النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب البيوع عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاءَ لا يِيعُ حَاضِرْ لِيَاد [١٢٢٣] (١٢٢٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ، وأحْمَدُ بنُ مَنيع، قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَن أبي الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ، يَرْزُقُ الله بَعْضهُمْ مِن بَعْض)). [م: ١٥٢٢، د: ٣٤٤٢، ن: ٤٥٠٧، جه: ٢١٧٦، حم: ١٣٨٧٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وحدِيثُ جَابِرٍ في هذا، هُوَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أيْضًا، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ: كرِهُوا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ في أنْ يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ، وقالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِيَادٍ، وَإِنْ بَاعَ فالبَيْعُ جَائِزٌ. [١٢٢٣] قوله: (دعوا الناس) أي: اتركوهم ليبيعوا متاعهم رخيصًا (يَرْزُقِ الله بعضهم من بعض) بكسر القاف؛ على أنه مجزوم في جواب الأمر، وبضمها؛ على أنه مرفوع. قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. و(حديث جابر في هذا هو حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. قوله: (ورخص بعضهم في أن يشتري حاضر لبادٍ) قال العيني: وقد اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي: فكرهت طائفة كما كرهوا البيع له واحتجوا: بأن البيع في اللغة يقع على الشراء؛ كما يقع الشراء على البيع؛ كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه. وهو من الأضداد. وروي ذلك عن أنس. وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا إن النهي إنما جاء في البيع خاصة، ولم يعدوا ظاهر اللفظ؛ وروي ذلك عن الحسن البصري - رحمه الله -. واختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال: لا يشتري له لا يشتري عليه. ومرة أجاز الشراء له؛ وبهذا قال الليث والشافعي. وقال الكرماني: قال إبراهيم: والعرب تطلق البيع على الشراء. ثم قال الكرماني: هذا صحيح على مذهب مَنْ جَوَّزَ استعمال اللفظ المشترك في معنييه، اللهم إلا أن يقال: البيع والشراء ضدان؛ فلا يصح إرادتهما معًا. فإن قلت: فما توجيهه ؟ قلت: وجهه: أن يحمل على عموم المجاز. انتهى. قال العيني: قول إبراهيم المذكور ليس مبنيًا على أنه مشترك، واستعمل في معنييه، بل هما من الأضداد. انتهى كلام العيني. ٤٤٢ كتاب البيوع عن رسول اللّه وَّهِ / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ المُحَاقَّلَةِ والمُزَابَنَّة ١٤- باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَن المُحَاقَلَةِ والْمُزَابَنَة [ت١٤، ١٤٢] [١٢٢٤] (١٢٢٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ الإسكندراني عَن سُهَيْلٍ بنِ أبي صَالِحٍ، عَن أبيهٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِّ عَنِ المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ. [خ: ٢١٨٧، م: ١٥٤٥، ن: ٣٨٩٣، د: ٣٤٠٤، جه: ٢٢٦٦،، حم: ٩٩٠٩، طا: ١٣١٨، مي: ٢٥٥٧]. قَالَ: وفي البابِ عنِ ابنِ عُمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بن ثابتٍ، وسَعْدٍ، وجَابِرٍ، ورَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، وأبي سَعيدٍ. ١٤ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْزَابَنَةِ يأتي تفسيرهما عن الترمذي. [١٢٢٤] قوله: (نهى رسول الله ◌َّله عن المحاقلة والمزابنة) قد جاء تفسير المحاقلة والمزابنة في الحديث؛ وهو المعتمد. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر(١) قال: نهى رسول الله وَ ل عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نَخْلًا بتمر كَيْلًا. وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلاً. وعند مسلم: ((وإنْ كان زَرْعًا أن يَبِیعَهُ بِکَیْلٍ طَعَامِ». نھی عن ذلك كله. وفي رواية لهما: نهى عن المزابنة. قال: ((وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَص فَعَلَيَّ)). وعن جابر(٢): قال: نهى رسول الله وَله عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة. والمحاقلة: أن يبيع الرجل الزرع بمئة فَرَقٍ حِنْطَةٍ. الحديث رواه مسلم؛ كذا في ((المشكاة)). قوله: (وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وسعد وجابر ورافع بن خديج وأبي سعيد) أما حديث ابن عمر(٣) وجابر (٤): فقد تقدم آنفًا . (١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢٢٠٥)، ومسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٤٢). (٢) أخرجه البخاري، كتاب المساقاة. حديث (٢٣٨١)، ومسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٣٦). (٣) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢٢٠٥). (٤) أخرجه مسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٣٦). ٤٤٣ كتاب البيوع عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ المُحَاقَّلَةِ والمُزَّابَنَّة قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والمُحَاقَلَةُ بَيْعُ الزَّرْعِ بِالحِنْطَةِ، والمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أكثَر أهْل العِلْمِ، كَرِهُوا بِيْعَ المُحَاقَلَةِ والمُزَابَةِ. وأما حديث ابن عباس(١): فأخرجه البخاري. وأما حديث زيد بن ثابت(٢): فلينظر من أخرجه. وأما حديث حديث سعد(٣): فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث رافع بن خديج (٤): فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي سعيد(٥): فأخرجه الشيخان. قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. قوله: (والْمُحَاقَلَةُ بَيْعُ الزرع بالحنطة) قال الجزري في ((النهاية)): المحاقلة مختلف فيها: قيل هي اكتراء الأرض بالحنطة. هكذا جاء مفسرًا في الحديث، وهو الذي يسميه الزراعون بالمحارثة. وقيل هي المزارعة على نصيب معلوم؛ كالثلث والربع ونحوهما. وقيل: هي بيع الطعام في سُنّله بِالْبُرِّ. وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نهى عنها؛ لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلَّا مثلًا بمثل، ويدًا بيد. وهذا مجهول لا يدرى أيهما أكثر، وفي النسيئة. انتهى. (والمزابنة بيع الثمر على رُؤوسِ النخل بالتمر) قال الجزري في ((النهاية)): المحاقلة: مفاعلة من الحَقْلِ؛ وهو الزرع إذا تَشَغَّبَ قبل أن يغلظ سوقه. وقيل: هو من الحَقْلِ، وهي الأرض التي تزرع. ويسميه أهل العراق: القَرَاحَ. انتهى. (١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٨٧). (٢) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٣٠٠). (٣) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٣١٣). (٤) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٤٠٠). (٥) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٨٦)، ومسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٤٦). ٤٤٤ كتاب البيوع عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَة [١٢٢٥] (١٢٢٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ أنَسٍ، عَن عبدِ الله بنِ يَزِيدَ، أنَّ زَيْدًا أبَا عَيَّاشٍ، سَأَلَ سَعْدًا عنِ البَيْضَاءِ بالسُّلْتِ، فَقَالَ: أَيُّهُمَا أفْضَلُ؟ قَالَ: البَيْضَاءُ، فَنَهَى عَن ذَلِكَ، وقالَ سَعْدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُسْألُ عنِ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بالرُّطِبِ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلهُ: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟)) قَالُوا: نَعَم، فَنَهَى عَن ذلِكَ. [ر: ٣٣٥٩، ن: ٤٥٥٩، جه: ٢٢٦٤، حم: ١٥٤٧، طا: ١٣١٦]. [١٢٢٥] قوله: (أن زيدًا أبا عياش) قال الحافظ في ((التقريب)): زيد بن عياش بالتحتانية أبو عياش المدني. صدوق، من الثالثة. (سأل سعدًا) هو: ابن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - (عن البيضاء بالسُّلتِ) وفي رواية ((الموطإ)) للإمام محمد: ((عمن اشترى البيضاء بالسُّلت)). والبيضاء هو: الشعير؛ كما في رواية. ووهم وكيع فقال: عن مالك: ((الذرة)) ولم يقله غيره. والعرب تطلق البيضاء على الشعير؛ والسمراء على البر. كذا قال ابن عبد البر. والسُّلتُ بضم السين، وسكون اللام: ضرب من الشعير لا قِشْرَ له يكون في الحجاز، قاله الجوهري؛ كذا في ((التعليق الممجد)). قال الجزري في ((النهاية)): البيضاء: الحنطة، وهي السمراء أيضًا. وقد تكرر ذكرها في البيع والزكاة وغيرهما. وإنما كره ذلك؛ لأنهما عنده جنس واحد. وخالفه غيره. انتهى. وقال: السُّلتُ: ضرب من الشعير أبيض لا قشر له. وقيل: هو نوع من الحنطة. والأول أصح؛ لأن البيضاء الحنطة. انتهى. وقال في ((حاشية موطأ الإمام مالك)): البيضاء نوع من البُرِّ أبيض، وفيه رخاوة تكون ببلاد ((مصر)). والسلت: نوع من الشعير لا قشر له، تكون في ((الحجاز)). وحكى الخطابي عن بعضهم؛ أنه قال: البيضاء: هو الرطب من السلت. والأول أعرف، إلا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث، وعليه يدل موضع التشبيه من الرطب بالتمر. ولو اختلف الجنس لم يصح التشبيه، وفي ((الغريبين)): السُّلت: هو حب الحنطة والشعير، لا قشر له. انتھی. وفي ((القاموس)): البيضاء: هو الحنطة، والرطب من السُّلت. انتهى. (فنهى عن ذلك) فيه تأمل، فتأمل وتفكر (أينقص الرطب إذا يبس) بهمزة الاستفهام. (فنهى عن ذلك) قال الإمام محمد في ((مُؤَطِّهِ)) بعد رواية هذا الحديث: وبهذا نأخذ، لا ٤٤٥ كتاب البيوع عن رسول الله وَّه /باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ المُحَاقَّلَةِ والمُزَابَنَّة حَدَّثَنَا هنادٌ، حَدَّثَنَا وكِيعٌ عَن مَالِكٍ، عَن عبدِ الله بنِ يَزِيدَ عَن زَيْدٍ أبي عَيَّاشِ قَالَ: سَأَلْنَا سَعْدًا، فَذَكَرَ نحْوَهُ. خَيْرَ في أن يشتري الرجل قفيز رطب بقفيز من تمر يدًا بيد؛ لأن الرطب ينقص إذا جف، فیصیر أقل من قفیز؛ فلذلك فسد البيع فیه. انتهى. وبه قال أحمد والشافعي ومالك وغيرهم، وقالوا: لا يجوز بيع التمر بالرطب؛ لا متفاضلًا، ولا متماثلًا؛ يدًا بيد كان، أو نسيئة. وأما التمر بالتمر والرطب بالرطب: فيجوز ذلك، متماثلًا لا متفاضلًا، يدًا بيد لا نسيئة. وفيه خلاف أبي حنيفة، حيث جوز بيع التمر بالرطب متماثلًا إذا كان يدًا بيد؛ لأن الرطب تمر، وبيع التمر بالتمر جائز متماثلًا، من غير اعتبار الجودة والرداءة. وقد حكي عنه: أنه لما دخل ((بغداد)) سألوه عن هذا وكانوا أشداء عليه؛ لمخالفته الخبر، فقال: الرطب إما أن يكون تمرًا، أو لم يكن تمرًا: فإن كان تمرًا جاز، لقوله وَّهِ: «الثَّمْرُ بالثَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ))(١)، وإن لم يكن تمرًا جاز، لحديث: (إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعْوا كَيْفَ شِئْتُمْ))(١). فَأوردوا عليه الحديث. فقال: مداره على زيد بن عياش، وهو مجهول. أو قال: ممن لا یقبل حديثه. واستحسن أهل الحديث هذا الطعن منه حتى قال ابن المبارك: كيف يقال: إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد ممن لا يقبل حديثه ؟ قال ابن الهمام في ((الفتح): رد ترديده: بأن هاهنا قسمًا ثالثًا؛ وهو أنه من جنس التمر، ولا يجوز بيعه بالآخر، كالحنطة المقلية بغير المقلية؛ لعدم تسوية الكَيْلِ بهما، فكذا الرطب والتمر لا يسويهما الكيل، وإنما يسوي في حال اعتدال البدلين؛ وهو أن يجف الآخر. وأبو حنيفة يمنعه، ويعتبر التساوي حال العقد، وعروض النقص بعد ذلك لا يمنع من المساواة في الحال إذا كان موجبه أمرًا خلقيًا؛ وهو زيادة الرطوبة، بخلاف المقلية بغيرها؛ فإنه في الحال يحكم بعدم التساوي؛ لاكتناز أحدهما، وتخلخل الآخر. ورد طعنه في زيد: بأنه ثقة كما مر. وقد يجاب أيضًا بأنه على تقدير صِحَّةٍ السند، فالمراد: النهي نسيئة؛ فإنه ثبت في حديث أبي عياش هذا زيادة ((نسيئة)). أخرجه أبو داود، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد؛ أن أبا عياش أخبره أنه سمع سعدًا يقول: ((نهى (١) أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، حديث (١٥٨٧). ٤٤٦ كتاب البيوع عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ المُحَاقَّلَّةِ والمُزَابَثَة قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، رَسولُ اللهِ وَّله عن بيع الرطب بالتمر نسيئة))، وأخرجه الحاكم والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(١). ورواه الدارقطني، وقال: اجتماع هؤلاء الأربعة - يعني: مالكًا وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وآخر ـ على خلاف ما رواه يحيى بن أبي كثير يدل على ضبطهم للحديث، وأنت تعلم أن بعد صحة هذه الرواية يجب قبولها؛ لأن المذهب المختار عند المحدثين هو قبول الزيادة - وإن لم يروها الأكثر- إلا في زيادة تفرد بها بعض الحاضرين في المجلس، فإنه مثله مردود؛ كما كتبناه في ((تحرير الأصول)). وما نحن فيه لم يثبت أنه زيادة في مجلس واحد، لكن يبقى قوله قي تلك الرواية الصحيحة: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ)) عَرِبًا عن الفائدة إذا كان النهي عنه للنسيئة. انتهى كلام ابن الهمام. وهذا غاية التوجيه في المقام مع ما فيه من الإشارة إلى ما فيه. وللطحاوي كلام في ((شرح معاني الآثار)) على ترجيح رواية النسيئة، وهو خلاف جمهور المحدثين، وخلاف سياق الرواية أيضًا، ولعل الحق لا يتجاوز عن قولهما، وقول الجمهور؛ كذا في ((التعليق الممجد)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك في ((الموطأ)) وأصحاب السنن. وقد أعل أبو حنيفة هذا الحديث من أجل زيد بن عياش، وقال: مداره على زيد بن عیاش؛ وهو مجهول. وکذا قال ابن حزم. وتعقبوهما : بأن الحدیث صحیح، وزید ليس بمجهول. قال الزرقاني: زيد كنيته: أبو عياش، واسم أبيه عياش المدني. تابعي صدوق، نقل عن مالك: أنه مولى سعد بن أبي وقاص. وقيل: إنه مولى بني مخزوم. وفي: ((تهذيب التهذيب)): زيد بن عياش أبو عياش الزرقي. ويقال: المخزومي. روى عن سعد، وعنه: عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي أنيس ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وصحح الترمذي وابن خزيمة وابن حبان حديثه المذكور. وقال الدار قطني: ثقة. وقال الحاكم في ((المستدرك)): هذا حديث صحيح؛ لإجماع أئمة (١) أخرجه الحاكم (٤٥/٢). حديث (٢٢٦٧)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٦/٤)، والدار قطني (٤٩/٣). حدیث (٢٠٣). ٤٤٧ كتاب البيوع عن رسول الله وَلِ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بيْعِ الثَّمِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاحها والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي، وأصْحَابِنَا . ١٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بيْعِ الثَّمِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاحها [١٥، ١٥٢] [١٢٢٦] (١٢٢٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ، عَن أيُّوبَ، عَن نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّه نَهَى عَن بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. [خ: ٢١٩٥، م: ١٥٣٥، ن: ٤٥٦٥، د: ٣٣٦٨، جه: ٢٢١٧، حم: ٤٤٧٩]. النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه إذا لم يوجد في روايته إلا الصحيح، خصوصًا في رواية أهل ((المدينة)). والشيخان لم يخرجاه، لما خَشِيًا من جهالة زيد. انتهى. وفي ((فتح القدير شرح الهداية)) قال صاحب ((التنقيح)): زيد بن عياش أبو عياش الزرقي المدني، ليس به بأس، ومشائخنا ذكروا عن أبي حنيفة بأنه مجهول. ورد طعنه: بأنه ثقة، وروى عنه مالك في (الموطأ)) وهو لا يروي عن مجهول. وقال المنذري: كيف يكون مجهولًا، وقد روى عنه ثقتان: عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي أنيس؛ وهما مما احتج بهما مسلم في ((صحيحه)) وقد عرفه أئمة هذا الشأن، وأخرج حديثه مالك مع شدة تحريه في الرجال. وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)): قال أبو حنيفة: إنه مجهول، فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل. انتهى. وفي ((غاية البيان شرح الهداية)): نقلوا تضعيفه عن أبي حنيفة. ولكن لم يصح ضعفه في کتب الحدیث، فمن ادعى فعليه البيان. انتهى. وفي ((البناية)) للعيني عند قول صاحب ((الهداية)): ((زيد بن عياش ضعيف عند النقلة)): هذا ليس بصحيح، بل هو ثقة عند النقلة. انتهى؛ كذا في ((التعليق الممجد)). قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول الشافعي وأصحابنا) وهو الحق والصواب. وقد عرفت قول الإمام أبي حنيفة، وما فيه من الكلام. ١٥ - بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا [١٢٢٦] قوله: (حتى يزهو) يقال: زَهَا النخل يَزْهُو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزْهِي: إذا احْمَرَّ أو اصْفَّر. وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. منهم من أنكر ((يزهو)) ومنهم من أنكر ((يُزْهي)). ٤٤٨ كتاب البيوع عن رسول اللّه ◌َّهِ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاحها [١٢٢٧] (١٢٢٧) وبِهذا الإسْنَادِ، أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ نَهَى عَن بَيْع السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البائِعَ والمشْتَرِي. [م: ١٥٣٥، ن: ٤٥٦٥، د: ٣٣٦٨، حم: ٤٤٧٩]. قَالَ: وفي البابِ عَن أنَسٍ، وعَائِشَةَ، وأبي هريرة، وابنٍ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وفي ((صحيح البخاري)) في حديث أنس: قلنا لأنس: ما زهوها ؟ قال: تحمر أو تصفر(١). وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): يستعمل ((زها وأزهى)) ثلاثيًا ورباعيًا. قال في ((الصحاح): يقال زها النخل يزهو: إذا بَدَت فيه الحمرة أو الصفرة. و((أزهى)) لغة حكاها أبو زيد، ولم يعرفها الأصمعي. ووقع رباعيًا في الصحيح وثلاثيًا عند مسلم، كلاهما من حديث أنس. انتھی کلام الزيلعي. [١٢٢٧] (حتى يبيض) أي: يشتد حبه (ويأمن العاهة) أي: الآفة. والجملة من باب عطف التفسير. قوله: (وفي الباب عن أنس)(٢) أخرجه البخاري ومسلم، (وعائشة)(٣) أخرجه الدارقطني في ((العلل)) بلفظ: ((نهى عن بَيْعِ الثمار حتى تَنْجُو من العَاهَةِ))، كذا في ((التلخيص)). (وأبي هريرة)(٤) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. (وابن عباس)(٥) أخرجه الدارقطني، بلفظ: ((نهى النبي ◌َّ أن يباع ثمر حتى يطعم ... )). الحديث. (وجابر)(٦) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. (١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٩٨). (٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٩٨)، ومسلم، كتاب المساقاة. حديث (١٥٥٥). (٣) أخرجه أحمد. حديث (٢٤٧٤٠). (٤) أخرجه مسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٣٨)، والنسائي، كتاب البيوع. حديث (٤٥٢١)، وابن ماجه، كتاب التجارات. حدیث (٢٢١٥). (٥) أخرجه الدارقطني (١٤/٣). حديث (٤٢). (٦) أخرجه البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٩٦)، ومسلم، كتاب البيوع. حديث (١٥٣٦)، وأبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٣٧٠). ٤٤٩ كتاب البيوع عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاحها وأبي سَعِيدٍ، وَزَيدِ بنِ ثَابِتٍ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ﴿ وَغَيْرِهِمْ: كَرِهُوا بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلِ أنْ يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. (وأبي سعيد) لينظر من أخرجه(١). (وزيد بن ثابت)(٢) أخرجه أبو داود وذكره البخاري تعليقًا . قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح). أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه . قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي نَّه وغيرهم كرهوا بَيْعَ الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها؛ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) كذا قال الترمذي. قال الحافظ في ((الفتح): قد اختلف في ذلك على أقوال. فقيل: يبطل مطلقًا. وهو قول ابن أبي ليلى والثوري، ووهم من نقل الإجماع على البطلان. وقيل: يجوز مطلقًا، ولو بشرط التبقية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضًا. وقيل: إن شرط القَطْع لم يبطل، وإلا بطل؛ وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور، ورواية عن مالك. وقيل: يصح إن لم يشترط التبقية، والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلًا، وهو قول أكثر الحنفية. وقيل: هو على ظاهره، لكن النهي فيه للتنزيه. انتهى ما في ((الفتح)). وقال الشوكاني في ((النيل)): اعلم: أن ظاهر أحاديث الباب وغيرها المَنْعُ من بيع الثمر قبل الصلاح، وإن وقوعه في تلك الحالة باطل؛ كما هو مقتضى النهي. ومن ادعى أن مجرد شرط القطع يصحح البيع قبل الصلاح؛ فهو محتاج إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي، ودعوى الإجماع على ذلك لا صحة لها، كما عرفت من أن أهل القول الأول يقولون بالبطلان مطلقًا. وقد عَوَّلَ المجوزون مع شرط القطع في الجواز على عِلَلٍ مستنبطة، فجعلوها مقيدة للنهي، وذلك مما (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٢٨١/٦). حديث (٦٤١٦). (٢) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وأبو داود، كتاب البيوع. حدیث (٣٣٧٢). ٤٥٠ كتاب البيوع عن رسول الله وَافِ / باب مَا جَاءَ في بَيعِ حَبلِ الحَبَلَة [١٢٢٨] (١٢٢٨) حَدَّثَنَا الحَسنُ بنُ عَلِي الخَلالُ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ وعَفَّانُ وسُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عَن حُمَيْدٍ، عَن أنَسِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهُ نَهَى عَن بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْودَ، وعَنْ بَيْعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. [د: ٣٣٧١، جه: ٢٢١٧، حم: ١٢٩٠١]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِن حديثٍ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ. ١٦ - باب مَا جَاءَ في بَيع حَبلِ الحَبَلَة [١٦، م١٦] لا يفيد من لم يسمح بمفارقة النصوص، لمجرد خيالات عارضة، وشُبهٍ واهية تنهار بأيسر تشكيك. فالحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقًا . وظاهر النصوص أيضًا: أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيح؛ سواء شرط البقاء، أو لم يشرط؛ لأن الشارع قد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بُدُوِّ الصلاح، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها. ومن ادعى أن شرط البقاء مفسد، فعليه الدليل، ولا ينفعه في المقام ما ورد من النهي عن بيع وشرط؛ لأنه يلزمه في تجويزه للبيع قبل الصلاح مع شرط القطع وهو بيع وشرط. وأيضًا ليس كل شرط في البيع مَنْهِيًّا عنه؛ فإن اشتراط جابر بعد بيعه للجمل أن يكون له ظهره إلى ((المدينة)) قد صححه الشارع، وهو شبيه بالشرط الذي نحن بصدده. انتهى كلام الشوكاني . [١٢٢٨] قوله: (حتى يَسْوَدَّ) بتشديد الدال، أي يبدو صلاحه زاد مالك في ((الموطإ)) فإنه إذا اسْوَدَّ ینجو عن العَاهَةِ. (حتی یشتد) اشتداد الحَبِّ قوته وصلابته. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود، وأقر المنذري تحسين الترمذي. ١٦ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ بفتح المهملة والموحدة. وقيل في الأول بسكون الموحدة. وغلطه عياض، وهو مصدر: حَبِلَتْ تَحْبَلُ حَبَلًا. والحَبَلَة: جمع حابِلٍ؛ مثل ظلمة وظالم. ويجيء تفسير ((حَبَل الحبلة)) من الترمذي. ٤٥١ كتاب البيوع عن رسول اللّه وَّ / باب مَا جَاءَ في بَيْع حَبلِ الحَبَلَة [١٢٢٩] (١٢٢٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَن أيُّوبَ، عَن نَافِعِ، عَن ابنِ عُمَرَ: أنَّ النَّبِيَّ وَّهَ نَهَى عَن بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ. [خ: ٢١٤٣، م: ١٥١٤، د: ٣٣٨٠، جه: ٢١٩٧، طا: ١٣٥٧]. قَالَ: وفي البابِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، وَأبي سَعِيدِ الخُدْرِي. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ حديث حسنٌ صحيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلم، وَحَبَلُ الحَبَلَةِ نِتَاجُ النَّتَاجِ، [١٢٢٩] قوله: (نهى عن بيع حبل الحبلة) كذا روى الترمذي الحديث بدون التفسير. ورواه البخاري ومسلم مع التفسير هكذا: نهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ؛ وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل يَبْتَاعُ الجَزُورَ إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها. وأخرج البخاري في ((صحيحه)): في أيام الجاهلية من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لَحْمَ الجَزُورِ إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ. وحَبَلِ الحَبَلَةِ: أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله صل﴿ عن ذلك(١). فظاهر هذا السياق: أن هذا التفسير من كلام ابن عمر، ولهذا جزم ابن عبد البر؛ بأنه من تفسير ابن عمر؛ كذا في ((الفتح)). قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عباس)(٢) أخرجه الطبراني في (معجمه))، ذكره الزيلعي. ( وأبي سعيد الخدري)(٣) أخرجه ابن ماجه. قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: (وحبل الحبلة: نتاج النتاج) أي: أولاد الأولاد. اعلم أن لحبل الحبلة تفسیرین مشهورین: أحدهما: ما قال به مالك والشافعي وجماعة؛ وهو: أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة. (١) أخرجه البخاري، كتاب السلم، حديث (٢٢٥٦). (٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٣٠/١١). حديث (١١٥٨١). (٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات. حديث (٢١٩٦). ٤٥٢ كتاب البيوع عن رسول اللّه وَيه / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ بيْعِ الغَرَرِ وَهُوَ بَيعٌ مَفْسُوخٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ مِن بُوعِ الغَرَرِ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هذَا الحَدِيثَ عَن أيُّوبَ، عَن سَعِيدٍ بن جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وغَيْرُهُ عَن أيُّوبَ، عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النَّبِيِّ، وهَذَا أَصَحُّ. ١٧ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بيْعِ الغَرَر [١٧، م١٧] وقال بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد ويحمل ولدها، وبه جزم أبو إسحاق في ((التنبيه))؛ فلم يشترط وضع حبل الولد. وعلة النهي على هذا التفسير: الجهالة في الأجل. وثانيهما: ما قال به أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي، وأكثر أهل اللغة، وبه جزم الترمذي: هو بيع ولد نتاج الدابة. وعلة النهي على هذا التفسير: أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه؛ فيدخل في بيوع الغرر. قال الحافظ: ورجح الأول؛ لكونه موافقًا للحديث، وإن كان كلام أهل اللغة موافقًا للثاني. وقال ابن التين: محصل الخلاف: هل المراد: البيع إلى أجل، أو بيع الجنين؟ وعلى الأول: هل المراد بالأجل: ولادة الأم، أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني: هل المراد: بيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال. انتھی. وقال النووي: التفسير الثاني أقرب إلى اللغة، لكن الراوي- وهو: ابن عمر - قد فسره بالتفسير الأول؛ وهو أعرف. ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين وهو الصحيح: أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر. انتهى. (وهو بيع مفسوخ) أي: ممنوع، ومنهي عنه. (وهو من بيوع الغَرَرِ) هذا على تفسير الترمذي. وأما على تفسير غير الترمذي: فَعِلَّةُ النَّهي جَهَالَةُ الثمن. ١٧ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بَيْعِ الْغَرَدِ بفتح الغين المعجمة، والراء الأولى؛ أي: ما لا يعلم عاقبته من الخطر الذي لا يدرى: أيكون أم لا؟ كبيع الآبق، والطير في الهواء، والسمك في الماء، والغائب المجهول. ومجمله: أن يكون المعقود عليه مجهولًا، أو معجوزًا عنه مما انطوى بعينه. من غَرِّ الثوب، أي: طَيِّه، أو من الغِرَّةِ بالكسر؛ أي: الغفلة، أو من الغرور. ٤٥٣ كتاب البيوع عن رسول اللّه وَهِّ ر باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ بَيْعِ الغَرَر [١٢٣٠] (١٢٣٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أنبأنا أبُو أُسَامَةَ، عَن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عَن أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَج، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَن بَيْعِ الغَرَرِ وَبَيْعِ الحَصَاةِ. [م: ١٥١٣، ن: ٤٥٣٠، د: ٣٣٧٦، جه: ٢١٩٤، حم: ٨٦٦٧، مي: ٢٥٦٣]. [١٢٣٠] قوله: (نهى رسول الله وَّ ي عن بيع الغرر) قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة؛ كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضَّرْعِ، وبيع الحَمْلِ في البطن، وبيع بعض الصُّبْرَةِ مُبْهَمًا، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شِيَاءٍ، ونَظائر ذلك. وكل هذا بيع باطل؛ لأنه غَرَرٌ من غير حاجة. وقد يحتمل بعض الغرر بيعًا إذا دعت إليه الحاجة؛ كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن، فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار؛ ولأن الحاجة تدعوا إليه؛ فإنه لا يمكن رؤيته. وكذا القول في حَملِ الشاة ولبنها . وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير. منها: أنهم أجمعوا على صحة بَيْعِ الجُبَّةِ المحشوة وإن لم ير حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز. وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا، مع أن الشهر قد یکون ثلاثین یومًا، وقد يكون تسعة وعشرين. وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قَدْرِ مُكْئِهِمْ. قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه؛ وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغَرَرِ، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقیرًا جاز البيع وإلا فلا . واعلم: أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وعسب الفحل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة؛ هي داخلة في النهي عن بيع الغَرَر، ولكن أفردت بالذكر ونهي عنها؛ لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة. انتهى كلام النووي. (وبيع الحصاة) فيه ثلاث تأويلات: ٤٥٤ كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ بيْعِ الغَرَر قَالَ: وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلم: كَرِهُوا بَيْعَ الغَرَرِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمِنْ بيوعِ الغَرَرِ بَيْعُ السَّمَكَ فِي المَاءِ، وَبَيْعُ العَبْدِ الآبِقِ، وَبَيْعُ الطَّيْرِ فِي السَّمَاءِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْبُيُوع. أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه الحصاة. والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة. والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحَصَاةِ بيعًا؛ فيقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا؛ قاله النووي. قوله: (في الباب عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأنس) أما حديث ابن عمر (١): فأخرجه البيهقي وابن حبان. قال الحافظ: إسناده حسن. وأما حديث ابن عباس(٢): فأخرجه ابن ماجه وأحمد. أما حديث أبي سعيد(٣): فأخرجه ابن ماجه. ٠ وأما حديث أنس(٤): فأخرجه أبو يعلى. وفي الباب أيضًا عن سهل بن سعد عند الدار قطني والطبراني(٥). وعن علي عند أحمد وأبي داود(٦). وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في ((التلخيص))، والعيني في ((شرح البخاري)). قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري. قوله: (قال الشافعي: ومن بيع الغرر بيع السمك في الماء) قال العراقي: وهو فيما إذا کان السمك في ماء کثیر؛ بحيث لا یمکن تحصیله منه، وکذا إذا کان یمکن تحصيله منه، ولكن بمشقة شديدة. (١) أخرجه ابن حبان (٣٤٦/١١). حديث (٤٩٧٢)، والبيهقي (٣٣٨/٥). حديث (١٠٦٢٩). (٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات. حديث (٢١٩٥)، وأحمد. حديث (٢٧٤٧). (٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات. حديث (٢١٩٦). (٤) حديث أنس أخرجه أبو يعلى (١٥٤/٥). حديث (٢٧٦٧). (٥) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٧٢/٦). حديث (٥٨٩٩). (٦) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٣٨٢)، وأحمد. حديث (٩٣٩). ٤٥٥ كتاب البيوع عن رسول الله وَليهِ / باب مَا جَاءَ فِي الَّهْي عَن بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة وَمَعنَى بَيْعِ الحَصَاةِ، أنْ يَقُولَ البَائِعُ للمُشْتَرِي: إذَا نَبَذْتُ إِلَيْكَ بِالحَصَاةِ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وهذا يُشْبِهُ بَيْعِ المُنَابَذَةِ، وَكَانَ هَذَا مِن بُيُوعِ أهْلِ الجَاهِيَّةِ. ١٨ - باب مَا جَاءٍ في النَّهْي عَن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَة [ت١٨، م١٨] [١٢٣١] (١٢٣١) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمَانَ، عَن مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرو، عَن أبي سَلَمَةَ، عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَّهِ عَنِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة. [ن: ٤٦٤٦، حم: ٦٥٩١]. وَفِي الْبَابِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وَابنٍ عُمَرَ وَابنِ مَسْعُودٍ. وأما إذا كان في ماء يسير؛ بحيث يمكن تحصيله منه، وكذا إذا كان يمكن تحصيله منه بغير مشقة، فإنه يصح؛ لأنه مقدور على تحصيله وتسليمه. وهذا كله إذا كان مرئيًا في الماء القليل؛ بأن يكون الماء صافيًا. فأما إذا لم يكن مرئيًا؛ بأن يكون كَدرًا؛ فإنه لا يصح بلا خلاف. انتهى كلام العراقي. قوله: (ومعنى بيع الحصاة: أن يقول البائع للمشتري: إذا نبذت ... إلخ) وقع هذا التفسير في رواية البزار. قال الحافظ في ((التلخيص)): وللبزار من طريق حفص بن عاصم عنه : - يعني: عن أبي هريرة - نهى عن بيع الحصاة، يعني: إذا قذف الحصاة فقد وجب البيع. انتهى. (وهو) أي: بيع الحصاة (يشبه) من: الإشْبَاه، أي: يشابه (بيع المنابذة) هو أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ. ويأتي باقي الكلام في بيع المُنَابذةِ في بابه. ١٨ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَة [١٢٣١] قوله: (نهى رسول الله ( 8* عن بيعتين في بيعة) أي: صفقة واحدة، وعقد واحد. ويأتي تفسير هذا عن المصنف. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وابن عمر وابن مسعود) قال الحافظ في ((التلخيص)): حديث ابن مسعود(١): رواه أحمد من طريق عبد الرحمن ابنه عنه بلفظ: ((نَهَى عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ». (١) أخرجه أحمد. حديث (٣٧١٧). ٤٥٦ كتاب البيوع عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ فِي التَّهْي عَن بَيْعَتَّيْنِ فِي بَيْعَة قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، أنْ يَقولَ: أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوبَ بِنَقْدٍ بِعَشْرَة، وَبِنَسِيئَة بِعِشْرِينَ، وَلا يُفَارِقُهُ عَلَى أَحَدِ البَيْعَيْنِ، فإذَا فَارَقَهُ عَلَى أحَدِهِمَا، فَلا بَأْسَ إذَا كَانَت العُقْدَةُ عَلَى أحد مِنْهُمَا . وحديث ابن عمر (١): رواه ابن عبد البر مثله، وحديث ابن عمرو (٢): رواه الدارقطني في أثناء حديث. انتهى. قوله: (وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) قال الحافظ في ((بلوغ المرام)): رواه أحمد والنسائي، وصححه الترمذي وابن حبان. ولأبي داود: ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ، فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أوِ الرِّبًا)). انتهى. قال الشوكاني في ((النيل)): وأخرجه أيضًا الشافعي ومالك في ((بلاغاته)). قوله: (وقد فسر بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين) قال في ((شرح السنة)) بعد ذكر هذا التفسير: هو فاسد عند أكثر أهل العلم؛ لأنه لا يدري أيهما جعل الثمن. انتهى. وقال في ((النيل)): والعلة في تحريم بيعتين في بيعة: عَدَمُ استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين. انتهى. (فإذا فارقه أحدهما، فلا بأس إذا كانت العقدة على أحد منهما) بأن قال البائع: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين. فقال المشتري: اشتريته بنقد بعشرة. ثم نقد عشرة دراهم؛ فقد صح هذا البيع. وكذلك إذا قال المشتري: اشتريته بنسيئة بعشرين. وفارق البائع على هذا، صح البيع؛ لأنه لم يفارقه على إبهام وعدم استقرار الثمن، بل فارقه على واحد معین منهما . وهذا التفسير قد رواه الإمام أحمد في روايته عن سماك، ففي ((المنتقى)) (٣) عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: نهى النبي ◌َّر عن صفقتين في صفقة. قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بِنَسْءٍ بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا. (١) أخرجه أحمد. حديث (٥٣٧٢)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٩٨/١). (٢) أخرجه أحمد. حديث (٦٥٩١). (٣) أخرجه أحمد. حديث (٣٧٧٤). ٤٥٧ كتاب البيوع عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ فِي التَّهْي عَن بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمِنْ مَعْنَى مَا نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، أنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ دَارِي هَذِهِ بِكَذَا، عَلَى أنْ تَبِيعَنِي غُلامَكَ بِكَذَا، فَإِذَا وَجَبَ لي غُلامُكَ وَجَبَت لَكَ دَاري، وهذا تفَارق عَن بَيْعِ بِغَيْرِ ثَمنٍ مَعْلُومٍ، وَلا يَدْرِي كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على ما وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَتُهُ. قال الشوكاني في ((النيل)) قوله: ((من بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ)) فسره سماك بما رواه المصنف - يعني: صاحب ((المنتقى)) عن أحمد عنه - وقد وافقه على مثل ذلك الشافعي، فقال: بأن يقول: بعتك بألف نقدًا أو ألفين إلى سنة، فخذ أيهما شئت أنت، وشئت أنا. ونقل ابن الرفعة عن القاضي: أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام. أما لو قال: قبلت بألف نقدًا، أو بألفين بالنسيئة؛ صح ذلك. انتهى. وقد فسره الشافعي بتفسير آخر، وهو ما ذكره الترمذي بقوله: (قال الشافعي: ومن معنى ما نهى النبي ﴿ عن بيعتين في بيعة؛ أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري، وهذا تفارق عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته) قال في ((المرقاة)) بعد ذكر هذا التفسير: هذا أيضًا فاسد؛ لأنه بيع وشرط، ولأنه يؤدي إلى جهالة الثمن؛ لأن الوفاء ببيع الجارية لا يجب، وقد جعله من الثمن، وليس له قيمة، فهو شرط لا يلزم، وإذا لم يلزم ذلك، بطل بعض الثمن؛ فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الثاني مجهولًا، انتهى. وقال في ((النيل)): والعلة في تحريم هذه الصورة: التعليق بالشرط المستقبل. انتهى. واعلم: أنه قد فُسِّرَ البيعتان في بيعة بتفسير آخر؛ وهو أن يسلفه دينارًا في قفيز حِنْطَةٍ إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بِعْنِي القفيز الذي لَكَ عَلَيَّ إِلَى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة؛ لأن البيع الثاني قد دخل على الأول، فيرد إليه أوكسهما وهو الأول. كذا في ((شرح السنن)) لابن رسلان؛ فقد فسر حديث أبي هريرة المذكور؛ بلفظ: (نهى رسول الله ◌َّي عن بيعتين في بيعة)) بثلاثة تفاسير. فاحفظها. ثم اعلم: أن لحديث أبي هريرة هذا رواية أخرى رواها أبو داود في ((سننه)) (١) بلفظ: ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ في بيعة فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَو الرِّبَا)). (١) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٤٦١). ٤٥٨ كتاب البيوع عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ فِي التَّهْي عَن بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ قال الشوكاني في ((النيل)): محمد بن عمرو بن علقمة قد تكلم فيه غير واحد. قال المنذري: والمشهور عنه من رواية الدراوردي ومحمد بن عبد الله الأنصاري: أنه وَّله نهى عن بيعتين في بيعة. انتهى ما في ((النيل)). قلت: وقد تفرد هو بهذا اللفظ، وقد روي هذا الحديث عن عدة من الصحابة - - من طرق ليس في واحد منها هذا اللفظ؛ فالظاهر: أن هذه الرواية بهذا اللفظ ليست صالحة للاحتجاج. والله تعالى أعلم. قال الشوكاني في شرح هذه الرواية ما لفظه: قوله: ((فله أَوْكَسُهُمَا))؛ أي: أنقصهما . قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهر الحديث، وصحح البيع بأوكس الثمنين؛ إلا ما حكي عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد. انتهى. قال الشوكاني: ولا يَخْفى أن ما قاله هو ظاهر الحديث؛ لأن الحكم له بالأوكس يستلزم صحة البيع به. ومعنى قوله: ((أو الربا))؛ يعني: أو يكون قد دخل هو وصاحبه في الربا المحرم إذا لم يأخذ الأوكس، بل أخذ الأكثر. قال: وذلك ظاهر في التفسير الذي ذكره ابن رسلان. وأما في التفسير الذي ذكره أحمد عن سماك، وذكره الشافعي: ففيه متمسك لمن قال: يحرم بيع الشيء بأكثر من سعره يومه لأجل النَّسَاء، وقد ذهب إلى ذلك زين العابدين علي بن الحسين، والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى. وقالت الشافعية والحنفية وزيد بن علي، والمؤيد بالله والجمهور: إنه يجوز؛ لعموم الأدلة القاضية بجوازه، وهو الظاهر؛ لأن ذلك المتمسك هو الرواية الأولى من حديث أبي هريرة؛ يعني: التي رواها أبو داود. وقد ذكرنا لفظها آنفًا، وقد عرفت ما في راويها من المقال. ومع ذلك فالمشهور عنه اللفظ الذي رواها غيره وهو النهي عن بيعتين في بيعة، ولا حجة فيه على المطلوب. ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي صالحة للاحتجاج لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع - كما سلف عن ابن رسلان - قادحًا في الاستدلال بها على المتنازع فيه، على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة، وهي أن يقول: نقدًا بكذا، ونسيئة بكذا، لا إذا قال من أول الأمر: نسيئة بكذا فقط، وكان ٤٥٩ كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك ١٩ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بَيْعٍ ما لَيْسَ عِنْدَك [ت١٩، ١٩٢] [١٢٣٢] (١٢٣٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَن أبِي بِشْرٍ، عَن يُوسُف بنِ ماهَكَ، عَن حَكِيم بنِ حِزَام، قَالَ: أَتِيتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ: يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسألُني مِنَ البَيْعِ مَّا لَيْسَ عنّدِي، أبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ، ثُمَّ أبِيعُهُ؟ قَالَ: ((لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ)) قَالَ: وفي البابِ عَن عَبدِ الله بنِ عُمَرَ. [ن: ٤٦٢٧، د: ٣٥٠٣، جه: ٢١٨٧، حم: ١٤٨٨٧]. أكثر من سعر يومه مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك. فالدليل أخص من الدعوى. قال: وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة، وسميناها: ((شفاء العِلَل(١) في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل)). وحققناها تحقيقًا لم نسبق إليه. انتهى كلام الشوكاني. ١٩ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ بَيْعٍ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ [١٢٣٢] قوله: (أبتاع له من السوق) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأشتري له من السوق؟ وفي رواية أبي داود: ((أَفَأَبْتَاعُ لَهُ من السُّوقِ))؟ (ثم أبيعه) لم يقع هذا اللفظ في رواية أبي داود، ولا في رواية النسائي، ولا في رواية ابن ماجه. والظاهر: أنه ليس على معناه الحقيقي، بل المراد منه التسليم. ومقصود السائل: أنه هل يبيع ما ليس عنده، ثم يشتريه من السوق، ثم يسلمه للمشتري الذي اشتراه منه. (قال: لا تبع ما ليس عندك) أي: شيئًا ليس في ملكك حال العقد. في ((شرح السنة): هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات؛ فلو قبل السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط يجوز، وإن لم يكن في ملكه حال العقد. وفي معنى ما ليس عنده في الفساد وبيع العبد الآبق، وبيع المبيع قبل القبض، وفي معناه بيع مال غيره بغير إذنه؛ لأنه لا يدري: هل يجيز مالكه: أم لا؟ وبه قال الشافعي - رحمه الله -. وقال جماعة: يكون العقد موقوفًا على إجازة المالك؛ وهو قول مالك، وأصحاب أبي حنيفة وأحمد - رحمهم الله - كذا في ((المرقاة)). (١) في الأصل [الغلل]؛ والصواب هو المثبت. ٤٦٠ كتاب البيوع عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ بَيْعٍ ما لَيْسَ عِنْدَك [١٢٣٣] (١٢٣٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَن أيُّوبَ، عَن يُوسُفَ بنِ ماهَكَ، عَن حَكِيمٍ بنِ حِزَامٍ، قَالَ: نَهانِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ أَبِيعَ ما لَيْسَ عِنْدِي. [حم: ١٤٨٨٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. قَالَ إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأحْمَدَ: ما مَعْنَى نَهَى عَن سَلفٍ وَبَيْعِ؟ قَالَ: أنْ يَكُونَ يُقرِضُهُ قَرْضًا ثُمَّ يُبَايِعُهُ عليهِ بَيْعًا يَزْدَادُ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ يُسْلِفُ إلَيْهِ فِي شَيءٍ فَيَقُولُ: إِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ عِنْدَكَ فَهُوَ بَيْعٌ عَلَيْكَ، قَالَ إِسْحَاقُ - يعني ابن راهويه - كمَا قَالَ. [١٢٣٣] قوله: (أن أبيع ما ليس عندي) فيه وفي قوله: ((لَا تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))؛ دليل تحريم بيع ما ليس في ملك الإنسان، ولا داخلاً تحت مقدرته. وقد استثني من ذلك السَّلَم؛ فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو)(١) وأخرجه الترمذي في هذا الباب. قوله: (قال إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي. ثقة ثبت، من الحادية عشرة، روى عنه الجماعة سوى أبي داود، وتلمذ لأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين. وله عنهم مسائل. كذا في ((التقريب)) و((تهذيب التهذيب)). (ثم يبايعه بيعًا يزداد عليه) يعني: يبيع منه شيئًا بأكثر من قيمته. (ويحتمل أن يكون بسلف) أي: يقرض (إليه في شيء) يعني: قرضه دراهم أو دنانير، وأخذ منه شيئًا. (فيقول: إن لم يتهيأ عندك) أي: لم يتهيأ ولم يتيسر لك رد الدراهم أو الدنانير. (فهو بيع عليك) يعني: فذلك الشيء الذي أخذت منك يكون مبيعًا منك بعوض تلك الدراهم أو الدنانير. (قال إسحاق كما قال) المراد من ((إسحاق)) هذا: إسحاق بن راهويه، والضمير في ((قال)) راجع إلى أحمد بن حنبل؛ أي: قال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد بن حنبل في بيان معنى ((نهى عن سَلَفٍ وبَيْعٍ)). (١) أخرجه الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٢٣٤).