النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب السير عن رسول الله وَّ﴿/ باب مَا جَاء في النَّهْيِ عَن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيَانِ وفي البابِ: عَنِ بُرَيْدَةً وَرَبَاحِ - ويقالُ: رَيَاحُ بْنُ الرَّبِيعِ - والأسودِ بْنُ سَرِيعٍ، وابنِ عبَّاسٍ، والصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةً . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضٍ أهلٍ العلم مِن أصحابِ النبيِّ بَّهِ وَغَيْرِهم؛ كَرِهُوا قَتْلَ النِّسَاءِ وَالوِلْدَان، وهو قولُ سُفيانَ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، حُرمَةَ قتلِ النساء والصبيان إجماعٌ، وعن أبي بكر: أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان، حين بعثه إلى الشام وقال: لا تقتُلُوا الولدانَ، ولا النِّساءَ ولا الشُّيوخَ ... الحديث، قال: لكن يُقتل من قاتلَ من كُلِّ من قلنا إنه لا يقتل؛ كالمجنون، والصبي، والمرأة، والشيوخ، والرهبان، إلا أن الصبي والمجنون يُقتلان في حالٍ قتالهما، أما غيرهما من النساء، والرهبان، ونحوهم، فإنهم يقتلون إذا قاتلوا بعد الأسرٍ، والمرأة الملكة تُقتل وإن لم تُقاتِل، وكذا الصبي الملك، والمعتوه الملك؛ لأن في قتلِ الملك کَسرَ شوكتهم، كذا في ((المرقاة». قلت: في بعض كلام ابن الهمام هذا تأمل، فتأمل. قوله: (وفي الباب عن بريدة، ورَباح، ويقال: رِياح بن الربيع)، قال الحافظ في ((الفتح)): رياح بكسر الراء المهملة بعدها تحتانية، وقال المنذري: بالباء الموحدة، ويقال: بالياء التحتانية، ورجَّح البخاريُّ أنه بالموحدة، (والأسود بن سريع، وابن عباس، والصعب بن جثامة) أما حديث بريدة، فأخرجه مسلم، وأما حديث رباح، فأخرجه أحمد، وأبو داود(١)، وأما حديث الأسود بن سريع، فأخرجه أحمد (٢)، وأما حديث ابن عباس، فأخرجه أحمد (٣)، وفيه: ((ولا تقتُلُوا الولدانَ ولا أصحابَ الصوامع)). وأما حديثُ الصعب بن جثامة، فأخرجه الترمذي (٤) في هذا الباب. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا النسائي. قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ... إلخ) قال الشوكاني: أحاديثُ الباب تدلُّ على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان، وإلى ذلك ذهب مالك، والأوزاعي، فلا يجوز (١) أحمد. حديث (١٥٥٥٩)، وأبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٦٦٩). (٢) أحمد. حديث (١٥١٦١). (٣) أحمد. حديث (٢٧٢٣). (٤) الترمذي، كتاب السير. حديث (١٥٧٠)، وابن حبان (٤٧٨٦). ١٨٢ كتاب السير عن رسول الله وَّله/ باب مَا جَاء في النَّهْىِ عَن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيَانِ ورَخَّصَ بَعْضُ أهلِ العِلْم في البَيَاتِ، وَقتلِ النِّسَاءِ فيهم والوِلْدَانِ، وهو: قَوْلُ أحمدَ، وإسحاقَ، ورََّصَا فِي البَيَاتِ. [١٥٧٠] (١٥٧٠) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا سُفيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عبدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أخبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ خَيْلَنَا أُوْطِئَتْ مِن نِسَاءِ المُشرِكِينَ وأوْلَادِهِم، قَالَ: ((هُمْ مِن آبائِهم)). [خ: ٣٠١٣، م: ١٧٤٥، د: ٢٦٧٢، جه: ٢٨٣٩، حم: ٢٧٩٠٢]. ذلك عندهما بحال من الأحوال، حتى لو تترَّس أهلُ الحرب بالنساء والصبيان، أو تحصَّنوا بحصنٍ، أو سفينة، وجعلوا معهم النِّساء والصِّبيان؛ لم يُجزْ رميُهم ولا تحريقهم، وذهب الشافعي والكوفيون إلى الجمع بين الأحاديث المختلفة، فقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلُها، وقال ابن حبيب من المالكية، لا يجوزُ القصدُ إلى قتلها إذا قاتلت، إلا إن باشرت القتل، أو قصدت إليه، ويدل عليه ما رواه أبو داود في ((المراسيل)) (١) عن عكرمة: أن النَّبِيَّ وَلَ مرَّ بامرأةٍ مقتولةٍ يومَ حنينٍ، فقال: ((منْ قتلَ هذهِ؟» فقالَ رجلٌ: أنا يا رسولَ الله، غنمتُها، فأردَفْتُها خلفِي، فلمَّا رأتِ الهزيمَةَ فينا؛ أهوت إلى قائم سيفي لتقتُلني فقتلتها، فلم ينكر عليهِ رسولُ الله ◌َّ ووصله الطبراني في ((الكبير))، وفيه حجاج بن أرطاة و[أرسله] ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يحيى الأنصاري. ونقل ابن بطال أنه اتفق الجميعُ على المنع من القصد إلى قتلِ النِّساء والولدانٍ، أما النساء فلضعفهنَّ، وأما الولدان، فلقصورهم عن فعل الكفار، ولما في استبقائهم جميعًا من الانتفاع، إما بالرق، أو الفداء فيمن يجوز أن يفادى به. انتهى. (ورخص بعض أهل العلم في البيات) بفتح الموحدة، هو: الغارةُ بالليل، (وقتل النساء فيهم) أي: في الكفار (والولدان) عطف على النساء (وهو قول أحمد وإسحاق رخّصا في البيات). قال الحافظ في (الفتح) قال أحمدُ: لا بأس في البيات، ولا أعلمُ أحدًا كرهه. انتهى. [١٥٧٠] قوله: (أخبرني الصعب بن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة الليثي، صحابيٍّ عاش إلى خلافة عثمان. قوله: (هم من آبائهم)، وفي رواية البخاري: ((هُم منهُم))، قال الحافظ، أي: في الحكم (١) أبو داود في ((المراسيل)): (٣٣٣). ١٨٣ کتاب السیر عن رسول الله ێے / باب قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٢٠ - باب [ت ٢٠، م ٢٠] [١٥٧١] (١٥٧١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن بُكَيْرِ بْنِ عبدِ الله، عَن سُلَيْمانَ بْنِ يَسَارٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَنا رَسُولُ اللهِوَّه فِي بَعْثٍ، فَقَالَ: ((إنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَقُلَانًا لِرَجُلَيْنٍ مِن قُرَيْشٍ فأخْرِ قُوهُمَا بِالنَّارِ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ حِينَ أرَدْنَا الخُرُوجَ: ((إِنِّي كُنْتُ أمَرْتُكُمْ أنْ تحرِقُوا فُلانًا وفلانًا بالنَّارِ، وإِنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بها إِلَّا الله، فإن وَجَدْتُمُوهما فَاقْتُلُوهُمَا)). [خ: ٣٠١٦، د: ٢٦٧٤، حم: ٨٠٠٧، مي: ٢٤٦١]. تلك الحالة: فليس المرادُ إباحَة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطءِ الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم؛ جازَ قتلُهم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا النسائي، وزاد أبو داود قال الزهري: ثم نَهَى رسولُ الله ◌َّر عن قتلِ النِّساء والصِّبيان؛ كذا في ((المنتقى)). قال الشوكاني: استدل به من قال: إنه لا يجوزُ قتلهم مطلقًا. انتهى. قال: وهذه الزيادةُ أخرجها الإسماعيلي من طريق جعفر الفريابي عن علي بن المديني عن سفيان بلفظ: وكان الزهري إذا حدَّث بهذا الحديث قال: وأخبرني ابن كعب بن مالك عن عمه، ((أنَّ رسُولَ الله ◌َّهِ لمَّا بَعَثَ إلى ابنِ أبي الحُقيق نَهَى عن قتلِ النِّساء والصِّبيانِ)). وأخرجه أيضًا ابن حبان(١) مرسلًا كأبي داود، قال في ((الفتح)): وكان الزهري أشار بذلك إلى نسخٍ حديث الصعب. انتهى. ٢٠ - بابٌ [١٥٧١] قوله: (في بعث)، أي: في جيش، (وإن النار لا يعذُّب بها إلا الله)، هو خبر بمعنى النهي، وقد اختلف السلفُ في التحريق، فكره ذلك عمر، وابن عباس، وغيرهما مطلقًا، سواء كان في سبب كفر، أو في حال مقاتلة، أو في قصاصٍ، وأجازه علي، وخالد بن الوليد، وغيرهما . قال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم، بل على سبيل التواضع، ويدلُّ على جوازِ (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) موصولاً (٩٣٨٥)، وكذا الطبراني في ((الكبير)) (٧٤/١٩). حديث (١٤٥ - ١٤٦). ١٨٤ كتاب السير عن رسول الله وَ ه / باب مَا جَاء في الغُلُول وفي البابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأسْلَمِيِّ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ أهل العِلْم، وقد ذكَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسحاقَ بَيْنَ سُلَيْمانَ بْنِ يَسَارٍ وبَيْنَ أبي هُرَيْرَةَ رجلًا في هذا الحديثِ، ورَوَى غَيْرُ واحِدٍ مِثْلَ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وحديثُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أشْبَهُ وَاصَُ. ٢١- باب مَا جَاء في الغُلُول [ت ٢١، ٢١٢] [١٥٧٢] (١٥٧٢) حدثني قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن سالمِ بْنِ أبي الجَعْدِ، عَنِ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((مَن ماتَ وهو بَرِيٌ مِن ثلاث: الكِبْرِ والغُلُولِ والدَّيْنِ، دَخَلَ الجَنَّةَ)). [جه: ٢٤١٢، حم: ٢١٨٦٤، مي: ٢٥٩٢]. التحريق فعلُ الصحابة، وقد سَمَلَ النبيُّ ◌َلَّ أعينَ العرنيين بالحديد، وقد أحرَقَ أبو بكر بالنار في حضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردة، وكذلك حرق عليٍّ . قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، والبخاري، وأبو داود. ٢١ - باب مَا جَاءَ في الغُلُولِ قال المنذري في ((الترغيب)): الغلولُ: هو ما يأخذه أحدُ الغزاة من الغنيمة مختصًّا به، ولا يُحضره إلى أمير الجيش، ليقسمه بين الغزاة، سواء قلَّ أو كثُرَ، وسواء كان الآخذُ أمير الجيش أو أحدهم. واختلف العلماء في الطعام، والعلوفة، ونحوهما اختلافًا كثيرًا. انتهى. وقال الجزري في ((النهاية)): الغُلُولُ: الخيانةُ في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خفية فقد غلَّ، وسميت غُلولًا؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة، مجعول فيها غل، وهو الحديدةُ التي تجمعُ يدَ الأسير إلى عنُقهِ، ويقال لها: جامعة أيضًا. انتهى. [١٥٧٢] قوله: (وهو بريء من الكبر)، بكسر الكاف وسكون الموحدة وبالراء، (والدين)، بفتح الدال المهملة وسكون التحتية، (دخل الجنة)، يفهم منه أن مَنْ مات وهو ليس بريئًا من هذه الثلاث؛ لا يدخل الجنة. ١٨٥ كتاب السير عن رسول الله وَ لاَّ / باب مَا جَاء في الغُلُول وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ. [١٥٧٣] (١٥٧٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابن أبي عَدِيٍّ، عَن سعیدٍ، عَن قَتَادَةَ، عَن سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْدِ، عَن مَعْدَانَ بْنِ أبي طَلْحَةَ، عَن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((مَن فَارَقَ الرُّوحُ الجَسَدَ وَهُوَ بَريءٌ مِن ثَلَاثٍ: الكَنْزِ وَالغُلُولِ والدَّيْنِ، دَخَلَ الجَنَّةَ)). [شاذ بهذا اللفظ]. هكذا قَالَ سَعيدٌ: الكَنْزَ، وقال أبو عَوَانَةَ في حديثِهِ: الكِبْرَ، ولمْ يذكر فيه: عَن مَعْدَانَ، ورِوَايَةُ سَعيدٍ أُصَحُ. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني) أما حديث أبي هريرة، فأخرجه الشَّيخان(١). وأما حديث زيد بن خالد، فأخرجه مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه(٢). اعلم أن الترمذي لم يحكم على حديث ثوبان هذا بشيءٍ من الصِّحة والضَّعف، وقد صحَّحه الحاكمُ، قال المنذري في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -: رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم(٣)، وقال صحيح على شرطهما. [١٥٧٣] قوله: (عن سعيد)، هو: ابن أبي عروبة، (من فارق الروح الجسد)، أي: من فارق روحُه جَسدَهُ، وكذلك وقع في بعض نسخ ((الترغيب))، (الكنز) بفتح الكاف وسكون النون وبالزاي، قال في ((مجمع البحار)): الكنز لغةً المالُ المدفونُ تحتَ الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزًا شرعًا، وإن كان مكنوزًا لغة، ويشهد عليه ما ورد: ((كُلُّ ما أُديتْ زكاتهُ فليسَ بكنزٍ))(٤)، (هكذا قال سعيد: الكنز)، يعني: بالكاف والنون والزاي، (وقال أبو عوانة في حديثه: الكبر) يعني بالكاف الموحدة والراء، (ورواية سعيد أصح) قال البيهقي في كتابه عن أبي عبد الله، يعني: الحاكم: الكنز مقيد بالزاي، والصحيح في حديث أبي عوانة بالراء. (١) البخاري، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٦٧٠٧)، ومسلم، كتاب الإيمان. حديث (١١٥). (٢) مالك. حديث (٩٩٥)، وأحمد. حديث (١٦٥٨٣)، وأبو داود (٢٧١٠)، والنسائي (١٩٥٩)، وابن ماجه (٢٨٤٨). (٣) ابن حبان (١٩٨)، والحاكم (٢٢١٨). (٤) انظر ((سنن أبي داود)). حديث (١٥٦٤). ١٨٦ كتاب السير عن رسول الله وَاقٍ / باب مَا جَاء في خُرُوجِ النِّساءِ في الحَرْبِ [١٥٧٤] (١٥٧٤) حَدَّثَنَا الحسَنُ بْنُ عليٍّ، حَدَّثَنَا عبدُ الصَّمَدِ بْنُ عبدِ الوارِثِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ أبو زُمَيْلِ الحَنَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخطابِ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ فُلَانًا قد اسْتُشْهِدَ، قَالَ: ((كَلَّا قد رأيْتُهُ فِي النَّارِ بِعَبَاءةٍ قد غَلَّها)) قَالَ: ((قُمْ يَا عُمَر فنَادِ إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَة إلَّا المؤمِنون: ثلاثًا)). [م: ١١٤]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. ٢٢ - باب مَا جَاء في خُرُوجِ النِّساءِ في الحَرْبِ (ت ٢٢، م٢٢] [١٥٧٥] (١٥٧٥) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ يَغْزُو بِأَمِّ سُلَيْم، ونِسْوَةٍ مَعَهَا مِنَ الأَنْصَارِ يَسْقِينَ الماء، ويُدَاوِينَ الجَرْحَى. [م: ١٨١٠، د: ٢٥٣١]. [١٥٧٤] قوله: (حدثنا سماك أبو زميل)، بضم الزاي المعجمة وفتح الميم، مصغرًا، وسماك بكسر أوله وتخفيف الميم، وهو: ابن الوليد اليمامي الكوفي، ليس به بأس، من الثالثة: (إن فلانًا قد استشهد)، بصيغة المجهول، أي: صار شهيدًا (قال: كلا) زجر ورةٌ لقولهم في هذا الرجل: إنه شهيد محكوم له بالجنة أول وهلةٍ، بل هو في النار بسبب غُلوله، (بعباءة)، العباء، والعباءة: ضربٌ من الأكسية، قاله الطيبي، وقال في ((القاموس)): العَبَاءُ كساءٌ كَالعَبَاءةِ . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم. وأحاديثُ الباب تدلُّ على تحريم الغُلولِ من غير فرق بين القليل منه والكثير، وقد ورد في حديث أبي هريرة عند مسلم (١): ((لا يُغُلّ أحدُكُم حينَ يُغُلُّ وهُو مُؤمِنٌ)). ونقل النوويُّ الإجماع على أنه من الكبائر، وقد صرح القرآن والسنة بأن الغالَّ يأتي يوم القيامة والشيء الذي غلَّه معه. ٢٢ - باب مَا جَاءَ في خُرُوجِ النِّسَاءِ ي الحَرْبِ [١٥٧٥] قوله: (يسقين الماء، ويداوين الجرحى)، وفي حديث الربيع: ((نسقِي القَومَ ونخدمُهُم، ونرُدُّ القتلى والجرحَى إلى المدينةِ))، وفي حديث أم عطية عند أحمد، ومسلم، (١) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (٥٧). ١٨٧ كتاب السير عن رسول اللهرَّ / باب مَا جَاء في قبُولِ هَدَايا المُشرِكين قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَنِ الرُّبَيِّع بنْتِ مُعَوِّذٍ؛ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٢٣- باب مَا جَاء في قبُولٍ هَدَايا المُشرِكين [ت ٢٣، م ٢٣] [١٥٧٦] (١٥٧٦) حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ سَعِيدِ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمانَ عَن إِسْرَائِيلَ عَنِ ثُوَيْرٍ عَن أبيهِ عَن عليٍّ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: أنَّ كِسْرَى أهْدَى له فَقَبِلَ، وَأنَّ المُلُوكَ أَهْدوا إليهِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ. [ضعيف، وقيل: جدًّا، لأجل ثوير، قال عنه سفيان: من أركان الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال يحيى: ليس بشيءٍ .. حم: ٧٤٩]. وابن ماجه(١) قالت: ((غَزْوْتُ معَ رسُولِ الله ◌َّمِ سَبعَ غزواتٍ، أخلُّفُهم في رحالِهم، وأصنعُ لهُمُ الطَّعامَ، وأداوِي الجَرحَى، وأقومُ عَلَى الزَّمنى)). وفي هذه الأحاديث دليل على أنه يجوزُ خروجُ النساء في الحرب لهذه المصالح، والجهاد ليس بواجب على النساء، يدل على ذلك حديثُ عائشة عند أحمد، والبخاري قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضَلَ العَمَلِ، أفلا نجاهِدُ؟ قال: ((لكنَّ أفضلَ الجهادِ حَجٌ مبرُورٌ))، قال ابن بطال: دلَّ حديثُ عائشةَ على أن الجهادَ غيرُ واجب على النِّساء، ولكن ليس في قوله: «أفضلَ الجهادِ حج مبرورٌ))، وفي رواية البخاري : - «چھادگُنَّ الحُ» - ما یدل على أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن واجبًا، لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر، ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحجّ أفضلَ لهنَّ من الجهاد. انتهى. قوله: (وفي الباب: عن الربَيِّع بنت معوِّذ) أخرجه أحمد، والبخاريّ(١). قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه مسلم. ٢٣ - باب مَا جَاءَ في قَبُولٍ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ [١٥٧٦] قوله: (عن ثوير) ، بضم الثاء المثلثة وفتح الواو، مصغرًا. قوله: (أن كسرى) ، بكسر الفاء وفتحها: لقبُ ملوكِ الفرس، (فقبل منهم) ، هذا الحديث من الأحاديث التي تدلُّ على جوازٍ قبولِ هدايا المشركين، وهي كثيرة، وسيأتي التوفيقُ بينها وبين الأحاديث التي تدل على المَنعِ. (١) أحمد. حديث (٢٠٢٦٨)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٨١٢)، وابن ماجه (٢٨٥٦). (٢) أحمد. حديث (٢٣٩٠١)، والبخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٧٨٤). (٣) أحمد. حديث (٢٦٤٧٧)، والبخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨٨٣). ١٨٨ كتاب السير عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في قبُولِ هَدَايا المُشرِكين وفي البابٍ: عَن جَابٍ ، قوله: (وفي الباب عن جابر)، قال العيني في ((شرح البخاري)): روي في هذا الباب عن جماعة من الصحابة عن جابر - رَضْلُه - رواه ابن عدي في ((الكامل)(١) عنه، قال: ((أهدى النَّجاشيُّ إلى رسولِ اللهِوََّ قارورةً من غاليةٍ وكانَ أوَّل من عملَ له الغاليةَ)) قال العيني: لم أجِدْ في هدايا الملوك له وَ﴿ من حديث جابر إلا هذا الحديث، والنجاشي كان قد أسلمَ، ولا مدخل للحديث في الباب، إلا أن يكون أهداهُ له قبلَ إسلامهِ، وفيه نظرٌ، ويحتمل أن يراد بالنجاشي نجاشيٌّ آخر، من ملوك الحبشة لم يُسلم، كما في الحديث الصحيح عند مسلم (٢) من حديث أنس: ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كتبَ قبلَ موتِهِ إلى كسرَى، وقيصر، وإلى النَّجاشيِّ، وإلى كُلِّ جبار، يَدْعُوهُم ... )) الحديث. وعن أبي حميد الساعدي قال: غزَونا مَعَ النَّبِيِّ وَ ... الحديث، وفيه: ((وأهدى ملكُ أيَلَةً إلى رسولِ اللهِوَّهِ بغلةً بيضاءَ، فكساهُ رسولُ اللهِوَِّ بُردةً، وكتبَ له بِبَخْرهم)) أخرجه الشيخان (٣). وعن أنس أخرجه مسلم، والنسائي(٤) من رواية قتادة عنه: ((أنَّ أكيدرَ دَوْمةٍ الجُندَلِ أهدَى إلى رسول الله ◌ِّرَ جُبَّة من سندُس)). ولأنس حديث آخر، رواه ابن عدي في (الكامل))(٥) من رواية علي بن يزيد عن أنس: ((أنَّ ملكَ الرُّوم أهدَى إلى رسول الله وَه مُمشَّقةً من سندُس فلبسها))، أورده في ترجمة عليٍّ وضعفه، قال العيني: الممشقة، بضم الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد الشين المعجمة، وبالقاف، هو: ((الثوبُ المصبوغُ بالمِشق بكسر الميم، وهو المغرةُ، ولأنس حديث آخر، رواه أبو داود(٦) من رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس: ((أنَّ ملكَ ذِي يزن أهدَى لرسول الله وَّهِ حُلَّةً أخذها بثلاثةٍ وثلاثينَ ناقةً فقَبِلها)». وعن بلال بن رباح أخرجه أبو داود(٧) عنه حديثًا مطولًا، وفيه: ((ألم تر إلى الرَّكائب (١) ابن عَدي في ((الكامل)) (١٠٠/٦). (٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٧٤). (٣) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٨٢)، ومسلم، كتاب الفضائل. حديث (١٣٩٢). (٤) مسلم، كتاب فضائل الصحابة. حديث (٢٤٦٩)، والنسائي (٥٣٠٢). (٥) ابن عَدي في ((الكامل)) (١٩٨/٥). (٦) أبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٣٤). (٧) أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء. حديث (٣٠٥٥). ١٨٩ كتاب السير عن رسول اللّه وَّ / باب في كَرَاهيةِ هَدَايَا المُشرِكِينَ وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَتُوَيْرُ بْنُ أبِي فَاختَةَ، اسْمُهُ: سعيدُ بْنُ عِلَاقَةَ، وَتُؤْيِرٌ يُكْنَى أبَا جَهْم. ٢٤ - باب في كَرَاهيةٍ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ [ت ٢٤، م ٢٤] [١٥٧٧] (١٥٧٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أبو داودَ عَن عِمْرانَ القِطَّانِ، عَن قَتَادَةَ عَن يَزِيدَ بْنِ عبدِ الله - هو ابنُ الشِّخِّيرِ - عَن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ: أنَّهُ أَهْدَى المناخاةِ الأربع، فقلتُ: بلى، فقالَ: إنَّ لكَ رقابهنَّ، وما عليهنَّ، فإن عليهنَّ كسوةً وطعامًا، أهداهُنَّ إليَّ عظيمُ فَدَكَ، فاقبضهُنَّ فاقضٍ دينكَ)). وعن حكيم بن حزام، أخرجه أحمد في ((مسنده))، والطبراني في ((الكبير)(١) من رواية عراك بن مالك، أن حكيم بن حزام قال: كانَ مُحمَّدٌ أحبَّ رَجُلٍ في النَّاس إلي فيِ الجاهليّة، فلمَّا تنَبَّأ وخَرَجَ إلى المدينةِ، شهدَ حكيمُ بنُ حزامِ الموسمَ وهوَ كافرٌ، فَوَجدَ حُلَّة لذي يزن تُباعُ، فاشتَرَاهَا بِخمسينَ دينارًا، ليُهديها لرسولِ اللهِ وَّهِ، فقدمَ بها عليهِ المدينةِ، فأرادَهُ على قبضها هديّة فأبى، قال عبدُ الله: حسبْتُه، قال: ((إنَّا لا نقبلُ شيئًا من المشركينَ، ولكنْ إن شئتَ أخذنَاهَا بالثَّمنِ، فأعطيْتُهُ حينَ أبى عليَّ الهديَّة)). انتهى ما في ((شرح البخاري)) للعيني. قوله: (وهذا حديث حسن غريب) وأخرجه أيضًا البزار(٢)، وأورده في ((التلخيص))، ولم یتکلم عليه، وفي إسناده ثوير بن أبي فاختة، وهو ضعيف. قوله: (وثوير هو ابن أبي فاختة)، بخاء معجمة مكسورة ومثناة مفتوحة، (اسمه)، أي: اسم أبي فاختة: (سعيد بن عِلاقة)، بكسر العين المهملة. ٢٤ - باب في كَرَاهِيَةٍ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ [١٥٧٧] قوله: (عن عياض)، بكسر أوله وتخفيف التحتانية وآخره ضاد معجمة، (بن حمار) بكسر المهملة، وتخفيف الميم، التميمي المجاشعي، صحابي، سكن البصرة، وعاش إلى حدود الخمسين. (١) أحمد. حديث (١٤٨٩٩)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (٣١٢٥). (٢) البزار في ((المسند)) (٧٧٨). ١٩٠ كتاب السير عن رسول الله ◌َّ / باب في كَرَاهيةِ هَدَايَا المُشرِكِينَ للنبيِّ وَّهُ هَدِيَّة له أو نَاقَة، فَقَالَ النبيُّمَله: ((أَسْلَمْتَ؟)) قَالَ: لا، قَالَ: ((فإِنِّي نُهِيْتُ عَن زَبْدِ المشرِكِينَ)). [د: ٣٠٥٧، حم: ١٧٠٢٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ومعنَى قوله: ((إِنِّي نُهِيتُ عَن زَبْدِ المشرِكِينَ)) يَعْنِي هَدَايَاهمْ. وقد رُويَ عَن النبيِّ وََّ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ مِن المشرِكِينَ هَدَايَاهُم، وذُكِرَ في هذا الحديثِ الكَرَاهِيَةُ، واحْتِمِلَ أنْ يكُونَ هذا بَعْدَ ما كانَ يَقْبَلُ مِنهم ثم نَهَى عَن هَدَایَاهُم. قوله: (إني نهيت) ، بصيغة المجهول، (عن زَبْد المشركين) ، بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة وفي آخره دال مهملة، وهو الرفدُ والعطاءُ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، وفي الباب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند موسى بن عقبة في ((المغازي))؛ أن عامر بن مالك الذي يُدْعى ملاعبَ الأسنَّة، قَدِمَ على رسول الله وَّةِ وهو مشرٌ فأهدى له. فقال: ((إِنِّي لا أقبلُ هديَّة المُشركين ... )) الحديث، قال في ((الفتح)): رجاله ثقاتٌ إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهُم [عن الزهري] ولا يَصِحُ. قوله: (واحتمل أن يكون هذا بعدما كان يقبل منهم، ثم نهى عن هداياهم) . قال الحافظ في ((الفتح)): جمع الطبريُّ بين هذه الأحاديث المختلفة، بأن الامتناعَ فيما أهدي له خاصة، والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر؛ لأن من جملةٍ أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له وَّر خاصة. وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريدُ بهديته التودُّدَ والموالاة، والقبول في حقِّ من يُرجى بذلك تأنيسه، وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول. وقيل: يحملُ القبولُ على من كان من أهل الكتاب، والردُّ على من كان من أهل الأوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصهِ، ومنهم من ادَّعى نسخَ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكَسَ، وهذه الأجوبةُ الثلاثةُ ضعيفةٌ، فالنسخُ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص. انتهى كلام الحافظ. قلت: يدلُّ على قول من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ما رواه أحمد(١) عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة ابنة عبد العزى بن سعد على ابنتها أسماء بهدايا: ضباب، (١) أحمد، حديث (١٦١٥٦)، والحاكم حديث (٣٨٠٤) وصححه، ووافقه الذهبي. ١٩١ كتاب السير عن رسول الله وَ ل ◌َو / باب مَا جَاء في سَجْدَةِ الشّكْر ٢٥ - باب مَا جَاء في سَجْدَةِ الشُّكْرِ [ت ٢٥، ٢٥٢] [١٥٧٨] (١٥٧٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أبو عَاصِم، حَدَّثَنَا بَكَارُ بْن عبدِ العزيزِ بْنُ أبي بَكْرَةَ، عَن أبيهِ، عَن أبي بكرةَ، أنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ أَتَاهُ أمْرٌ، فَسُرَّ بهِ، فَخَرَّ لله ساجِدًا. [٥: ٢٧٧٤، جه: ١٣٩٤]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذَا الوجهِ، مِن وأقط، وسمن، وهي مشركةٌ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها، فسألت عائشةٌ النبيَّ وَلَ فأنزل الله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِي الِيْنِ﴾ [الممتحنة: ٨] إلى آخر الآية. فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها؛ كذا في ((المنتقى)). ولا يبعد أن يقال: إن الأصل هو عدمُ جواز قبول هدايا المشركين، لكن إذا كانت في قبول هداياهم مصلحة عامة أو خاصة؛ فيجوز قبولها. والله تعالى أعلم. ٢٥ - باب مَا جَاءَ في سَجْدَةِ الشُّكْرِ [١٥٧٨] قوله: (حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة) قال الحافظ: صدوق يهم، (عن أبيه) أي: عبد العزيز بن أبي بكرة وهو صدوق، (عن أبي بكرة)، صحابي اسمه نفيع بن الحارث. قوله: (فسُرّ به) بصيغة المجهول، أي: فصار مسرورًا به؛ (فخرَّ) من الخرور. قوله: (هذا حديث حسن غريب)، أخرجه الخمسة إلا النسائي، قال الشوكاني: في إسناده بكار بن عبد العزيز، وهو ضعيف عند العقيلي وغيره، وقال ابن معين: إنه صالحُ الحديث. انتهى، وقال الحافظُ: صدوقٌ يَهمُ. وفي الباب أحاديثُ كثيرةٌ. قال البيهقي: في الباب عن جابر، وابن عمر، وأنس، وجرير، وأبي جحيفة. انتهى. وقال المنذري: وقد جاء حديثُ سجدة الشكر من حديث البراء بإسناد صحيحٍ، ومن حدیث کعب بن مالك، وغير ذلك. انتهى. قلت: وفي الباب أيضًا عن عبد الرحمن بن عوف، أخرجه أحمد، والبزار، والحاكم(١) عن سعد بن أبي وقاص، أخرجه أبو داود، وقال في ((المنتقى)): وسجد أبو بكر حين جاء (١) - أحمد. حديث (١٦٦٧)، والحاكم (١٠٢٥) وقال الذهبي: صحيح، والبزار. حديث (٣١١٠ - زخار). ١٩٢ كتاب السير عن رسول الله وَّ و / باب مَا جَاء في أمَانِ العَبدِ والمرأةِ حديثٍ بَكَّار بْنِ عبدِ العزيزِ، والعَمَلُ على هذا عندَ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ، رأوْا سَجْدَةً الشُّكْرِ، وَبَكَّارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ. ٢٦ - باب مَا جَاء في أمَانِ العَبدِ والمرأةِ [ت ٢٦، م ٢٦] [١٥٧٩] (١٥٧٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أكثَمَ، حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بْنُ أبي حَازِمٍ، عَن كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَن الوَلِيدِ بْنِ رَبَاحِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَلَ قَالَ: ((إنَّ المرأةَ لَتَأخُذ لِلْقَوْمِ، يَعْنِي: تُجِيرُ على المسْلِمِينَ)). قتلُ مسيلمة، رواه سعيد بن منصور، وسجد عليٍّ حين وجَدَ ذا الثدية في الخوارج، رواه أحمد في ((مسنده)) وسجد كعب بن مالك في عهد النبي ◌َّ لما بُشِّر بتوبة الله عليه، وقصته متفق عليها . قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا سجدة الشكر) قال الشوكاني في ((النيل)) بعد ذكر أحاديث سُجُود الشكر ما لفظه؛ وهذه الأحاديثُ تدلُّ على مشروعية سجود الشكر، وإلى ذلك ذهب العترة، وأحمد، والشَّافعي. وقال مالك - وهو مرويٌّ عن أبي حنيفة -: أنه يكره إذ لم يُؤثر عنه نَّهَ مع تواتر النعم عليه وَّ. وفي رواية عن أبي حنيفة أنه مباح؛ لأنه لم يؤثر، وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي وَلخير من مثل هذين الإمامين مع وروده عنه وّل من هذه الطرق التي ذكرها المصنف وذكرناها ؛ من الغرائب. ومما يؤيد ثبوت سُجود الشُّكر قولُه بِّهِ في حديث سجدة ص: ((هيَ لنا شُكرٌ ولداودَ توبةٌ))(١). ٢٦ - باب مَا جَاءَ في أمَانِ العَبْدِ، والمَرْأَة [١٥٧٩] قوله: (إن المرأة لتأخذ للقوم)، أي: تأخذ الأمانَ على المسلمين، أي: جاز أن تأخذ المرأةُ المسلمةُ الأمان للقوم، (يعني: تجير على المسلمين)، يقال: أجرت فلانًا على فلان: أغثته منه ومنعته، وإنما فسره به لإبهامه، فإن مفعول قوله ((لتأخذ)) محذوف، أي: الأمان، والدال عليه قرائن الأحوال؛ قاله الطيبي. (١) النسائي (٩٥٧)، والطبراني في «الأوسط»: (١٠٠٨) بنحوه. ١٩٣ كتاب السير عن رسول الله وَالقر / باب مَا جَاء في أمَانِ العَبدِ والمرأةِ وفي البابِ عَن أُمِّ هانئٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَسَألْتُ مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَكَثِرُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ سَمِعَ مِنَ الوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، وَالوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ سَمِعَ مِنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ. حَدَّثَنَا أبو الوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: أخبَرَنِي ابنُ أبي ذئب، عَن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَن أبي مُرَّةَ مولى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَن أُمِّ هَانيٍ؛ أنهَا قَالَت: أجَرْتُ رَجُلَيْنٍ مِن أحْمَائِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((قَدْ أَمَّنَّا مَن أَمَّنْتِ)). [خ: ٣٥٧، م: ٣٣٦، د: ٢٧٦٣، طا: ٣٥٩، مي: ١٤٥٣]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ؛ أجازُوا أمانَ المرْأةِ، وهو: قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ، أجَازَا أمَانَ المرْأةِ والعبد؛ وقد رُوِيَ من غير وجه، وأبو مُرَّة مولى ابْنِ أبي طالبٍ، ويقال له - أيضًا -: مولى أم هانئ - أيضًا - واسمه: يزيد، وقد روي عَن عمر بْنِ الخطاب؛ أنه أجاز أمان العبد، وقد روي عَن عليٍّ بْنِ أبي طَالِبٍ، وعبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((ذِمَّةُ المسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعَى بها أدْنَاهُمْ)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: ومَعْنَى هذا عندَ أهلِ العلمِ: أنَّ مَن أعْطَى الأمانَ مِنَ المسْلِمِينَ فَهُوَ جَائِزٌ على كُلِّهِمْ. قوله: (وفي الباب عن أم هانئ). أخرجه الشيخان(١)، وفيه قوله ◌َّةٍ: ((قد أجرْنًا من أجرتٍ يا أُمَّ هانئٍ»، وأخرجه الترمذي أيضًا مختصرًا في هذا الباب. قوله: (وهذا حديث حسن غريب) ذكره الشوكاني في ((النيل))، وسكت عنه. قوله: (عن أبي مرة) بضم الميم وشدة الراء، اسمه: يزيد، مدني مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة. (عن أم هانئ)، بكسر نون وبهمزة: اسمها فاختة، وقيل: عاتكة، وقيل: هند بنت أبي طالب، أسلمت عام فتح مكة (أجرت رجلين من أحمائي)، جمع حمو: قريب الزوج. (قد أمًَّّا) أي: أعطينا الأمان. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان مطولًا . (١) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٣١٧١)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٢)، والترمذي (٢٧٣٤). ١٩٤ كتاب السير عن رسول الله وَ طه / باب مَا جَاء فى الغَدْر ٢٧ - باب مَا جَاء في الغَدْرِ [ت ٢٧، م ٢٧] [١٥٨٠] (١٥٨٠) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبو داودَ قال: أنْبَأنا شُعْبَةُ قَالَ: أخبَرَنِي أبو الفَيْضِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةً وبَيْنَ أهلِ الرُّومِ عَهْدٌ، وكَانَ يَسِيرُ في بِلادِهم، حَتَّى إذا انْقَضَى العَهْدُ، أغَارَ عَلَيْهم، فَإِذَا رَجُلٌ على دَابَّة أو على فَرَسٍ وهو يَقُولُ: الله أكْبرُ، وَفَاءٌ لا غَدْرٌ، وإذا هُوَ: عَمْرو بْنُ عَبْسَةَ، فَسَأْلَهُ مُعَاوِيَةُ عَن ذلكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((مَن كَانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِ عَهْدٌ، فلا يَحُلَّنَّ عَهْدًا، ٢٧ - باب مَا جَاءَ في الغَدْرِ [١٥٨٠] قوله: (أخبرني أبو الفيض)، اسمه: موسى بن أيوب، ويقال: ابن أبي أيوب، المهري الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة، من الرابعة، (قال: سمعت سليم بن عامر)، بضم السين، وفتح اللام، مصغرًا، الكلاعي، ويقال: الخبائري الحمصي، ثقة، من الثالثة، غلط من قال: إنه أدرك النبيَّ ◌َلّ. قوله: (كان بين معاوية وبين أهل الروم عهد)، أي: إلى وقت معهود، (وكان يسير في بلادهم) أي: يذهب معاوية قبل انقضاء العهد؛ ليقرب من بلادهم حين انقضى العهد، (حتى إذا انقضى العهد)، أي: زمانه، (وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر)، فيه اختصار وحذف لضيق المقام، أي: ليكن منكم وفاء لا غدر، يعني: بعيدٌ من أهل الله وأمة محمد وله ارتكابُ الغدرِ، وللاستبعاد صدَّر الجملةَ بقوله: الله أكبر، (وإذا هو عمرو بن عبسة)، بفتح العين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة، كنيته: أبو نجيح، أسلم قديمًا في أول الإسلام، قيل: كان رابع أربعة في الإسلام، عداده في الشاميين. قال في ((شرح السنة)): وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك؛ لأنه إذا هادنهم إلى مدة، وهو مقيم في وطنه؛ فقد صارت مدةُ مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة؛ كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا صار إليهم في أيام الهدنة، كان إيقاعُه قبل الوقت الذي يتوقَّعونهُ، فعدَّ ذلك عمرو غدرًا، وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانة؛ فله أن يسير إليهم على غفلةٍ منهم. (فسأله معاوية عن ذلك)، أي: عن دليل ما ذكره، (فلا يحلن عهدًا)، أي: عقدَ عهدٍ، ١٩٥ كتاب السير عن رسول اللّه ◌َ ﴿و / باب مَا جَاء أنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لوَاءً يَوْمَ القِيَامَةِ ولا يَشُدَّنَّهِم حَتَّى يَمْضِي أمَدُهُ أو يَنْبِذَ إليهِم عَلَى سَوَاء)»، قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةٌ بالنَّاسِ. [د: ٢٧٥٩، حم: ١٦٥٦٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٢٨ - باب مَا جَاء أنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لوَاءً يَوْمَ القِيَامَةِ [ت ٢٨، ٢٨٢] [١٥٨١] (١٥٨١) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيعِ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ إبراهيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَن نافعٍ، عَن ابنٍ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القيامة)). [خ: ٦١٧٨، م: ١٧٣٥، د: ٢٧٥٦، حم: ٤٦٣٤]. قَالَ: وفي الباب: عَن عليٍّ، وعبدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وأبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأنَسٍٍ. (ولا يشدنه)، أراد به المبالغة عن عدم التغيير، وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد، والمعنى: لا يُغيرن عهدًا، ولا ينقضنه بوجه، (حتى يمضي أمده)، بفتحتين، أي: تنقضي غايته، (أو ينبذ) بكسر الباء، أي: يرمي عهدهم، (إليهم) ؛ بأن يخبرهم بأنه نَقَضَ العهدَ، على تقدير خوف الخيانة منهم، (على سواء)، أي: ليكون خصمه مساويًا معه في النقض؛ كيلا يكون ذلك منه غدرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَفَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. قال الطيبي: ((على سواء)): حال، قال المظهر: أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوَهُم، وأن الصُّلح قد ارتفع، فيكون الفريقانِ في علم ذلك سواء. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه أبو داود. ٢٨- باب مَا جَاءَ أنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَومَ القِيَامَةِ [١٥٨١] قوله: (حدثني صخر بن جويرية)، أبو نافع مولى بني تميم، أو بني هلال، قال أحمد: ثقة، وقال القطان: ذهب كتابه، ثم وجده، فتكلم فيه لذلك، من السابعة، (إن الغادر) الغدرُ ضدُّ الوفاء، أي: الخائن لإنسان عاهده أو أمَّنْهُ، (لواء)، أي: عَلَمُ خلفَه؛ تشهيرًا له بالغدرِ، وتفضيحًا على رؤوس الأشهاد، (يوم القيامة)، زاد في رواية أبي داود وغيره: ((فيقالُ هذهِ غدرةُ فلانٍ بن فُلانٍ). قوله: (وفي الباب عن علي، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأنس) . ١٩٦ كتاب السير عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاء في التُّزُولِ على الحُكْمِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَسَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ حَدِيثٍ سُوَيْدٍ، عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عِمَارة بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ)) فَقَالَ: لا أَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ مَرْفُوعًا . ٢٩ - باب مَا جَاء في النُّزُولِ على الحُكْم [ت ٢٩، م ٢٩] [١٥٨٢] (١٥٨٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن أبي الزُّبَيْرِ، عَن جَابٍ، أنَّهُ قَالَ: رُمِيَ يَوْمَ الأحزابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَطَعُوا أكحَلَهُ - أو أبْجَلَهُ - فحسَمَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالنَّارِ، فانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَتَرَكَهُ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَحَسَمَهُ أخرى، فانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رأى ذلكَ قَالَ: اللَّهِمَّ لا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ فما قَطَرَ قَظْرَةً، حَتَّى نَزَلُوا على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فأرسلَ إليه أما حديث علي، وابن مسعود(١)، فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي سعيد، فأخرجه مسلم(٢) . وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان(٣) . قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. ٢٩ - باب مَا جَاءَ في النُّزُولِ عَلَى الحُكْمِ أي: نزول العدو على حُكم رَجُل من المسلمين. [١٥٨٢] قوله: (رمي يوم الأحزاب)، أي: يوم غزوة الخندق، (سعد بن معاذ)، نائب الفاعل، (فقطعوا)، أي: الكفار (أكحلَه)، أي: أكحلَ سعد، والأكحل: عِرْقٌ في وسطِ الذِّراع، يكثر فصده، (أو) للشك، (أبجله) ، الأبجل، بالموحدة والجيم: عِرْقٌ في باطِن الذراع، (فحسمه رسول اللّه وَّ﴿ بالنار)، أي: قطع الدم عنه بالكَيِّ، (فنزفه)، أي: خرج منه دمٌّ كثير حتى ضعف، (فحسمه أخرى) أي: مرة أخرى، (فلما رأى ذلك)، أي: فلما رأى سعد عدَمَ قطع الدم، (اللهم لا تخرج نفسي)، من الإخراج، (حتى تُقِرَّ عيني)، من الإقرار، وهو من القر بمعنى البرد، والمعنى: لا تُمِثْني حتى تجعل قرة عيني من هلاك بني قريظة. (١) أحمد. حديث (٣٨٨٩)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٣٦). (٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٣٨). (٣) البخاري، كتاب الجزية والموادعة. حديث (٣١٨٦)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٣٧). ١٩٧ كتاب السير عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاء في النُّزُولِ على الحُكم فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَتُسْتَحْيَى نِسَاؤُهُمْ يَسْتَعِينُ بِهِنَّ المُسْلِمُونَ، فَقَالَ رَسُولُ الله وَثر: ((أَصَبْتَ حُكْمَ الله فيهم))، وكانوا أربعمائةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِن قَتْلِهِم، انْفَتَقَ عِرْقُهُ فَمَاتَ. [م بنحوه: ٢٢٠٨، د بنحوه: ٣٨٦٦، جه بنحوه: ٣٤٩٤، حم: ١٣٩٣٣]. قَالَ: وفي البابِ: عَن أبي سَعِيدٍ، وعَطِيَّةَ القُرَظِيِّ. (فحكم أن تقتل رجالهم، وتستحيى نساؤهم)، وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين: ((فإِنِّي أحكمُ أن تقتَل مُقاتلتهُم، وتُسبى ذراريهِم))، (يستعين بهن المسلمون)، أي: تقسم نساؤهم بين المسلمين، فيستعينون بهن، ويستخدمون منهن، (وكانوا أربع مئة)، اختلف في عدَّتهم فعند ابن إسحاق؛ أنهم كانوا ست مئة، وبه جزَمَ أبو عمر بن عبد البر في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من ((مرسل قتادة)): كانوا سبع مئة، وفي حديث جابر هذا: كانوا أربع مئة، فيجمع أن الباقين كانوا أتباعًا. وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل: إنهم كانوا تسع مئة . (انفتق عرقه)، أي: انفتح. وفي الحديث دليل على أنه يجوز نزولُ العدو على حكم رجل من المسلمين، ويلزمهم ما حكم به عليهم من قتل، أو أسر، واسترقاق. وقد ذكر ابن إسحاق أن بني قريظة لما نزلوا على حكم سعد جلَسُوا في دار بنت الحارث، وفي رواية أبي الأسود، عن عروة في دار أسامة بن زيد، ويُجمعُ بينهما بأنهم جعلوا في البيتين، ووقع في حديث جابر عند ابن عائذ التصريح بأنهم جعلوا في بيتّيْنِ. قال ابن إسحاق: فخندقُوا لهم خنادقَ، فضُربَت أعناقُهم، فجرى الدَّمُ في الخندق، وقسم أموالهم، ونساءهم، وأبناءهم على المسلمين، وأسهم للخيلِ، فكان أول يوم وقعت فيه السَّهمان لها، وعند ابن سعد من مرسل حميد بن بلال؛ أن سعد بن معاذ حكم أيضًا أن تكُون دورُهُم للمهاجرين دون الأنصار، فلامهُ الأنصارُ، فقال: ((إني أحببت أن يستغنوا عن دُورگُم». قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد، وعطية القرظي) أما حديث أبي سعيد، فأخرجه الشيخان(١). وأما حديث عطية القرظي، فأخرجه الترمذي(٢) في هذا الباب. (١) البخاري، كتاب مناقب الأنصار. حديث (٣٨٠٤)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٦٨). (٢) الترمذي، كتاب السير. حديث (١٥٨٤). ١٩٨ كتاب السير عن رسول الله ◌َّ / باب مَا جَاء في التُّزُولِ على الحُكْم قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٥٨٣] (١٥٨٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أبو الوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَن قَتَادَةَ، عَن الحسَنِ، عَن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، أَنَّ رَسُوْلَ الله ◌َّهِ قَالَ: ((اقْتُلُوا شُيُوخَ المشرِكِينَ، واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ)) وَالشَّرْخُ: الغِلْمَانُ الَّذينَ لم يُنْبِتُوا. [ضعيف، سعيد بن بشير، ضعيف، د: ٢٦٧٠] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وَرَوَاهُ الحَجَّاجُ بْنُ أرْطَاةَ، عَن قَتَادَةَ: نحْوَهُ. [١٥٨٤] (١٥٨٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ، عَن عبدِ الملكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ: قَالَ: عُرِضْنَا على النبيِّ وَّهَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ من أنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سبيلُهُ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لم يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلي)). [ن بنحوه: ٣٤٢٩، د: ٤٤٠٤، جه: ٢٥٤١، حم: ١٨٢٩٩، مي: ٢٤٦٤]. قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه النسائي، وابن حبان(١). [١٥٨٣] قوله: (اقتلوا شيوخَ المشركين)، أي: الرجالَ الأقوياء، أهلَ النجدة والبأس، لا الهرمى الذين لا قوة لهم ولا رأي، (واستحيوا)، وفي رواية: ((واستبقُوا))، (شرخهم) ، بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وبالخاء المعجمة، قال المناوي: أي: المراهقين الذين لم يبلغوا الحُلمَ، فيحرم قتل الأطفال والنساء. انتهى. (والشرخ: الغلمان الذين لم يُنبِتوا) من الإنبات، أي: لم ينْبُت شعرُ عانتهم. قوله: (هذا حديث صحيح غريب) ، وأخرجه أحمد، وأبو داود. [١٥٨٤] قوله: (عن عطية القرظي)، بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء مشالة، صحابي صغير، له حديث، يقال: سكن الكوفة، (قال: عرضنا على رسول الله وَ﴿)، وفي ((المشكاة)) قال: كنت في سبي بني قريظة عُرضنا ... إلخ (يوم قريظة) ، يعني: يوم غزوة بني قريظة، (فكان من أنبت) ، أي: الشعر، (قتل) ، فإنه من علامات البلوغ، فيكون من المقاتلة، (فخلى سبيله) أي: لم يُقتل. (١) ابن حبان. حديث (٤٧٨٤). ١٩٩ كتاب السير عن رسول الله وَ طيار / باب مَا جَاء في الحِلْفِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العِلْمِ؛ أنهم يَرَوْنَ الإنْبَاتَ بُلُوغًا، إن لَمْ يُعْرَفِ احْتِلَامُهُ، ولا سِتُّهُ، وهو: قَوْلُ أحمدَ وَإِسْحَاقَ. ٣٠- باب مَا جَاء في الحِلْفِ [ت ٣٠، ٢ ٣٠] [١٥٨٥] (١٥٨٥) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعيْبٍ، عَن أبيهِ، عَن جَدِّهِ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَِّ قَالَ في خُطْبَتِهِ: ((أوْفُوا بِحِلْفِ الجَاهِلِيَّةِ، فإنه لا يَزِيدُهُ - يعني الإسلام - إلَّا شِدَّةً، قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارمي. قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أنهم يرون الإنبات بلوغًا إن لم يعرف احتلامه ولا سنه). قال التوربشتي: وإنما اعتبر الإنباتُ في حقِّهم؛ لمكان الضَّرورة؛ إذ لو سئلوا عن الاحتلام، - أو مبلغ سنهم - لم يكونوا يتحدثوا بالصدق، إذ رأوا فيه الهلاك. انتهى. (وهو قول أحمد، وإسحاق)، فقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب ((حدٍّ بلوغ الرجل والمرأة)). ٣٠- باب مَا جَاءَ في الحِلْفِ بكسر الحاء وسكون اللام وبالفاء. [١٥٨٥] قوله: (أوفوا)، من الوفاء، وهو القيامُ بمقتضى العهد، (بحلف الجاهلية)، أي: العهود التي وقعت فيها مما لا يخالف الشرع، لقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] لكنه مقيد بما قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىُّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢] (فإنه)، أي: الإسلام، (لا يزيده)، أي: حلف الجاهلية الذي ليس بمخالف للإسلام، (إلا شدةً)، أي: شدة توثق، فيلزمكم الوفاء به. قال القاري: فإن الإسلام أقوى من الحلف، فمن استمسك بالعاصم القوي؛ استغنى عن العاصم الضعيف، قال في ((النهاية)): أصلُ الحِلفِ المعاقدةُ على التَّعاضُد والتَّساعُد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل؛ فذلك الذي وَرَدَ النهيُ عنه في الإسلام بقوله ◌َّ: ((لا حِلفَ في الإسلام))، وما كان منه في الجاهلية على نُصرة المظلوم وصلة الأرحام، ونحوهما؛ فذلك الذي قال فيه وَلّ: ((أيُّما حلفٍ كان في الجاهليَّة؛ لم يزدُهُ الإسلامُ إلَّا شدَّةً». ٢٠٠ كتاب السير عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الحِلْفِ ولا تُحْدِثُوا حِلْفًا في الإسلامِ)). [حم: ٦٦٥١]. قَالَ: وفي البابِ: عَن عبدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَمِّ سَلَمَةَ، وَجُبَيْر بْنِ مُظْعِمٍ، وأبي هريرةَ، وابنِ عباسٍ، وَقَيْسٍِ بْنِ عَاصِمٍ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (ولا تحدثوا) من الإحداث، أي: لا تبتدعوا، (حلفًا في الإسلام). قال المناوي: لا تحدثوا فيه محالفة بأن يرث بعضكم بعضًا؛ فإنه لا عبرة به. انتهى. وقال القاري: أي: لأنه كافٍ في وُجُوب التعاون. قال الطيبي: التنكير فيه يحتملُ وجهين: أحدهما: أن يكون للجنس، أي: لا تحدثوا حلفًا ما، والآخر: أن يكون للنوع، قال القاري: الظاهرُ هو الثَّاني، ويؤيده قول المظهر، يعني: إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم بعضًا، ويرث بعضكم من بعض، فإذا أسلمتم فأوفوا به؛ فإن الإسلام يحرضكم على الوفاء به، ولكن لا تُحدثوا محالفةً في الإسلام بأن يرث بعضكم من بعض. انتهى. قوله: (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف(١) .. إلخ). أما حديث جبير بن مطعم، فأخرجه مسلم، وأبو داود(٢) عنه مرفوعًا: ((لا حلف في الإسلام، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهليَّة؛ لم يزدهُ الإسلامُ إلَّا شدَّةً)). وأما أحاديث عبد الرحمن وغيره(٣) فلينظر من أخرجها . قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد. (١) البزار في مسنده. حديث (١٠٣٤) وقال الهيثمي (١٧٩/٤): ورجاله رجال الصحيح إلا أنَّ أبا سلمة لم يصح سماعه من أبيه، والله أعلم. (٢) مسلم، كتاب فضائل الصحابة. حديث (٢٥٣٠)، وأبو داود (٢٩٢٥). (٣) أما حديث أم سلمة فأخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٧٥/٢٣). حديث (٨٨٨)، وأبو يعلى في ((المسند)) (٦٩٠٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١٧٢/٨): رواه أبو يعلى والطبراني وفيه جدة ابن أبي مليكة ولم أعرفها وبقية رجاله ثقات. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد. حديث (٢٩٠٤)، والطبراني في «الكبير» (٨١/١١) (١١٧٤).