النص المفهرس

صفحات 741-760

٧٤١
كتاب الديات عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاء في القَسَامَة
قَالَ يَحْيَى: وحَسِبْتُ، عَن رَافِعِ بنِ خَدِيجِ أَنَّهُمَا قالا: خَرَجَ عَبْدُ الله بنُ سَهْلِ بنِ زَيْدٍ
ومُحَيِّصَةُ بنُ مَسْعُودِ بنِ زَيْدٍ حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَاك، ثُمَّ إِنَّ
مُحَيِّصَةَ وجَدَ عَبْدَ الله بنَ سَهْلٍ قَتِيلًا قَدْ قُتِلَ فدفنه، ثُمَّ أقْبَلَ إلى رَسُولِ اللهِوَ هُوَ
وحُوَيصَةُ بنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ الرَّحْمنِ بِنُّ سَهْلٍ وكَانَ أَصْغَرَ القَوْمِ، ذَهَبَ عَبْدُ الرَّحمنِ
لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، قَالَ لَهُ رُسُولُ الله ◌َِّ: ((كَبِّرْ لِلِكُبْرِ) فَصَمَتَ وَتَكَلّمَ صَاحِبَاهُ، ثُمَّ
تَكَلَّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِّهِ مَقْتَلَ عَبْدِ الله بنِ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُمْ: ((أتحْلِفُونَ
خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُونَ صَاحِبَكُمْ أوْ قَاتِلَكُمْ؟)) قالُوا: وكَيْفَ نَحْلِفُ ولَمْ نَشْهَدْ؟
قَالَ: ((فَتْبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟)) قالُوا: وكَيْفَ نَقْبَلُ أيمَانَ قَوْمٍ كُفّارٍ؟ فَلَمَّا رأى
ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ أَعْطَى عَقْلَهُ .. [خ: ٣١٧٣، م: ١٦٦٩، ن: ٤٧٢٩، د: ٤٥٢٠، جه: ٢٦٧٧،
حم: ١٥٦٦٤، طا: ٠،١٦٣٠مي: ٢٣٥٣].
ثقة فقيه من الثالثة. (قال: قال يحيى: وحسبت عن رافع بن خديج) كذا في نسخ الترمذي،
والظاهر أن يكون وعن رافع بن خديج بالواو قبل عن، وكذلك وقع عند مسلم. قال الحافظ
في ((الفتح)): وعند مسلم من رواية الليث عن يحيى عن بشير عن سهل، قال يحيى: وحسبت.
أنه قال ورافع بن خديج أنهما قالا خرج عبد الله بن سهل ... إلخ. وقال: وفي ((الأدب)) من
رواية حماد بن زيد عن يحيى عن بشير عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أنهما حدثاه
أن عبد الله بن سهل ... إلخ. (أنهما) أي: سهلًا ورافعًا. (ومحيصة) بضم الميم وفتح الحاء
المهملة وكسر التحتانية المشددة وفتح الصاد المهملة. (أقبل) وفي بعض النسخ فأقبل:
(وحويصة) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد الياء مصغرًا، وقد روي التخفيف فيه وفي
محيصة. (قبل صاحبه) وفي بعض النسخ قبل صاحبيه، وهو الظاهر. (كبر للكبر) الأول أمر
من التكبير والثاني بضم الكاف وسكون الموحدة، أي: قدم من هو أكبر منك وأسن بالكلام؛
إرشاد إلى الأدب. (مقتل عبد الله بن سهل) أي: قتله (فقال لهم: أتحلفون خمسين يمينًا)
وفي رواية عند مسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته. (صاحبكم أو قاتلكم)
شك من الراوي. (قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا). وفي رواية للشيخين: فتبرثكم يهود في
أيمان خمسين منهم. أي: يحلف خمسون من اليهود فتبرئكم من أن تحلفوا .* (أعطى عقله)
بفتح العين المهملة وسكون القاف، أي: ديته. زاد في بعض الروايات من عنده، وفي رواية
للبخاري: فكره رسول الله القر أن يطل دمه، فوداه مئة من إبل الصدقة.

٧٤٢
كتاب الديات عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في القَسَامَة
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلِي الخَلَّالِ، حَدَّثَنَا يزِيدُ بنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَن
بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ، عَن سَهْلٍ بنِ أبي حَثْمَةَ ورَافِعٍ بِنِ خَدِيجٍ، نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَمَلُ عَلَى هَذَا الحديث عِنْدَ أهْلِ
العِلم في القَسَامَةِ، وقَدْ رَأَى بَعْضُ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ القَوَدَ بالقَسَامَةِ، وقَالَ بَعْضُ أهْلِ
العِلْمِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ: إِنَّ القَسَامَةَ لا تُوجِبُ القَودَ وإنّما تُوجِبُ الدِّيَةَ.
(آخر أبواب الدیات والحمد لله)
قال الحافظ في ((الفتح)): زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد
بقوله: من عنده، وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال
دفعه من عنده، أو المراد بقوله: من عنده، أي: بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه
صدقة باعتبار الانتفاع به مجانًا لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين. وقد حمله
بعضهم على ظاهره، فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة للمصالح
العامة، واستدل بهذا الحديث وغيره.
قال الحافظ: وتقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس،
قال: حملنا النبي ◌َّيقول على إبل من إبل الصدقة في الحج. وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها
تحت أمره وحكمه. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم) قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل من
أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة
الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين
والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به، وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا
القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكمًا. وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن
عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري.
وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، قال الحافظ: وهذا ينافي ما صدَّر به كلامه أن
كافة الأئمة أخذوا بها، وقد تقدم النقل عمن لم يقل بمشروعيتها في أول الباب. انتهى.
(وقد رأى بعض فقهاء المدينة القود بالقسامة .. إلخ) اختلف القائلون بالقسامة فيما إذا
كان القتل عمدًا هل يجب القصاص بها أم لا؟ فقال جماعة من العلماء: يجب. وهو قول

٧٤٣
كتاب الديات عن رسول الله وَه / باب مَا جَاء في القَسَامَة
مالك وإسحاق وقول الشافعي في القديم. وقال الكوفيون والشافعي في أصح قوليه: لا
يجب، بل تجب الدية. واختلفوا في من يحلف في القسامة فقال مالك والشافعي والجمهور:
يحلف الورثة ويجب الحق بحلفهم: وقال أصحاب أبي حنيفة: يستحلف خمسون من أهل
المدينة، ويتحراهم الولي يحلفون بالله: ما قتلناه وما علمنا قاتله. فإذا حلفوا قضى عليهم
وعلى أهل المحلة وعلى عاقلتهم بالدية. كذا في ((المرقاة)) نقلًا عن النووي.

٧٤٥
كتاب الحدود عن رسول الله وَليزر / باب مَا جَاء فِيمَنْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ
عَه
(١٥) كتاب الحدود عن رسول الله
١- بابْ مَا جَاء فِيمَنْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ [ت١، ١٢]
[١٤٢٣] (١٤٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى القُطَعِيُّ البصريُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمَر،
حَدَّثَنَا هَمّامٍ، عَن قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ البصري عَن عَلِي، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَِّ قَالَ:
(رُفِعَ القَلَمُ عَن ثَلاثةٍ، ◌َن النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَبِقِظَ، وعنِ الصَّبي حَتَّى يَشِبَّ، وعنِ
المعْتوهِ حَتَّى يَعْقِلَ)). [جه بنحوه: ٢٠٤٢، د: ٤٤٠٢، مي: ٢٢٩٦، حم: ٩٥٩].
قَالَ: وفي الباب عَن عَائِشَةً.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِي حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ،
10 - كِتَابُ الْحُدُوجِ عن رسول الله
صَلى الله
وستِلم
١ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ
[١٤٢٣] قوله: (عن الحسن) هو البصري. (عن علي) هو ابن أبي طالب - رظُه - (رفع
القلم) كناية عن عدم التكليف. (عن ثلاثة) قال السبكي: الذي وقع في جميع الروايات ثلاثة
بالهاء، وفي بعض كتب الفقهاء ثلاث بغير هاء. ولم أر له أصلًا، قاله المناوي.
(عن النائم) ولا يزال مرتفعًا. (حتى يستيقظ) من نومه وكذلك يقدر فيما بعده. (وعن
الصبي حتى يشب) وفي رواية حتى يحتلم، وفي رواية: حتى يكبر. وفي رواية: حتى يبلغ.
قال السبكي: ليس في رواية: حتى يكبر. من البيان ولا في قوله: حتى يبلغ: ما في هذه
الرواية يعني رواية: حتى يحتلم. فالتمسك بها لبيانها وصحة سندها أولى.
(وعن المعتوه) أي: المجنون ونحوه. (حتى يعقل) أي: حتى يفيق، من باب ضرب
يضرب.
قوله: (وفي الباب عن عائشة)(١) أخرجه الدارمي وأخرجه ابن ماجه عن علي وعائشة -
رضي الله تعالى عنهما -. قوله: (حديث علي حديث حسن غريب من هذا الوجه) أي: من
(١) أخرجه الدارمي، كتاب الحدود. حديث (٢٢٩٦)، وابن ماجه، كتابالطلاق. حديث (٢٠٤١).

٧٤٦
كتاب الحدود عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء فِيمَنْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ
وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن عَلِي عنِ النَّبِيِّ بَّهِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ، وعنِ الغُلامِ حَتّى
يَحْتَلِمَ، ولا نَعْرِفُ للحَسَنِ سَمَاعًا عن عَلِي بن أبي طَالِبٍ.
هذا الإسناد المذكور، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا. (وقد روي من غير وجه
عن علي) أي: روي هذا الحديث عن علي من أسانيد عديدة (وروى بعضهم: وعن الغلام
حتى يحتلم) أي: مكان: وعن الصبي حتى يشب. (ولا نعرف للحسن سماعًا من علي بن
أبي طالب) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): سئل أبو زرعة: هل سمع الحسن أحدًا من
البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليًّا. قيل: هل سمع منهما حديثًا؟ قال: لا، رأى
عليًّا بالمدينة، وخرج علي إلى الكوفة والبصرة ولم يلقه الحسن بعد ذلك. وقال الحسن:
رأيت الزبير يبايع عليًّا، وقال علي بن المديني: لم ير عليًّا إلا أن كان بالمدينة وهو غلام.
انتھی.
فإن قلت: قال النيموي: اتصال الحسن بعلي ثابت بوجوه: فمنها ما ذكره البخاري في
(تاريخه الصغير)) في ترجمة سليمان بن سالم القرشي العطار سمع علي بن زيد عن الحسن رأى
عليًّا والزبير التزما، ورأى عثمان وعليًا التزما. ومنها ما أخرجه المزي في ((تهذيب الكمال))
بإسناده عن يونس بن عبيد قال: سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد، إنك تقول: قال رسول الله
وَّ؛ وإنك لم تدركه؟. قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك،
ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى. وكان في عمل الحجاج كل شيء.
سمعتني أقول: قال رسول الله بَّله فهو عن علي بن أبي طالب - رَبُّه - غير أني في زمان لا
أستطيع أن أذكر عليًّا. ومنها ما أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)(١) حدّثنا حوثرة بن أشرس، قال:
أخبرنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، قال: سمعت الحسن يقول: سمعت عليًّا يقول: قال
رسول الله وَّل: ((مثل أمتي مثل المطر)) الحديث. قال السيوطي في ((إتحاف الفرقة بوصل
الخرقة)) قال محمد بن الحسن الصيرفي شيخ شيوخنا: هذا نص صريح في سماع الحسن من
علي - رضيُبه - ورجاله ثقات، حوثرة وثقه ابن حبان، وعقبة وثقه أحمد وابن معين.
قلت: أما ما ذكره البخاري ففي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف كما في
((التقريب)): وأما قول يونس بن عبيد فلينظر كيف إسناده. وأما ما أخرجه أبو يعلى فالظاهر
صحته. فإن كان خاليًا عن علة خفية قادحة فلا شك أنه نص صريح في سماع الحسن من
علي - رَُّبه - والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه أبو يعلى (٣٨٠/٦). حديث (٣٧١٧).

٧٤٧
كتاب الحدود عن رسول الله وَ﴿﴿ / باب مَا جَاء فِيمَنْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ
وقَدْ روي هَذَا الحَدِيثِ عَن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَن أبي ظَبْيَانَ، عَن عَلِي بن
أبي طالب، عنِ النَّبِيِّ وَّ نَحْوَ هذَا الحديثِ، وَرَوَاهُ الأعمَش، عَن أبي ظَبْيَانَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن عَلِي مَوْقُوفًا وَلَمْ يَرْفَعْهُ، والعَمَلُ عَلَى هذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العلمِ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: قد كان الحسن في زمان علي، وقد أدركه ولكنا لا نعرف له
سماعًا منه. وأبو ظَبْيَانَ اسْمُهُ: حُصَيْنُ بنُ مُنْدُبٍ.
(وقد روي هذا الحديث عن عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي عن النبي وَّو نحو
هذا الحديث، ورواه عن الأعمش) ليس في بعض النسخ لفظ عن، وهو الصحيح. (وعن
أبي ظبيان عن ابن عباس عن علي موقوفًا ولم يرفعه) قال البخاري في ((صحيحه)) (١): قال
علي: ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاث؛ عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك،
وعن النائم حتى يستيقظ، قال الحافظ في ((الفتح)): وصله البغوي في ((الجعديات)) عن علي بن
الجعد عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أن عمر أتي بمجنونة قد زنت
وهي حبلى، فأراد أن يرجمها، فقال له علي: أما بلغك أن القلم قد رفع عن ثلاثة؟ فذكره
وتابعه ابن نمير ووكيع وغير واحد عن الأعمش، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرح
فيه بالرفع. أخرجه أبو داود(٢) وابن حبان من طريقه، وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن
أبي ظبيان مرفوعًا وموقوفًا. لكن لم يذكر فيهما ابن عباس، جعله عن أبي ظبيان عن علي،
ورجح الموقوف على المرفوع. انتهى.
قوله: (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم) قال الحافظ في ((الفتح)): وأخذ
بمقتضى هذا الحديث الجمهور، لكن اختلفوا في إيقاع طلاق الصبي؛ فعن ابن المسيب
والحسن يلزمه إذا عقل وميز، وحده عند أحمد أن يطيق الصيام، ويحصي الصلاة، وعند
عطاء إذا بلغ اثنتي عشر سنة، وعن مالك رواية إذا ناهز الاحتلام. انتهى.
قلت: وحديث الباب ظاهر فيما ترجم له الترمذي. انتهى.
قوله: (وأبو ظبيان) بفتح المعجمة وسكون الموحدة (اسم حصين بن جندب) بن الحارث
الجنبي بفتح الجيم وسكون النون ثم موحدة، الكوفي ثقة من الثانية.
(١) أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون.
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود. حديث (٤٣٩٩)، وابن حبان (٣٥٦/١). حديث (١٤٣)، والنسائي في
(الكبرى)) (٣٢٣/٤). حديث (٧٣٤٣).

٧٤٨
كتاب الحدود عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاء في دَرْءِ الحُدود
٢ - باب مَا جَاء في دَرْءِ الحُدود [ت٢، ٢٢]
[١٤٢٤] (١٤٢٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الأسْوَدِ أبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بنُ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ زِيَادِ الدِّمشْقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ،
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((ادْرَؤوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ
مَخْرَجُ فَخَلوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الإمَامَ أن يُخْطِئ في العَفْوِ خَيْرٌ مِن أنْ يُخْطِئَ في العُقُوبَةِ)).
[ضعيف، يزيد بن زياد، متروك].
٢ - باب مَا جَاءَ في دَرْءِ الْحُدُودِ
[١٤٢٤] قوله: (ادرؤوا الحدود) بفتح الراء أمر من الدرء أي: ادفعوا إيقاع الحدود. (ما
استطعتم) أي: مدة استطاعتكم وقدر طاقتكم. (فإن كان له) أي: للحد المدلول عليه الحدود
(مخرج) اسم مكان أي عذر يدفعه. (فخلوا سبيله) أي: اتركوا إجراء الحد على صاحبه.
ويجوز أن يكون ضمير له للمسلم المستفاد من المسلمين، ويؤيده ما ورد في رواية: فإن
وجدتم للمسلم مخرجًا. فالمعنى اتركوه أو لا تتعرضوا له. (فإن الإمام أن يخطئ) أي:
خطؤه. (في العفو) مبتدأ خبره. (خير من أن يخطئ في العقوبة) والجملة خبر ((إن)) ويؤيده ما
في رواية: لأن يخطئ بفتح اللام وهي لام الابتداء. قال المظهر: يعني ادفعوا الحدود ما
استطعتم قبل أن تصل إلي، فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطإ في العفو الذي صدر منه خير من
أن يسلك سبيل الخطإ في الحدود. فإن الحدود إذا وصلت إليه وجب عليه الإنفاذ. قال
الطيبي: نزل معنى هذا الحديث على معنى حديث: تعافوا الحدود فيما بينكم؛ فما بلغني من
حد فقد وجب. وجعل الخطاب في الحديث لعامة المسلمين ويمكن أن ينزل على حديث
أبي هريرة في قصة رجل، وبريدة في قصة ماعز، فيكون الخطاب للأئمة لقوله ويطلقو للرجل:
((أبك جنون؟)) ثم قوله: ((أحصنت؟)) ولماعز: ((أبه جنون؟)) ثم قوله: ((أشرب؟)) لأن كل هذا
تنبيه على أن للإمام أن يدرأ الحدود بالشبهات. انتهى.
قال القاري بعد نقل كلام الطيبي هذا ما لفظه: هذا التأويل متعين والتأويل الأول لا
يلائمه قوله: فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن عامة المسلمين مأمورون بالستر مطلقًا، ولا
يناسبه أيضًا لفظ: خير، كما لا يخفى. فالصواب أن الخطاب للأئمة، وأنه ينبغي لهم أن
يدفعوا الحدود بكل عذر مما يمكن أن يدفع به، كما وقع منه عليه الصلاة والسلام لماعز
وغيره من تلقين الأعذار. انتهى كلام القاري.

٧٤٩
كتاب الحدود عن رسول الله وَلاه / باب مَا جَاء في دَرْءِ الحُدود
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ يَزِيدَ بنِ زِيَادٍ نَحْوَ حَدِيثٍ مُحَمَّدٍ بِنِ رَبِيعَةَ، وَلَمْ
يَرْفَعْهُ قَالَ: وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِن حَدِيثِ مُحَمَّدٍ بنِ رَبِيعَةً
عَن يَزِيدَ بنِ زِيَاد الدِّمَشْقِي عَن الزّهْرِي عَن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ عنِ النَّبِيِّ وَّةِ، ورَوَاهُ
وَكِيعٌ عَن يَزِيدَ بنِ زِيَادٍ نَحْوَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، ورِوَايَةُ وَكِيعِ أُصَحُّ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْو هَذَا عَن
غَيْرِ وَاحِدٍ مِن أصْحابِ النبيِّ نَّهِ أَنَّهُمْ قَالُوا:
قال الطيبي: فيكون قوله فإن الإمام مظهرًا أقيم مقام المضمر على سبيل الالتفات من
الخطاب إلى الغيبة حثًّا على إظهار الرأفة. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو) أما حديث أبي هريرة (١): فأخرجه
ابن ماجه بإسناد ضعيف، ولفظه: ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا. وأما حديث عبد الله بن
عمرو (٢) - وهو بالواو -: فأخرجه أبو داود والنسائي مرفوعًا ولفظه: تعافوا الحدود فيما بينكم،
فما بلغني من حد فقد وجب. قال الشوكاني: وفي الباب عن علي مرفوعًا: ادرؤوا الحدود
بالشبهات، وفيه المختار بن نافع، قال البخاري: وهو منكر الحديث، قال: وأصح ما فيه
حديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: ادرؤوا الحدود
بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم. وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضًا
موقوفًا، وروي منقطعًا وموقوفًا على عمر. ورواه ابن حزم في كتاب ((الإيصال)) عن عمر
موقوفًا عليه. قال الحافظ: وإسناده صحيح. ورواه ابن أبي شيبة(٣) من طريق إبراهيم النخعي
عن عمر بلفظ: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات وفي ((مسند
أبي حنيفة)) للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ادرؤوا الحدود بالشبهات.
وما في الباب وإن كان فيه المقال المعروف فقد شد من عضده ما ذكرناه، فيصلح بعد
ذلك للاحتجاج به على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة. انتهى.
قوله: (حديث عائشة لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث محمد بن ربيعة ... إلخ) وأخرجه
الحاكم والبيهقي. (وقد روي نحو هذا من غير واحد من أصحاب رسول الله وَطير أنهم قالوا
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الحدود. حديث (٢٥٤٥).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود. حديث (٤٣٧٦)، والنسائي، كتاب قطع السارق. حديث (٤٨٨٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥١١/٥). حديث (٢٨٤٩٣).

٧٥٠
كتاب الحدود عن رسول الله وَل﴿ ر باب مَا جَاء في السَّْرِ عَلَى المَسْلِم
مِثْلَ ذَلِكَ وَيَزِيدُ بن زِيَادِ الدِّمَشْقِيُّ ضَعِيفٌ في الحَدِيثِ وَيَزِيدُ بنُ أبِي زِيَادٍ الكُوفِيُّ
أثْبَتُ مِن هَذَا وَأَقْدَمُ.
٣- باب مَا جَاء في السَّتْرِ عَلَى المسْلِم [ت٣، م٣]
[١٤٢٥] (١٤٢٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَن أبي صَالِحٍ عَن
أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: (مَن نَفَّسَ عَن مؤمنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا
نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ الله في الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ، والله في عَوْنِ
مثل ذلك) وقد تقدم آثارهم.
٣ - باب مَا جَاءَ في السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ
[١٤٢٥] قوله: (من نفس) من التنفيس أي: فرج وأزال وكشف. (عن مسلم كربة) بضم
الكاف فعلة من الكرب، وهي الخصلة التي يحزن بها وجمعها كرب بضم ففتح والنون فيها
للإفراد والتحقير، أي: همًا واحدًا من همومها أيّ همٍّ كان صغيرًا كان أو كبيرًا. (من كرب
الدنيا) أي: بعض كربها أو كربة مبتداة من كربها. (نفس الله) أي: أزالها وفرجها. (عنه)
أي: عن من نفس عن مسلم كربة. (من كرب الآخرة) أي: يوم القيامة، وتنفيس الكرب
إحسان لهم، وقد قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وليس هذا منافيًا
لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] لما ورد من أنها تجازي بمثلها
وضعفها إلى عشرة إلى مئة إلى سبع مئة إلى غير حساب، على أن كربة من كرب يوم القيامة
تساوي عشرًا أو أكثر من كرب الدنيا. ويدل عليه تنوين التعظيم، وتخصيص يوم القيامة دون
يوم آخر، والحاصل أن المضاعفة إما في الكمية أو في الكيفية.
(من ستر على مسلم) وفي حديث ابن عمر: من ستر مسلمًا أي: بدنه أو عيبه، بعدم
الغيبة له والذب عن معائبه. وهذا بالنسبة إلى من ليس معروفًا بالفساد، وإلا فيستحب أن
ترفع قصته إلى الوالي، فإذا رأى في معصية فينكرها بحسب القدرة، وإن عجز يرفعها إلى
الحاكم إذا لم يترتب عليه مفسدة. كذا في ((شرح مسلم) للنووي.
(ستره الله في الدنيا والآخرة) أي: لم يفضحه بإظهار عيوبه وذنوبه. (والله في عون

٧٥١
كتاب الحدود عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في السَّتْرِ عَلَى المَسْلِم
العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ)). [م: ٢٦٩٩، د: ٤٩٤٦، جه: ٢٢٥، حم: ٧٣٧٩].
قَالَ: وفي البابِ: عَن عُقْبَةَ بنِ عَامٍ وابنٍ عُمَرَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأعْمَشِ عَن
أبي صَالِحٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ وَّهِ نَحْوَ رِوَايَةِ أبي عَوَانَةَ، ورَوَى أسْبَاطُ بنُ
مُحَمَّدٍ عَنِ الأعْمَشِ قَالَ: حُدِّثْتُ عَن أبي صَالِحِ عَن أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ بَّهِ نَحْوَهُ،
وكان هذا أصح من الحديث الأول. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عُبَيْدُ بنُ أسْبَاطَ بِنُ مُحَمَّدٍ قَالَ:
حدثني أبي عَن الأعْمَشِ بهذَا الحَدِيثِ.
العبد ما كان العبد في عون أخيه) وفي حديث ابن عمر المتفق عليه(١): ومن كان في حاجة
أخيه كان الله في حاجته. أي: من كان ساعيًا في قضاء حاجته، وفيه تنبيه نبيه على فضيلة
عون الأخ على أموره، وإشارة إلى أن المكافأة عليها بجنسها من العناية الإلهية سواء كان
بقلبه أو بدنه أو بهما لدفع المضار أو جلب المنافع إذ الكل عون.
قوله: (وفي الباب عن عقبة بن عامر وابن عمر) أما حديث عقبة بن عامر(٢): فأخرجه عنه
مرفوعًا أبو داود والنسائي وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم وقال: صحيح الإسناد لفظه:
((من ستر عورة أخيه فكأنما استحيى موؤدة في قبرها)). قال المنذري في ((الترغيب)): رجال
أسانيدهم ثقات، ولكن اختلف فيه على إبراهيم بن نشيط اختلافًا كثيرًا، ذكرت بعضه في
مختصر ((السنن)). انتهى. وأما حديث ابن عمر(٣): فأخرجه الشيخان، وأخرجه الترمذي أيضًا
في هذا الباب. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في ((الترغيب)).
قوله: (حديث أبي هريرة هكذا روى غير واحد عن الأعمش عن أبي صالح ... إلخ)
أي: بالاتصال بين الأعمش وأبي صالح. (وروى أسباط بن محمد قال: حدثت) بصيغة
المجهول. (عن أبي صالح). ففي رواية أسباط انقطاع بين الأعمش وأبي صالح، فإن
الأعمش لم يذكر من حدثه عن أبي صالح. قال المنذري بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا:
رواه مسلم وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه. انتهى.
(١) أخرجه البخاري، كتاب المظالم. حديث (٢٤٤٢)، ومسلم، كتاب البر والصلة. حديث (٢٥٨٠).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٨٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٠٧/٤). حديث (٧٢٨)، وابن
حبان (٢٧٥/٢). حديث (٥١٧)، والحاكم (٤٢٦/٤). حديث (٨١٦٢) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب. حديث (٢٤٤٢)، ومسلم، كتاب البر. حديث (٢٥٨٠)،
والترمذي، كتاب الحدود. حديث (١٤٢٦).

٧٥٢
كتاب الحدود عن رسول الله وَّهَر باب مَا جَاء في التَّلْقِينِ في الحَدِّ
[١٤٢٦] (١٤٢٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن عُقَيْلِ عَن الزُّهْرِي عَن سَالِمٍ عَن
أبِيهِ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ بِهِ قَالَ: ((المُسْلِمُ أخُو المُسْلِم لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، ومَنْ كَانَ
فِي حَاجَةٍ أخِيهِ كَانَ الله في حَاجَتِهِ، ومَنْ فَرّجَ عَن مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عنه كُرْبَةٌ مِن
كُرَبٍ يَوْمِ القِيَامَةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [خ: ٢٤٤٢، م: ٢٥٨٠،
د: ٤٨٩٣، حم: ٥٦١٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ.
٤- باب مَا جَاء في التَّلْقِينِ في الحَدِّ (ت٤، ٤٢]
[١٤٢٧] (١٤٢٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عَن سَعِيدٍ
بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ لمَاعِزِ بنِ مَالِكِ: ((أحَقُّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟»
قَالَ: ومَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: ((بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ عَلى جَارِيَةِ آلٍ فُلان))، قَالَ: نَعَم،
قلت: ليس في النسخ الحاضرة عندي تحسين الترمذي لهذا الحديث.
[١٤٢٦] قوله: (عن سالم عن أبيه) أي: عبد الله بن عمر - رَدُّه - (المسلم أخو المسلم)
قال الله تعالى: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
(ولا يسلمه) بضم أوله وكسر اللام أي لا يخذله بل ينصره. قال في ((النهاية)): أسلم
فلان فلانًا إذا ألقاه في التهلكة، ولم يحمه من عدوه، وهو عامّ في كل من أسلمته إلى شيء،
لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإلقاء في التهلكة. وقال بعضهم: الهمزة فيه للسلب،
أي: لا يزيل سلمه، وهو بكسر السين وفتحها الصلح.
قوله: (من كان في حاجة أخيه) أي: في قضائها. (ومن فرج) من التفريج أي: أزال
وكشف. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر) هذا الحديث متفق
عليه كما في ((المشكاة)) لكن لم يعزه المنذري في ((الترغيب)) إلى الشيخين؛ بل عزاه إلى
أبي داود والترمذي.
٤ - باب مَا جَاءَ في التَّلْقِينِ في الْحَدِّ
[١٤٢٧] قوله: (قال لماعز) بكسر العين المهملة وبالزاي (أحق) بهمزة الاستفهام، وهو
خبر مقدم لقوله ما بلغني عنك. (ما بلغك) أي: أيّ شيء بلغك. (وقعت على جارية آل فلان)

٧٥٣
كتاب الحدود عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء فِي درء الحَدِّ عَن المعتَرِفِ إِذَا رَجَع
فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. [م: ١٦٩٣، د: ٤٤٢٥].
قَالَ: وفي الباب عَن السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابن عَبّاسِ حَدِيثٌ حسنٌّ، ورَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ
◌ِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٥- باب مَا جَاء في درء الحَدِّ عَن المعتَرِفِ إذَا رَجَع [ته، م٥]
[١٤٢٨] (١٤٢٨) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَن مُحَمَّدٍ بنِ
عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاء مَاعِزٌّ الأسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ الله
وَهِ، فَقَالَ: إِنّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاء مِنْ شِّه الآخَرِ، فَقَالَ: يا رسول الله،
إِنّهُ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاء مِنْ شقِّه الآخَرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنّهُ قَدْ زَنَى،
أي: جامعتها. (فشهد أربع شهادات) أي: أقر على نفسه، كأنه شهد عليها بإقراره بما يوجب
الحد، والحديث دليل على جواز التلقين في الحد. قال الإمام البخاري في ((صحيحه)) (١):
باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت؟ وذکر فیه حديث ابن عباس في قصته،
وفيه: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله .... الحديث. قال الحافظ:
هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الإمام المقر بالحد ما يدفعه عنه، وقد خصه بعضهم بمن
يظن به أنه أخطأ أو جهل. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن السائب بن يزيد)(٢) لينظر من أخرجه (حديث ابن عباس حديث
حسن) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود.
٥ - باب مَا جَاءَ في دَرْءِ الحَدِّ عَنِ الْمُغْتَرِفِ إِذَا رَجَعَ
[١٤٢٨] قوله: (فقال: إنه قد زنى) هذا نقل بالمعنى كما لا يخفى؛ إذ لفظه: إني قد
زنيت، والمراد أن ماعزًا قد زنى. قاله القاري.
قلت: هذا هو الظاهر كما لا يخفى. (ثم جاء من الشق الآخر) أي: بعد غيبته عن
المجلس. قاله القاري.
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحدود. حديث (٦٨٢٤).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الحدود. حديث (٦٧٧٩).

٧٥٤
كتاب الحدود عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء فِي درء الحَدِّ عَن المعتَرِفِ إذَا رَجَع
فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَأَخْرِجَ إلَى الحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الحِجَارَةِ فَرَّ
يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ، فَضَرَبَهُ بِهِ وضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ، فَذَكَرُوا
ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ فَرَّ حِينَ وجدَ مَسَّ الحِجَارَةِ ومَسَّ المَوْتِ فَقَالَ رَسُولُ الله
وَ الَ: ((هَلَا تَرَكْتُمُوهُ)). [ر: ٤٤١٩، جه: ٢٥٥٤، حم: ١٥١٢٧، مي: ٢٣١٨].
قلت: ليس في هذا الحديث ما يدل على ذلك إلا أن عليه دليل آخر فلينظر. (فأمر به)
أي: برجمه (في الرابعة) أي: في المرة الرابعة من مجالس الاعتراف. (فأخرج) بصيغة
المجهول أي: أمر بإخراجه (إلى الحرة) وهي بقعة ذات حجارة سود خارج المدينة (فلما
وجد مس الحجارة) أي: ألم إصابتها. (فر) أي: هرب (يشتد) بتشديد الدال أي: يسعى وهو
حال. (حتى مر برجل معه لحي جمل) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة أي: عظم ذقنه،
وهو الذي ينبت عليه الأسنان (فضربه) أي: الرجل (به) أي: باللحي (وضربه الناس) أي:
آخرون بأشياء أخرى (ومس الموت) عطف على مس الحجارة على سبيل البيان. قال
الطيبي: قوله ذلك إذا جعل إشارة إلى المذكور السابق من فراره من مس الحجارة، كأن قوله
إنه فر حين وجد مس الحجارة تكرارًا؛ لأنه بيان ذلك، فيجب أن يكون ذلك مبهمًا. وقد
فسر بما بعده كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:
٦٦] ولعله كرر لزيادة البيان. انتهى. (هلا تركتموه) وفي رواية: هلا تركتموه لعله أن يتوب
فيتوب الله عليه. قال القاري: أي: عسى أن يرجع عن فعله فيرجع الله عليه بقبول توبته.
قال ابن الملك: فيه أن المقر على نفسه بالزنا لو قال: ما زنيت أو كذبت أو رجعت
سقط عنه الحد، فلو رجع في أثناء إقامته عليه سقط الباقي. وقال جمع: لا يسقط إذ لو سقط
لصار ماعز مقتولًا خطأ، فتجب الدية على عواقل القاتلين. قلنا: إنه لم يرجع صريحًا؛ لأنه
هرب، وبالهرب لا يسقط الحد. وتأويل قوله: هلا تركتموه، أي: لينظر في أمره أهرب من
ألم الحجارة أو رجع عن إقراره بالزنا؟ قال الطيبي: فإن قلت: إذا كان رسول الله اله
واخذهم بقتله حيث فر؛ فهل يلزمهم قود إذًا؟ قلت: لا؛ لأنه وَّرُ واخذهم بشبهة عرضت
تصلح أن يدفع بها الحد، وقد عرضت لهم شبهة أيضًا، وهي إمضاء أمر رسول الله بَّر فلا
جناح عليهم. انتهى. وفي ((شرح السنة)): فيه دليل على أن من أقر على نفسه بالزنا إذا رجع
في خلال إقامة الحد فقال: كذبت، أو ما زنيت، أو رجعت؛ سقط ما بقي من الحد عنه،
وكذلك السارق وشارب الخمر. انتهى.

٧٥٥
كتاب الحدود عن رسول الله وَل ◌ِ / باب مَا جَاء فِي درء الحَدِّ عَن المعتَرِفِ إِذَا رَجَع
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ حسنٌ، وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرٍ وَجْه عَن أبي هُرَيْرَةَ،
ورُوِيَ هَذَا الحدِيثُ، عَن الزهري، عَن أبي سَلَمَةَ عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، عنِ النَّبِيِّ
وَلِ﴿ نَحْوَ هَذَا.
[١٤٢٩] (١٤٢٩) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الحَسَنُ بنُ عَلِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنبأنا
مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِي، عَن أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرحمنِ، عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله: أنَّ
رَجُلًا مِن أُسْلَمَ جَاء إِلى النَّبِيِّ وَّهِ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اعْتَرَفَ فَأَعْرَضَ
عَنْهُ، حَتَى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((أبكَ جُنُونٌ؟)) قَالَ: لا،
قَالَ: ((أحْصَنْتَ؟)) قَالَ: نَعَم قال: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ
فَأَدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ خِيرًا وَلَم يُصَلِّ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٠،
م: ١٦٩١، ن: ١٩٥٥، د: ٤٤٣٠، حم: ١٤٠٥٣].
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجه. (وروي هذا الحديث عن أبي سلمة عن
جابر بن عبد الله ... إلخ) أخرجه الترمذي عقيب قوله هذا بقوله: حدثنا بذلك الحسن بن
إلخ.
على الخلال
[١٤٢٩] قوله: (حتى شهد على نفسه أربع شهادات) أي: أقر على نفسه كأنه شهد عليها
بإقراره بما يوجب الحد أربع مرات. (قال: أبك جنون؟) قال النووي: إنما قال: أبك
جنون؟ ليتحقق حاله، فإن الغالب أن الإنسان لا يصر على الإقرار ما يقتضي قتله، مع أن له
طريقًا إلى سقوط الإثم بالتوبة، وهذا مبالغة في تحقيق حال المسلم وصيانة دمه، وإشارة إلى
أن إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجري عليه. (قال: أحصنت) بتقدير همزة
الاستفهام أي: هل تزوجت؟ (فلما أذلقته الحجارة) أي: أصابته بحدها فعقرته، من ذلق
الشيء طرفه (فر) أي: هرب (فأدرك) بصيغة المجهول أي: أدركه الناس، من الإدراك بمعنى
اللحوق. (فقال له رسول الله وَ ﴿ل خيرًا) أي: أثنى عليه. (ولم يصل عليه) وفي رواية البخاري
من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق: وصلى عليه. قال الحافظ في ((الفتح)): قال
المنذري في ((حاشية السنن)): رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق فلم يذكروا قوله: وصلى
عليه. وذكر الحافظ روايات هؤلاء الأنفس وغيرهم ثم قال: فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس،
منهم من سكت عن الزيادة، ومنهم من صرح بنفيها. انتهى.

٧٥٦
كتاب الحدود عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاء فِي درء الحَدِّ عَن المعتَرِفِ إِذَا رَجَع
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ
أهْلِ العِلْمِ، أنَّ المُعْتَرِفَ بِالزّنَا إِذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وهُوَ
قَوْلُ أحمدَ وإسحاق،
قال الإمام البخاري في ((صحيحه)) (١) بعد رواية هذا الحديث: ولم يقل يونس وابن
جريج عن الزهري: فصلى عليه. سئل أبو عبد الله: صلى عليه يصح؟ قال: رواه معمر. فقيل
له. رواه غير معمر؟ قال: لا. انتهى.
قال الحافظ: وقد اعترض عليه في جزمه بأن معمرًا روى هذه الزيادة، مع أن المنفرد بها
إنما هو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق، وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ، فصرحوا بأنه
لم يصل عليه، لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد. فقد أخرج
عبد الرزاق(٢) أيضًا وهو في ((السنن) لأبي قرة من وجه آخر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف
في قصة ماعز، قال: فقيل: يا رسول الله، أتصلي عليه؟ قال: ((لا)). قال: فلما كان من الغد
قال: صلوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول الله ◌َطر والناس. فهذا الخبر يجمع
الاختلاف، فتحمل رواية النفي على أنه لم يصل عليه حين رجم. ورواية الإثبات على أنه
حَ ل﴿ صلَّى عليه في اليوم الثاني.
قال الحافظ: ويتأيد بما أخرجه مسلم(٣) من حديث عمران بن حصين في قصة الجهنية
التي زنت ورجمت أن النبي ◌ّلهم صلَّى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال:
((لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم)). انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
قوله: (وهو قول أحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة، وحجتهم أحاديث الباب، قال
في ((شرح السنة)): يحتج بهذا الحديث - يعني بحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب - من
اشترط التكرار في الإقرار بالزنا حتى يقام عليه الحد. ويحتج أبو حنيفة بمجيئه من الجوانب
الأربعة على أنه يشترط أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس، ومن لم يشترط التكرار قال:
إنما رده مرة بعد أخرى لشبهة داخلته في أمره. ولذلك دعاه النبي وَّر فقال: ((أبك جنون؟))
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحدود. حديث (٦٨٢٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٢١/٧)، حديث (١٣٣٣٩).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الحدود. حديث (١٦٩٥).

٧٥٧
كتاب الحدود عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء فِي درء الحَدِّ عَن المعتَرِفِ إِذَا رَجَع
وقال بعض أهل العلم: إذا أقر على نفسه مرَّة أقيم عليه الحدُّ، وهو قول مَالِكِ بنِ
أنَسٍ، وَالشَّافِعِي، وحُجَّةُ من قَالَ هَذَا القَوْلَ حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدُ بنُ خَالِدٍ: أَنَّ
رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رسولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رسولَ الله، إنَّ ابْنِي زَنَا بامْرأةِ
هَذَا، الحَدِيث بِطُولِهِ، وقالَ النبيُّ وَّهِ: ((اغْدُ يا أَنَيْسُ عَلَى امْرأةِ هَذَا فإنِ اعْتَرَفَتْ
فَارْجُمْهَا)) ولَمْ يَقُلْ: فإنِ اعْتَرَفَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. [خ: ٢٧٢٥، م: ١٦٩٨، ن: ٥٤٢٦،
جه: ٢٥٤٩، حم: ١٦٥٩٤].
قال: لا. وفي رواية: فقال: ((أشربت خمرًا؟)) فقام رجل فاستنكهه فلا يجد منه ريح الخمر
فقال: ((أَزَنيت؟)) قال: نعم. فأمر به فرجم، فرد مرة بعد أخرى للكشف عن حاله، لا أن
التكرار فیه شرط. انتهى.
(وقال بعض أهل العلم: إذا أقر على نفسه مرة أقيم عليه الحد، وهو قول مالك بن أنس
والشافعي) واختاره الشوكاني في ((النيل))، وأجاب عن جميع ما استدل به الأولون، وقال في
آخر كلامه: وإذ قد تقرر لك عدم اشتراط الأربع عرفت عدم اشتراط ما ذهبت إليه الحنفية
والقاسمية من أن الأربع لا تكفي أن تكون في مجلس واحد، بل لا بد أن تكون في أربعة
مجالس؛ لأن تعدد الأمكنة فرع تعدد الإقرار الواقع فيها. وإذا لم يشترط الأصل تبعه الفرع
في ذلك، وأيضًا لو فرضنا اشتراط كون الإقرار أربعًا لم يستلزم كون مواضعه متعددة: أما
عقلًا فظاهر؛ لأن الإقرار أربع مرات أو أكثر منها في موضع واحد من غير انتقال مما لا
يخالف في إمكانه عاقل، وأما شرعًا فليس في الشرع ما يدل على أن الإقرار الواقع بين يديه
* وقع من رجل في أربعة مواضع، فضلًا عن وجود ما يدل على أن ذلك شرط، ثم أجاب
الشوكاني عن الروايات التي استدل بها الحنفية على اشتراط تعدد مواضع الإقرار، فإن شئت
الوقوف على ذلك فارجع إلى ((النيل)).
(وحجة من قال هذا القول حديث أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رجلين اختصما ...
إلخ) سيأتي هذا الحديث بطوله في باب الرجم على الثيب. وأجاب الأولون عن هذا
الحديث بأنه مطلق قيدته الأحاديث التي فيها أنه وقع الإقرار أربع مرات، وقد رد الشوكاني
هذا الجواب في ((النيل)) فقال: الإطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ، وجميع الأحاديث
التي ذكر فيها تربيع الإقرار أفعال ولا ظاهر لها. وغاية ما فيها جواز تأخير إقامة الحد بعد
وقوع الإقرار مرة إلى أن ينتهي إلى أربع. ثم لا يجوز التأخير بعد ذلك. وظاهر السياقات

٧٥٨
كتاب الحدود عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاء فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ يَشْفعَ فِي الحُدُود
٦- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةٍ أنْ يَشْفعَ في الحُدُود [ت٦، م٦]
[١٤٣٠] (١٤٣٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن عُرْوَةَ، عَن
عَائِشَةَ، أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهُمْ شَأْنُ المرأةِ المخزُومِيَّةِ التِي سَرَقَتْ، فَقالُوا: مَن يُكَلِّمُ فيهَا
رَسولَ اللهِ وََّ؟ فَقَالُوا: مَن يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أسَامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِوَلَةِ فكلَّمَهُ
أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدودِ الله؟)) ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ:
(إنَّمَا أهْلَكَ
مشعر بأن النبي ◌َّله إنما فعل ذلك في قصة ماعز لقصد التثبت، كما يشعر بذلك قوله له:
((أبك جنون؟)) ثم سؤاله بعد ذلك لقومه. فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد
بعد صدور الإقرار، مرة على من كان أمره ملتبسًا في ثبوت العقل واختلاله والصحو والسكر
ونحو ذلك. وأحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من كان معروفًا بصحة العقل
وسلامة إقراره عن المبطلات. انتهى.
٦ - باب مَا جَاءَ في كراهِيَةٍ أَنْ يُشْفَعَ في الْحُدُودِ
[١٤٣٠] قوله: (أن قريشًا أهمتهم) وفي ((المشكاة)): أهمهم بالتذكير، أي: أحزنهم
وأوقعهم في الهم. قال التوربشتي يقال: أهمني الأمر إذا قلقك وأحزنك. (شأن المرأة
المخزومية) أي: المنسوبة إلى بني مخزوم، قبيلة كبيرة من قريش منهم أبو جهل، وهي
فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة. (التي سرقت) أي: وكانت تستعير
المتاع وتجحده أيضًا. وقد أمر النبي ◌َّ بقطع يدها. (فقالوا) أي: قومها. (من يكلم) أي:
بالشفاعة. (فيها) أي: في شأنها ظنًّا منهم أن الحدود تندرئ بالشفاعة كما أنها تندرئ
بالشبهة. (من يجترئ عليه) أي: من يتجاسر عليه. (إلا أسامة بن زيد حب رسول الله (وَل (3)
بكسر الحاء أي: محبوبه وهو بالرفع عطف بيان أو بدل من أسامة. قال النووي: معنى
يجترئ يتجاسر عليه بطريق الإدلال، وهذه منقبة ظاهرة لأسامة. (فكلمه أسامة) أي: فكلموا
أسامة. فكلمه أسامة ظنًّا منه أن كل شفاعة حسنة مقبولة، وذهولًا عن قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ
شَفَعَةٌ حَسَنَةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِئَةً يَكُنْ لَّهُ, كِفْلٌ﴾ [النساء: ٨٥] (أتشفع في
حد من حدود الله؟!) الاستفهام للتوبيخ. (ثم قام فاختطب) أي: بالغ في خطبته، أو أظهر
خطبته قاله القاري. وقال: وهو أحسن من قول الشارح أي: خطب. (إنما أهلك) بصيغة

٧٥٩
كتاب الحدود عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ يَشْفعَ فِي الحُدُود
الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ
أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وايْمُ الله لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)).
[خ: ٣٤٧٥، م: ١٦٨٨، ن: ٤٩١٤، د: ٤٣٧٣، جه: ٢٥٤٧، حم: ٢٤٧٦٩، مي: ٢٣٠٢].
قَالَ: وفي الباب عَن مَسْعُودِ بنِ العَجْمَاءِ، وابن عُمَرَ، وجَابِرٍ.
الفاعل، قال القاري: وفي نسخة - يعني: من ((المشكاة)) - على بناء المفعول. (الذين من
قبلكم) يحتمل كلهم أو بعضهم. (أنهم كانوا) أي: كونهم إذا سرق ..... إلخ أو ما أهلكهم
إلا لأنهم كانوا والحصر ادعائي؛ إذ كانت فيهم أمور كثيرة من جملتها: أنهم كانوا. (إذا
سرق فيهم الشريف) أي: القوي. (تركوه) أي: بلا إقامة الحد عليه. (وإذا سرق فيهم
الضعيف أقاموا عليه الحد) أي: القطع أو غيره (وأيم الله) بهمزة وصل وسكون ياء وضم ميم
وبكسر وبفتح همزة ويكسر، ففي ((القاموس)): وإيمن الله وإيم الله بكسر أولهما وإيم الله بكسر
الهمزة والميم، وهو اسم وضع للقسم. والتقدير أيمن الله قسمي. وفي ((النهاية)): وأيم الله
من ألفاظ القسم وفي همزها الفتح والكسر والقطع والوصل. وفي ((شرح الجزرية)) لابن
المصنف: الأصل فيها الكسر أنها همزة وصل لسقوطها، وإنما فتحت في هذا الاسم؛ لأنه
ناب مناب حرف القسم وهو الواو ففتحت لفتحها، وهو عند البصريين مفرد وعند سيبويه من
اليمن بمعنى البركة، فكأنه قال: بركة الله قسمي. وذهب الكوفيون إلى أنه جمع يمين وهمزته
همزة قطع، وإنهما سقطت في الوصل لكثرة الاستعمال. وفي ((المشارق)) لعياض: وأيم الله
بقطع الألف ووصلها أصله أيمن، فلما كثر في كلامهم حذف النون فقالوا: أيم الله، وقالوا:
أم الله وم الله انتهى. وفيه لغات كثيرة ذكرت في ((القاموس)).
(لو أن فاطمة بنت محمد ... إلخ) إنما ضرب المثل بفاطمة؛ لأنها أعز أهله وَله .
قوله: (وفي الباب عن مسعود بن العجماء (١)، ويقال: ابن الأعجم وابن عمر(٢) ...
وجابر)(٣) أما حديث مسعود وجابر: فلينظر من أخرجه. وأما حديث ابن عمر: فأخرجه أحمد
وأبو داود. وفي الباب عن الزبير بن العوام(٤) أنه لقي رجلًا قد أخذ سارقًا وهو يريد أن يذهب
(١) أخرجه ابن ماجه، کتاب الحدود. حديث (٢٥٤٨).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود. حديث (٤٣٩٥)، وأحمد. حديث (٦٣٤٧).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الحدود. حديث (١٦٨٩).
(٤) أخرجه مالك، كتاب الحدود. حديث (١٥٨٠).

٧٦٠
كتاب الحدود عن رسول الله وَال﴿ / باب مَا جَاء في تَحْقِيقِ الرَّجْم
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ويقال: مسعود بن
الأعجم، وله هذا الحديث.
٧- باب مَا جَاء في تَحْقِيقِ الرَّجُم [ت٧، م٧]
[١٤٣١] (١٤٣١) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ مَنِيعِ، حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ، عَن
دَاوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ، عَن سَعِيد بنِ المُسَيِّبٍ، عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: رَجَمَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ ورَجِمْتُ، وَلَوْلا أَنِّي أكْرَهُ أنْ أزِيدَ فِي كِتَابِ الله لَكَتَبْتُهُ
فِي المُصْحَفِ، فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ أنْ تجِيءَ أقْوَامٌ فَلا يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ الله فَيَكْفُرُونَ
بِهِ، قَالَ: وفي الباب عَن عَلِي. [حم: ١٩٨].
به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله. فقال: لا حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إنما
الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان فإذا بلغ إليه فقد لعن الشافع والمشفع. رواه مالك.
قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن
ماجه .
٧ - باب مَا جَاءَ في تَحْقِيقِ الزَّجُمِ
[١٤٣١] قوله: (فإني قد خشيت أن يجيء أقوام ... إلخ) قد وقع ما خشيه عمر - رضي الله -
فأنكر الرجم طائفة من الخوارج ومعظمهم وبعض المعتزلة، ويحتمل أن يكون استند في ذلك
إلى توقيف: وقد أخرج عبد الرزاق والطبري(١) عن ابن عباس - ظُبه - أن عمر قال: سيجيء
قوم يكذبون بالرجم ... الحديث. ووقع في رواية سعيد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة في حديث عمر عند النسائي (٢): وأن ناسًا يقولون: ما بال الرجم وإنما في كتاب الله
الجلد؟ ألا قد رجم رسول الله ◌َ، وفيه إشارة إلى أن عمر استحضر ناسًا قالوا ذلك فرد
عليهم. كذا في ((فتح الباري)).
قوله: (وفي الباب عن علي)(٣) أخرجه البخاري.
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧/ ٣٣٠). حديث (١٣٣٦٤).
(٢) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٢٧٣/٤). حديث (٧١٥٤).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الحدود. حديث (٦٨١٢).