النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كتاب البيوع عن رسول الله /# / باب فَقَدْ مَلَأتَ يَدَكَ مِن الخَيرِ لا تُرِدْ غَيْرَهُ. ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: مَا أجِدُ فِي إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي وَمُجَاهِدٍ، أَثْبَتَ عَن مَنْصُورٍ. قَالَ: وأخْبَرَني مُحَمَّدٌ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ أبي الأسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِي: مَنْصُورٌ أَثْبَتُ أهْلِ الكُوفَةِ. ٣٤- باب [ت٣٤، م٣٤] [١٢٥٧] (١٢٥٧) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ عَن أبي حُصَيْنٍ، عَن حَبِيبٍ ابنِ أبي ثَابِتٍ، عَن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ بَعَثَ حَكِيمَ بن حزامِ رجل عن منصور (فقد ملأت يدك من الخير) كناية عن كونه ثقة ثبتًا في الحديث، وكان هو أثبت أهل الكوفة، وكان لا يحدث إلا عن ثقة (لا ترد) من الإرادة و(غيره) أي: غير منصور (وأخبرني محمد) هو الإمام البخاري رحمه الله وهذا قول الترمذي. قوله: (وفي الباب عن ابن عمر)(١) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله: (وقال) أي: أبو عيسى الترمذي (منصور بن المعتمر يكنى أبا عتاب) بفتح المهملة وشدة الفوقية. قوله: (قال: سمعت يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي القطان البصري الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل (إذا حدثت) بصيغة المجهول للمخاطب (عن منصور) هو منصور بن المعتمر المذكور. قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمة أحد الأعلام: لا أحفظ له شيئًا عن الصحابة، وحدث عن أبي وائل وربعي بن حراش وإبراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وأبي حازم الأشجعي وطبقتهم وعنه شعبة وشيبان وسفيان وشريك وخلق كثير، وحكى عنه شعبة قال: ما كتبت حديثًا قط. وقال ابن مهدي: لم يكن بالكوفة أحد أحفظ من منصور. وقال أحمد العجلي: كان منصور أثبت أهل الكوفة لا يختلف فيه أحد، مات في سنة اثنتين وثلاثين ومئة انتهى مختصرًا. (فقد ملأت يدك من الخير لا ترد) من الإرادة (غيره) مقصود يحيى القطان من هذا الكلام بيان كمال حفظ منصور بن المعتمر وإتقانه في الحديث. ٣٤- بَابٌ [١٢٥٧] قوله: (بعث حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وبالزاي، وهو ابن أخي (١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٦٩)، ومسلم، كتاب العتق. حديث (١٥٠٤)، والنسائي، كتاب البيوع. حديث (٤٦٤٤). ٥٠٢ کتاب البیوع عن رسول الله #و / باب يَشْترِي لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ، فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا، فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانِهَا، فَجَاءَ بِالأُضْحِيَّةِ والدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِهِ فَقَالَ: ((ضَحِّ بِالشَّاةِ، وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ)). [ضعيف د بنحوه: ٣٣٨٦]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ حَكِيم بنِ حِزامٍ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذَا الوَجْهِ، وَحَبِيبُ بنُ أبي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ عِنْدِي، مِن حَكِيمٍ بِنِ حِزَامٍ. [١٢٥٨] (١٢٥٨) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَيّان - وَهُوَ ابْنُ هِلالٍ، أَبُو حَبِيْبِ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ الأعْوَرُ المُقْرِئُ - وَهُوَ ابْنُ مُؤْسَى القَارِئُ - حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بنُ الخرِّيت عَن أبي لَبِيدٍ، عَن عُرْوَةَ البَارِقِي، قَالَ: دَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ الله وَال ◌ِ دِينَارًا لأشْترِي لَهُ شَاةً، فَاشْترَيْتُ لَهُ شاتَيْنٍ، فَبِعْتُ إِحْدَاهُما بِدِينَارٍ، وَجِئْتُ خديجة أم المؤمنين، ولد قبل الفيل بثلاث عشر سنة، وكان من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وتأخر إسلامه في عام الفتح، ومات في المدينة سنة أربع وخمسين وله مئة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية وستون في الإسلام (يشتري له) وفي رواية أبي داود ليشتري له (أضحية) أي: ما يضحي به من غنم (وتصدق بالدينار) جعل جماعة هذا أصلًا فقالوا: من وصل إليه مال من شبهة وهو لا يعرف له مستحقًّا فإنه يتصدق به. ووجه الشبهة ها هنا أنه لم يأذن لحكيم بن حزام في بيع الأضحية. ويحتمل أن يتصدق به؛ لأنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية فكره أكل ثمنها. قاله في ((النيل)): قوله: (حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام) فالحديث منقطع، وأخرجه أبو داود من طريق أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم بن حزام، قال المنذري: في إسناده مجهول. انتهى. [١٢٥٨] قوله: (حدثنا الزبير بن خريت) بكسر المعجمة والراء المشددة المكسورة وآخره مثناة، وثقه أحمد وابن معين (عن أبي لبيد) اسمه لمازة بكسر اللام وتخفيف الميم وبالزاي، ابن الزبار بفتح الزاي وتثقيل الموحدة وآخره راء، صدوق ناصبي من الثالثة. كذا في ((التقريب)): قوله: (فاشتريت له شاتين) فيه دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له المالك: اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشتري بها شاتين بالصفة المذكورة؛ لأن مقصود الموكل قد حصل وزاد الوكيل خيرًا، ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم فباعها بدرهمين، أو بأن ٥٠٣ كتاب البيوع عن رسول الله # # / باب بِالشَّاةِ والدِّينَارِ إِلى النَّبِيِّ وَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِن أمْرِهِ، فَقَالَ لَهُ: ((بَارَكَ الله لَكَ فِي صَفْقَةٍ يَمِينكَ)). فَكَانَ يَخْرُجُ بعد ذَلِكَ إِلَى كُنَاسَةِ الكُوفَةِ، فَيَربَحُ الرِّبْحَ العِظِيمَ، فَكَانَ مِن أكْثَرِ أهْلِ الكُوفَةِ مَالًا. [خ بنحوه: ٣٦٤٣، د بنحوه: ٣٣٨٤، جه بنحوه: ٢٤٠٢]. حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ سَعِيدِ الدَّارمي، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ هو أخو حمّاد بن زيد قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بنُ خِرِّيتٍ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ عَن أبي لَبِيدٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلَى هذَا الحَدِيثِ وقَالُوا بِهِ، وهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وإِسْحَاقَ، ولَمْ يَأْخُذْ بَعْضُ أهْلِ العِلَّمِ بِهِذَا الحَدِيثِ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ، أَخُو حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وأبُو لَبِيدِ اسْمُهُ: لِمَازَةُ بن زيّار. يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم. وهو الصحيح عند الشافعية كما نقله النووي في زيادات ((الروضة)). (فقال: بارك الله في صفقة يمينك) بفتح صاد وسكون فاء، والمعنى: بارك الله في بيعك وتجارتك (فكان بعد ذلك يخرج إلى كناسة الكوفة) بضم الكاف وتخفيف النون موضع بالكوفة (فيربح الربح العظيم إلخ) وفي رواية البخاري فدعا له رسول الله وَ له في بيعه بالبركة. فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه. وحديث عروة البارقي هذا أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه وفي إسناده من [عند] (١) البخاري سعيد بن زيد أخو حماد، وهو مختلف فيه عن أبي لبيد لمازة بن زبار، وقد قيل إنه مجهول، لكنه قال: إنه وثقه ابن سعد. وقال حرب: سمعت أحمد يثني عليه وقال في ((التقريب)): إنه ناصبي أجلد، قال المنذري والنووي: إسناده صحيح لمجيئه من وجهين. وقد رواه البخاري من طريق ابن عيينة عن شعيب بن غرقد، سمعت الحي يحدثون عن عروة. قال الحافظ: الصواب أنه متصل في إسناده مبهم. قوله: (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا به: وهو قول أحمد وإسحاق إلخ) قال في ((النيل)): وفي الحديث دليل على صحة بيع الفضولي. وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والشافعي في القديم. وقواه النووي في ((الروضة)) وهو مروي عن جماعة من السلف منهم علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وقال الشافعي (١) في نسخة: (عد)، وهو تصحيف؛ والصواب ما أثبتناه. ٥٠٤ كتاب البيوع عن رسول الله وَإ﴿ / باب مَا جَاءَ في المكَاتَبِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي ٣٥- باب مَا جَاءَ في المكَاتَبِ إذَا كانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي [ت٣٥، ٣٥٢] [١٢٥٩] (١٢٥٩) حَدَّثَنَا هارُونُ بنُ عَبْدِ اللهِ البَزَّارُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، أُخْبَرَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عَن أيُّوبَ، عَن ◌ِعِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: (إِذَا أصَابَ المُكاتَبُ حَدًّا أوْ مِيرَاثًا، وَرِثَ بحِسَابٍ مَا عَتَقَ مِنْهُ)). [د: ٤٥٨٢]. وَقَالَ النبيُّ بَّهِ: ((يُؤَدِّي المكاتَبُ بِحِصَّةٍ مَا أُذَّى، دِيَةَ حُرِّ: ومَا بَقِيَ، دِيَةَ عَبْدٍ)). [حم: ٣٤٧٩]. في الجديد وأصحابه: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف باطلان لحديث: ((لا تبع ما ليس عندك)). وأجابوا عن حديثي الباب بما فيهما من المقال، وعلى تقدير الصحة فيمكن أنه كان وكيلاً بالبيع بقرينة فهمها منه وَّه. وقال أبو حنيفة: إنه يكون البيع الموقوف صحيحًا دون الشراء، والوجه أن الإخراج عن ملك المالك مفتقر إلى إذنه بخلاف الإدخال. ويجاب بأن الإدخال للمبيع في الملك يستلزم الإخراج من الملك للثمن. وروي عن مالك العكس من قول أبي حنيفة، فإن صح فهو قوي؛ لأن فيه جمعًا بين الأحاديث. انتهى كلام الشوكاني. ٣٥ - باب مَا جَاءَ في المكاتب إذا كَانَ عِندَهُ ما يُؤَدِّي [١٢٥٩] قوله: (إذا أصاب المكاتب) أي: استحق (حدًّا) أي: دية (أو ميراثًا ورث) بفتح فكسر راء مخفف (بحساب ما عتق منه) أي: بحسبه ومقداره. والمعنى: إذا ثبت للمكاتب دية أو ميراث ثبت له من الدية والميراث بحسب ما عتق من نصفه، كما لو أدى نصف الكتابة ثم مات أبوه وهو حر ولم يخلف غيره، فإنه يرث منه نصف ماله، أو كما إذا جنى على المكاتب جناية وقد أدى بعض كتابته فإن الجاني عليه أن يدفع إلى ورثته بقدر ما أدى من كتابته دية حر، ويدفع إلى مولاه بقدر ما بقي من كتابته دية عبد. مثلًا إذا كاتبه على ألف وقيمته مئة، وأدى خمس مئة ثم قتل فلورثة العبد خمس مئة من ألف نصف دية حر، ولمولاه خمسون نصف قيمته (يودي المكاتب) بضم ياء وسكون واو وفتح دال مخففة، أي: يعطي دية المكاتب (بحصة ما أدى) بفتح الهمزة وتشديد الدال، أي: قضى ووفى. قال القاري: وفي نسخة يعني في (المشكاة)) بحسب ما أدى، أي: من النجوم (دية حر) بالنصب (وما بقي) أي: ويعطي بحصة ما بقي عليه من النجوم (دية عبد) بالنصب، قال الأشرف: قوله يودى بتخفيف الدال مجهولًا من ودى يدي دية أي: أعطى الدية وانتصب دية حر، مفعولًا ٥٠٥ كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في المكّاتَبِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي قَالَ: وفي البابٍ عَن أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَی: حدِیثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حسنٌ، وَهَكَذَا رَوَى يَحْیَیِ بنُ أبي گَثِيرٍ عَن عِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عنِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَرَوَى خَالِدٌ الحَذَّاءُ عَن عِكْرِمَةَ، عَن عَلِي، قَوْلَهُ، والعَمَلُ عَلَى هذَا الحديث عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْم مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهـ وغَيْرِهِمْ. وقالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِم: المُكَاتَبُ عَبْدٌ، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وهو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِي، والشَّافِعِي، وأحْمَدَ، وإِسْحَاقَ. [١٢٦٠] (١٢٦٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ، عَن يَحْيَى بِنِ أبي أُنَيْسةَ، عَن عَمْرٍو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيه، عَن جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِهـ يَخْطُبُ يَقُولُ: ((مَن كاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مائَةٍ أُوقيةٍ، فأدَّاهَا إلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ - أُوْ قَالَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ - به، ومفعول ما أدى من النجوم محذوف عائد إلى الموصول أي: بحصة ما أداه من النجوم يعطى دية حر، وبحصة ما بقي دية عبد. قوله: (وفي الباب عن أم سلمة)(١) أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن) وأخرجه أبو داود. قوله: (والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم .... إلخ) قال القاضي رحمه الله: وهو دليل على أن المكاتب يعتق بقدر ما يؤديه من النجم. وكذا حديث أم سلمة وبه قال النخعي وحده، ومع ما فيه من الطعن معارض بحديثي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال القاري: يمكن أن يقال في الجمع بينهما وبينه على تقدير صحته تقوية لقول النخعي أنه يعتق عتقًا موقوفًا على تكميل تأدية النجوم، لا سيما على القول بجواز تجزي العتق. انتهى. قوله: (وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. [١٢٦٠] قوله: (على مئة أوقية) بضم همزة وتخفيف تحتية وقد تشدد، وهي اسم الأربعين درهمًا (فأداها) أي: فقضى المئة ودفعها (إلا عشرة أواق) بفتح الهمزة وتنوين القاف (١) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٢٦١)، وأبو داود، كتاب العتق، حديث (٣٩٢٨)، وابن ماجه، کتاب العتق، حدیث (٢٥٢٠). ٥٠٦ كتاب البيوع عن رسول اللّه ◌َ ﴿ / باب مَا جَاءَ في المكَاتَبِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي ثُمَّ عَجَزَ، فَهُوَ رَقِيقٌ)). [د: ٣٩٢٧، جه: ٢٥١٩، حم: ٦٨٨٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حدِيثٌ حسن غرِيبٌ، والعمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ وَغَيرِهِمْ، أنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن كِتَابَتِهِ، وقَدْ رَوَى الحَجَّاجُ بنُ أرْطَاةَ عَن عَمْرِو بِنِ شُعَيْبٍ نَحْوَهُ. [١٢٦١] (١٢٦١) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ المَخْزُومِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عيينة عنِ الزُّهْرِيِّ، عَن نَبْهَانَ، مولى أم سلمة عَن أُمِّ سَلمَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكاتَبٍ إِحْدَاكُنَّ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ)). [ر: ٣٩٢٨ جه: ٢٥٢٠، حم: ٢٥٩٣٤] . جمع أوقية، ووقع في أكثر نسخ الترمذي عشر أواق بغير التاء وهو الظاهر (ثم عجز) أي: عن أداء نجوم الكتابة (فهو) أي: فعبده المكاتب العاجز، قال ابن الملك: هذا يدل على أنه إن عجز المكاتب عن أداء البعض كعجزه عن الكل فللسيد فسخ كتابته، فيكون رقيقًا كما كان، ويدل مفهوم قوله فهو رقيق على أن ما أداه يصير لسيده. قوله: (وهذا حديث غريب) قال في ((المنتقى))، بعد ذكر هذا الحديث: رواه الخمسة إلا النسائي انتهى. وقال في ((النيل)): وأخرجه أيضًا الحاكم وصححه، قال الشافعي: لم أجد أحدًا روى هذا عن النبي ◌َّه إلا عمرًا، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته، وعلى هذا فتيا المفتين انتهى. قلت: وأخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا بلفظ قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم)). قال الحافظ في ((بلوغ المرام)): أخرجه أبو داود بإسناد حسن، وأصله عند أحمد والثلاثة وصححه الحاكم انتهى. وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه مقال. [١٢٦١] قوله: (حدثنا سعيد بن عبد الرحمن إلخ) وقع في بعض النسخ قبل هذا باب منه (عن نبهان) بفتح النون وسكون الموحدة زاد أبو داود مكاتب أم سلمة (فلتحتجب) أي: إحداكن وهي سيدته. (منه) أي: المكاتب فإن ملكه على شرف الزوال وما قارب الشيء یعطی حکمه، والمعنى أنه لا يدخل عليها . ٥٠٧ كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ إذَا أفْلَسَ لِلرَّجُلِ غَرِيمٌ فَيَجِدُ عِنْدَهُ مَتَاعَه قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ومَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ عَلَى التَّوَرُّعِ، وقَالُوا: لا يعْتقُ المُكاتَبُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، حَتَّى يُؤَدِّيَ. ٣٦- باب مَا جَاءَ إذَا أفْلَسَ لِلرَّجُلِ غَرِيمٌ فَيَجِدُ عِنْدَهُ مَتَاعَه [ت٣٦، ٣٦٢] [١٢٦٢] (١٢٦٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عَن أبي بَكْرِ بنِ مُحمَّدٍ بن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَن عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَن أبي بِكْرِ بنِ عَبدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِوَّهِ أَنّهُ قَالَ: ((أَيُّمَا امْرِئٍ أَفْلَسَ، وَوَجَدَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ عِنْدَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أُوْلَى بِهَا مِن غَيرِهِ)). [خ: ٢٤٠٢، م: ١٥٥٩، ن: ٤٦٩٠، د: ٣٥١٩، جه: ٢٣٥٩، حم: ٧٠٨٤، طا: ١٣٨٣، مي: ٢٥٩٠]. قَالَ: وفي البابِ عَن سَمُرَةَ، قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ في ((بلوغ المرام)) بعد ذكره، رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي. انتهى. قوله: (ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع إلخ) قال القاضي: هذا أمر محمول على التورع والاحتياط؛ لأنه بصدد أن يعتق بالأداء، لا أنه يعتق بمجرد أن يكون واجدًا للنجم، فإنه لا يعتق ما لم يؤد الجميع لقوله يقولفيه: ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)). ولعله قصد به منع المكاتب عن تأخير الأداء بعد التمكن ليستبيح به النظر إلى السيدة وسد هذا الباب عليه. انتهى. ٣٦- باب ما جَاءَ إذا أفلسَ للرجل غريمٌ فيجِدُ عندَه مَتاعَه قال في ((النهاية)): أفلس الرجل إذا لم يبق له مال. ومعناه: صارت دراهمه فلوسًا. وقيل: صار إلى حال يقال: ليس معه فلس. وقد أفلس يفلس إفلاسًا فهو مفلس وفلسه الحاكم تفليسًا انتهى، والغريم: المديون. [١٢٦٢] (ووجد رجل سلعته عنده بعينها) أي: بذاتها بأن تكون غير هالكة حسًّا، أو معنى بالتصرفات الشرعية (فهو) أي: الرجل (أولى بها) أي: أحق بسلعته (من غيره) أي: من الغرماء. قوله: (وفي الباب عن سمرة)(١) أخرجه أحمد وأبو داود وهو من رواية الحسن البصري (١) أخرجه أحمد. حديث (١٩٦٠٣)، وأبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٥٣١). ٥٠٨ كتاب البيوع عن رسول الله ﴿ ﴿ / باب مَا جَاءَ إِذَا أَقْلَسَ لِلرَّجُلِ غَرِيمٌ فَيَجِدُ عِنْدَهُ مَتَاعَه وابنِ عُمَرَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ، حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَملُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي، وأحْمَدَ، وإِسْحَاقَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْم: هُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ، وهُوَ قَوْلُ أهْلِ الكُوفَةِ. عنه، وفي سماعه منه خلاف معروف لكنه يشهد لصحته حديث الباب (وابن عمر) (١) أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح قاله في ((النيل)). قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال في ((شرح السنة)): العمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا أفلس المشتري بالثمن ووجد البائع عين ماله، فله أن يفسخ البيع ويأخذ عين ماله، وإن كان قد أخذ بعض الثمن وأفلس بالباقي أخذ من عين ماله بقدر ما بقي من الثمن، كما رواه البخاري قضى به عثمان ◌َُّهُ، وروي عن علي ظُه، ولا نعلم لهما مخالفًا من الصحابة. وبه قال مالك والشافعي رحمهما الله. انتھی. قلت: وهو الحق وهو قول الجمهور. (وقال بعض أهل العلم هو أسوة الغرماء) بضم الهمزة أي هو مساو لهم وكواحد منهم يأخذ مثل ما يأخذون، ويحرم عما يحرمون (وهو قول أهل الكوفة) وهو مذهب الحنفية قال في ((التعليق الممجد)): ومذهب الحنفية في ذلك أن صاحب المتاع ليس بأحق لا في الموت ولا في الحياة؛ لأن المتاع بعد ما قبضه المشتري صار ملگًا خالصًا له، والبائع صار أجنبيًا منه كسائر أمواله. فالغرماء شركاء البائع فيه في كلتا الصورتين وإن لم يقبض. فالبائع أحق لاختصاصه به، وهذا معنى واضح لولا ورود النص بالفرق وسلفهم في ذلك علي، فإن قتادة روى عن خلاس بن عمرو عن علي(٢) أنه قال: هو أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها. وأحاديث خلاس عن علي ضعيفة، وروى مثله عن إبراهيم النخعي(٣)، ومن المعلوم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول ◌َ﴿، ولا عبرة للرأي بعد ورود نصه. كذا حققه ابن عبد البر والزرقاني. انتهى. (١) أخرجه ابن حبان (٤١٥/١١). حديث (٥٠٣٨). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٦٦/٨). حديث (١٥١٧٠). (٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٦٦/٨). حديث (١٥١٧١). كتاب البيوع عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ في النَّهْي لِلْمُسْلِمِ، أنْ يَدفعَ إلَى الذِّمِّ الخَمْرَ بَبِيعُهَا لَهُ ٥٠٩ ٣٧- باب مَا جَاءَ في النَّهْي لِلْمُسْلِمِ، أنَّ يَدفعَ إلَى الذِّمِّي الخَمْرَ يَبِيعُهَا لَهُ [ت٣٧، ٣٧٢] [١٢٦٣] (١٢٦٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ خَشْرَم، أخْبَرَنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ عَن مُجَالِدٍ، عَن أبي الوَدَّاكِ، عَن أبي سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ المَائِدَةُ، سَأَلْتُ رسولَ اللهِ نَّهِ عنْهُ، وقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيم، فَقَالَ: ((أَهْرِيقُوهُ)). [حم بنحوه: ١٠٨٢١]. واعلم أن الحنفية قد اعتذروا عن العمل بأحاديث الباب باعتذارات كلها واهية. فمنها: أنها مخالفة للأصول، وفساد هذا الاعتذار ظاهر، فإن السنة الصحيحة هي من جملة الأصول، فلا يترك العمل بها إلا لما هو أنهض منها . ومنها: أنها محمولة على ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة، وفساد هذا الاعتذار أيضًا ظاهر، فإنه لو كان كذلك لم يقيد بالإفلاس، ولا جعل أحق بها لما تقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك. ويرد هذا الاعتذار أنه وقع في رواية لمسلم والنسائي أنه لصاحبه الذي باعه. وفي رواية لابن حبان: إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته. وكذلك وقع في عدة روايات ما يدل صراحة على أنها واردة في صورة البيع. قال الحافظ في ((الفتح)): فظهر بهذا أن الحديث وارد في صورة البيع، ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر، يعني: من العارية والوديعة بالأولى. ومنها: أنها محمولة على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة. ويرد هذا الاعتذار أنه وقع في حديث سمرة عند مفلس وفي حديث أبي هريرة عند رجل، وفي رواية لابن حبان: ثم أفلس. وهي عنده: إذا فلس الرجل وعنده متاع. ٣٧ - باب مَا جَاءَ في النهي للمُسلِم أن يدفَعَ إلى الذميِّ الخمرَ يَبيعُها له [١٢٦٣] قوله: (فلما نزلت المائدة) أي: الآية التي فيها تحريم الخمر، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَرُ وَاُلْمَيْسِيرُ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] الآيتين. (عنه) أي: عن الخمر التي عندي لليتيم، والخمر قد يذكر أو بتأويل الشراب (فقال: أهريقوه) أي: صبوه والأصل أريقه من الإراقة، وقد تبدل الهمزة بالهاء، وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمز والهاء معًا كما وقع هنا وهو نادر. وفيه دليل على أن الخمر لا تملك ولا تحبس بل تجب إراقتها في الحال. ولا يجوز لأحد الانتفاع بها إلا بالإراقة. ٥١٠ كتاب البيوع عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ في النَّهْي لِلْمُسْلِمِ، أنْ يَدفعَ إِلَى الذِّمِّ الخَمْرَ بَبِيعُهَا لَهُ قَالَ: وفي البابِ عَن أنَس بنِ مَالِكٍ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي سَعِيدٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيح، وقَدْ رُوِيَ من غَيرٍ وَجْهٍ عنِ النَّبِيِّ نَِّ نَحْوِ هذَا، وقالَ بِهِذَا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وكَرِهُوا أَنْ تُتَّخَذَ الخَمرُ خَلَّ، وَإِنمَا كُرِهَ مِن ذَلِكَ - والله أعْلمُ - أنْ يَكُونَ المُسْلِمُ فِي بَيْتِهِ خَمْرٌ حَتَّى يَصِير خَلَّا، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي خَلِّ الخَمْرِ، إذَا وُجِدَ قَدْ صَارَ خَلَّا. أبو الودَّاك اسمُهُ: جَبْرُ بْنُ نَوْفٍ. قوله: (وفي الباب عن أنس بن مالك)(١) أن أبا طلحة سأل رسول الله وَ له عن أيتام ورثوا خمرًا قال: ((أهرقها)). قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: ((لا)). أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. قوله: (حديث أبي سعيد حديث حسن) وأخرجه أحمد. قوله: (وقال بهذا بعض أهل العلم وكرهوا أن يتخذ الخمر خلَّا إلخ) قال الخطابي في ((المعالم)) تحت حديث أنس: في هذا بيان واضح أن معالجة الخمر حتى تصير خلاًّ غير جائز. ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به؛ لما يجب من حفظه وتثميره والحيطة عليه، وقد كان نهى رسول الله ويّله عن إضاعة المال، فعلم أن معالجته لا تطهره ولا ترده إلى المالية بحال. انتهى. وقال الشوكاني في ((النيل)): فيه دليل للجمهور على أنه لا يجوز تخليل الخمر ولا تطهر بالتخليل. هذا إذا خللها بوضع شيء فيها، أما إذا كان التخليل بالنقل من الشمس إلى الظل أو نحو ذلك فأصح وجه عن الشافعية أنها تحل وتطهر. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة تطهر إذا خللت بإلقاء شيء فيها . قلت: والحق أن تخليل الخمر ليس بجائز لحديث الباب، ولحديث أنس المذكور، ومن قال بالجواز فليس له دليل. (ورخص بعضهم في خل الخمر إذا وجد قد صار خلًّا) أي من غير معالجة، قال القاري في ((المرقاة)) تحت حديث أنس رُّه: فيه حرمة التخليل وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والليث: يطهر بالتخليل. وعن مالك ثلاث روايات أصحها عنه أن التخليل حرام، فلو خللها عصى وطهرت. والشافعي على أنه إذا ألقي فيه شيء للتخلل لم يطهر أبدًا. (١) سيأتي تخريجه عند الحديث (١٢٩٤) من كتاب البيوع. كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في الَّهْي لِلْمُسْلِمِ، أنْ يَدفعَ إِلَى الذِّمِّي الخَمْرَ بَبِيعُهَا لَهُ ٥١١ وأما بالنقل إلى الشمس مثلًا فالشافعية فيه وجهان أصحهما تطهيره، وأما الجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا))؛ عند من يجوز تخليل الخمر: أن القوم كانت نفوسهم ألفت بالخمر، وكل مألوف تميل إليه النفس، فخشي النبي ◌ّ من دواخل الشيطان، فنهاهم عن اقترانهم نهي تنزيه كيلا يتخذ التخليل وسيلة إليها. وأما بعد طول عهد التحريم فلا يخشى هذه الدواخل ويؤيده خبر: ((نعم الإدام الخل)). رواه مسلم(١) عن عائشة. ((وخير خلكم خل خمركم)). رواه البيهقي في ((المعرفة)) عن جابر مرفوعًا(٢)، وهو محمول على بيان الحكم؛ لأنه اللائق بمنصب الشارع لا بيان اللغة. انتهى كلام القاري. قلت: قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) بعد ذكر حديث: ((خير خلكم خل خمركم)) ما لفظه: قال البيهقي في ((المعرفة)) رواه المغيرة بن زياد وليس بالقوي. وأهل الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر. قال: وإن صح فهو محمول على ما إذا تخلل بنفسه. وعليه يحمل حديث فرج بن فضالة. انتهى. قلت: حديث فرج بن فضالة أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (٣) عنه عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة مرفوعًا في الشاة أن دباغها يحل كما يحل خل الخمر. قال الدارقطني: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف. قاله الحافظ في ((الدراية)). قال: ويعارض ظاهره حديث أنس: سئل النبي ◌َ عن الخمر أتتخذ خلا؟ قال: ((لا)). أخرجه مسلم(٤)، وأخرج أيضًا عنه(٥) أن أبا طلحة سأل النبي وَ﴿ عن أيتام ورثوا خمرًا قال ((أهرقها)). قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: ((لا)). انتهى. وأما القول بأن النهي للتنزيه فغير ظاهر. وأما حديث. ((نعم الإدام الخل)). فالمراد بالخل الخل الذي لم يتخذ من الخمر جمعًا بين الأحاديث. والله تعالى أعلم. (١) أخرجه مسلم، كتاب الأشربة. حديث (٢٠٥١). (٢) أخرجه البيهقي (٣٨/٦). حديث (١٠٩٨٥). (٣) أخرجه الدارقطني (٤٩/١). حديث (٢٨). (٤) أخرجه مسلم، كتاب الأشربة. حديث (١٩٨٢). (٥) أخرجه أبو داود، كتاب الأشربة. حديث (٣٦٧٥). ٥١٢ كتاب البيوع عن رسول الله # / باب ٣٨- باب [ت٣٨، ٣٨٢] [١٢٦٤] (١٢٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا طَلْقُ بنُ غَنَّامِ عَن شَرِيكِ، وقَيْسُ عَن أبي حَصِينٍ، عَن أبي صالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ النّبيّ نَّهِ: ((أدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ الْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَن خَانَكَ)). [٥: ٣٥٣٥، مي: ٢٥٩٧، حم: ١٤٩٩٨]. ٣٨- بَابٌ [١٢٦٤] قوله: (حدثنا طلق بن غنام) بفتح الغين المعجمة وشدة النون النخعي أبو محمد الكوفي ثقة من كبار العاشرة (عن أبي حصين) بفتح الحاء المهملة اسمه: عثمان بن عاصم ابن حصين الأسدي الكوفي ثقة ثبت. قوله: (أد الأمانة) هي كل شيء لزمك أداؤه. والأمر للوجوب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (إلى من ائتمنك) أي: عليها (ولا تخن من خانك) أي: لا تعامله بمعاملته ولا تقابل خيانته بخيانتك. قال في ((سبل السلام)): وفيه دليل على أنه لا يجازى بالإساءة من أساء. وحمله الجمهور على أنه مستحب لدلالة قوله تعالى: ﴿وَحَزَّوْاْ سَبِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِدٍ﴾ [النحل: ١٢٦] على الجواز، وهذه هي المعروفة بمسألة الظفر. وفيها أقوال للعلماء. هذا القول الأول: وهو الأشهر من أقوال الشافعي، وسواء كان من جنس ما أخذ عليه أو من غير جنسه. والثاني: يجوز إذا كان من جنس ما أخذ عليه لا من غيره، لظاهر قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله مثلها وهو رأي الحنفية. والثالث: لا يجوز ذلك إلا لحكم الحاكم، لظاهر النهي في الحديث، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وأجيب أنه ليس أكلًا بالباطل. والحديث يحمل فيه النهي على الندب. الرابع: لابن حزم أنه يجب عليه أن يأخذ بقدر حقه سواء كان من نوع ما هو عليه أو من غيره ويبيع ويستوفي حقه. فإن فضل على ما هو له رده له أو لورثته. وإن نقص بقي في ذمة من عليه الحق. فإن لم يفعل ذلك فهو عاص لله عز وجل إلا أن يحلله أو يبرئه فهو مأجور. فإن كان الحق الذي له لا بينة له وظفر بشيء من مال من عنده له الحق أخذه، فإن طولب ٥١٣ كتاب البيوع عن رسول الله ێو / باب قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إِلَى هذَا الحَدِيثِ، وَقَالُوا: إذَا كانَ لِلرَّجُلِ عَلَى آخَرَ شَيْءٌ فَذَهَبَ بِهِ، فَوَقَعَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْبِسَ عَنْهُ بِقَدْرٍ مَا ذَهَبَ لَهُ عَلَيْهِ، وَرَخَّصَ فِيهِ بَعضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّورِي، وَقَالَ: إنْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَوَقَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَنَانِير، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْبِسَ بِمَكَانِ دَرَاهِمِه، إلَّا أنْ يَقَعَ عِنْدَهُ لَهُ دَرَاهِمُ، فَلهُ حِينَئِذْ أنْ يَحِسَ مِن دَرَاهِمِه بِقَدْرِ مَا لهُ عَلَيْهِ. أنكر، فإن استحلف حلف وهو مأجور في ذلك. قال: وهذا قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما. وكذلك عندنا كل من ظفر لظالم بمال ففرض عليه أخذه وإنصاف المظلوم منه واستدل بالآيتين وبقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ فُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] وبقوله تعالى: ﴿وَالْرُمَثُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وبقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وبقوله ◌َّطيه لهند امرأة أبي سفيان (١): ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)». وبحديث البخاري(٢): ((إن نزلتم بقوم وأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف)). واستدل لكونه إذا لم يفعل عاصيًا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية. ويقول رسول الله وَعليه(٣): ((من رأى منكرًا)) الحديث. ثم ذكر حديث أبي هريرة فقال: هو من رواية طلق بن غنام عن شريك وقيس بن الربيع وكلهم ضعيف. قال: ولئن صح فلا حجة فيه؛ لأنه ليس من انتصاف المرء من حقه خيانة، بل هو حق واجب وإنكار منكر. انتهى مختصرًا. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وسكت عنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال الزيلعي: قال ابن القطان: والمانع من تصحيحه أن شريكًا وقيس بن الربيع مختلف فيهما. انتهى. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): وصححه الحاكم واستنكره أبو حاتم الرازي. انتھی. وقال الشوكاني في ((النيل)): وفي الباب عن أبي بن كعب عند ابن الجوزي(٤) في ((العلل (١) أخرجه البخاري، كتاب النفقات. حديث (٥٣٦٤). (٢) أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب. حديث (٢٤٦١). (٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان. حديث (٤٩). (٤) أخرجه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٥٩٣/٢). حديث (٩٧٥)، والدارقطني (٣٥/٣). حديث (١٤١). ٥١٤ ٠ كتاب البيوع عن رسول الله ﴿/ باب مَا جَاءَ في أنَّ العَارِيَةَ مُؤَدَّاة ٣٩- باب مَا جَاءَ في أنَّ العَارِيَةَ مُؤَدَّاة [ت٣٩، ٣٩٢] [١٢٦٥] (١٢٦٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالا: حَدَّثَنَا إِسْماعيلُ بْنُ عَيَّاشِ عَن شُرَحْبِيلَ بنِ مُسْلِمِ الخَوْلانِي عَن أبي أَمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ في الخُطْبَةِ، عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((العارِيَةُ مُؤدَّةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمِ، المتناهية)): وفي إسناده من لا يعرف. وأخرجه أيضًا الدار قطني. وعن أبي أمامة(١) عند البيهقي والطبراني بسند ضعيف. وعن أنس (٢) عند الدارقطني والطبراني والبيهقي. وعن رجل من الصحابة عند أحمد وأبي داود والبيهقي (٣)، وفي إسناده مجهول آخر غير الصحابي؛ لأن يوسف بن ماهك رواه عن فلان عن آخر وقد صححه ابن السكن. وعن الحسن مرسلًا عند البيهقي (٤)، قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. وقال ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه. وقال أحمد: هذا الحديث باطل لا أعرفه من وجه يصح. قال الشوكاني: لا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث منتهضًا للاحتجاج. انتهى. ٣٩- بابٌ مَا جَاءَ أنَّ العارِيةَ مُؤَدَّة [١٢٦٥] قوله: (العارية مؤداة) قال التوربشتي: أي: تؤدى إلى صاحبها، واختلفوا في تأويله على حسب اختلافهم في الضمان، فالقائل بالضمان يقول: تؤدى عينًا حال القيام وقيمة عند التلف، وفائدة التأدية عند من يرى خلافه إلزام المستعير مؤنة ردها إلى مالكها كذا في ((المرقاة)). (والزعيم) أي: الكفيل (غارم) قال في ((النهاية)): الغارم الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه، والغرم أداء شيء لازم وقد غرم يغرم غرمًا. انتهى. والمعنى أنه ضامن، ومن ضمن (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٧/٨). حديث (٧٥٨٠)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٤٨٤/٧). حديث (٦٠١٩). (٢) أخرجه الدارقطني (٣٥/٣). حديث (١٤٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٦١/١). حديث (٧٦٠). (٣) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٥٣٤)، وأحمد. حديث (١٤٩٩٨)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٠). حديث (٢١٠٩١). (٤) أخرجه البيهقي (٢٧١/١٠). حديث (٢١٠٩٢). ٥١٥ كتاب البيوع عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ في أنَّ العَارِيَةَ مُؤَدَّاة وَالدَّيْنُ مَقْضِيٍّ)). [حم: ٢٢٠٠١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البَابِ عَن سَمُرَةَ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَأَنَسٍ. قَالَ: وحَدِيثُ أبي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غريب، وَقَدْ رُوِيَ عَن أبي أمامَةَ، عنِ النَّبِيِّ أيْضًا، مِن غَيرِ هذا الوَجْه. [١٢٦٦] (١٢٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عَن سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، عنِ الحَسنِ، عَن سَمُرةَ، عنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ)). دينًا لزمه أداؤه (والدين مقضي) أي: يجب قضاؤه. قوله: (وفي الباب عن سمرة)(١) أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. (وصفوان بن أمية)(٢) أخرجه أبو داود (وأنس)(٣) أخرجه الطبراني في كتاب ((مسند الشاميين)) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) في الكفالة بإسناده ومتنه. وفي الباب عن ابن عباس ذكره الزيلعي فيه. قوله: (حديث أبي أمامة حدیث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قال الحافظ الزيلعي: قال صاحب ((التنقيح)): رواية إسماعيل بن عياش من الشاميين جيدة وشرحبيل من ثقات الشاميين. قاله الإمام أحمد ووثقه أيضًا العجلي وابن حبان وضعفه ابن معين. انتهى. والحديث أخرجه الترمذي في الوصايا مطولًا . [١٢٦٦] قوله: (على اليد ما أخذت) أي: يجب على اليد رد ما أخذته. قال الطيبي: (ما)) موصولة مبتدأ و((على اليد)) خبره، والراجع محذوف، أي: ما أخذته اليد ضمان على صاحبها. والإسناد إلى اليد على المبالغة لأنها هي المتصرفة (حتى تؤدي) بصيغة الفاعل المؤنث والضمير إلى اليد حتى تؤديه إلى مالكه فيجب رده في الغصب وإن لم يطلبه. وفي العارية إن عين مدة رده إذا انقضت ولو لم يطلب مالكها. وفي الوديعة لا يلزم إلا إذا طلب المالك. ذكره ابن الملك. قال القاري: وهو تفصيل حسن يعني من أخذ مال أحد بغصب أو عارية، أو وديعة لزمه رده. انتهى. (١) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٢٦٦). (٢) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٥٦٢). (٣) أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)). حديث (٦٢٠١). ٥١٦ كتاب البيوع عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاءَ في أَنَّ العَارِيَةَ مُؤَدَّا: قَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ نَسِيَ الحَسَنُ فَقَالَ: فَهِوَ أمِينُكَ لا ضَمانَ عَلَيْهِ، يَعْنِي العَارِيَةَ. [د: ٣٥٦١، جه: ٢٤٠٠، حم: ١٩٥٨٢، مي: ٢٥٩٦]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ إلى هذا، (قال قتادة: ثم نسي الحسن) أي: الحديث (فقال) أي: الحسن (هو) أي: المستعير (لا ضمان عليه) لا يلزم من قول الحسن إن المستعير لا ضمان عليه أنه نسي الحديث كما ستعرف (هذا حديث حسن) أخرجه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم. وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور، ووقع في بعض النسخ: هذا حديث صحيح، واستدل بهذا الحديث من قال بأن الوديع والمستعير ضامنان وهو صالح للاحتجاج به على التضمين؛ لأن المأخوذ إذا كان على اليد الآخذة حتى ترده فالمراد أنه في ضمانها كما يشعر لفظ ((على)) من غير فرق بين مأخوذ ومأخوذ. وقال المقبلي في ((المنار)): يحتجون بهذا الحديث في مواضع على التضمين، ولا أراه صريحًا؛ لأن اليد الأمينة أيضًا عليها ما أخذت حتى ترد، وإلا فليست بأمينة. إنما كلامنا هل يضمنها لو تلفت بغير جناية؟ وليس الفرق بين المضمون وغير المضمون إلا هذا. وأما الحفظ مشترك وهو الذي تفيده ((على)) فعلى هذا لم ينس الحسن كما زعم قتادة حين قال: هو أمينك لا ضمان عليه. بعد رواية الحديث. انتهى. قال الشوكاني بعد ذكر كلام المقبلي هذا: ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام من قلة الجدوى وعدم الفائدة، وبيان ذلك أن قوله لأن اليد الأمينة عليها ما أخذت حتى ترد وإلا فليست بأمينة، يقتضي الملازمة بين عدم الرد وعدم الأمانة، فيكون تلف الوديعة والعارية بأي وجه من الوجوه قبل الرد مقتضيًا لخروج الأمين عن كونه أمينًا وهو ممنوع، فإن المقتضي لذلك إنما هو التلف بخيانة أو جناية، ولا نزاع في أن ذلك موجب للضمان، إنما النزاع في تلف لا یصیر به الأمین خارجًا عن کونه أمینًا. کالتلف بأمر لا يطاق دفعه، أو بسبب سهو أو نسيان أو بآفة سماوية أو سرقة أو ضياع بلا تفريط، فإنه يوجد التلف في هذه الأمور مع بقاء الأمانة. وظاهر الحديث يقتضي الضمان وقد عارضه ما أسلفنا، ثم ذكر الشوكاني كلام صاحب ((ضوء النهار)) ثم تعقب عليه ثم قال: وأما مخالفة رأي الحسن لروايته فقد تقرر في الأصول؛ أن العمل بالرواية لا بالرأي. انتهى. ٥١٧ كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَّ في أنَّ العَارِيَةَ مُؤَدَّاة وقَالُوا: يَضْمَنُ صَاحِبُ العارِيَةِ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي وأحْمَدَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْم مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ: لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ العارِيَةِ ضَمانٌ إلَّا أنْ يُخَالِفَ، وهُوَ: قَوْلُ الثَّوْرِي وأهْلِ الكُوفَةِ، وِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ. قوله: (وقالوا: يضمن صاحب العارية وهو قول الشافعي وأحمد) قال في ((النيل)): قال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وعزاه صاحب ((الفتح)) إلى الجمهور: أنها إذا تلفت في يد المستعير ضمنها إلا فيما إذا كان ذلك على الوجه المأذون فيه، واستدلوا بحديث سمرة المذكور وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَّ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ولا يخفى أن الأمر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت. (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي و 18 وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلا أن يخالف. وهو قول الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق) واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّفي قال: ((لا ضمان على مؤتمن)). رواه الدار قطني(١) قال الحافظ: في إسناده ضعف. وأخرجه الدارقطني(٢) من طريق أخرى عنه بلفظ: ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان. وقال: إنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع، قال الحافظ: وفي إسناده ضعيفان، قال الشوكاني: قوله لا ضمان على مؤتمن فيه دليل على أنه لا ضمان على من كان أمينًا على عين من الأعيان كالوديع والمستعير، أما الوديع فلا يضمن قيل إجماعًا إلا لجناية منه على العين، والوجه في تضمينه بالجناية أنه صار بها خائنًا. والخائن ضامن، لقوله ويّافى: ((ولا على المستودع غير المغل ضمان)) والمغل هو الخائن، وهكذا يضمن الوديع إذا وقع منه تعد في حفظ العين. لأنه نوع من الخيانة، وأما العارية فقد ذهبت الحنفية والمالكية إلى أنها غير مضمونة على المستعير إذا لم يحصل منه تعد. انتهى. (١) أخرجه الدارقطني (٤١/٣). حديث (١٦٧). (٢) أخرجه الدارقطني (٤١/٣). حديث (١٦٨). ٥١٨ كتاب البيوع عن رسول الله #* / باب مَا جَاءَ في الاخْتِكار ٤٠- باب مَا جَاءَ في الاخْتِكار [ت٤٠، م٤٠] [١٢٦٧] (١٢٦٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، أُخْبَوَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ عَن مُحَمَّدٍ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَن سَعيدٍ بنِ المُسَيِّبِ، عَن مَعْمَرِ بنِ عَبْدِ الله بنٍ فَضْلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيْهِ يَقُولُ: ((لا يَحْتَكِرُ إِلَّ خَاطِىٌ)) فَقُلْتُ لِسَعيدٍ: يَا أبَا مُحَمَّدٍ إِنَّكَ تَحْتَكِرُ، قَالَ: ومَعْمَرٌ قَدْ كَانَ يَحْتَكِرُ. [م: ١٦٠٥، د: ٣٤٤٧، جه: ٢١٥٤، حم: ١٥٣٣١، مي: ٢٥٤٣]. قال أبو عيسى: وَإِنمَا رُوي ◌َعَن سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ كانَ يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ وَالحنطة ونَحْوَ هذَا. ٤٠ - باب مَا جَاءَ في الاخْتِكار قال الحافظ: الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء، مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه. وبهذا فسره مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب. وعن أحمد: إنما يحرم احتكار الطعام المقتات دون غيره من الأشياء. انتهى. [١٢٦٧] قوله: (لا يحتكر إلا خاطئ) بالهمز أي: عاص آثم. ورواه مسلم بلفظ: ((من احتكر فهو خاطئ)). قال النووي: الاحتكار المحرم هو في الأقوات خاصة بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو، فأما إذا جاء من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره وباعه في وقت الغلاء فليس باحتكار ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال. انتهى. واستدل مالك بعموم الحديث على أن الاحتكار حرام من المطعوم وغيره [كذا] ذكره ابن الملك في ((شرح المشارق)» كذا في ((المرقاة)». قوله: (فقلت) قائله محمد بن إبراهيم (لسعيد) أي: ابن المسيب (يَا أبا محمد) كنية سعيد بن المسيب (إنك تحتكر قال: ومعمر) أي: ابن عبد الله بن فضالة (قد كان يحتكر) أي: في غير الأقوات (والخبط) بفتح الخاء المعجمة والموحدة الورق الساقط، أي: علف الدواب (ونحو هذا) أي: من غير الأقوات، قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت. وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه. وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون. ٥١٩ كتاب البيوع عن رسول الله 18/ باب مَا جَاءَ في الاخْتِكار قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَفي الْبَابِ عن عُمرَ، وعَلِي، وَأَبِي أَمَامَةَ، وابنٍ عُمرَ، وحَدِيثُ مَعْمَرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: كَرِهُوا احْتِكَارَ الطَّعَامِ، وَرَخَّصَ بَعضُهُمْ في الاخْتِكَارِ في غَيرِ الطعَامِ، وقالَ ابنُ المُبَارَكِ: لا بَأْسَ بِالاخْتِكَارِ في القُطْنِ والسَّخْتِيَانِ وَنَحْوِ ذلك. قوله: (وفي الباب عن عمر) مرفوعًا: ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس)). أخرجه ابن ماجه(١)، قال الحافظ في ((الفتح)): إسناده حسن. وعنه مرفوعًا بلفظ: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)). أخرجه ابن ماجه (٢) والحاكم وإسناده ضعيف (وعلي)(٣) لم أقف على حديثه (وأبي أمامة) (٤) مرفوعًا: ((من احتكر طعامًا أربعين يومًا ثم تصدق به لم يكن له كفارة)) .. أخرجه رزين (وابن عمر)(٥) مرفوعًا: ((من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ منه)). أخرجه أحمد والحاكم، قال الحافظ في ((الفتح)): في إسناده مقال. وفي الباب عن أبي هريرة(٦) مرفوعًا: ((من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ)). أخرجه الحاكم، ذكره الحافظ وسكت عنه. وعن معاذ مرفوعًا (٧): ((من احتكر طعامًا على أمتي أربعين يومًا وتصدق به لم يقبل منه)). أخرجه ابن عساكر. قوله: (ورخص بعضهم في الاحتكار في غير الطعام) واحتجوا بالروايات التي فيها التصريح بلفظ الطعام. قال الشوكاني في ((النيل)): وظاهر أحاديث الباب أن الاحتكار محرم من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب وبين غيره. والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد باقي الروايات المطلقة. بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق، وذلك لأن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح (١) أخرجه ابن ماجه، کتاب التجارات. حديث (٢١٥٥). (٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات. حديث (٢١٥٣). (٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٢٥/٧). حديث (١١٢١٦). (٤) أخرجه الحاكم (١٤/٢). حديث (٢١٦٣)، بلفظ: ((نهى رسول الله أن يحتكر الطعام)). (٥) أخرجه أحمد. حديث (٤٨٦٥)، والحاكم (١٤/٢). حديث (٢١٦٥). (٦) أخرجه أحمد. حديث (٨٤٠٣)، والحاكم (١٤/٢). حديث (٢١٦٦). (٧) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٣/١٧). ٥٢٠ كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ المُحَفِّلاتِ ٤١- باب مَا جَاءَ في بَيْعِ المُحَفِّلاتِ [ت٤١، ٤١٢] [١٢٦٨] (١٢٦٨) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأخْوَصِ، عَن سِماكٍ، عَن عِكرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَلِقَالَ: ((لا تَسْتَقْبِلُوا السُّوقَ، ولا تُحَفِّلُوا، ولا يُنفِّقْ بَعْضُكُمْ لِبعْضِ)). [حم: ٢٧٧٧٥]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفِي البَابِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وأبي هُرَيْرَةَ. وحدِيثُ ابنِ عَبَّاسِ حديثٌ حسنٌ للتقييد على ما تقرر في الأصول. قوله: (قال ابن المبارك: لا بأس بالاحتكار بالقطن والسختيان) قال في ((القاموس)): السختيان ويفتح جلد الماعز إذا دبغ معرب. ٤١ - باب مَا جَاءَ في بيع المحفلات المحفلة هي المصرَّاة وقد ذكر الترمذي تفسيرها في هذا الباب، قال أبو عبيد: سميت بذلك لأن اللبن يكثر في ضرعها وكل شيء كثرته فقد حفلته. تقول ضرع حافل أي: عظيم. واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل. [١٢٦٨] قوله: (لا تستقبلوا السوق) المراد من السوق العير، أي: لا تلقوا الركبان، قال في ((المجمع)) في حديث الجمعة: إذا جاءت سويقة أي: تجارة وهي مصغر السوق سميت بها؛ لأن التجارة تجلب إليها والمبيعات تساق نحوها والمراد العير. انتهى. (ولا تحفلوا) من التحفيل بالمهملة والفاء بمعنى التجميع. والمعنى لا تتركوا حلب الناقة أو البقرة أو الشاة ليجتمع ويكثر لبنها في ضرعها فيغتر به المشتري. (ولا ينفق) بصيغة النهي من التنفيق، وهو من النفاق ضد الكساد. قال نفقت السلعة فهي نافقة وأنفقتها ونفقتها إذا جعلتها نافقة (بعضكم لبعض) قال في ((النهاية)): أي لا يقصد أن ينفق سلعته على جهة النجش؛ فإنه بزيادته فيها يرغب السامع فيكون قوله سببًا لابتياعها ومنفقًا لها. انتهى. قوله: (وفي الباب عن ابن مسعود)(١) أخرجه البخاري موقوفًا عليه بلفظ قال: ((من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعًا من تمر)). وأخرجه الإسماعيلي مرفوعًا وذكر أن رفعه غلط (وأبي هريرة)(٢) أخرجه البخاري ومسلم قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن (١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٤٩). (٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٤٨)، ومسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٢٤).