّهُ / باب مَا جَاء في السَّاعَةِ التي يُسْتَحَبُّ فيها القِتَالُ ٤٦- باب مَا جَاء في السَّاعَةِ التي يُسْتَحَبُّ فيها القِتَالُ [ت ٤٦، م ٤٦] [١٦١٢] (١٦١٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أبي، عَن قَتَادَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقرِّذٍ، قَالَ: غَزَوْتُ مع النَّبِيِّ وَّهِ فكان إذا طَلَعَ الفَجْرُ أمْسَكَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَاتَلَ، فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ أمْسَكَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ الشمسِ قَاتَلَ حَتَى العَصْرِ، ثُمَّ أمْسَكَ حَتَّى يُصَلِّيَ العَصْرَ، ثُمَّ يُقَاتِلُ، قَالَ: وكانَ يُقَالُ عندَ ذلكَ تَهِيجُ رِيَاحُ النَّصْرِ وَيَدْعُو المُؤْمِنُونَ لِجُيُوشِهم في صَلاتِهِم. [ضعيف د بنحوه: ٢٦٥٥، حم: ٢٣٢٣٢]. ٤٦- بابٌ مَا جَاءَ في السَّاعَةِ الَّتي يُسْتَحَبُّ فِيهَا القِتَالُ [١٦١٢] قوله: (عن النعمان بن مقرن)، بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون. قال صاحب ((المشكاة)): هو النعمان بن عمرو بن مقرن المزني، روي أنه قال: قدمنا على النبي ◌َّر في أربع مئة من مزينة، سكن البصرة ثم تحوَّل إلى الكوفة، وكان عاملَ عمر على جيش نهاوند، واستشهد يومَ فتحِها . قوله: (فكان) قال الطيبي: ما أظهره من دليل على وجُودِ الفاء التفصيلية؛ لأن قوله: غزوت مع النبي ◌َّهِ مشتملٌ مجملًا على ما ذكره بعدهُ مفضَّلًا. (أمسك)، أي: عن الشُّروع في القتال، (فإذا زالت الشمس)، أي: وصلَّى، (حتى العصر)، أي: إلى العصر (وكان يقال)، أي: يقول الصحابة: الحكمةُ في إمساك النبيِّ وَّ عن القتال إلى الزوال عند ذلك ... إلخ، (عند ذلك) أي: عند زوالِ الشَّمس، وهو من جُملة المقول: ظرف لقوله: (تهيج)، أي: تجيء، (ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلواتهم)، أي: في أوقات صلواتِهم بعد فراغها، أو في أثنائها بالقنوتِ عند النوازل، قاله القاري. قال الطيبي: إشارة إلى أن تركه ◌َّيه القتالَ في الأوقات المذكورة؛ كان لاشتغالهم بها فيها، اللهم إلا بعد العصرِ، فإن هذا الوقت مستثنى منها، لحصول النصر فيها لبعض الأنبياء. عن النبي ◌َّهِ قال: غَزا نبيٌّ من الأنبياءِ، فدَنَا من القَريةِ صلاةَ العَصرِ، أو قريبًا من ذلكَ، فقالَ للشَّمسِ: إنَّكِ مأمورةٌ، وأنا مأمُورٌ، اللهم احبسها علينا، فحبستْ حتَّى فتحَ الله ٢٢٨ كتاب السير عن رسول الله وَُّ / باب مَا جَاءَ في السَّاعَةِ التي يُسْتَحَبُّ فيها القِتَالُ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّذٍ بإسنادٍ أوْصلَ مِن هذا، وقَتَادَة لم يُدرِك التُّعْمَانَ بْنَ مُقرِّنٍ، ومَات التُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ في خِلَافةِ عُمَر. [١٦١٣] (١٦١٣) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عليّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم والحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أبو عِمْرَانَ الجَوْنِيُّ، عَن عَلْقَمَةَ بْنِ عبدِ الله المُزَنِيِّ، عَن مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ؛ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخطّابِ، بَعَثَ النُّعْمَانَ بْنَ مُقرِّنٍ إلى الهُرْمُزانِ؛ فذكر الحديثَ بِطُولِهِ، فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ: شَهِدْتُ معَ رَسُولِ الله وَّرِ فَكَانَ إذا لم يُقَاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ، انْتَظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وتَهُبَّ الرِّيَاحُ، ويَنْزِلِ النَّصْرُ. [د: ٢٦٥٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وعَلْقَمَةُ بْنُ عبدِ الله هو أخو بَكْرِ بْنُ عبدِ الله المُزَنِيُّ، مات النعمان بْنُ مُقرِّن في خلافة عُمَر بْنِ الخطاب. عليهِ)). رواه البخاري(١) عن أبي هريرة، ولعل لهذا السر خص في الحديث هذا الوقت بالفعل المضارع، حيث قال: ((ثم يقاتل)) وفي سائر الأوقات ((قاتل)) على لفظ الماضي، استحضارًا لتلك الحالة في ذهن السامع، تنبيهًا على أن قتاله في هذا الوقت كان أشد، وتحريه فيه أكمل. انتهى. قوله: (وقد روي هذا الحديث عن النعمان بن مقرن بإسناد أوصل من هذا)، يعني: أن إسناد حديث النعمان المذكور مُنقطعٌ، وقد روي هذا الحديث بإسنادٍ موصولٍ ليس فيه انقطاعٌ، وذكر الترمذيُّ وجهَ الانقطاع بقوله: (وقتادة لم يدرك النعمان ... إلخ)، وذكر الإسناد الموصول بقوله: حدثنا الحسن بن علي الخلال ... إلخ. [١٦١٣] قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري بطوله. (١) البخاري، كتاب فرض الخمس. حديث (٣١٢٤). ٢٢٩ كتاب السير عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الطَّرَةِ ٤٧- باب مَا جَاء في الطِّيَرَةِ [ت ٤٧، ٢ ٤٧] [١٦١٤] (١٦١٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْرُ مَهْدِ،»، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَن عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ، عَن زِرِّ، عَن عبدِ اللهِ بْرٍ مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((الطَّيَرَةُ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَا مِنَّا [إلّا] ولكنَّ الله يُذْهِبُهُ بالتَّوَكَّل)). [د: ٣٩١٠، جه: ٣٥٣٨، حم: ٣٦٧٩]. ٤٧- بابٌ مَا جَاءَ في الطِّيَرَة بكسر الطاء، وفتح التحتانية. [١٦١٤] قوله: (الطيرة من الشرك)، أي: لاعتقادهم أن الطّيرة تجلبُ لهم نفعًا، أو تدفع عنهم ضرًّا، فإذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا بالله في ذلك، ويسمى شركًا خفيًّا، وقال بعضهم: يعني: من اعتقد أن شيئًا سوى الله تعالى ينفعُ أو يضرُّ بالاستقلال، فقد أشرك، أي: شركًا جليًّا. وقال القاضي: إنما سمّاها شركًا؛ لأنهم كانوا يرونَ ما يتشَاءمونَ به سببًا مؤثرًا في حصول المكروه، وملاحظة الأسباب في الجملة شركٌ خفيٍّ، فكيف إذا انضمَّ إليها جهالةٌ وسوءُ اعتقادٍ، (وما منا)، أي: أحد (إلا) أي: إلا من يخطُرُ له من جهة الطّيرة شيءٌ ما؛ لتعوُّد النفوس بها، فحذف المستثنى كراهةً أن يتفوه بها . قال التوربشتي: أي: إلا من يعرض له الوهم من قبل الطيرة وكره أن يتم كلامه ذلك، لما يتضمنه من الحالة المكروهة، وهذا نوعٌ من الكلام، يكتفي دون المكروه منه بالإشارة، فلا يضرب لنفسه مثل السوء، (ولكن الله) بتشديد النون ونصب الجلالة، (يذهبه)، بضم الياء من الإذهاب، أي: يزيل ذلك الوهم - المكروه -، (بالتوكل)، أي: بسبب الاعتماد عليه، والاستناد إليه سبحانه، وحاصلُه أن الخطرة ليس بها عبرةٌ، فإن وقعت غفلة لا بد من رجعة، وأوبة من حوبة، كما ورد عنه بَّر من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((منْ ردَّتهُ الطَّيرةُ من حاجةٍ فقدْ أشركَ، وكفَّارةُ ذلكَ أن يقولَ: اللهم لا خيرَ إلَّا خيركَ، ولا طيرَ إلَّا طيركَ، ولا إله غيركَ)). رواه أحمد، والطبراني(١). (١) أحمد. حديث (٧٠٠٥)، ولم أجده في المعاجم للطبراني؛ فالله أعلم. ٢٣٠ كتاب السير عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الطَّيَرَةِ قال أبو عيسى: وفي البابِ: عَن سعد، وأبي هُرَيْرَةَ، وَحَابِس التَّميمِيِّ، وَعَائِشَةَ، وَابنِ عُمَرَ، وَسَعْدٍ، وهَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ. لا نعرفُهُ إلَّا مِن حديثٍ سَلَمَةَ بْنِ كُهِيلٍ، وَرَوَى شعبةُ - أيضًا - عَن سلمةَ هَذا الحديثَ، قَالَ: سَمِعْتُ محمدَ بْنَ إسماعيل يقولُ: كان سُليمانُ بْنُ حربٍ يقولُ في هذا الحديثِ: ((وما مِنَّا إلَّا، ولكنَّ الله يُذْهِبُهُ بالتَّوكُّلِ)). قَالَ سُلَيمَان: هذا عِنْدي قَول عبدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ: وما منَّا. قوله: (في هذا الحديث)، أي: في تحقيق شأنه، وما يتعلق بقوله: (وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل قال)، أي: سليمان بن حرب: (هذا)، أي: قوله وما منا ... إلخ، (عندي قول ابن مسعود)، أي: في ظنِّ أنه موقوفٌ على ابن مسعود، وإنما المرفوعُ قوله: ((الطّيرةُ من الشِّرك)) فقط، ويؤيده أن هذا المقدار رواه جمعٌ كثيرٌ عن ابن مسعود مرفُوعًا بدون الزيادة . قوله: (وفي الباب عن سعد، وأبي هريرة، وحابس التميمي، وعائشة، وابن عمر) أما حديث سعد، وهو ابن مالك، فأخرجه أبو داود(١)، وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الشيخان (٢). وأما حديث حابس(٣) وغيره - رضي الله تعالى عنهم. فلينظر من أخرجها . قوله: (هذا حديث حسن صحيح ... إلخ)، وأخرجه أبو داود، وابن حبان في ((صحيحه))(٤). قال الحافظ المنذري: قال أبو القاسم الأصبهاني، وغيره: في الحديث إضمارٌ، والتقدير: وما منا إلا وقَد وقعَ في قلبه شيءٌ من ذلك، يعني: قلوب أمته، ولكنَّ الله يذهب ذلك عن قلبٍ كُلِّ من يتوَّّلُ على الله، ولا يثبت على ذلك، هذا لفظ الأصبهاني، والصَّوابُ ما ذكره البخاريُّ، وغيره، أن قوله: ((وما منا ... إلخ))، من كلام ابن مسعود مدرجٌ غير مرفوع. قال الخطابي: وقال محمد بن إسماعيل: كان سليمان بن حرب ينكر هذا الحرف، (١) أبو داود، كتاب الطب. حديث (٣٩٢١). (٢) البخاري، كتاب الطب. حديث (٥٧٥٤)، ومسلم، كتاب السلام. حديث (٢٢٢٣). (٣) حديث حابس؛ أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٠٩). وأما حديث عائشة؛ فأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩١٢). وأما حديث ابن عمر؛ فأخرجه البخاري، كتاب الطب. حديث (٥٧٥٣)، ومسلم، کتاب السلام. حديث (١١٥، ٢٢٢٥). (٤) ابن حبان. حديث (٦١٢٢). ٢٣١ كتاب السير عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في الطَّيَرَةِ [١٦١٥] (١٦١٥) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عَن هِشَامِ الدَّستوائي، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((لا عَدْوَى ويقول: ليس من قول رسول الله وَّ ر، وكأنه قول ابن مسعود. وحكى الترمذيُّ عن البخاريِّ أيضًا عن سليمان بن حرب نحو هذا. انتهى ما في ((الترغيب)). [١٦١٥] قوله: (لا عدوى)، بفتح فسكون ففتح، قال في ((القاموس)): إنَّه الفسادُ، وقال التوربشتي: العدوى هنا: مجاوزةُ العلةِ من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلانٌ فلانًا من خلفه أو من غرته، وذلك على ما يذهب إليه المتطبية في عللٍ سبعٍ: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية. وقد اختلف العلماءُ في التأويل، فمنهم من يقول: المرادُ منه نفي ذلك وإبطاله، على ما يدل عليه ظاهرُ الحديث، والقرائن المسوقة على العدوى، وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها، فقد قال ◌َ له: ((فِرَّ منَ المجذُومِ فرَارَكَ منَ الأسدِ))(١). وقال: ((لا يُوردنَّ ذُو عاهة على مُصحٍ))(٢)، وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقدهُ أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا، أن ليس الأمر على ما يتوهّمونَ، بل هو متعلِّق بالمشيئة إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن. ويشيرُ إلى هذا المعنى قوله: ((فمنْ أعدَى الأوَّل)) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول؟ وبين بقوله: ((فرَّ منَ المجذُوم))، وبقوله: ((لا يوردنَّ ذُو عاهةٍ على مُصحّ))، أن مداناةَ ذلك بسبب العلة، فليتقه اتقاء من الجدار المائل، والسفينة المعيوبة. وقد رد الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم بالحديثين، أن النهي فيهما إنما جاء شفقًا على مباشرةٍ أحد الأمرين، فتصيبه علة في نفسه، أو عاهة في إبله، فيعتقد أن العدوى حقٌّ. قلت: وقد اختاره العسقلاني، يعني: الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة))، وبسطنا الكلام معه في ((شرح الشرح)) ومجمله أنه يرد عليه اجتنابه - عليه السلام - عن المجذوم عند إرادة المبايعة، مع أن منصب النبوة بعيد من أن يورد لحسم مادة ظن العدوى كلامًا يكون مادة لظنها أيضًا، فإن الأمر بالتجنب أظهر من فتح مادة ظن أن العدوى لها تأثير بالطبع. وعلى كُلِّ تقديرٍ، فلا دلالة أصلًا على نفي العدوى مبينًا. والله أعلم. (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)). حديث (٩٤٢٩). (٢) البخاري، كتاب الطب. حديث (٥٧٧٥)، ومسلم، كتاب السلام. حديث (٢٢٢١). ٢٣٢ كتاب السير عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاء في الطَّيَرَةِ ولا طِيَرَةَ وَأُحِبُّ الفَأْلَ))، قالوا: يَا رَسُولَ الله وما الفَألُ؟ قَالَ: ((الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ)). [خ: ٥٧٥٦، م: ٢٢٢٤، د: ٣٩١٦، جه: ٣٥٣٧، حم: ١١٧٦٩]. قال الشيخ التوربشتي: وأرى القول الثاني أولى التأويلين، لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، ثم لأن القول الأول يُفضِي إلى تَعطيل الأصول الطبية، ولم يرِد الشرع بتعطيلها، بل ورد بإثباتها، والعبرة بها على الوجهِ الذي ذكرناه. وأما استدلالُهم بالقرائن المسوقة عليها، فإنا قد وجدنا الشّارعَ يجمعُ في النّهي بينَ ما هو حرامٌ، وبين ما هو مكروهٌ، وبين ما ينهى عنه لمعنى، وبين ما ينهى عنه لمعانٍ كثيرة، ويدلُّ على صحّة ما ذكرنا قولُهُ مَّ للمجذوم المبايع: ((قد بايعناكَ فارجِعْ))، في حديث الشريد بن سويد الثقفي، وقوله ◌ّ للمجذوم الذي أخذَ بيدهِ فوضعَها معَهُ في القصعة: ((كُلْ ثقةً بالله، وتوكُّلًا عليهِ))(١)، ولا سبيلَ إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، بيَّنَ بالأول التوقَّ من أسباب التلف، وبالثاني التوكّل على الله - جل جلاله، ولا إله غيره - في متاركة الأسباب وهو حاله. انتهى. قال القاري: وهو جمعٌ حسن في غاية التحقيق. انتهى. قلت: في كون هذا الجمع حسنًا نظر، كما لا يخفى على المتأمِّل، وأما القول بأن الشَّرع ورد بإثبات الأصول الطبية؛ ففيه أن ورود الشرع لإثبات جميع الأصول الطبية، ممنوعٌ، بل قد ورد الشرعُ لإبطال بعضها، فإن المتطبين قائلون بحُصُولِ الشِّفاءِ بالحرامِ، وقد ورد الشرعُ بنفي الشفاء بالحرام، وهم قائلون بتُبوتِ العدوَى في بعض الأمراض، وقد وَرَدَ الشرعُ بأنه لا عدوَى، فالظَّاهر الراجحُ عندي في التوفيق، والجمع بين الأحاديث المذكورة هو ما ذكره الحافظ في ((شرح النخبة))، والله تعالى أعلم. (ولا طيرة) نفيٌّ معناه النهي، كقوله تعالى: ﴿لَا رَيِّبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، (وأحب الفأل) بصيغة المتكلِّم من الإحباب، (قالوا: يا رسولَ الله، ما الفأل؟)، وإنما نَشأَ هذا السؤال، لما في نفوسهم من عموم الطّيرة الشامل للتشاؤم والتفاؤل المتعارف فيما بينهم، (قال) إشارة إلى أنه فردٌ خاصٌّ خارجٌ عن العرف العامِّ معتبر عند خواصِّ الأنام، وهو قوله: (الكلمة الطيبة)، أي: الصَّالحة، لأن يؤخذ منها الفألُ الحسنُ. (١) الترمذي، كتاب الأطعمة. حديث (١٨١٧)، وأبو داود، كتاب الطب. حديث (٣٩٢٥). ٢٣٣ كتاب السير عن رسول الله وََّ باب مَا جَاء في وصيّة النَّبِيّ ◌َّه في القِتَالِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٦١٦] (١٦١٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أبو عَامِرِ العُقَدِيُّ، عَن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن حُمَيْدٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يُعْجِبُهُ إذا خَرَجَ لِحَاجَة أَنْ يَسْمَعَ: يَا راشِدُ یَا نَجِیعُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. ٤٨- باب مَا جَاء في وصيّة النَّبِيّ ◌ِ في القِتَالِ [ت ٤٨، م ٤٨] [١٦١٧] (١٦١٧) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْنُ مَهْدِي، عَن سُفْيَانَ، عَن عَلْقَمَةَ بْنِ مرْئدٍ، عَن سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَن أبيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله وَ ﴿ إذا بَعَثَ أميرًا على جَيْشٍ، أوْصَاهُ في خَاصَّةٍ نَفْسِهِ بِتَقْوَى الله ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خيرًا، وقال: ((اغْزُو بِسْم الله وفي سبيلِ الله، قَاتِلُوا مَن كَفَرَ بالله، قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرج الشَّيخان معناه من حديث أبي هريرة. [١٦١٦] قوله: (كان يعجبه)، أي: يستحسنه، ويتفاءل به، (أن يسمع: يا راشد)، أي: واجد الطريق المستقيم، (يا نجيح)، أي: من قضيت حاجته. ٤٨- بَابُ مَا جَاءَ في وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ◌ِ في القِتَالِ [١٦١٧] قوله: (أوصاه في خاصة نفسه)، أي: في حقِّ نفسه خصوصًا، وهو متعلق بقوله: (بتقوى الله)، وهو متعلِّق بـ((أوصاه))، (ومن معه)، معطوف على ((خاصة نفسه))، أي: وفي من معه، (من المسلمين)، بيان لـ ((من)) (خيرًا) منصوب بنزع الخافض، أي: بخير، قال الطيبي: و((من)) في محل الجر، ومن باب العطف على عاملين مختلفين، كأنه قيل: أوصى بتقوى الله في خاصَّة نفسهِ، وأوصى بخير في من معهُ من المسلمين، وفي اختصاص التقوى بخاصَّة نفسهِ، والخير بمن معه من المسلمين، إشارة إلى أن عليه أن يَشُدَّ على نفسه فيما يأتي ويذر، وأن يسهل على من معه من المسلمين، ويرفق بهم، كما ورد: ((يسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّروا))(١)، (وقال: اغزوا بسم الله) أي: مستعينين بذكره، (وفي سبيل الله)، أي: لأجل مرضاته، وإعلاء دينه، (قاتلوا من كفر بالله)، جملة موضحة لـ ((اغزوا)) (١) البخاري، كتاب العلم، حديث (٦٩)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٣٤). ٢٣٤ كتاب السير عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في وصيّة النَّبِيّ ◌ََّ فِي القِتَالِ ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدُرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا وَليدًا، فَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فادْعُهُمْ إلى إحْدَى ثلاثِ خِصَالٍ أو خِلَالٍ، أيّتِهَا أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وكُفَّ عنْهُمْ، وادْعُهُمْ إلى الإسلام، والتَّحَوُّلِ مِن دَارِهِمْ إلى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وأخْبِرْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذلكَ، فإنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ ما عَلَى المُهَاجِرِينَ، وإنْ أبَوْا أنْ يَتَحَوَّلُوا، فأخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ يَكُونُوا كأعْرَابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِم ما يَجْرِي على الأعْرَابِ، لَيْسَ لَهُمْ في الغَنِيمَةِ والفَيءٍ شَيْءٌ (ولا تغلوا) من الغلول من باب نَصَرَ يَنصُرُ، أي: لا تخُونُوا في الغنيمة، (ولا تغدروا) بكسر الدال، أي: لا تنقضوا العهد، وقيل: لا تحاربوهم قبل أن تدعوهم إلى الإسلام، (ولا تمثلوا) بضم المثلثة. قال النووي في ((تهذيبه)): مثل به يمثل: كقتل إذا قطعَ أطرافه. وفي (القاموس)): مثلَ بفلان مثلةٌ بالضم: نكَّلَ كمثَّل تمثيلاً. وفي ((الفائق)): إذا سودت وجهه، أو قطعت أنفه، ونحوه (ولا تقتلوا وليدًا) أي: طفلًا صغيرًا. : (فإذا لقيت)، الخطاب لأمير الجيش، قال الطيبي: هو من باب تلوين الخطاب، خاطب أولًا عامًا، فدخل فبه الأمير دخولًا أوليًّا، ثم خصَّ الخطاب به، فدخلوا فيه على سبيل التبعية، كقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ [الطلاق: ١] خصَّ النبي ◌َّه بالنداء، (أو خلال) شكٌّ من الراوي، والخصال والخلال بكسرهما: جمع الخصلة والخلة بفتحهما بمعنى واحد، (فأيتها أجابوك)، أي: قَبلوها منكَ، (وكفَّ عنهم)، بضم الكاف وفتح الفاء المشددة، ويجوز ضمها وكسرها، أي: امتنع عنهم، (ادعهم)، أي: أولًا، (والتحول)، أي: الانتقال، (من دارهم)، أي: من دار الكفر، (إلى دار المهاجرين)، أي: إلى دار الإسلام، وهذا من توابع الخَصلةِ الأولى، بل قيل: إن الهجرة كانت من أركانِ الإسلام قبل فتح مكة، (أنهم إن فعلوا ذلك)، أي: التحول، (فإن لهم ما للمهاجرين)، أي: الثواب، واستحقاق مال الفيء، وذلك الاستحقاق كان في زمنِهِ رََّ، فإنه كان ينفقُ على المهاجرين من حين الخروج إلى الجهاد في أيِّ وقت أمرهم الإمام، سواء كان من بإزاء العدو كافيًا أو لا، بخلاف غير المهاجرين، فإنه لا يجبُ الخروجُ عليهم إلى الجهاد، إن كان بإزاء العدو من به الكفاية، وهذا معنى قوله: (وعليهم ما على المهاجرين) أي: من الغزو. (وإن أبوا أن يتحولوا)، أي: من دارهم، (كأعراب المسلمين)، أي: الذين لازموا أوطانَهم في البادية، لا في دار الكفر، (يجري عليهم ما يجري على الأعراب)، وفي رواية ٢٣٥ كتاب السير عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في وصيّة النَّبِيِّنَّهِ فِي القِتَالِ إلَّا أن يُجَاهِدُوا، فإنْ أبَوْا، فَاسْتَعِنْ بالله عَلَيْهِم وَقَاتِلْهُمْ، وإذا حَاصَرْتَ حِصْنًا فَأَرَادُوكَ أنْ تَجْعَلَ لهم ذمة الله وذِمَّةَ نَبيِّهِ، فلا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ الله ولا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، واجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وذِمَمَ أصْحَابِكَ؛ لأنَّكُمْ إن تخْفُرُوا ذِمَّتَكُمْ وَذِمَمَ أصْحَابِكُمْ خَيْرٌ مِن أنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وذِمَّةَ رسولِهِ، وإذا حَاصَرْتَ أهْلَ حِصْنٍ فَأرَادُوكَ أنْ تُنزلهم على حُكْمِ الله فلا تُنْزِلُوهُمْ، ولكن أنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أُتُصِيبُ حُكْمَ الله فيهِمْ أم لا)) أو نَحْوَ هذا. [م: ١٧٣١، د: ٢٦١٢، جه: ٢٨٥٨، حم: ٢٢٤٦٩، مي: ٢٤٣٩]. مسلم: ((يَجري عليهِم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنينَ))، أي: من وُجُوب الصلاة، الزكاة وغيرهما، والقصاص، والدية ونحوها، (إلا أن يجاهدوا) أي: مع المسلمين، (وإذا حاصرت حصنًا) وفي رواية مسلم(١): ((أهلَ حصنٍ))، (فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه)، أي: عهدهما وأمانهما . (فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه)، أي: لا بالاجتماع ولا بالانفراد، (فإنكم إن تخفروا) من الإخفار، أي: تنقضوا، (فلا تنزلوهم)، أي: على حكم الله، ( فإنك لا تدري أتصيبُ حكمَ الله فيهم أم لا) قال النووي: قوله: ((فلا تجعلْ لهم ذمَّة الله)) نهيُ تنزيه، فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقَّها، وينتهك حرمتها بعض الأعراب وسوادُ الجيش، وكذا قوله: ((فلا تُنزلهم علَى حُكم الله)) نهيُّ تنزيه، وفيه حجةٌ لمن يقولُ: ليس كُلُّ مجتهدٍ مصيبًا، بل المصيبُ واحدٌ، وهو الموافقُ لحكم الله في نفس الأمر، ومن يقول إن كُلَّ مجتهدٍ مصيبٌ يقول معنى قوله: ((فإنك لا تدري أتصيب حكمَ الله فيهم))، إنك لا تأمن أن ينزل عليَّ وحيّ بخلاف ما حكمت؛ كما قال ◌َّ ر في حديث أبي سعيد من تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة: ((لقد حكمتَ فيهم بحكم الله))، وهذا المعنى منتفٍ بعدَ النبي ◌َِّ، فيكون كلُّ مجتهدٍ مُصيبًا. انتهى. قال القاري: وهو مذهب المعتزلة، وبعض أهل السنة. قوله: (وفي الباب عن النعمان بن مقرن)، أخرجه أبو داود، وأخرجه الترمذي(٢) في باب السَّاعة التي يُستحبُّ فيها القتالُ. (١) مسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٣١). (٢) أبو دود، كتاب الجهاد. حديث (٢٦٥٥)، والترمذي، كتاب السير. حديث (١٦١٣). ٢٣٦ كتاب السير عن رسول الله وَلجه / باب مَا جَاء في وصيَّة النَّبِيِّنَّهِ فِ القِتَالِ فان أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَنِ النُّعْمانِ بن مُقَرِّنٍ، وحديثُ بُرَيْدَةَ: حديثٌ حسن صحيحٌ. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بن بَشَارٍ، حَدَّثَنَا أبو أحمدَ، عَن سُفْيَان، عَن عَلْقَمَةَ بن مَرْئَدٍ : نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ، وزَادَ فيهِ: ((فإنْ أَبَوْا فَخُذْ مِنهم الجِزْيَةَ، فإِنْ أَبَوْا فاسْتَعِنْ بالله عَلَيْهِم)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هكذا رَوَاهُ وَكِيعٌ وغيرُ واحدٍ عَن سُفْيَانَ، وَرَوَى غَيْرُ مُحمَّدٍ بن بَشَّارٍ عَن عبدِ الرَّحمنِ بن مَهْدِيٍّ، وَذَكَرَ فيهِ أمْرَ الجِزْيَةِ. [١٦١٨] (١٦١٨) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عليِّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَقَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَن أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ لا يُغيرُ إلَّا عندَ صَلَاةِ الفَجْرِ، فإن سَمِعَ أذَانًا أمْسَكَ، وإلَّا أغَارَ، فاسْتَمَعَ ذَاتَ يَوْم فَسَمِعَ رَجُلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فَقَالَ: «على الفِطْرةِ: أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّ الله، قوله: (وحديث بريدة حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم. قوله: (وزاد)، أي: محمد بن بشار في روايته من طريق أبي أحمد، (فإن أبوا)، أي: فإن امتنعوا عن الإسلام، (فخذ منهم الجزيةَ)، واستدل به مالك، والأوزاعي، ومن وافقهما على جواز أخذ الجزية من كلِّ كَافرٍ، عربيًا كان أو عجميًا، كتابيًا أو غيرَ كتابي، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الجزية. [١٦١٨] قوله: (لا يغير)، من الإغارة (إلا عند صلاة الفجر)، وفي رواية: ((كانَ يغيرُ إذا طلعَ الفجرُ))، (فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار) قال القاضي: أي: كان يتثبت فيه، ويحتاط في الإغارة، حذرًا عن أن يكون فيهم مؤمنٌ، فيغير عليه غافلًا عنه، جاهلًا بحاله. قال الخطابي: فيه بيان أن الأذان شعارٌ لدين الإسلام، لا يجوز تركه، فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه؛ كان للسلطان قتالهم عليه. انتهى. قال القاري: وكذا نقل عن الإمام محمد من أئمتنا. انتهى. وفيه دليل على جوازٍ قتالٍ من بلغته الدعوةُ بغير دعوةٍ، وفي هذا الحديث دليلٌ على جوازٍ الحكم بالدليل، لكونه وسير كفَّ عن القتال بمجرد سماع الأذان، وفيه الأخذُ بالأحوط في أمر الدماء؛ لأنه كفَّ عنهم في تلك الحال، مع احتمال أن لا يكون ذلك على الحقيقة، (واستمع ذات يوم)، لفظ: ((ذات)) مقحم، (فقال: على الفطرة) فيه أن التكبير من الأمور المختصّة ٢٣٧ كتاب السير عن رسول الله وَه / باب مَا جَاء في وصيَّة النَّبِيّ وَّهِ فِي القِتَالِ فَقَالَ: خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ)). [م: ٣٨٢، د مختصرًا: ٢٦٣٤، حم: ١١٩٤٢، مي: ٢٤٤٥]. قَالَ الحَسَنُ: وَحَدَّثَنَا أبو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا حمَّادُ بن سَلَمَةَ بهذا الإسْنَادِ: مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. كمل كتاب السير والحمد لله ويليه كتاب فضائل الجهاد بأهل الإسلام، وأن يصحَّ الاستدلال به على إسلام أهل قرية سُمع منهم ذلك، (قال: خرجت من النار)، هو نحو الأدلة القاضية بأن من قال: لا إله إلا الله دخلَ الجنة، وهي مطلقةٌ، مقيدة بعدم المانع، جمعًا بين الأدلة. قوله: (قال الحسن)، هو: الحسن بن علي الخلال، (وحدثنا الوليد)، كذا في ((النسخة الأحمدية))، وهو غلطٌ، وفي بعض النسخ: حدثنا أبو الوليد، وهو الصَّواب، واسمه: هشام بن عبد الملك الباهلي، مولاهم الطيالسي، روى عن حماد بن سلمة، وغيره، وعنه الحسن بن علي الخلال وغيره. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، ومسلم. ٢٣٩ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّو / باب ما جاء في فَضْلِ الچِهَادِ صَلى الله صَالِى وَسلم (٢٣) كتاب فَضَائِلِ الجِهَادِ عن رسول الله ١- باب ما جاء في فَضْلِ الجِهَادِ [ت ١، م ١] [١٦١٩] (١٦١٩) حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَن سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ، عَن أبيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ الله! ما يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قَالَ: ((لا تَسْتَطِيعُونَهُ))، فردُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا، كُلُّ ذلكَ يَقُولُ: ((لا تَسْتَطِيعُونَهُ))، فَقَالَ في الثَّالِئَةِ: ((مَثَلُ المُجَاهِدِ في سبيلِ الله مَثلُ القائم الصائم الَّذِي صَلىالله وعدييه ٢٣ - كِتابُ: فَضَائِلِ الجِهادِ تمن رَسُولِ الله ١ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الجِهَادِ [١٦١٩] قوله: (ما يعدل الجهاد)، أي: أي عمل يساوي الجهاد؟ يعني: في الفضل والثواب (مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم) ولمسلم(١) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: ((كمثلِ الصَّائم القائم القانت بآياتِ الله)) زاد النسائي(٢) من هذا الوجه: الخاشع الراكع الساجد. وفي ((الموطأ))، وابن حبان (٣): ((كمثلِ الصَّائِ القائمِ الدَّائم)). ولأحمد(٤)، والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: ((مثلُ المجاهدِ في سبيلِ الله كمثَلِ الصَّائم نهارَهُ والقائم ليلَهُ)). وشبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون؛ لأن المراد من الصائم القائم: من لا يفتر ساعةً عن العبادة، فأجره مستمر، وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب؛ لحديث: ((إن المُجاهد لتَستنُّ فرسهُ فیکتبُ لهُ حسناتٌ))(٥) . وأصرح منه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ فَظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ (١) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٧٨). (٢) النسائي، كتاب الجهاد. حديث (٣١٢٧). (٣) مالك. حديث (٩٧٣)، وابن حبان. حديث (٤٦٢١). (٤) أحمد. حديث (١٧٩٣٤). (٥) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٧٨٥). ٢٤٠ كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ / باب ما جاء في فَضْلِ الچِهَادِ لا يَفْتُرُ مِن صلاةٍ ولا صِيَامٍ، حَتَّى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سبيلِ الله)). [خ بنحوه: ٢٧٨٥، م: ١٨٧٨، ن بنحوه: ٣١٢٤، حم: ٨٣٣٥، طا: ٩٧٣]. وفي البابِ: عَن الشِّفاءِ، وعبدِ الله بْنِ حُبشِيٍّ، وأبي موسى، وأبي سَعِيدٍ، وَأُمِّ مالكِ البَهْزِيَّةِ، وأنَسٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُويَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَّرَ . اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْئًا يَغِيُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ ثَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِّحُ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا ١٢٠ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ إِلَّا كُتِبَ لَُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ -١٢١]. (لا يفتر) من: الفتور، من باب نصر ينصر؛ أي: لا يسأم، ولا يمَلُّ (حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) أي: إلى بيته، أو حتى ينصرف عن جهاده. قوله: (وفي الباب عن الشِّفاءِ وعبد الله بن حبشي، وأبي موسى، وأبي سعيد، وأم مالك البهزية، وأنس بن مالك). أما حديث الشِّفاء: فأخرجه أحمد في ((مسنده)(١). وأما حديث عبد الله بن حبشي: فأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي(١). وأما حديث أبي موسى: فأخرجه الترمذي(٣) في أواخر ((فضائل الجهاد)). وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه ابن ماجه(٤) في باب: فضل الجهاد في سبيل الله من أبواب الجهاد. وأما حديث أم مالك البهزية: فأخرجه أحمد في ((مسنده))(٥). وأما حديث أنس بن مالك: فأخرجه الترمذي(٦) في هذا الباب. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. (١) أحمد. حديث (٢٦٥٥٤). (٢) أحمد. حديث (١٤٩٧٥)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٣٢٥)، والنسائي، كتاب الزكاة. حديث (٢٥٢٦). (٣) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد. حديث (١٦٥٩). (٤) ابن ماجه، كتاب. حديث (٢٧٥٤). (٥) أحمد. حديث (٢٦٨٠٧). (٦) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد. حديث (١٦٢٠).