النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَلتِ / باب مَا جَاء في فَضْلٍ مَن أعْتَق
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٩- باب مَا جَاء في فَضْلٍ مَن أَعْتَق [ت ٢٠، ٢٠٢]
[١٥٤٧] (١٥٤٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبدِ الأعْلَى، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو
أخو سُفيانَ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن حُصَيْنٍ، عَن سالمٍ بْنِ أبي الجَعْدِ، عَن أبي أمامةً، وغيرِهِ
من أصحاب النبيِّ وٍَّ عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمِ أعْتَقَ امْرَأَ مُسْلِمًا، كَانَ
فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزِي كلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وأيّما امرئٍ مسلمٍ أعْتَقَ امْرأْتَّيْنٍ
وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقًا .
قال القاضي عياض: اختلفوا في نذرٍ أم سعد هذا، فقيل: كان نذرًا مطلقًا. وقيل: كان
صومًا. وقيل: عتقًا. وقيل: صدقة.
واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قضية أم سعد، والأظهر أنه كان نذرًا في المال،
أو نذرًا مبهمًا .
ومذهب الجمهور: أن الوارث لا يلزمه قضاءُ النذر الواجب على الميت إذا كان غيرَ ماليٍّ،
وإذا كان ماليًّا ككفارة، أو نذر، أو زكاة ولم يخلّف تركةً؛ لا يلزمه، لكن يستحب له ذلك.
وقال أهل الظاهر: يلزمه لهذا الحديث.
وعند الجمهور: الحديث محمول على التبرع؛ قاله الطيبي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أصله في ((الصحيحين)).
١٩ - باب مَا جَاءَ في فَضلٍ مَنْ أعْتَقَ
[١٥٤٧] قوله: (حدثنا عمران بن عيينة) الكوفي صدوق له أوهام. (عن حصين)
بالتصغير، هو: ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي. ثقة، تغير حفظُهُ في الآخر.
قوله: (أيما امرئ مسلم) فيه دليل على أن هذا الأجرَ مختصٌّ بمن كان من المعتقين
مسلمًا، فلا أجرَ للكافر في عتقه، إلا إذا انتهى أمره إلى الإسلام.
(أعتق امراً مسلمًا) فيه دليل على أن هذا الأجر مختص بمن أعتق امراً مسلمًا. ولا
خلاف في أن معتق الرقبة الكافرة مُثابٌ على العتق، ولكنه ليس كثواب الرقبة المسلمة.
(كان فكَاكَهُ) بفتح الفاء وكسرها لغة؛ أي: خلاصه. (يجزئ) بالهمزة من: الإجزاء. كذا
في النسخ الحاضرة.

١٤٢
كتاب النذور والأيمان عن رسول الله وَّهَ/ باب مَا جَاء في فَضْلٍ مَنْ أَعْتَقْ
مُسْلِمَتَيْنٍ، كَانَتَا فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ، وأيُّمَا امْرَأةٍ
مُسْلِمَةٍ أعْتَقَتِ امْرأة مُسْلِمَةً، كَانَت فَكَاكَهَا مِنَ النَّارِ، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا
مِنْهَا)). [جه: ٢٥٢٢].
قَالَ أبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ عِثْقَ الذُّكُورِ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ مِنْ
عِثْقِ الإِنَاثِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَ ((مَنْ أعْتَقَ امْرَأَ مُسْلِمًا، كَانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ،
يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ)) الحَدِيْثُ صَحَّ فِي طُرُقِهِ.
وذكر صاحب ((المنتقى)) هذا الحديث، وعزاه إلى الترمذي بلفظ: ((يُجزي)) بغير الهمزة.
قال الشوكاني في ((شرح المنتقى)): قوله: «يُجزِي)) بضم الياء وفتح الزاي غير مهموز،
فالظاهر أن نسخ الترمذي مختلفة في هذا اللفظ.
والحديث دليل على أن العتق من القُرَب الموجبةِ للسلامة من النار، وأن عتقَ الذّكر
أفضل من عتق الأنثى.
وقد ذهب البعض إلى تفضيل عتق الأنثى على الذكر؛ واستدل على ذلك: بأن عتقها
يستلزم حريةً ولدها؛ سواء تزوجها حر أو عبد. ومجرد هذه المناسبة لا يصلح لمعارضة ما
وقع التصريح به في الأحاديث من فكاكِ المعتق: إما رجلًا أو امرأتين، وأيضًا عتق الأنثى
ربما أفضى في الغالب إلى ضياعها، لعدم قدرتها على التَّكسُّبِ، بخلاف الذكر.
قال في ((الفتح)): وفي قوله: ((أعتق الله بكل عُضوٍ عُضوًا منهُ)) إشارة إلى أنه ينبغي ألَّا
يكون في الرقبة نقصان لتحصيل الاستيعاب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) ولأحمد، ولأبي داود (١) معناه من رواية
كعب بن مرة، أو مرة بن كعب السلمي. وزاد فيه: ((وأيُّما امرأةٍ مُسلمةٍ أعتقت امرأةً مُسلمةً،
كانت فكاكَها من النَّار؛ يُجزي بكُلِّ عضوٍ من أعضائها عُضوًا من أعضَائِها)).
(١) أحمد. حديث (١٧٥٩٧)، وأبو داود، كتاب العتق. حديث (٣٩٦٦).

١٤٣
كتاب السير عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الدَّعْوَةِ قَبْلَ القِتَال
(٢٢) كتابُ السّيّرِ عن رسول الله
وسلم
١- باب مَا جَاء في الدَّعْوَةِ قَبْلَ القِتَال [ت ١، ١٢]
[١٥٤٨] (١٥٤٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن
أبي البَخْتَرِيِّ؛ أنَّ جَيْشًا مِن جُيُوشِ المُسْلمينَ كَانَ أمِيرَهُمْ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ حَاصَرُوا
قَصْرًا مِن قُصُورٍ فَارِسَ، فقالوا: يا أبا عبدِ الله! ألا نَنْهَدُ إليهم؟ قَالَ: دَعُونِي أَدْعُهُم
كما سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِّهِ يَدْعُوهُم، فأتَاهُمْ سَلْمَان، فَقَالَ لهم: إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ
فَارِسيٌّ تَرَوْنَ العَرَبَ يُطِيعُوني، فإنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مِثْلُ الَّذِي لنا، وعَلَيْكُمْ مِثْلُ الَّذِي
عَلَيْنَا، وإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّا دِينَكُمْ تَرَكْنَاكُمْ عَلَيْهِ وأعطُونا الجِزْيَةَ عَن يدِ
٢٢ - كِتَابُ السَّيّرِ عَن رَسُول الله
السِّيَرُ بكسر المهملة وفتح التحتانية: جمع سِيرَةٍ. وأطلق ذلك على أبواب الجهاد؛ لأنها
مُتْلَقَّاةٌ من أحوال النبي ◌ِّهِ فِي غَزَواته.
١ - باب مَا جَاءَ في الدَّعوةِ قَبْلَ القِتالِ
[١٥٤٨] قوله: (عن أبي البخترِي) بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة،
اسمه: سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي. ثقة ثبت، فيه تشُّع قليل، كثير
الإرسال، من الثالثة.
(ألا ننهد إليهم) أي: ألا ننهض إليهم.
(قال: دعوني) أي: اتركوني (أدعوهم كما كان رسولُ اللهِ وَ ل﴿ يدعوهم) أي: إلى
الإسلام، فإن أبوا فإلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا فإلى القتال.
(فإن أسلمتم فلكم مثلُ الذي لنا) أي: من الغنيمة والفيء (وعليكم مثل الذي علينا) أي:
من أحكام المسلمين من الحدود ونحوها .
(وأعطونا الجزية عن يد) حال من الضمير؛ أي: عن يدٍ مواتية؛ بمعنى: منقادين. أو:
عن يدكم؛ بمعنى: مسلمين بأيديكم غير باعثين بأيدي غيركم، أو عن غنى، ولذلك لا تؤخَذُ
من الفقير. أو حال من ((الجزية))؛ بمعنى: نقدًا مسلمة عن يد إلى يد. أو: عن إنعام عليكم؛
فإن إبقاءكم بالجزية نعمة عظيمة.

١٤٤
كتاب السير عن رسول الله رََّ ر باب مَا جَاء في الدَّحْوَةِ قَبْلَ القِتَال
وأنتمْ صَاغِرُونَ - قَالَ: وَرَطَنَ إليهم بالفارِسيَّةِ وأنتمْ غَيْرُ مَحْمُودِينَ - وإنْ أَبَيْتُم،
نَابَذْنَاكُمْ على سَوَاء، قالوا: ما نَحْنُ بالَّذِي نُعطي الجِزْيَةَ، ولَكِنَّا نقَاتِلكُمْ، فقالوا:
يا أبا عبد الله! ألا نَنْهَدُ إليهم؟ قَالَ: لا، فدعاهم ثلاثةَ أيَّامِ إلى مِثْلِ هذا، ثُمَّ قَالَ:
انْهَدُوا إليهم، قَالَ: فَنَهَدْنَا إليهم فَفَتَحْنَا ذَلِكَ القَصْرَ. [فيه ضعف، عطاء، صدوق اختلط،
وأبو عواية سمع منه قبل الاختلاط وبعده حم: ٢٣٢٢٧].
قَالَ: وفي البابِ عَنِ بُرَيْدَةَ، والنعمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وابنٍ عُمَر، وابنِ عباسٍ،
وحديثُ سلمانَ حديثٌ حسنٌ؛ لا نعرِفُهُ إلَّا من حديثٍ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وسَمِعْتُ
(وأنتم صاغرون) حال ثان من الضمير؛ أي: ذليلون.
(ورَطنَ إليهم بالفارسية) أي: تكلم فيها. (وإن أبيتم نابذناكم على سواء) قال الجزري في
((النهاية)): أي: كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مُستوٍ في العلم بالمنابذة منا ومنكم؛
بأن نظهر لهم العزم على قتالهم، ونخبرهم به إخبارًا مكشوفًا. والنَّبذُ يكون بالفعل والقول في
الأجسام والمعاني؛ ومنه: نَبذَ العهدَ: إذا أنقضه وألقاه إلى من كان بينه وبينه. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن بريدة ... إلخ) أما حديث بريدة: فأخرجه مسلم (١).
وأما حديث النعمان: فلينظر من أخرجه(٢).
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه مسلم (٣) .
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أحمد(٤) عنه قال: ((ما قاتلَ رسولُ اللهِوَالَهَ قومًا قظٌ إلَّا
دَعامُم)).
وأخرجه الحاكم(٥) أيضًا. قال في ((مجمع الزوائد)): أخرجه أحمد وأبو يعلى
والطبراني(٦)، ورجاله رجال الصحيح.
قوله: (وحديث سلمان حديث حسن) وأخرجه أحمد.
(١) مسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٣١).
(٢) أبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٦١٢)، وابن ماجه. حديث (٢٨٥٨).
(٣) مسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٣٠).
(٤) أحمد. حديث (٢٠٥٤).
(٥) الحاكم، حديث (٣٧) وقال: صحيح من حديث الثوري ولم يخرجاه.
(٦) أبو يعلى. حديث (٢٤٩٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١١٢٧٠).

١٤٥
کتاب السیر عن رسول الله ◌َلاو / باب
محمدًا يَقُولُ: أبو البَخْتَرِيِّ لم يُدْرِكْ سلمانَ؛ لأنه لمْ يُدْرِك عَلِيًّا، وسلْمَانُ مات قَبْلَ
عَلِيٍّ؛ وقد ذَهَبَ بعضُ أهلِ العِلْم من أصحابِ النبيِّ ◌َّ وغيرهم إلى هذا، ورأوْا
أنْ يُدْعَوا قبلَ القِتَالِ؛ وهو: قولُ إسحاقَ بْنِ إبراهيمَ، قَالَ: إن تَقَدَّم إليهم في
الدَّعْوَةِ فَحَسَنٌ يكونُ ذلكَ أهْيَبَ، وقالَ بعضُ أهلِ العلْمِ: لا دَعْوَةَ اليومَ، وقال
أحمدُ: لا أعْرِفُ اليومَ أحدًا يُدْعَى، وقال الشافعيُّ: لا يُقَاتَلُ العَدُوُّ حتَّى يُدْعَوْا،
إلَّا أن يَعْجَلُوا عَن ذلك، فإنْ لَم يَفْعِلْ، فقد بلغَتْهم الدعوةُ.
٢- باب [ت ٢، م ٢]
[١٥٤٩] (١٥٤٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَدَنِيُّ المَكِّيُّ، ويُكْنَى: بأبي عبدِ الله
الرَّجُلِ الصَّالِحِ - هو ابنُ أبِي عُمَرَ - حَدَّثَنَا سُفِيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن عبدِ الملكِ بْنِ
نَوْفَلِ بْنِ مُساحِقٍ، عَن ابنِ عِصَامِ المُزَنِيِّ، عَن أبيه - وكانت له صُحْبَةٌ - قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ إذا بَعَثَ جَيْشًا أو سَرِيَّةً يَقُولُ لهم: ((إذا رأيْتُمْ مَسْجِدًا وسَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا،
قوله: (ورأوا أن يدعوا) بصيغة المجهول؛ أي: العدو. (وهو قول إسحاق بن إبراهيم)
يعني: إسحاق بن راهويه. (وأن تُقدِّمَ) بصيغة المجهول من التقدم. (وقال بعض أهل العلم:
لا دعوة اليوم ... إلخ).
قال الحافظ في ((الفتح)): ذهب طائفة منهم: عمر بن عبد العزيز: إلى اشتراط الدعاء إلى
الإسلام قبل القتال. وذهب الأكثر إلى: أن ذلك كان في بدءِ الأمر قبل انتشار دعوة
الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى، نصَّ عليه الشافعيُّ.
وقال مالك: من قربت داره قوتل بغير دعوة؛ لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة
أقطعُ للشكِّ.
وروى سعيد بن منصور(١)؛ بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهديِّ - أحدٍ كبار التابعين -
قال: كنا ندعُو ونَدَعُ. قال الحافظ: وهو مُنَزَّلُ على الحالينِ المتقدمين. انتهى.
٢- بَابٌ
[١٥٤٩] قوله: (إذا رأيتم مسجدًا، أو سمعتم مؤذنًا) أي: إذا حقَّقتُم علامة فعلية أو
قولية من شعائر الإسلام.
(١) سعيد بن منصور في ((السنن))، (٢٤٨٥).

١٤٦
كتاب السير عن رسول الله وَه / باب في البَيَاتِ والغَارات
فلا تَقْتُلُوا أحدًا)). [ضعيف، ابن عصام، لم يُعرف، وإسناده مجهول، د: ٢٦٣٥].
هذا حديثٌ غريبٌ، وهو حديثُ ابن عُيَيْنَةَ.
٣- باب في البَيَاتِ والغَارات [ت ٣، ٣٢]
[١٥٥٠] (١٥٥٠) حَدَّثَنَا الأنصاريُّ، حَدَّثَنَا مَعْرٌ، حَدَّثَنِي مالكُ بْنُ أنسٍ عَن
حُمَيْدٍ، عَن أَنَسٍ؛ أنَّ رَسُوْلَ الله وَلّهِ حِينَ خَرَجَ إلى خَيْبَرَ أتاها لَيْلًا، وكان إذا جَاء
قومًا بِلَيْلِ لم يُغِرْ عَلَيْهِم حَتَّى يُصْبِحَ، فَلَمَّا أصْبَحَ خَرَجَتْ يهُودُ بِمَسَاحِيهم
ومَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رأوْهُ قالُوا: محمدٌ، وافقَ، والله، مُحَمَّدٌ الخميسَ، فَقَالَ رَسُولُ الله
وَّه: ((الله أكبرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ
(فلا تقتلوا أحدًا) أي: حتى تميزوا المؤمنَ من الكافر.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود.
٣- بَابٌ: في البَيَاتِ وَالغَاراتِ
جمع الغارة. قال في ((مجمع البحار)) تبييت العدو: أن يقصدَ في الليل من غير أن يعلمَ،
فيؤخَذ بغتة وهو البيات. انتهى. وقال فيه: أغَارَ؛ أي: هجم عليهم من غير علم. والغارة
اسم من: الإغارة.
[١٥٥٠] قوله: (وكان إذا جاء بقوم ليلًا لم يُغِرْ عليهم) من: الإغارة (حتى يصبح)
ليعرف بالأذان: أنه بلاد الإسلام؛ فيمسك، أو أنه من بلاد الكفار؛ فيُغيرُ.
(خرجت يهود بمساحيهم) جمع: مِسحَاة وهي المِجرفَةُ من الحديد. وميمه زائدة من
السَّحْوِ بمعنى: الكشف والإزالة لما يكشف به الطين عن وجه الأرض.
(ومكاتلهم) جمع: مِكتَل - بكسر الميم - وهو: الزِّنبيلُ الكبير (قالوا: محمد) أي: هذا
محمد، أو جاء محمد.
(وافق والله محمد الخميس) بالنصب. والمعنى: جاء محمد مع الخميس؛ وهو الجيش
سمي به؛ لأنه مقسم خمسة: المُقدِّمةُ، والسَّاقةُ، والمَيمنةُ، والميسرةُ، والقلبُ. (خربت
خيبر) خبر أو دعاء.
(إنا) أي: معشر الإسلام، أو معاشر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (إذا نزلنا بساحة

١٤٧
كتاب السير عن رسول الله وَيهِ/ باب في البَيَاتِ والغَارات
قومٍ فَسَاء صَبَاحُ المُنْذَرِينَ)). [خ: ٣٧١، م: ١٣٦٥، ن: ٥٤٦، حم: ١١٥٨١، طا: ١٠٢٠].
[١٥٥١] (١٥٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ومحمدُ بْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ معاذٍ، عَن
سعيدِ بْنِ أبي عَرُوبَةَ، عَن قتادةَ، عَن أنَسٍ، عَن أبي طلحةً؛ أنَّ النَّبِيَّ بَّكَانَ إذا
ظَهَرَ على قَوْمِ أقامَ بِعَرْصَتِهِم ثَلاثًا. [خ: ٣٠٦٥، د: ٢٦٩٥، حم: ١٥٩٢٠، مي: ٢٤٥٩].
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وحديثُ حُمَيْدٍ عَن أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قوم) قال الطيبي: جملة مستأنفة بيان لموجب ((خراب خيبر)).
وقوله: (الله أكبر) فيه معنى التعجب؛ من أنه - تعالى - قدر نزوله بساحتهم بعد ما
أُنذروا، ثم أصبحهم وهم غافلون عن ذلك.
وفي ((شرح مسلم)) السَّاحةُ: الفضاء، وأصلها: الفضاء بين المنازل.
(فساء صباحُ المنذرين) بفتح الذال المعجمة؛ أي: الكفار. واللام للعهد؛ أي: بئس
صباحهم لنزول عذاب الله بالقتل، والإغارة عليهم إن لم يؤمنوا. وفيه اقتباس من قوله تعالى:
﴿أَفَِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَنِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٦، ١٧٧].
[١٥٥١] قوله: (كان إذا ظهر على قوم) أي: غلب عليهم (أقام بعرصتهم) العرصةُ بفتح
المهملتين وسكون الراء بينهما : هي البقعةُ الواسعة بغير بناء من دار وغيرها .
(ثلاثًا) وفي رواية البخاري ((ثلاث ليال)).
قال المهلب: حكمة الإقامة: لإراحة الّهر والأنفس، ولا يخفى أن محله إذا كان في
أمنٍ من عدُوِّ طارق. والاقتصار على ثلاث يؤخذ منه أن الأربعة إقامة.
وقال ابن الجوزي: إنما كان يقيم؛ ليظهر تأثير الغلبة، وتنفيذ الأحكام، وقلة الاحتفال؛
فکأنه یقول: من کانت فيه قوة منکم، فلیرجع إلينا .
وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد: أن تقع ضيافةُ الأرض التي وقعت فيها
المعاصي بإيقاع الطاعة فيها؛ بذكر الله، وإظهار شعار المسلمين. وإذا كان ذلك في حكم
الضيافة، ناسب أن يقيم عليها ثلاثًا؛ لأن الضيافةَ ثلاثةٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. (وحديث حميد عن أنس حديث
حسن صحيح) وأخرجه الشيخان(١).
(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٩٤٤)، ومسلم، كتاب النكاح. حديث (١٣٦٥).

١٤٨
كتاب السير عن رسول الله وَلجه / باب في التَّحْرِيقِ والتَّخْریبِ
وقد رَأَخَّصَ قَوْمٌ من أهلِ العلم في الغَارَةِ باللَّيْلِ وأن يَبِيتُوا، وكَرِهَهُ بعضُهُم،
وقال أحمدُ وإسحاقُ: لا بأسَ أنَّ يُبَيَّتَ العَدُوُّ ليلًا، ومعنى قولِهِ: وافقَ محمدٌ
الخميسَ، يَعْنِي به: الجَيْشَ.
٤ - باب في التَّحْرِيقِ والتَّخْرِيبِ (ت ٤، ٤٢]
[١٥٥٢] (١٥٥٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن نافع، عَن ابنِ عُمرَ؛ أنَّ
رَسُوْلَ الله ◌َلِّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي الَّضِيرِ وقَطَعَ، وهي البُوَيْرَةُ؛ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن
لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. [خ: ٤٠٣١،
م: ١٧٤٦، د. ٢٦١٥، جه: ٢٨٤٤، حم: ٤٥١٨].
وفي الباب: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ وقد ذَهَبَ قَوْمٌ من
٤ - باب في التَّحرِيقِ وَالتَّخْرِيبِ
[١٥٥٢] قوله: (حرَّقَ) بتشديد الراء. (نخل بني النضير، وقطع) أي: أمر بتحريق
نخلهم، وقطعها. وهم: طائفة من اليهود، وقصتهم مشهورة مذكورة في كتب السير كـ
((المواهب))، وفي تفسير سورة الحشر كالبغوي.
(وهي البُويرَةُ) بضم الموحدة وفتح الواو: موضع نخل لبني النضير.
(﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّبِنَةٍ﴾ [الحشر: ٥]) أي: أي شيء قطعتم من نخلة (﴿أَوْ تَرَكْتُهَا﴾)
الضمير لـ ((ما))، وتأنيثه؛ لأنه مفسر باللينة (﴿قَآَبِمَةً عَىَّ أُصُولِهَا﴾) أي: لم تقطعوها.
(﴿فَبِإِذْنِ اللَِّ﴾) أي: فبأمره وحكمه المقتضي للمصلحة والحكمة (﴿وَلِيُخْرِىَ اُلْفَسِقِينَ﴾)
أي: وفعلتم أو أذن لكم في القطع بهم؛ ليجزيهم على فسقهم. واستدل به على جواز هدم
ديار الكفار، وقطع أشجارهم، زيادةً لغيظهم.
قال النووي: اللينة المذكورة في القرآن هي أنواع التمر كلها إلا العجوة.
وقيل: كرام النخل. وقيل: كل النخل. وقيل كل الأشجار. وقيل: إن أنواع نخل
((المدينة)) مئة وعشرون نوعًا .
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) لينظر من أخرجه(١).
(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله. حديث (٣٣٠٣).

١٤٩
كتاب السير عن رسول الله بَّه / باب في التَّحْرِيقِ والتَّخْریبِ
أهلِ العلمِ إلى هذا، ولم يَرَوْا بأسّا بِقَطْعِ الأشجَارِ وتَخْرِيبِ الحُصُونِ، وَكَرِهَ بعضُهم
ذلك؛ وهو: قولُ الأوْزَاعِيِّ، قَالَ الأوْزَاعِيُّ: ونَهَى أبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ يزيدَ أنْ يَقْطَعَ
شَجَرًا مُثْمِرًا، أو يُخَرِّبَ عَامِرًا، وعمِلَ بذلكَ المُسْلِمُونَ بعدَه، وقال الشَّافعي: لا
بأسَ بالتحريقِ في أرْضِ العَدُوِّ وقَطْعِ الأشْجَارِ والثِّمَارِ، وقال أحمدُ: وقد تكُونُ في
مَوَاضِعَ لا يَجِدُونَ مِنْهُ بُدًّا، فأما بالعَبثِ فلا تُحَرَّقْ، وقال إسحاقُ: التَّحْرِيقُ سُنَّةٌ ...
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا ... إلخ) قال القاري: وفي هذا الحديث
جواز قطع شجر الكفار وإحراقه؛ وبه قال الجمهور. وقيل: لا يجوز.
قال ابن الهمام: يجوز ذلك؛ لأن المقصود كبتُ أعداء الله، وكسرُ شوكتهم؛ وبذلك
يحصل ذلك؛ فيفعلون ما يمكنهم من التحريق، وقطع الأشجار، وإفساد الزرع. لكن [هذا]
إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون، وأن الفتح
بادٍ كُرِه ذلك؛ لأنه إفساد في غير محل الحاجة، وما أبيح إلا لها. انتهى.
قوله: (وكره بعضهم ذلك وهو قول الأوزاعي. قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق
يزيدَ أن يقطع شجرًا مثمرًا، أو يخرب عامرًا، وعمل بذلك المسلمون بعده).
قال الحافظ في ((الفتح)): ذهب الجمهور إلى: جوازٍ التحريق، والتخريب في بلاد العدُوِّ
وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا: بوصية أبي بكر لجيوشه: ألا يفعلوا أشياء من
ذلك.
وأجاب الطبري: بأن النهي محمولٌ على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في
خلال القتال، كما وقع في نصب المنجنيقِ على ((الطائف)) وهو نحو ما أجاب به في النَّهي
عن قتل النساء والصبيان؛ وبهذا قال أكثر أهل العلم. ونحو ذلك القتل بالتغريق.
وقال غيره: إنما نهى أبو بكر جيوشَهُ عن ذلك؛ لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح، فأراد
إبقاءها على المسلمين. انتهى.
قوله: (وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بُدًّا) المعنى: أن الجيوش قد
يحتاجون إلى التحريق والتخريب، ولا يكون لهم بُدٌّ من ذلك؛ فحينئذٍ يجوز.
(فأما بالعبث) أي: من غير ضرورة وحاجة. (فلا تحرق) وكذا لا تخرب.

١٥٠
كتاب السير عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاء في الغَنِيمَة
إذا كانَ أَنْكَى فيهِم.
٥ - باب مَا جَاء في الغَنِيمَة (ت ٥، ٥٢]
[١٥٥٣] (١٥٥٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ المُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا أسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
عَن سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَن سَيَّارٍ، عَن أبي أَمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِّ قَالَ: ((إن الله فَضَّلَنِي
عَلَى الأَنْبِيَاءِ)) أو قَالَ: ((أُمَّتِي على الأُمَم، وأحَلَّ لنا الغَنَائِمَ)) [حم: ٢١٦٣٢].
وفي البابِ عَن عَلي، وأبي ذَرِّ، وعبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وأبي موسى، وابنٍ
عباسٍ.
(إذا كان أنكى فيهم) ((أنكى)) أفعل التفضيل من: النكاية. قال في ((القاموس)): نكَى
العدُوَّ، وفيه نكاية: قتل وجرح.
وقال في ((الصراح)): نكاية جراحت كردن وبد سكاليدن وکشتن دشمن رامن باب:
ضرب يضرب.
٥- باب مَا جَاءَ في الغَنِيمَةِ
[١٥٥٣] قوله: (عن سيار) بمهملة، بعدها تحتانية مشددة، وآخره راء.
قوله: (أو قال: أمتي على الأمم) ((أو)) للشك؛ أي: إما قال: ((فضَّلني على الأنبياءِ)) أو
قال: ((فضَّل ◌ُمَّتي على الأممِ)).
(وأحل لنا الغنائم) قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين: منهم من لم يؤذن له في
الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا أشياء لم يحل لهم
أن يأكلوه، وجاءت نارٌ فأحرقته.
وقيل: المراد: أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء، والأول أصوب، وهو
إن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلًا، قاله الحافظ.
قوله: (وفي الباب عن علي وأبي ذر وعبد الله بن عمرو وأبي موسى وابن عباس) أما
حديث علي: فلينظر من أخرجه (١).
(١) أحمد. حديث (٧٦٥)، والبزار في ((المسند)) (٦٥٦)، وقال الهيثمي (٢٥٨/٨): رواه البزار ورجاله رجال
الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عقيل وهو حسن الحديث.

١٥١
كتاب السير عن رسول الله وَلَّ / باب مَا جَاء في الغَنِيمَة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديث أبي أُمَامَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وسَيَّارٌ هذا يُقَالُ له:
سَيَّارٌ مَوْلَى بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَرَوَى عنه سليمانُ التَّيْمِيُّ، وعبدُ الله بْنُ بَحِيرٍ وغيرُ واحدٍ،
حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن العَلاءِ بْنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَن
أبيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((فُضِّلْتُ على الأنْبِيَاءِ بِسِتّ: أُعْطِيْتُ
جَوَامِعَ الكَلمِ،
وأما حديث أبي ذر وغيره: فأخرجه أحمد في ((مسنده))(١) بأسانيد حسان، قاله الحافظ
في ((الفتح)) في كتاب ((التيمم)) تحت حديث جابر بن عبد الله بمعنى حديث الباب.
قوله: (حديث أبي أمامة حديث حسن صحيح) تفرد به الترمذي، وأخرج البخاري(٢)
وغيره معناه من حديث جابر بن عبد الله.
(وسيار هذا يقال له: سيار مولى بني معاوية ... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)): تابعي
شامي، أخرج له الترمذي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انتهى.
وقال في ((التقريب)): سيار الأموي مولاهم الدمشقي، قدم ((البصرة))، صدوق من الثالثة
قيل: اسم أبيه: عبد الله.
قوله: (فُضِّلْتُ) بصيغة المجهول؛ من: التفضيل. (على الأنبياء بست) أي: بستِّ
خصالٍ .
(أعطيت جوامع الكلم) قال الحافظ: جوامع الكلم: القرآن؛ فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة
بالألفاظ القليلة، وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك. انتهى.
وقال ابن رجب - في كتابه ((جامع العلوم والحكم)) ما لفظه ـ: جوامع الكلم التي خص
بها النبي ◌َ﴾ نوعان:
أحدهما: ما هو في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍَ ذِى
اٌلْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ اٌلْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] قال الحسن: لم تترك هذه الآيةُ خيرًا
إلا أمرت به، ولا شرًّا إلا نهت عنه.
والثاني: ما هو في كلامه وَّل وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه وَّل. انتهى.
(١) أحمد. حديث (٢٠٧٩٢)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٨٩).
(٢) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٣٨)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٢١).

١٥٢
كتاب السير عن رسول الله رََّ / باب مَا جَاء في الغَنِيمَة
ونُصْرِتُ بالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مسجِدًا وطَهُورًا،
(ونصرت بالرعب) زاد أبو أمامة: ((يُقذفُ في قلُوبٍ أعدائي)). أخرجه أحمد (١).
وفي حديث جابر بن عبد الله المتفق عليه(٢): ((نُصرتُ بالرُّعبِ مَسيرةً شهرٍ)). قال
الحافظ: مفهومه: أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما
دونها فلا. لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: ((ونُصرتُ على العَدُوِّ بالرُّعب ولو كانَ بيني
وبينهُم مسيرةُ شهرٍ (٣)) فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين
بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه. وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان
وحده بغير عسكر. وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. انتهى.
(وأحلت لي الغنائم)، زاد في حديث جابر - رَضُه -: ((ولَمْ تحلَّ لأحدٍ قبلِي)).
(وجعلت لي الأرض مسجدًا) أي: موضعَ سجود، لا يختصُّ السجود منها بموضع دون
غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيِّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما
جازت الصلاة في جميعها؛ كانت كالمسجد في ذلك، قال ابن التيمي: قيل: المراد: جعلت
لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا، ولم تُجعل له طَهُورًا؛ لأن عيسى كان
يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاةُ، وسبقه إلى ذلك الداودي، وقيل: إنما أبيح
لهم في موضع تيقنوا طهارته بخلاف هذه الأمة، فأبيح لها في جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا
نجاستَهُ، قال الحافظ: والأظهر ما قاله الخطابي، وهو: أن مَنْ قبله إنما أبيحت لهم الصلاة
في أماكن مخصوصة؛ كالبِيَع، والصَّوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: ((وكان من
قَبْلي، إنَّما كانوا يصلُّون في كنائسِهم))، وهذا نصٌّ في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية.
ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: ((ولمْ يكن منَ
الأنبياءِ أحدٌ يصلِّي حتَّى يبلغُ محرابه(٤)).
(وطهورًا) استدل به على أن الطّهور هو المطهّرُ لغيره؛ لأن الطهور لو كان المرادُ به
الطاهر؛ لم تثبت الخصوصيةٌ، والحديث إنما سيق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر، وابن
(١) أحمد. حديث (٢١٦٣٢).
(٢) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٣٨)، ومسلم كتاب الإيمان، حديث (٥٢١).
(٣) أحمد. حديث (٧٠٢٨).
(٤) لم أجده عند البزار بهذا اللفظ، وأخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٤٠٦٤).

١٥٣
كتاب السير عن رسول الله وَّر / باب في سَهْمِ الخَّيْلِ
وَأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةٌ، وخُتِمَ بِيَ النَُّّونَ)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٦ - باب في سَهْمِ الخَيْل [ت ٦، م ٦]
[١٥٥٤] (١٥٥٤) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ وحُمَيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قالا: حَدَّثَنَا
سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَن عُبَيْدِ الله بْنُ عُمر، عَن نافِعٍ، عَن ابنٍ عُمَرَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَاله
قَسمَ في النَّفْلِ للفَرَسِ بِسَهْمَيْنٍ، وللرَّجُلِ بِسَهْمٍ. [خ: ٢٨٦٣، م: ١٧٦٢، ن: ٢٧٣٣،
جه: ٢٨٥٤، حم: ٥٢٦٤، مي: ٢٤٧٢].
الجارود(١) بإسناد صحيح عن أنس - رَُّّهِ - مرفوعًا: ((جُعلتْ لِي كُلُّ الأرضِ طيِّبةً مَسجدًا
وطُهورًا))، ومعنى طيبة: طاهرة، فلو كان معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل.
(وأرسلت إلى الخلق كافة) وفي حديث جابر: ((وكان النَّبيُّ ◌َّهِ يبعثُ إلى قومهِ خاصةً،
وبعثتُ إلى النَّاس عامَّة)). قال الحافظ: ولا يعترض بأن نوحًا - عليه السلام - كان مبعوثًا إلى
أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مُرسلًا إليهم؛ لأن
هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو انحصارُ الخلقِ في
الموجودين، بعد هلاك سائر الناس. وأما نبينا ◌َّ ر فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت
اختصاصه بذلك، وأما قولُ أهل الموقف لنوح - كما صحَّ في حديث الشفاعة: ((أنتَ أوَّلُ
رسولٍ إلى أهلِ الأرض)» - فليس المرادُ به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير
أن يكون مرادًا فهو مخصوصٌ بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آياتٍ على أن إرسالَ نُوحٍ كان
إلی قومه، ولم یذکر أنه أُرسل إلى غيرهم.
(وختم بي النبيون)، فلا نبي بعده ◌َّ (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
٦ - باب في سَهْمِ الخَيْلِ
[١٥٥٤] قوله: (قسم في النفل) أي: في الغنيمة، قال في ((النهاية)): النَّفلُ بالتحريك:
الغنيمة، وجمعه أنفالٌ، (وللرجل بسهم) المرادُ من الرجل صاحبُ الفرس، والمعنى: أن
رسولَ الله ◌َّ أعطى الفارس ثلاثةَ أسهُمٍ، سهمًا لهُ وسهمَينِ لفرسهِ، يدلُّ عليه رواية أحمد،
وأبي داود(٢) بلفظ: ((أسهمَ للرَّجل ولفرسِهِ ثلاثةَ أسهمٍ، سهمٌ لهُ وسهمانِ لفرسهِ»، وفي لفظ:
(١) أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٥٠٧)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (١٢٤) بسند صحيح.
(٢) أحمد. حديث (٤٩٧٩)، وأبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٣٣).

١٥٤
كتاب السير عن رسول الله وََّ / باب في سَهْمِ الخَيْل
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْنُ مَهْدِي، عَن سُلَيْمِ بْنِ أَخْضَرَ:
نحوه.
وفي البابِ: عَن مُجَمِّعِ بْنِ جاريةَ، وابن عباسٍ، وابنٍ أبي عَمْرَةَ، عَن أبيهِ؛
وهذا حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عِنْدَ أكثر أهلِ العلمِ
من أصحابِ النبيِّ وَّهِ وغيرِهم؛ وهو: قولُ سُفيَانَ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، ومالكِ بْنِ
أنَسٍ، وابنِ المبارَكِ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، قالوا: للفارِسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ:
سَهْمٌ له وسهمانِ لفَرَسِهِ، وللرَّاجِلِ سَهْمٌ.
((أسهمَ للفرَسِ سهمينٍ، وللرَّجُلِ سهمًا)). متفق عليه(١).
قوله: ( وفي الباب عن مجمع بن جارية، وابن عباس، وابن أبي عمرة عن أبيه) أما
حديث مجمع - وهو بضم الميم الأولى وفتح الجيم وكسر الميم الثانية المشددة -: فأخرجه
أحمد، وأبو داود(٢) عنه قال: ((قُسِّمتْ خيبرُ على أهلِ الحديبيةِ، فقسَّمها رسولُ اللهِ وَلِّ على
ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيشُ ألفًا وخمسَ مئةٍ، فيهم ثلاثُ مئةٍ فارسٍ، فأعطى الفارسَ
سهمينٍ، والرَّاجلَ سهمًا)). وقال أبو داود: إن حديث ابن عمر أصح، قال: وأتى الوهم في
حديث مجمع أنه قال: ثلاث مئة فارس، وإنما كانوا مئتي فارس.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الدارقطني(٣) عنه أن رسولَ الله ◌َّةٍ فَسَّمَ لمئتي فرسٍ
بخيبر سهمين سهمين)). وأما حديث ابن أبي عمرة عن أبيه، فأخرجه أحمد، وأبو داود(٤) عنه
قال: أتينا رسولَ الله ◌ََّ أربعةَ نفرٍ ومعنا فَرَسٌ، فأعطى كُلَّ إنسانٍ منَّا سهمًا، وأعطى الفَرَسَ
سهمينٍ))، واسم هذا الصحابيِّ عمرو بن محسن؛ كذا في ((المنتقى)).
قوله: (وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان، وله ألفاظ في
((الصحیحین)» وغيرهما .
قوله: (قالوا: للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه، وللراجل سهم) وهو قولُ
(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨٦٣)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٧٦٢).
(٢) أحمد. حديث (١٥٠٤٤)، وأبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء. حديث (٣٠١٥).
(٣) الدارقطني (١٠٣/٤). حديث (١٣).
(٤) أحمد. حديث (١٦٧٨٨)، وأبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٣٤).

١٥٥
كتاب السير عن رسول الله ◌ٌَّ / باب في سَهْمِ الخَّيْلِ
أبي يوسف، ومحمد - صاحبي أبي حنيفة -، وهو القولُ الراجحُ، واحتجوا بحديث ابن عمر
المذكور في الباب، وما في معناه.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: للفارس سهمان، وللراجل سهم، واستدلَّ له بما رواه
أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة، وابن نمير كلاهما عن
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فيما أخرجه الدارقطني(١) بلفظ: ((أسهَمَ للفارسِ
سهمینٍ)).
وأجاب الحافظ في ((الفتح)) عن ذلك، بأنه لا حجةَ فيه؛ لأن المعنى أسهم للفارس
بسبب فرسه سهمين غير سهمهِ المختصِّ به، وقد رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)(٢) ،
و((مسنده)) بهذا الإسناد. فقال: ((للفَرَس)). وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب ((الجهاد))
له عن ابن أبي شيبة، وكأن الرمادي رواه بالمعنى.
وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة، وابن نمير معًا بلفظ: ((أسهمَ للفرَسِ))، وعلى هذا
التأويل أيضًا يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي،
أخرجه الدار قطني(٣) . وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق، وهو أثبت من نعيم عن ابن
المبارك بلفظ: ((أسهَمَ للفرَسِ)).
واستدلَّ له أيضًا بحديث مجمع بن جارية، الذي أشار إليه الترمذي، وذكرنا لفظه، وفيه:
((فأعطى الفارسَ سهمينِ والرَّاجلَ سهمًا)).
وأجاب عنه الحافظ بأن في إسناده ضعفًا، ولو ثبت يحملُ على ما تقدم؛ لأنه يحتمل
الأمرين، والجمع بين الروايتين أولى، ولا سيما والأسانيد الأولى أثبت، ومع رواتها زيادة
علم.
وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود(٤) من حديث أبي عمرة؛ ((أنَّ النَّبيَّ ◌َّهِ أعطَى
للفرَسِ سهمَين، ولكُلِّ إنسانٍ سهمًا، فكان للفارِس ثلاثةُ أسهُم))، وللنسائي(٥) من حديث
(١) الدارقطني (١٠٦/٤). حديث (٩).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)). حديث (٣٦٠٥٩).
(٣)
الدارقطني (١٠٦/٤). حديث (٢٠).
(٤) أبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٣٤).
(٥) النسائي، كتاب الخيل. حديث (٣٥٩٣).

١٥٦
كتاب السير عن رسول الله وَّو / باب مَا جَاء في السَّرَايَا
٧- باب مَا جَاء فى السَّرَايَا [ن ٧، م ٧]
[١٥٥٥] (١٥٥٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الأزديُّ البَصْرِيُّ، وأبو عَمَّارٍ، وغيرُ
واحدٍ، قالوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَن أبيهِ، عَن يونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَن الزُّهْرِيِّ،
عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عبدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((خَيْرُ
الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايا أرْبَعُمائَةٍ، وخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ، ولا يُغْلَبُ اثنَا
عشَرَ ألفًا مِن قِلَّةٍ)). [ضعيف] .
الزبير؛ ((أن النَّبيَّ نَّهَ ضَربَ لهُ أربعةَ أسهُم: سهمينِ لفرسهِ، وسهمًا لهُ، وسَهمًا لقرابتِه)).
وقد استُدِلَّ لأبي حنيفة بدلائل أخرى لا يخلو واحد منها عن كلام قادح للاستدلال.
٧- باب مَا جَاءَ في السَّرَايَا
جمع السرية، وهي قطعةٌ من الجيش. قال في ((النهاية)): السَّريَّةُ، هي طائفةٌ من الجيش،
يبلغ أقصاها أربع مئة، تُبعث إلى العدو، وجمعها السَّرايا، سُموا بذلك؛ لأنهم يكونون
خُلاصة العسكر، وخيارهم، من الشيء السَّريِّ: النَّفيس.
[١٥٥٥] قوله: (خير الصحابة) بالفتح جمع: صاحب، ولم يجمع فاعل على فعالة غير
هذا؛ كذا في ((النهاية))، (أربعة)، أي: ما زاد عن ثلاثة، قال أبو حامد: المسافر لا يخلو
عن رحل يحتاجُ إلى حفظه، وعن حاجة يحتاج إلى التَّردُّدِ فيها، ولو كانوا ثلاثة؛ لكان
المترددُ واحدًا فيبقى بلا رفيق، فلا يخلو عن خطرٍ، وضيق قلب، لفقد الأنيس، ولو تردد
اثنان كان الحافظ وحده، قال المظهر: يعني: الرفقاء إذا كانوا أربعة خير من أن يكونوا
ثلاثةً؛ لأنهم إذا كانوا ثلاثةً، ومرض أحدُهم، وأراد أن يجعل أحد رفيقيه وصيَّ نفسه؛ لم
يكن هناك من يشهدُ بإمضائه إلا واحد؛ فلا يكفي، ولو كانوا أربعة كفى شهادة اثنين، ولأن
الجمعَ إذا كانوا أكثر يكون معاونة بعضهم بعضًا أتمَّ، وفضل صلاة الجماعة أيضًا أكثر،
فخمسة خير من أربعة، وكذا كل جماعة خير ممن هو أقل منهم، لا ممن فوقهم.
(وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يغلب)، بصيغة المجهول،
أي: لا يصير مغلوبًا، (اثنا عشر ألفًا) قال الطيبي: جميع قرائن الحديث دائرةٌ على الأربع،
واثنا عشر ضعفا أربع، ولعل الإشارة بذلك إلى الشدة والقوة، واشتداد ظهرانيهم، تشبيهًا
بأركان البناء، وقوله: (من قلةٍ)، معناه أنهم لو صاروا مغلوبين؛ لم يكن للقلة؛ بل لأمر آخر

١٥٧
كتاب السير عن رسول الله وَّه / باب مَن يُعْطَى الفَيْءَ
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا يُسْندهُ كبيرُ أحدٍ غَيْرُ جَرِيرٍ بْنِ حَازِم؛ وإِنَّمَا رُوِيَ
هذا الحديثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ مُرْسَلًا، وقد رَوَاهُ حبَّانُ بْنُ عَلِيِّ العَنزِيُّ،
عَن عُقَيْلٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عبدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ،
ورَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سعدٍ، عَن عُقَيْلٍ، عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ وَّلَ مُرْسَلًا.
٨- باب مَن يُعْطَى الفَيْءَ [ت ٨، م ٨]
[١٥٥٦] (١٥٥٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حاتمُ بْنُ إسماعيلَ، عَن جعفرِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
عَن أبيه، عَن یزیدَ بْنِ هُرْمُز؛
سواها، وإنما لم يكونوا قليلين، والأعداء مما لا يعدُّ ولا يُحصى؛ لأن كُلَّ أحدٍ من هذه
الأثلاث جيش قوبل بالميمنة، أو الميسرة، أو القلب. فليكفها؛ ولأن الجيش الكثير المقاتل
منهم بعضهم، وهؤلاء كلهم مقاتلون. ومن ذلك قول بعض الصحابة يوم حنين، وكانوا اثني
عشر ألفًا: لن نغلب اليوم من قلة؛ وإنما غُلبوا من إعجاب منهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍّ
إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] وكان عشرة آلاف من أهل المدينة،
وألفان من مسلمي فتح مكة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أبو داود، والدارمي، والحاكم(١) وسكت
عنه أبو داود، واقتصر المنذري في ((مختصر السنن)) على نقل كلام الترمذيِّ، وقال
الحاكم (٢) : هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
قوله: (وقد رواه حبان بن علي العنزي) - بفتح العين والنون ثم زاي - أبو علي الكوفي،
ضعيف، من الثامنة.
٨ - باب مَنْ يُعْطَى الفَيْءُ
قال في ((النهاية)): الفيءُ هو ما حَصَل للمسلمين من أموال الكفار، من غيرِ حربٍ ولا
جهادٍ، وأصلُ الفيءِ الرجوعُ كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم. انتهى.
والظاهرُ أن المرادَ من الفيءِ هنا مالُ الغنيمة.
[١٥٥٦] قوله: (عن يزيد بن هرمز) المدني، مولى بني ليث، وهو غيرُ يزيد الفارسي
(١) الحاكم. حديث (١٦٢١).
(٢) الحاكم. حديث (١٦٢١).

١٥٨
كتاب السير عن رسول الله ◌َّ / باب مَن يُعْطَى الفَيْءَ
أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كَتَبَ إلى ابنِ عباسٍ يَسْألُهُ، هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟
وهل كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمِ؟ فكتَبَ إليه ابنُ عباسٍ: كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْألُنِي هَل كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ، وكانَ يَغْزُو بِهِنَّ فيُدَاوِينَ المَرْضَى، ويُحْذَينَ من
الغَنِيمَةِ، وأمَّا يُسْهِمُ، فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ بِسَهْم. [م: ١٨١٢، د: ٢٧٢٨، حم: ١٩٦٨].
وفي البابِ: عَن أنسٍ، وَأُمِّ عَطِيَّةَ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ والعملُ على
هذا عندَ أكثر أهلِ العلمِ، وهو: قولُ سفيانَ الثوريِّ، والشافعيِّ.
وقال بعضُهم: يُسْهَمُ للمرأةِ والصَّبيِّ؛ وهو: قولُ الأوزاعيِّ.
على الصَّحيح، وهو والد عبد الله، ثقة، من الثالثة؛ (أن نجدة) ، بفتح النون وسكون الجيم
بعدها دال مهملة، (الحرُوري) نسبة إلى قرية حروراء، بفتح حاء مهملة وضم راء أولى مخففة
وكسر الثانية، وبينهما واو ساكنة، وبالمد، وهي قرية بـ((الكوفة)): ونجدة هذا هو ابنُ عامر
الحنفي الخارجي، وأصحابه يقال لهم: النجدان محركة.
قوله: (يحذين) بصيغة المجهول من الحذو، بالحاء المهملة والذال المعجمة، أي:
يُعطينَ، قال في ((القاموس)): الحذوةُ، بالكسر العطيةُ. (وأما يسهم) ، بصيغة المعلوم من
الإسهام، والحديثُ دليلٌ على أن النساءَ إذا حضرتِ القتال مع الرجال؛ لا يُسهم لهُنَّ، بل
يُعطين شيئًا من الغنيمة.
قوله: (وفي الباب عن أنس (١)، وأم عطية(٢))، لينظر من أخرج حديثهما.
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم، وأبو داود.
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ... إلخ)، وهو الأقوى دليلًا. (وقال
بعضهم: يسهم للمرأة، والصبي، وهو قول الأوزاعي)، قال الخطابي: إن الأوزاعيَّ قال:
يُسهمُ لهنَّ، قال: وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث، يعني: حديث حشرج بن زياد، وإسناده
ضعيف لا تقُومُ به حجة. انتهى.
وحديث حشرج، أخرجه أحمد، وأبو داود(٣) عنه عن جدته أم أبيه، أنها خرجت مع
(١) أبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٥٣١).
(٢) أحمد. حديث (٢٠٢٦٥)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير. حديث (١٨١٢).
(٣) أحمد. حديث (٢١٨٢٧)، وأبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٢٩).

١٥٩
كتاب السير عن رسول الله وَقَر باب هَلْ يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ؟
قَالَ الأوزاعِيُّ: وأسْهَمَ النَّبيُّ وَّه للصِّبْيَانِ بِخَيْبَرَ، وأسْهَمَتْ أئمَّةُ المسلمينَ لكُلِّ
مَوْلُودٍ وُلِدَ في أرْضِ الحَرْبِ. قَالَ الأوزاعِيُّ: وأسْهَمَ النبيُّ ◌َّه للنِّسَاء بِخَيْبَرَ، وأخَذَ
بذلكَ المسلِمُونَ بعدَهُ. [صحيح الإسناد مقطوع].
حَدَّثَنَا بذلكَ علي بْنُ خَشْرَمِ، حَدَّثَنَا عيسى بْنُ يونسَ، عَن الأوزاعيِّ بهذا.
ومَعْنَى قولِهِ: ويُحْذَيْنَ مِنَ الغَنِيمَةِ، يَقُولُ: يُرْضَخُ لَهُنَّ بشيءٍ من الغَنِيمَةِ: يُعْطِينَ
شَيْئًا .
٩- باب هَلْ يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ؟ [ت ٩، م ٩]
[١٥٥٧] (١٥٥٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَن مُحمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَن
عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مع سَادَتي،
النبي ◌َّ في غزوة خيبر، سادس ست نسوة، فبلغ رَسُول الله ◌َلَّ، فبعث إلينا، فجئنا فرأينا
فيه الغضبَ فقال: ((مَعَ مَنْ خرجتُنَّ، وبإذنِ مَن خَرَجُنَّ؟، فقلنا: يا رسول الله، خرجنا نغزل
الشعر، ونعين به في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونناوِلُ السِّهامَ، ونُسقِي السَّويق: قال:
((قُمنَ فانصرفنَ))، حتى إذا فتح الله عليه خيبر؛ أسهم لنا كما أسهم للرجال، قال: فقلت لها:
يا جدة، وما كان ذلك؟ قالت: تمرًا.
قال الشوكاني في ((النيل)): وأخرجه أيضا النسائي، وسكت عنه أبو داود، وفي إسناده
رجلٌ مجهول، وهو حشرج، وقال الخطابي: إسناده ضعيف لا تقوم به حجة. انتهى.
(قال الأوزاعي: وأسهم النبي ◌َّ للنساء بخيبر ... إلخ) هذا مرسل، والمرسل لا تقومُ
به حجةٌ على القول الراجح، (يقول: يرضخ لهن)، بصيغة المجهول من الرضخ، قال في
((القاموس)): رَضَخَ له أعطاهُ عطاءً غير كثير.
٩ - باب هَلْ يُسْهَمُ للعَبْدِ
[١٥٥٧] قوله: (عن عمير)، بالتصغير، قال في ((التقريب)): عمير مولى آبي اللحم
الغفاري، صحابي شهدَ خيبر. (مولى آبي اللحم)، هو اسمُ فاعل من أبى يأبى، قال
أبو داود(١): قال أبو عبيدة: كان حرم اللحم على نفسه، فسمي آبي اللحم، (مع سادتي)
(١) انظر ((سنن أبي داود))، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٣٠).

١٦٠
كتاب السير عن رسول الله وَله / باب هَلْ يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ؟
فكلَّمُوا فِيَّ رَسولَ الله وَّهِ وكَلمُوهُ أَنِّي مَمْلُوٌ. قَالَ: فأمَرَنِي فَقُلِّدْتُ السَّيْفَ، فَإِذَا أنا
أُجُرُّهُ، فأمَرَ لي بِشَيْءٍ من خُرْئِيٌّ المتَاعِ، وعَرَضْتُ عليهِ رُقْيَةً كُنْتُ أرْقِي بِهَا المجَانينَ،
فأمَرَنِي بِطَرْحِ بعضِها وحَبْسٍ بعضِها. [د: ٢٧٣٠، حه: ٢٨٥٥، حم: ٢٧٩٢٤، مي: ٢٤٧٥].
وفي البابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضٍ أهلِ العلمِ، أن لا
يُسْهَم لِلْمَمْلُوكِ؛ ولكن يُرْضَخُ له بِشَيْءٍ؛ وهو: قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشَّافعيّ، وأحمدَ،
وإسحاقَ.
جمع سيد، (فكلموا فيّ) بتشديد الياء، (وكلموه أني مملوك)، قال الطيبي: عطف على قوله:
((فكلموا فيَّ» أي: كلَّمُوا في حقي وشأني أولًا بما هو مدحٌ لي، ثم أتبعوه بقولهم: إني
مملوك. انتهى.
(فقلدت السيف)، بصيغة الماضي المجهول، مِن التقليد، قال في ((المجمع)): أي:
أمرني أن أحمل السلاحَ، وأكون مع المجاهدين؛ لأتعلَّم المحاربةَ: فإذا أنا أجُرُّهُ، أي: أجُرُّ
السَّيف على الأرض من قِصَرِ قامتي؛ لصغر سنِّ، (فأمر لي بشيء من خُرثيِّ المتاع)، بالخاء
المعجمة المضمومة، وسكون الراء المهملة بعدها مثلثة، وهو سقطه، قال في ((النهاية)): هو
أثاث البيت، قال في ((القاموس)): الخرثي بالضم: أثاث البيت، أو أردأ المتاع والغنائم.
(وعرضت عليه رقيةً كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها) أي:
بإسقاط بعض كلماتها التي تُخالفُ القرآن والسُّنة، وإبقاء بعضها التي ليست كذلك، وفيه دليلٌ
على جوازٍ الرقية من غير القرآن والسنة، بشرط أن تكون خاليةً عن كلمات شركيَّةٍ، وعمّا
منَعَت عنه الشريعةُ.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس - رضيُته -)، أخرجه أحمد (١).
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه،
والحاكم(٢) وصحَّحهُ.
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ألا يسهم للمملوك ... إلخ)، وهو القول
الراجح المعوَّلُ عليه.
(١) أحمد. حديث (٢٩٢١).
(٢) الحاكم. حديث (١٢٢٤).