النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي الغَيْرَة
[١١٦٨] (١١٦٨) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ حَبِيبٍ، عنِ
الحَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ يَغَارُ، والمُؤْمِن يَغَارُ، وغَيْرَةُ الله أنْ يَأْتِي المُؤْمِنُ مَا
حَرَّمَ عَلَيْهِ)). [خ: ٥٢٢٣، م: ٢٧٦١، حم: ٨٣١٤].
قَالَ: وفي البابِ عَن عَائِشَةَ وعَبْدِ الله بنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ غِرِيبٌ، وقَدْ رُوِيَ عَن يَحْيَى بِ
أبي كَثِيرٍ، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن غُرْوَةَ، عَن أسْمَاءَ بنت أبي بَكْرٍ، عِنِ النَّبِيِّ، هذَا
الحَدِيثُ وَكِلا الحَدِيثَیْنِ صَحِيحٌ.
والحَجَّاجُ الصَّوَّافُ، هُوَ الحَجَّاجُ بنُ أَبِي عُثمَانَ، وأبُو عُثْمانَ اسْمُهُ: مَيْسَرةُ
وقيل: الغيرة في الأصل: الحمية والأَنَفَةُ. وهو تفسيرٌ بلازم التغير، فيرجع إلى الغضب.
وقد نسب - سبحانه وتعالى - إلى نفسه الْغَضَبَ والرِّضَا.
وقال ابن العربي: التغيرُ مُحَالٌ على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويلهُ بلازمه كالوعيد،
وإيقاع العقوبة بالفاعل، ونحو ذلك. انتهى.
[١١٦٨] قوله: (إن الله يغار) بفتح التحتانية والغين المعجمة، من الغيرة، ومعنى غيرة الله
مبين في هذا الحديث. (والمؤمن يغار) تقدم معنى الغيرة في الآدمي. (وغيرة الله أن يأتي
المؤمن ما حرم عليه) من الفواحش، وسائر المنهيات والمحرمات.
قوله: (وفي الباب عن عائشة)(١) أخرجه البخاري في الكسوف والنكاح. (وعبد الله بن
عمر)(٢) لينظر من أخرج حديثه.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري، ومسلم.
قوله: (وقد روي عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن عروة عن أسماء ابنة أبي بكر
عن النبي وَ ﴿ هذا الحديث) أخرجه البخاري ومسلم (٣).
(١) أخرجه البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٤٤)، وفي كتاب النكاح. حديث (٥٢٢١).
(٢) أخرجه أحمد. حديث (٥٣٤٩).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥٢٢٢)، ومسلم، كتاب التوبة. حديث (٢٧٦٢).

٣٤٢
كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ تُسَافِرَ المَرأةُ وَحْدَهَا
والحَجَّاجِ يُكْنَى: أبَا الصَّلْتِ، وثَّقَهُ يَحْيَى بِنُ سَعِيدِ الْقَطَّان.
حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ العَّارُ، عَن عَلِي بنِ عَبْدِ اللهِ المدينيِّ، قَالَ:
سألْتُ يَحْيَى بِنَ سَعِيد القَطَّانَ عَن حَجَّاجِ الصَّوَّافِ فَقَالَ: ثِقَةٌ، فَطِنٌّ، كَيِّسٌ.
١٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أنْ تُسَافِرَ المرأةُ وَحْدَهَا [ت١٥، ١٥٢]
[١١٦٩] (١١٦٩) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ، عَن
أبي صَالِحٍ، عَن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ
تُؤْمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُسَافِرَ سَفَرًا، يَكُونُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فَصَاعِدًا، إلَّا ومَعَهَا أَبُوهَا
أوْ أخُوهَا أوْ زَوْجُهَا أوِ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَم مِنْهَا)). [م: ١٣٤٠، د: ١٧٢٦، جه: ٢٨٩٨،
حم: ١١١٢٣، مي: ٢٦٧٨].
(يكنى أبا الصلت) بمفتوحة وسكون لام وبمثناة فوقية؛ كذا في ((المغني)).
قوله: (حدثنا أبو عيسى أخبرنا أبو بكر العطار ... إلخ)؛ كذا في بعض النسخ، فهو
مقولة تلميذ الترمذي، وليس في بعض النسخ حدثنا أبو عيسى، بل فيه: حدثنا أبو بكر
العطار ... إلخ.
قوله: (هو فطن كيس) أي: حاذق عاقل، وَفَطِنٌّ: بفتح الفاء وكسر الطاء، من الفطنة،
وَكَيِّسٌ كحيد: من الكيس، وهو خلافُ الحُمق والغفل.
١٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أَنْ تُسَافِرَ المَرْأَةُ وَخْدَهَا
[١١٦٩] قوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) مفهومه أن النهي المذكور
يختصُّ بالمؤمنات، فتخرج الكافراتُ: كتابية، أو حربية، وقد قال به بعض أهل العلم.
وأجيب بأن الإيمان هو الذي يستمرُّ للمتصف به خطاب الشارع، فينتفع به، وينقاد له؛
فلذلك قيد به، أو أن الوصف ذكر لتأكيد التحريم، ولم يقصد به إخراج ما سواه؛ قاله الحافظ.
(ثلاثة أيام فصاعدًا) وقع في حديث ابن عمر عند مسلم (١) مسيرة ثلاث ليال. والجمع
بينهما أن المراد ثلاثة أيام بلياليها، أو ثلاث ليال بأيامها: (أو ذو محرم منها) بفتح الميم
المراد به: من لا يحل له نكاحُها .
(١) أخرجه مسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٣٨).

٣٤٣
كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ تُسَافِرَ المَرأةُ وَحْدَهَا
وفي البابٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنٍ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ورُوِيَ عنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((لا
تُسَافِرُ المرأة مَسِيرَةَ يَوْم وَلَيْلَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمِ)). والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ
العلم، يَكْرَهُونَ لِلْمَرأةِ أَنْ تُسَافِرَ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمَ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِي المَرأةِ
إِذَا كَانَتْ مُوسِرَةً، ولَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ، هَل تَحُجُّ؟
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة)(١)، أخرجه البخاري، ومسلم. (وابن عباس(٢)، وابن
عمر)(٣) أخرج حديثهما الشيخان.
قوله: (روي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم)
أخرجه الترمذي في هذا الباب من حديث أبي هريرة، وأخرجه الشيخان (٤) أيضًا من حديثه.
قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم يكرهون للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم) لكن
قال الحنفية: يباح لها الخروجُ إلى ما دون مسافة الْقَصْر بغير محرم.
وقال أكثرُ أهل العلم: يحرم لها الخروج في كُلِّ سفر، طويلًا كان أو قصيرًا، ولا يتوقّف
حرمة الخروج بغير المحرم على مسافة القصر؛ لإطلاق حديث ابن عباس بلفظ: لَا تُسَافِرُ
الْمَرْأَةُ إِلَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ .
قال الحافظ في ((فتح الباري)) تحت هذا الحديث: كذا أطلق السفر، وقيده في حديثٍ
أبي سعيد الآتي في الباب، فقال: مسيرة يومين، ومضى في الصلاة حديث أبي هريرة مقيدًا
بمسيرة يوم وليلة. وعنه روايات أخرى. وحديث ابن عمر فيه مقيدًا بثلاثة أيام. وعنه روايات
أخرى أيضًا. وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق؛ لاختلاف التقييدات. انتهى.
وحجةُ الحنفية أن المنعَ المقيدَ بالثلاث متيقن، وما عداه مشكوك فيه، فيؤخذ بالمتيقن.
ونوقض: بأن الرواية المطلقة شاملةٌ لكلِّ سفر، فينبغي الأخذ بها، وطرح ما عَدَاها؛ فإنه
مشكوكٌ فيه. ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العامّ على الخاصِّ، وترك حمل المطلق على
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٠٨٨)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٣٩).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٨٦٢)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٤١).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٠٨٦)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٣٨).
(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع. حديث (١١٧٠)، والبخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٠٨٨)، ومسلم،
كتاب الحج. حديث (١٣٣٩).

٣٤٤
كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ تُسَافِرَ المَرأةُ وَحْدَهَا
فقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجِبُ عَلَيْهَا الحَجُّ، لأن المَحْرَمَ مِنَ السَّبِيلِ، لِقَوْلِ الله
عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهٍ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَقَالُوا: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمُ فلا
تَسْتَطِيعِ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وهو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِي، وَأهْلِ الكُوفَةِ. وقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ:
المقيد. وخالفوا ذلك هنا، والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد بخلاف
حديث ابن عباس، فإنه لم يختلف عليه فيه. قال في ((الهداية)): يباحُ لها الخروجُ إلى ما دون
مدة السفر بغير محرم.
قال ابن الهمام - رحمه الله -: يشكل عليه ما في ((الصحيحين))(١) عن أبي سعيد الخدري
- رَُّبه - مرفوعًا: ((لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلَّ وَمعَهَا زَوْجُهَا أَو ذو مَحْرم مِنها)). وأخرجا عن
أبي هريرة مرفوعًا: ((لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَ اليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةً يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. إِلَّ
مَعَ ذِي مَحْرَم عَلَيْهَا)). وفي لفظ لمسلم: ((مسيرَة لَيلة)). وفي لفظ: يوم، وفي لفظ
أبي داود(٢): بريدًا. يعني: فرسخين واثني عشر ميلاً على ما في ((القاموس)). وهو عند ابن
حبان في ((صحيحه))، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وللطبراني في ((معجمه))(٣):
ثلاثة أميال، فقيل له: إن الناس يقولون: ثلاثة أيام. فقال: وهموا.
قال المنذري: ليس في هذه تباين، فإنه يحتملُ أنه وَّ قالها في مواطن مختلفة بحسب
الأسئلة، ويحتملُ أن يكون ذلك كله تمثيلاً لأقل الأعداد، واليوم الواحد أولُ العدد وأقلُّه،
والاثنان أولُ الكثير وأقله، والثلاثة أول الجمع؛ فكأنه أشار إلى أن هذا في قلة الزمن لا
يحلُّ لها السفر مع غير محرم، فكيف إذا زاد. انتهى.
وحاصله فإنه نبه بمنع الخروج أقل كل عدد على منع خروجها عن البلد مطلقًا إلا بمحرم
أو زوج. وقد صرح بالمنع مطلقًا أن حمل السفر على اللغوي - ما في ((الصحيحين)) عن ابن
عباس مرفوعًا: ((لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمِ)). والسفرُ لغةً يطلقُ على دون ذلك.
انتهى كلام المحقّق؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة) وهو قولُ أبي حنيفة، وهو القولُ الراجح
عندي. والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١١٩٧)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (٨٢٧).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٢٣)، والحاكم (٦١٠/١). حديث (١٦١٦)، وابن حبان
(٤٣٨/٦). حديث (٢٧٢٧).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢١/١٢). حديث (١٢٦٥١).

٣٤٥
كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ تُسَافِرَ المَرأةُ وَحْدَهَا
إذَا كانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، فَإِنهَا تَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ فِي الحَجِّ، وهو قَوْلُ مَالِكِ، والشَّافِعِي.
[١١٧٠] (١١٧٠) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلِي الخَلالُ حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا
مَالِكُ بنُ أنَسٍ، عَن سَعِيدٍ بنِ أبي سَعِيدٍ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّه: ((لا تُسَافِر امرأة مَسِيرَةَ يَوْم وَلَيْلَةٍ، إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم)). [خ: ١٠٨٨،
م: ١٣٣٩، د: ١٧٢٣، جه بنحوه: ٢٨٩٩، حم: ٧١٨١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال أحمد: لا يجب الحجّ على المرأة إذا لم تجد محرمًا. وإلى كون المحرم شرطًا في
الحج ذهب أبو حنيفة، والنخعي، وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه، على خلاف بينهم،
هل هو شرط أداء أو شرط وجوب، وقال مالك: وهو مروي عن أحمد: إنه لا يعتبر المحرم
في سفر الفريضة. وروي عن الشافعي، وجعلوه مَخْصُوصًا من عموم الأحاديث بالإجماع،
ومن جملة سفر الفريضة سفر الحج. وأُجيب بأن المجمع عليه إنما هو سَفَرُ الضَّرورة، فلا
يقاس عليه سفر الاختيار؛ كذا قال صاحب ((المغني)).
وأيضًا قد وقع عند الدارقطني(١) بلفظ: ((لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجٌ)). وصححه
أبو عوانة. وفي رواية للدارقطني أيضًا عن أبي أمامة(٢) مرفوعًا: ((لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ سَفَرَ ثَلَاثَة
أيَّامٍ أَوْ تَحُجُّ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا)). فكيف يخص سفر الحج من بقية الأسفار. وقد قيل: إن
اعتبار المحرم إنما هو في حَقٌّ من كانت شابة لا في حَقِّ العجوز؛ لأنها لا تشتهى. وقيل:
لا فرق؛ لأن لكل ساقط لاقطًا. وهو مراعاة للأمر النادر. وقد احتج أيضًا من لم يعتبر
المحرم في سفر الحج، بما في البخاري(٣) من حديث عدي بن حاتم مرفوعًا بلفظ: ((يُوشِكُ
أَنْ تَخْرُجَ الّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ، تَوْمُّ الْبَيْتَ لَا جِوَارَ مَعَهَا)). وتعقب بأنه يدل على وُجُود ذلك لا
على جَوَازِهِ. وأُجيب عن هذا بأنه خبر في سياق المدح، ورفع منار الإسلام، فيحمل على
الجواز. والأولى حمله على ما قال المتعقِّب؛ جمعًا بينه وبين أحاديث الباب. کذا في
((النيل)).
(١) أخرجه الدارقطني (٢٢٢/٢). حديث (٣٠).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢٢٣/٢). حديث (٣٢).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٥٩٥).

٣٤٦
كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى المُغِيبَات
١٦- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى الْمُغِيبَات [ت١٦، ١٦٢]
[١١٧١] (١١٧١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عَن
أبي الخَيْرِ، عَن عُقْبَةَ بنِ عَامِر، أنَّ رَسُوْلَ الله ◌َِّ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ والدُّخُولَ عَلَى
النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: يَا رسول الله! أفَرأيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: ((الحَمْؤُ
المَوْتُ)). [خ: ٥٢٣٢، م: ٢١٧٢، حم: ١٦٨٩٦، مي: ٢٦٤٢].
١٦ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة الدُّخُولِ عَلَى الْمُغِيبَاتِ
جمع المغيبة، بضم الميم ثم غين معجمة مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة، من غاب
عنها زوجها يقال: أغابت المرأةُ زَوْجَهَا إذا غاب زوجُها .
[١١٧١] قوله: (إياكم والدخول) بالنصب على التحذير، وهو تنبيهٌ للمخاطب على
محذور، ليحترز عنه، كما قيل: إياك والأسد. قوله: إياكم: مفعول بفعل مضمر تقديره:
اتقوا. وتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يَدخُلْنَ عليكم. وفي
رواية عند مسلم: ((لَا تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ)). وتضمن منع الدُّخول منع الخلوة بها بالطريق
الأولى. (أفرأيت الحمو) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالواو، قال في ((القاموس)):
حمو المرأة، وحموها، وحمها، وحموها: أبو زوجها، ومن كان من قبله، والأنثى: حماة،
وحمو الرجل أبو امرأته، أو أخوها، أو عمها، أو الأحماء ومن قبلها خاصَّة. انتهى.
قال النووي: المراد في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم الزوجة،
يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت. قال وإنما المراد الأخ، وابن الأخ، والعم
وابن العم، وابن الأخت، ونحوهم. مما يحل له تزويجه، لو لم تكن متزوجة. وجرت
العادة بالتساهل فيه، فيخلو الأخ بامرأة أخيه فشبه بالموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي.
انتھی.
قلت: ما قال النوويُّ: هو الظاهر، وبه جزم الترمذي وغيره، وزاد ابن وهب في روايته
عند مسلم: سمعت الليث يقول: الحمو أخُو الزوج، وما أشبه من أقارب الزوج ابن العم،
ونحوه.
(قال: الحمو الموت). قال القرطبي في ((المفهم)): المعنى: أن دخول قريب الزوج على
امرأة الزوج، يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي: فهو محرم معلوم التحريم. وإنما

٣٤٧
كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى المُغِيبَات
قَالَ: وفي البابِ عَن عُمَرَ، وجَابِرِ، وعَمْرو بنِ العَاصِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، وإنَّمَا مَعْنَى كَرَاهِيةٍ
الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ، عَلَى نَحْوِ مَا رُوي عنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا
كانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَان)) ومَعْنَى قَوْلِهِ: (الحَمْوُ)) يُقَالُ: هو أخُو الزَّوْج، كأنَّهُ كَرِهَ لَهُ أنْ
يَخْلُوَ بِهَا .
بالغ في الزجر عنه، وشبهه بالموت؛ لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة؛ لإلِفهم
بذلك، حتى كأنه ليس بأجنبيٍّ من المرأة. فخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت،
والحرب الموت، أي: لقاؤه يفضي إلى الموت. وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى
موتٍ الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة.
قوله: (وفي الباب عن عمر) (١) أخرجه الترمذي بلفظ: ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ
ثَالِثَهمَا الشَّيْطَانُ))؛ كذا في ((المشكاة)). (وجابر)(٢) أخرجه الترمذي في هذا الباب. وأخرج
مسلم(٣) عن جابر مرفوعًا بلفظ: ((ألَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّب، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ
ذُو مَحْرَم».
(وعمرو بن العاص) (٤) أخرجه مسلم، وفي الباب عن ابن عباس(٥) أخرجه الشيخان
بلفظ: ((لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ وَ لَا يُسَافِرُ مَعَهَا، إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم)).
قوله: (حديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشَّيخان.
قوله: (على نحو ما روي عن النبي وَلي قال: لا يخلون رجل بامرأة) هذا الحديث الذي
أشار إليه الترمذي أخرجه أحمد(٦) من حديث عامر بن ربيعة، قاله الحافظ في ((الفتح)).
(إلا كان ثالثهما الشيطان) برفع الأول ونصب الثاني، ويجوز العكس، والاستثناء مفرٌ.
والمعنى: يكون الشيطان معهما يهيج شهوةَ كلّ منهما. حتى يلقيهما في الزنا.
(١) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢١٦٥).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع. حديث (١١٧٢).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب السلام. حديث (٢١٧١).
(٤) أخرجه مسلم، كتاب السلام. حديث (٢١٧٣).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الحج. حديث (١٨٦٢)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٤١).
(٦) أخرجه أحمد. حديث (١٥٢٦٩).

٣٤٨
کتاب الرَّضاع / باب
١٧ - باب [ت١٧، م١٧]
[١١٧٢] (١١٧٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ عَلِي، حَدَّثَنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عَن مُجَالِدٍ،
عنِ الشَّعْبِي، عَن جَابِرٍ، عنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((لا تَلِجُوا عَلَى المغيبَاتِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
يَجْرِي مِن أحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ) قُلْنَا: ومِنْكَ؟ قَالَ: ((وَمِنِّي، ولكِنَّ الله أعَانَنِي عَلَيْهِ،
فَأْسلَم)). [حم: ١٣٩١٣، مي: ٢٧٨٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غرِيبٌ مِن هذَا الوَجْهِ. وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي
مُجالِدٍ بنِ سَعِيدٍ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ، وسَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ خَشْرَمِ، يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بنُ
عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ بِّهِ: ((وَلكِنَّ الله أعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلُمُ)): يَعْني أسلَمُ أنَا مِنْهُ.
قَالَ سُفْيَانُ: والشَّيطان لا يُسْلِمُ. ولا تَلِجُوا عَلى المُغِيبَاتِ، والمُغِيبَةُ: المَرأةُ الّتِي
يَكُونُ زَوْجُهَا غَائِبًا، والمغيبَاتُ جَمَاعةُ المُغِيبةِ.
١٧ - بَابٌ
[١١٧٢] قوله: (لا تلجوا) من الْوُلُوج أي: لا تدخلوا. (على المغيبات) أي: الأجنبيات
اللاتي غَابَ عنهن أزواجهن. (فإن الشيطان يجري من أحدكم) أي: أيها الرجال والنساء
(مجرى الدم) بفتح الميم، أي: مثل جريانه في بدنكم من حيث لا ترونه. قال في
((المجمع)): يحتمل الحقيقة بأن جعل له قدرة على الجري في باطن الإنسان، ويحتمل
الاستعارة؛ لكثرة وسوسته. (قلنا: ومنك) أي: يا رسول الله (قال: ومني) أي: ومنيٍ أيضًا.
(فأسلم) بصيغة الماضي، أي: استسلم وانقاد، وبصيغة المضارع المتكلم، أي: أَسْلَمُ أنا
منه. قال في ((المجمع)): وهما روایتان مشهورتان.
قوله: (وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قِبَل حفظه). قال الحافظ: مجالد،
بضم أوله وتخفيف الجيم، ابن سعيد بن عمير الهمداني، بسكون الميم، أبو عمرو الكوفي
ليس بالقويِّ، وقد تغير في آخر عمره (وسمعت علي بن خشرم) بالخاء والشين المعجمتين،
بوزن جعفر: شيخ الترمذي، وتلميذ ابن عيينة: ثقة. (يعني فأسلم أنا منه) يعني قوله: فأسلم
بصيغة المضارع المتكلّم. (قال سفيان: فالشيطان لا يسلم) يعني: قوله فَأَسْلَمُ ليس بصيغة
الماضي، حتى يثبت إسلام الشيطان فإن الشيطان لا يُسلم. قال في ((المجمع)) وهو ضعيف:
فإن الله تعالى على كل شيء قدير، فلا يبعد تخصيصه من فَضْلِهِ بإسلام قرينه. انتهى.

٣٤٩
کتاب الرَّضاع / باب
١٨ - باب [ت١٨، م١٨]
[١١٧٣] (١١٧٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ عَاصِم، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ،
عَن قَتَادَةَ، عَن مُوَرِّقٍ، عَن أبي الأخْوَصِ، عَن عَبْدِ الله، عنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((المَرأةُ
عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غرِيبٌ.
قال ابن الأثير في ((النهاية)): وما من آدمي إلا ومعه شيطان، قيل: ومعك؟ قال: نَعَمْ.
وَلَكِنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ. وفي رواية حَتَّى أَسْلَمَ، أي: انقاد واستسلم، وكفّ عن
وسوستي. وقيل: دخل في الإسلام، فسلمت من شره، وقيل: إنما هو فأسلم، بضم الميم
على أنه فعل مستقبل، أي: أسلم أنا منه ومن شرِّه. ويشهد للأول الحديث الآخر: ((كَانَ
شَيْطَانُ آدَمَ كَافِرًا وَ شَيْطَانِي مُسْلِمًا)). انتهى.
قلت: لو صَّح هذا الحديثُ لكان شاهدًا قويًّا للأول، وإني لم أقف على سنده، ولا على
من أخرجه.
١٨ - بَابٌ
[١١٧٣] قوله: (عن مورق) بضم الميم وكسر الراء المشددة، ابن مشمرخ، بفتح الراء
كمدحرج؛ كذا في ((الخلاصة)). وقال في ((التقريب)): مورق، بتشديد الراء: ابن مشمرج، بضم
أوله وفتح المعجمة وسكون الميم وكسر الراء بعدها جيم، العجلي، ثقة عابد من كبار الثالثة.
قوله: (المرأة عورة) قال في ((مجمع البحار)): جعل المرأة نفسها عورة؛ لأنها إذا ظهرت
يستحي منها، كما يستحي من العورة إذا ظهرت، والعورة السوأة، وكل ما يستحى منه إذا
ظهر.
وقيل: إنها ذات عورة.
(فإذا خرجت استشرفها الشيطان) أي: زينها في نظر الرجال. وقيل: أي: نظر إليها
ليغويها ويغوي بها. والأصلُ في الاستشرافِ رفعُ البصرِ؛ للنظر إلى الشيء، وبسط الكفّ
فوق الحاجب، والمعنى أن المرأة يستقبح بروزها وظهورها، فإذا خرجت أمعن النظر إليها؛
ليغويها بغيرها، ويغوي غيرها بها؛ ليوقعهما، أو أحدهما في الفتنةِ. أو يريد بالشَّيطان شيطان
الإنس من أهل الفسق، سمَّاه به على التشبيه.

٣٥٠
كتاب الرَّضاع / باب
١٩ - باب [ت١٩، م١٩]
[١١٧٤] (١١٧٤) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ عَن بَحِيرِ بنِ
سَعْدٍ عَن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ، عَن كَثِيرِ بنِ مُرَّةَ الحَضْرَمِيِّ، عَن مُعَاذٍ بنِ جَبَلٍ، عنِ النَّبِيِّ
قَالَ: ((لا تُؤْذِي امْرَأةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا، إلَّا قَالَتِ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِينِ: لا تُؤْذِیهِ،
قَاتَلَكِ الله، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَك دَخِيلٌ، يُوشِكَ أنْ يُفَارِقَكِ إلَيْنَا)). [جه: ٢٠١٤، حم: ٢١٥٩٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ حسنٌ غِرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، وَرِوَايَةُ
إِسْمَاعِيلَ بنِ عَّشٍ عنِ الشَّامِيِّينَ أصْلَحُ، ولَهُ عَن أهْلِ الحِجَازِ وأهْلِ العِرَاقِ مَنَاكِيرُ.
آخر کتاب الرضاع وأول كتاب الطلاق
١٩ - بَابٌ
[١١٧٤] قوله: (عن بحير) بكسر المهملة. (بن سعد) السحولي الحمصي، ثقة ثبت، من
السادسة.
قوله: (لا تؤذي) بصيغة النَّفي. (من الحور) أي: نساء أهل الجنة، جمع حوراء، وهي
الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها. (العين) بكسر العين، جمع عيناء، بمعنى الواسعة
العين. ((لا تؤذيه)) نهي مخاطبة. (قاتلك الله) أي قتلكِ، أو لعنكِ، أو عَادَاكِ. وقد يرد
للتعجب كَتَرِبَتْ يَدَاهُ. وقد لا يُراد به وقوع، ومنه: قاتل الله سمرة، كذا في ((المجمع)).
(فإنما هو) أي: الزوج. (عندك دخيل) أي: ضيف ونزيل. يعني: هو كالضيف عليك، وأنت
لست بأهل له حقيقة، وإنما نحن أهلُهُ فيفارقك، ويلحق بنا. (يوشك أن يفارقك إلينا) أي:
واصلا إلينا .
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه (ورواية) إسماعيل بن عياش عن الشاميين
أصلح. (وله عن أهل الحجاز،، وأهل العراق مناكير). قال الحافظ في ((التقريب)):
إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، بالنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل
بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة. وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): وثقه أحمد، وابن
معين ودحيم، والبخاري، وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين. انتهى.
قلت: روى إسماعيل بن عياش حديث الباب عن بحير بن سعد، وهو شامي حمصي،
فالظاهر أن هذا الحديثَ حَسَنٌّ، فإن الرواةَ غير إسماعيل بن عياش ثقات مَقْبُولُونَ.

٣٥١
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ في طَلاقِ السُّنَّة
اللّه
(١١) كتاب الطلاق واللهان عن رسول
صَلَى اللّه
وَسْتَلم
١- باب مَا جَاءَ في طَلاقِ السُّنَّة [ت١، ١٢]
١١ - كِتَابُ الطَّلَاقِ واللَّعَانِ عَنْ رَسُولِ الله
الطلاق في اللغة: حلُّ الوثاق، مشتق من الإطلاق، وهو الإرسالُ والترك، وفي الشرع
حَلُّ عقدة التزويج فقط. وهو موافق لبعض أفراد مدلوله اللغوي. قال إمام الحرمين: هو لفظ
جاهلي ورد الشرع بتقريره، وطلقت المرأة، بفتح الطاء وضم اللام [وبفتحها] أيضًا، وهو
أفصحُ، ◌ُلِّقَتْ أيضًا، بضم أوله وكسر اللام الثقيلة، فإن خففت فهو خَاصٌّ بالولادة.
والمضارع فيهما بضم اللام، والمصدر في الولادة طَلْقًا ساكنة اللام، فهي طَالِقٌ فيهما؛ كذا
في ((فتح الباري)). واللعان: مصدر لَا عَنَ يُلَاعِنُ مُلَاعَنَةً وَ لِعَانًا، وهو مشتق من اللعن وهو
الطرد والإبعاد؛ لبعدهما من الرحمة، أو لبعد كل منهما عن الآخر، ولا يجتمعان أبدًا.
واللِّعَانُ والالتعانُ والملاعنةُ بمعنى، ويقال: تلاعنا والتعنا وَ لَا عَنَ الحاكمُ بينهما، وهو
شَرْعًا عبارةٌ عن شهاداتٍ مؤكدةٍ بالأيمان، مقرونة باللَّعن قائمة مقام حَدِّ القذف في حقّه،
وحد الزنا في حقِّها، إذا تلاعنا سقط حد القذف عنه، وحد الزنا عنها؛ كذا فسر العلماء
الحنفية، والأصلُ فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَُّونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَلَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَهَدَةُ أَحَدِهِرْ
وَبَيْرَؤُاْ عَنْهَا
وَالْخَلِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِنَ
٦
أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
وَاَلْخَلِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ
اُلْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتِ بِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِيِن
الصَّدِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩].
١ - باب ما جَاءَ في طَلَاقِ السُّنَّةِ
قال الإمام البخاري في ((صحيحه)): طلاق السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويُشهد
شَاهِدَیْنِ.
قال الحافظ في ((الفتح)): روى الطبريُّ بسند صحيح عن ابن مسعود(١) في قوله تعالى:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. قال: في الطهر من غير جماع، وأخرجه عن جَمْعٍ من
الصحابة، ومن بعدهم كذلك.
(١) الطبري في ((التفسير)) (١٢٩/٢٨).

٣٥٢
كتاب الطلاق واللعان عن رسول اللّه رَّ / باب مَا جَاءَ في طَلاقِ السُّنَّة
[١١٧٥] (١١٧٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَن أيُّوبَ، عَن مُحَمَّدٍ بنِ
سِيرِينَ، عَن يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ عُمَرَ عَن رَجُلٍ طَلَّقَ امْرأتَهُ وَهِيَ
خَائِضٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ؟ فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرأْتَهُ وهِيَ حَائِضُ، فَسَأَلَ
عُمَرُ النبيَّ وَّةَ، فَأَمَرَهُ أنْ يُرَاجِعَهَا. قَالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِتِلكَ التَّطْلِيفَةِ؟ قَالَ: فَمَهْ،
[١١٧٥] قوله: (وهي حائض) قيل: هذه جملةٌ من المبتدأ والخبر، فالمطابقة بينهما
شرط، وأجيب بأن الصفة إذا كانت خاصَّةً بالنساءِ، فلا حاجة إليها؛ كذا في ((عمدة
القاري)).
(فقال) أي: ابن عمر رَُّله (هل تعرف عبد الله بن عمر) إنما قال له ذلك، مع أنه يعرفه
وهو الذي يخاطبه؛ ليقرره على اتباع السنة، وعلى القبول من ناقلها، وأنه يلزم العامة
الاقتداء بمشاهير العلماء، فقرره على ما يلزمه من ذلك، لا أنه ظَنَّ أنه لا يعرفه؛ قاله الحافظ
وغيره.
(فإنه) أي: عبد الله بن عمر - رَُّبه - (طلق امرأته) اسمها: آمنة بنت غفار؛ قاله النووي
في ((تهذيبه))، وقيل: بنت عمار، بفتح العين المهملة وتشديد الميم، ووقع في ((مسند أحمد)»
أن اسمها: نوار بفتح النون. قال الحافظ: ويمكن الجمعُ بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها
النوار. انتهى.
(فأمره أن يراجعها) في رواية أوردها صاحب ((المشكاة)) عن ((الصحيحين))(١): ((فَتَغَيَّظَ فِيهِ
رَسُولُ اللهِ وَّ)). قال القاري: فيه دليل على حرمة الطلاق في الحيض؛ لأنه وَّ لا يغضب
بغير حَرَامِ .
(قال: قلت) أي: قال يونس بن جبير قلت لابن عمر رَظُبه (فيعتد) بصيغة المجهول،
أي: يحتسب (قال) أي: ابن عمر - رَيُّه - (فمه) أصله فما، وهو استفهامٌ فيه اكتفاء، أي:
فما يكون إن لم تحتسب، ويحتمل أن تكون الهاءُ أصلية. وهي كلمة تقال للزجر، أي: كُفَّ
عن هذا الكلام، فإنه لا بد من وقوع الطلاق بذلك، قال ابن عبد البر: قول ابن عمر:
((فمه)). معناه فأي شيء يكون إذا لم يعتدّ بها؟ إنكارًا لقول السائل: أيعتد بها؟ فكأنه قال:
وهل من ذلك بد.
(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٩٠٩)، ومسلم، كتاب الطلاق، حديث (١٤٧١).

٣٥٣
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاءَ في طَلاقِ السُّنَّة
أرأيْتَ إنْ عَجَزَ واسْتَحْمَقَ؟. [خ: ٥٢٥٢، م: ١٤٧١، ن: ٣٣٩٩، د: ٢١٨٤، جه: ٢٠٢٢، حم:
٥٠٠٥].
[١١٧٦] (١١٧٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ، عَن مُحَمَّدٍ بنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَن سَالِم، عَن أبِيهِ، أنّهُ طَلَّقَ امْرأتهُ في الحَيْضِ،
فَسأل عُمَرُ النبيَّ وََّ فَقَالَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَّاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطلِّقْهَا طَاهِرًا أوْ حَامِلًا)).
[جه: ٢٠٢٣، مي: ٢٢٦٣، ن: ٣٣٩٧، د: ٢١٨١، حم: ٤٧٧٤].
(أرأيت إن عجز واستحمق) القائل لهذا الكلام هو ابن عمر - رضي الله- صاحب القصة،
ويريد به نفسه، وإن أعاد الضمير بلفظ الغيبةٍ، وقد جاء في رواية لمسلم عن ابن عمر: ما لي
لا أعتدُّ بها؟ وإن كنت عجزت واستحمقت. وقوله: ((أرأيت)). أي: أخبرني. قال الحافظُ
ابن حجر: قوله: أرأيت إن عجز واستحمق، أي: إن عجز عن فرض لم يقمه، أو استحمق
فلم يأت به، أيكون ذلك عذرًا له؟ وقال الخطابي: في الكلام حَذْفٌ، أي: أرأيت إن عجز
واستحمق، أيسقط عنه الطلاق حمقه، أو يبطله عجزه؟ وحذف الجواب؛ لدلالة الكلام
عليه .
[١١٧٦] قوله: (مره فليراجعها) اختلف في وجوب الرجعة، فذهب إليه مالك، وأحمد
في رواية، والمشهور عنه، وهو قولُ الجمهور؛ أنها مستحبة. وذكر صاحب ((الهداية)): أنها
واجبة؛ لورود الأمر بها؛ قاله العيني - رحمه الله -، قلت: واحتج من قال باستحباب
الرجعة: بأن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك. والظاهر: قول من قال بالوجوب؛
لورود الأمر بها .
٠٠
(ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا) استدل به من ذَهَبَ إلى أن طَلَاقَ الحامل سُنِّيٌّ، وهو قولُ
الجمهور. وعن أحمد رواية: أنه ليس بسني ولا بدعي. واختلف في المراد بقوله - طاهرًا -
هل المراد به انقطاع الدم، أو التطهر بالغسل؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد،
والراجح الثاني؛ لما في رواية عند النسائي (١) في هذه القصة. قال ((مُرْ عَبْدَ الله فَلْيُرَاجعْهَا،
فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الأُخْرَى، فَلَا يَمَسها حَتَّى يَطلّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا
فَلْيُمْسِكْهَا))، قاله الحافظ
(١) أخرجه النسائي، كتاب الطلاق. حديث (٣٣٩٦).

٣٥٤
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ في طَلاقِ السُّنَّة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ يُونسَ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ،
وكَذَلِكَ حديثُ سَالِم، عنِ ابنِ عُمَرَ، وقَدْ رُوِيَ هذَا الحَديثُ من غَيْرِ وجهٍ، عنِ ابنِ
عُمَرَ، عنِ النَّبِيِّ، والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ،
أنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ، أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جَمَاعٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ طَلَّقَهَا ثَلاثًا
وهِيَ طَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلسُّنَّةِ أيْضًا، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي، وأحْمَدَ بن حنبل. وقالَ
بَعْضُهُمْ: لا تَكُونُ ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ، إِلَّا أنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً واحِدةً. وهو قَوْلُ سفيان
الثَّوْرِي وإسحَاقَ، وقَالُوا فِي طَلاقِ الحَامِلِ: يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ، وهُوَ قَولُ الشَّافِعِي
وَأحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُطَلِّقُهَا عِنْدَ كَلِّ شَهْر تَطْلِيقَة.
قوله: (حديث يونس بن جبير عن ابن عمر حديث حسن صحيح ... إلخ) حديث ابن
عمر هذا أخرجه الأئمةُ الستةُ، وله طرق وألفاظ.
قوله: (وقال بعضهم: إن طلقها ثلاثًا وهي طاهر، فإنه يكون للسنة أيضًا، وهو قول
الشافعي، وأحمد) قال القاري في ((المرقاة)): قال في ((شرح السنة)): استدلَّ الشافعيُّ على أن
الجمعَ بين الطلقات الثلاث مباح، ولا يكون بدعة؛ لأن النبي ◌ّ سأل ركانة بن عبد يزيد
حين طلق امرأته البتة: ما أردت بها؟ ولم ينهه أن يريد أكثر من واحدة. وهو قولُ الشافعي،
وفيه بَحْثٌ فإنه إنما يدلُ على وُقُوع الثلاث. وأما على كونه مباحًا أو حرامًا فلا. انتهى ما في
((المرقاة)).
قلت: حديث ركانة هذا ضعيف مضطرب كما ستقف، لا يصلحُ أن يحتجَّ به على أن
الجمعَ بين الطلقات الثلاث مُبَاحٌ. ولا على وقوع الثلاث. قال العيني في ((شرح البخاري)»:
واختلفوا في طلاق السنة، فقال مالك: طلاق السنة أن يطلِّق الرجل امرأته في ظُهْر لم يمسَّها
فيه تطليقة واحدة ، ثم يتركها حتى تنقضي العدة، برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة وهو قول
الليث، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: هذا أحسن من الطلاق. وله قول آخر وهو: ما إذا أراد أن يطلقها ثلاثًا
طلقها عند كُلِّ طُهْرٍ طلقةً واحدة من غير جِمَاعٍ. وهو قول الثوري، وأشهب، وزعم
المرغيناني أن الطلاق على ثلاثة أوجه عند أصحاب أبي حنيفة: حسن، وأحسن، وبدعي.
فالأحسن: أن يطلقها وهي مدخولُ بها تطليقة واحدة في ظُهْرٍ لم يجامعها فيه، ويتركها حتى
تنقضي العدةُ. والحسن: وهو طلاق السنة، وهو أن يطلق المدخول بها ثلاثًا في ثلاثة

٣٥٥
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يطَلِّقُ امْرَأْتَهُ البَنَّة
٢ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يطَلِّقُ امْرأتَهُ البَنَّة [٢٥، ٢٢]
[١١٧٧] (١١٧٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا قَبْصَةُ عَن جَرِيرِ بنِ حازِمِ، عنِ الزُّبَيْرِ بنِ
سَعْيد، عَنْ عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ بنِ رُكَانَةَ، عَن أبيهِ، عَن جَدِّهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النبيَّ وَه
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي البَنَّةَ، فَقَالَ: ((مَا أُرَدْتَ بِهَا)) ؟ قُلتُ:
أطهار. والبدعي: أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، أو ثلاثًا في طهر واحد، فإذا فعل ذلك وقع
الطلاق، وكان عَاصيًا. انتهى كلام العيني.
٢ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَنَّةَ
[١١٧٧] قوله: (عن الزبير بن سعد) كذا في النسخ الموجودة الزبير بن سعد، وفي ((سنن
أبي داود))، و((سنن ابن ماجه)): الزبير بن سعيد. وكذلك في ((الخلاصة))، و((الميزان))،
و ((التقريب)) فهو الصحيح. قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: روى عباس عن ابن معين
ثقة. وقال في موضع آخر: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف. وهو معروف بحديث في
طلاق البتة، وقال في ((التقريب)): لين الحديث.
(عن عبد الله بن يزيد بن ركانة) بضم الراء، وهو عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة،
وكذلك وقع في ((سنن أبي داود))، و((سنن ابن ماجه))، وقال الحافظ في ((التقريب)): قد ينسب
إلى جده، وقال: هو لين الحديث. وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: قال العقيلي:
إسناده مضطرب، ولا يتابع على حديثه، وساق حديث جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد
المطلبي عن عبد الله عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة .... الحديث ، والشافعي عن
عمه عن عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عُجير، أن ركانة بن عبد يزيد طلَّق امرأته
البتة. قال الذهبيُّ: كأنه أراد بقوله: عن جده الجد الأعلى وهو ركانة. انتهى.
(عن أبيه) أي: علي بن يزيد بن ركانة. قال في ((الخلاصة)): علي بن يزيد بن ركانة
المطلبي، عن أبيه وجده. وعنه ابناه: عبد الله ومحمد، وثقه ابنُ حبان. وقال البخاري: لم
يصحَّ حديثهُ. (عن جده) أي: ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف
المطلبي من مسلمة الفتح، ثم نزل المدينة، ومات في أول خلافة معاوية.
قوله: (إني طلقت امرأتي البتة) بهمزة وصل، أي: قال: أنت طالقُ البتة. من البتّ

٣٥٦
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يطَلِّقُ امْرَأتَهُ البَنَّة
وَاحِدَةً، قَالَ: ((والله؟)) قُلتُ: والله! قَالَ: ((فَهُوَ مَا أَرَدْتَ)). [ضعيف: د: ٢٢٠٨،
جه: ٢٠٥١، مي: ٢٢٧٢٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذَا الوَجْهِ. وسألت مُحمَّدًا عَن
هذا الحديث فقال: فيه اضطرابٌ، ويُروى عَن عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن ركانة
طلَّق امرأتهُ ثلاثًا. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْل العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ فِي طَلاقٍ
البَّةِ، فَرُوِيَ عَن عُمر بنِ الخَطَّابِ، أنَّهُ جَعَلَ البَّةَ واحِدَةً،
بمعنى القطع، واسم امرأته سهيمة، كما وقع في رواية لأبي داود، (قال: فهو ما أردت) ،
وفي رواية لأبي داود: ((فَرَدَّهَا إليه)). قال الخطابي: فيه بيان أن طلاق البتة واحدة إذا لم يرد
بها أكثر من واحدة، وأنها رجعية غير بائن. انتهى.
قال القاضي- رحمه الله -: في الحديث فوائد: منها: الدلالة على أَنَّ الزوج مصدَّقُ
باليمين فيما يدعيه، ما لم يكذبه ظاهر اللفظ. ومنها أن البتة مؤثرة في عدد الطلاق، إذ لو لم
يكن لما حلّفه بأنه لم يرد إلا واحدة، وأن من توجّه عليه يمين، فحلف قبل أن يحلفه
الحاكم؛ لم يعتبر حلفه، إذ لو اعتبر لاقتصر على حلفه الأول، ولم يحلفه ثانيًا. ومنها: أن
ما فيه احتساب للحاكم له أن یحکم فیه من غیر مدع. انتهى.
قوله: (هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه) قال المنذري: في إسناده الزبير بن سعيد
الهاشمي، وقد ضعَّفه غير واحد، وذكر الترمذي أيضًا عن البخاري، أنه مضطرب فيه، تارة
قيل فيه: ثلاثًا، وتارة قيل فيه: واحدة. وأصحه: أنه طلقها البتة، وأن الثلاث ذكرت فيه
على المعنى. وقال أبو داود: حديث نافع بن عجير حديث صحيح. وفيما قاله نظر، فقد
تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل؛ أن طرقه ضعيفة، وضعفه أيضًا البخاري، وقد وقع
الاضطراب في إسناده ومتنه. انتهى كلام المنذري.
قوله: (فروي عن عمر بن الخطاب أنه جعل البتة واحدة) قال العيني في ((شرح
البخاري)): وقد اختلف العلماءُ في قول الرجل: أنت طالق البتة. فذكر ابن المنذر عن عمر -
رَظُبه - أنها واحدةٌ، وإن أراد ثلاثًا فهي ثَلَاثٌ. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي. وقالت
طائفة: البتة ثلاث. روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن المسيب، وعروة، والزهري،
وابن أبي ليلى، ومالك، والأوزاعي، وأبي عبيد. انتهى كلام العيني.
وقال القاري في ((المرقاة)): ((طلاق البتة عند الشافعي واحدة رجعية، وإن نوى بها اثنتين

٣٥٧
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله رَافِ / باب مَا جَاءَ في ((أَمْرُكِ بِيَدِك»
وَرُوِيَ عَنِ عَلِي أَنَّهُ جَعَلَها ثلاثًا. وقال بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: فيه نِيَّةُ الرَّجُلِ، إن نوى
واحدةً فواحدة، وإِنْ نَوَى ثَلاثًا فَثَلاثٌ، وإنْ نَوَى ثِنتَيْنِ لَمْ تَكُنْ إلَّا وَاحِدَةً، وهو
قَوْلُ الثَّوْرِي وأهْلِ الكُوفَةِ. وقَالَ مَالِكُ بنُ أنَسٍ فِي البَتَّةِ: إِنْ كانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَهِي
ثَلاثُ تَطْلِيقَاتٍ. وقالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ نَوَى وَاحِدَة فَوَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وإِنْ نَوَى
ثِنْتَيْنِ فَشْتَانِ، وإِنْ نَوَى ثَلاثَا فَثَلاثٌ.
٣- باب مَا جَاءَ في (أمْرُكِ بِيَدِك)) [ت٣، م٣]
[١١٧٨] (١١٧٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ نَصْرِ بنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ،
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَيُّوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ أَحَدًا قَالَ فِي ((أَمْرُكِ بِيَدِكِ))
إِنَّهَا ثَلاثٌ إِلَّ الحَسَنَ؟ فَقَالَ: لا، إِلَّ الحَسَنَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهِمَّ غَفْرًا إلَّا مَا حَدَّثَنِي
أو ثلاثًا، فهو ما نوى. وعند أبي حنيفة واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فَثَلَاثٌ. وعند مالك
ثلاث». انتهى كلام القاري.
(وروي عن علي أنه جعلها ثلاثًا) وهو مروي عن ابن عمر، وابن المسيب، وعروة،
والزهري، وغيرهم، كما عرفت آنفًا. (وقال بعض أهل العلم: فيه نية الرجل إن نوى واحدة
فواحدة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى ثنتين لم تكن إلا واحدة. وهو قولُ الثوري، وأهل
الكوفة) وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله. قال في ((شرح الوقاية)) من كتب الحنفية: قد ذكر في
أصول الفقه أن لفظ المصدر واحد لا يدلُّ على العدد. فالثلاثُ واحدٌ اعتباري، من حيث أنه
مجموع فتصح نيته. وأما الاثنان في الحرة فعدد محض، لا دلالة للفظ المفرد عليه. انتهى.
٣ - باب مَا جَاءَ في أَمْرُكِ بِيَدكِ.
خد
اعلم أنه إذا جعل الرجلُ أمر امرأته بيدها، وقال، أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فإن اختارته ولم تفارقه،
بل قرت عنده؛ فليس ذلك بطلاق بالاتفاق، وأما إذا فارقته، واختارت نَفْسَهَا فهو طَلَاقٌ.
وستقف على ما فيه من اختلاف أهل العلم.
[١١٧٨] قوله: (اللهم غفرًا) بفتح الغين المعجمة، هو منصوبٌ على المصدر، أي:
اغفر غفرًا. قال بعض العلماء: طلب المغفرة من الله تعالى؛ لأنه جعل سماع هذا القول
مخصوصًا بالحسن، يعني: أنه سمع من قتادة أيضًا مثله. انتهى.

٣٥٨
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله رَّ / باب مَا جَاءَ في ((أَمْرُكِ بِيَدِك))
قَتَادَةُ عَن كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ:
((ثَلاثٌ)). [صحيح، لكن من قول الحسن، ن: ٣٤١٠، د: ٢٢٠٤].
قَالَ أيُّوبُ: فَلَقيتُ كَثِيرًا مَوْلَى بَنِي سَمُرَةٍ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى قَتَادَةَ
فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: نَسِيَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ غِرِيبٌ. لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن حديثِ سُلَيمَانَ بنِ حَرْبٍ
عَنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وَسَأَلتُ مُحَمَّدًا عَنِ هذَا الحَدِيثِ فِقَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ
عَنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ بِهِذَا، وإنّما هُوَ عَن أبي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا .
وقال بعضُهم: يحتملُ أنه كان سماعُه من الحسن على الجزم واليقين؛ فلذا قاله جزمًا بل
حَضْرًا. ولم يكن سماعه من قتادة بهذه الرتبة، فذكره بعد طلب المغفرة من الله تعالى؛ بسبب
أن يكون فيه شيء من السَّهو والغفلة. انتهى؛ كذا في ((حاشية النسخة الأحمدية)).
قلت: والظاهرُ عندي أنه كان ينبغي لأيوبَ أن يقولَ في جواب حماد بن زيد: لا إلا
الحسن، وفيه حديث مرفوع، لكنه غفل عن ذكر الحديث المرفوع، ثم تذكر على الفور،
فاستغفروا، قال: اللهم غفرًا إلا ما حدّثني قتادة عن كثير ... إلخ. والله تعالى أعلم. (عن
كثير مولى بني سمرة) قال في (تهذيب التهذيب)): كثير بن أبي كثير البصري، مولى
عبد الرحمن بن سمرة، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قوله: (عن النبي وّر قال: ثلاث) أي: إذا قال الرجل لامرأته: أمرك بيدك فاختارت
نَفْسَهَا فهي ثلاثٌ. (فسألته) أي: فسألت كثيرًا عن هذا الحديث، أي: سألته إنك حدثت
قتادة بهذا الحديث. (فلم يعرفه) وفي رواية أبي داود قال أيوب: فقدم علينا كثير. فسألته
فقال: ما حدثت بهذا قَطُ. (فأخبرته) أي: فأخبرت قتادةَ بما قال كثير. (فقال) أي: قتادة
(نسي) أي: كثير وفي رواية أبي داود فقال: ((بَلَى وَلَكنَّهُ نَسي)).
اعلم أن إنكار الشيخ أنه حَدَّثَ بذلك إن كان على طريقة الجزم، كما وقع في رواية
أبي داود، فلا شك أنه علة قادحة، وإن لم يكن على طريقة الجزم، بل عدم معرفة ذلك
الحديث، بدون تصريح بالإنكار؛ كما في رواية الترمذي؛ فليس ذلك مما يعد قادحًا في
الحديث؛ كما تقرر في أصول الحديث.

٣٥٩
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله وَيزر / باب مَا جَاءَ في ((أَمْرُكِ بِيَدِك»
وَلَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا، وكانَ عَلِيُّ بنُ نَصْرِ حَافِظًا، صَاحِبَ حدِيثٍ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ((أَمْرُكِ بِيدِكٍ)) فقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ
وَبِّه، وغيرهم مِنْهُمْ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ وعَبْدُ الله بنُ مسْعُودٍ: هِيَ وَاحِدَةٌ، وهو قَوْلُ
غَيْرِ وَاحِد مِن أهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ ومَنْ بَعْدَهُمْ. وقَالَ عُثمَانُ بنُ عَقَّانَ وَزَيْدُ بنُ
ثَابِتٍ: القَضَاءُ مَا قَضَتْ.
قوله: (ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا) ، والحديث أخرجَهُ أبو داود وَسَكَتَ عنه،
وذكر المنذري كلام الترمذي وأقره، وأخرجه أيضًا النسائي وقال: هذا حديث منكر. (وكان
علي بن نصر حافظًا صاحب حديث) ، لعل الترمذي أراد بقوله هذا أن علي بن نصر رَوَى
هذا الحديث مرفوعًا، وكان ثقة حافظًا وروايته مرفوعًا زيادة، وزيادة الثقة الحافظ مقبولة.
والله تعالى أعلم.
قوله: (فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ ه منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن
مسعود: هي واحدة وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم) يعني: إذا
قال رجلٌ لامرأته: أمركِ بيدك، ففارقته، فهي طلقة واحدة. ولم يصرِّح الترمذيُّ بأن هذه
الواحدة بائنة أو رجعية. وعند زيد بن ثابت - رعظاته -: هي واحدةٌ رجعيةٌ. روى محمد(١) في
(مُؤَطّئه)) عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت، أنه كان جالسًا عنده، فأتاه بعض بني
أبي عتيق، وعيناه تدمعان. فقال له: ما شأنك؟ فقال مَلَّكْتُ امرأتي أمرها بيَدهَا، فَفَارَقَتْني،
فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: القدرُ. قال له زيد بن ثابت: ارتجعها إن شئت، فإنما هي
واحدة، وأنت أملكُ بها. وقال الإمام محمد بعد هذه الرواية: هذا عندنا على ما نوى
الزوج، فإن نوى واحدةً فواحدةٌ بائنةٌ، وهو خاطب من الخطاب. وإن نوى ثلاثًا فثلاث.
وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. انتهى كلامه.
قوله: (وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت) أي: الحكم ما نوت
من رجعية أو بائنة، واحدة أو ثلاثاً؛ لأن الأمر مفوضٌ إليها. وهو قولُ علي بن أبي طالب -
◌َُّه - كما صرح به الإمام محمد في ((مُوَطّئه)). وقد عرفت قولَ زيد بن ثابت لبعض بني
أبي عتيق: ارتجعها إن شئت، فإنما هي واحدة ... إلخ فلعل عن زيد بن ثابت روايتين. والله
تعالى أعلم.
(١) أخرجه مالك، كتاب الطلاق. حديث (١١٧٩).

٣٦٠
كتاب الطلاق واللعان عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في ((أَمْرُكِ بِيَدِك)
وقالَ ابنُ عُمرَ: إِذَا جَعَلَ أمْرَهَا بِيَدِهَا وطَلّقَتْ نَفْسَهَا ثَلاثًا، وأنْكَرَ الزَّوْج وقَالَ: لَمْ
أجْعلْ أمْرَهَا بِيَدِهَا إلَّ في واحِدَةٍ، اسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ، وكانَ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وذَهَبَ سُفْيَانُ وأهْلُ الكُوفَةِ إِلَى قَوْلِ عُمرَ وعَبْدِ الله، وأمَّا مَالِكُ بنُ أنَسٍ فقَالَ:
القَضَاءُ مَا قَضَتْ،
(وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها وطلقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج، وقال: لم
أجعل أمرها بيدها إلا في واحدة، استحلف الزوج، وكان القول قوله مع يمينه). روى الإمام
محمد في (مُوَّه)) (١) عن ابن عمر، أنه كان يقول: إذا مَلَّكَ الرجلُ امرأته أمرها، فالقضاء ما
قضت، إلا أن ينكر عليها فيقول: لم أرد إلا تطليقة واحدة، فيحلف على ذلك، ويكون أملك
بها في عدَّتها. (وذهب سفيان، وأهل الكوفة إلى قول عمر، وعبد الله). وتقدم قول أبي حنيفة
وأصحابه. (وأما مالك بن أنس فقال: القضاءُ ما قَضَتْ). وروى مالك في ((الموطإ))(٢) عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف مَلَّكَ امرأتَهُ أَمْرَهَا، فقالت: أنت
الطلاق؟ فسكت، ثم قالت: أنت الطلاق؟، فقال: بفيك الحجر، ثم قالت: أنت الطلاق،
فقال: بفيك الحجر، فاختصما إلى مروان بن الحكم، فاستحلفه ما ملكها إلا واحدة وردّها
إليه. قال مالك: قال عبد الرحمن: فكان القاسم يعجبه هذا القضاء، ويراه أحسن ما سمع
في ذلك، وأحبه إليه. انتهى ما في ((الموطإ)).
قال الشيخ سلام الله في ((المحلى في شرح الموطإ)): قوله: وهذا أحسن، أي: كون
القضاء ما قضت، إلا أن ينكرها الزوجُ؛ أحسن ما سمعت في التي يجعل أمرها بيدها، أو
يملك أمرها، وهي المملكةُ. فلو قالت: طلقت نَفْسي ثلاثًا، وقال: ما أردتُّ ذلك، بل
أردت تمليكي لك نفسك طلقة أو طلقتين مثلًا، فالقولُ له بخلاف ما لو قال: ما أردت
بالتمليك لك شيئًا أبدًا، فلا يقبل قوله، بل يقع ما أوقعت هذا في المُمَلَّكةِ. وأما المخيرةُ
فإذا اختارت نَفْسَهَا يقع عنده ثلاث، وإن أنكرها الزوج. هذا تفصيل مذهب مالك، كما ذكره
ابن أبي زید.
وعند أبي حنيفة: يقع في ((أمرك بيدك)) على ما نوى الزوجُ، فإن واحدة فواحدة بائنة.
وإن ثلاثًا فثلاث. وفي اختياري يقع واحدة بائنة. وإن نوى الزوجُ ثلاثًا. وعند الشَّافعي: يقع
(١) أخرجه مالك، كتاب الطلاق. حديث (١١٧٨).
(٢) أخرجه مالك، كتاب الطلاق. حديث (١١٨٠).