النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب النكاح عن رسول الله وَلاه / باب مَا جَاءَ في الزَّوْجَيْنِ المُشْرِكَيْنِ يُسْلِمُ أحَدُهُمَا والعَمَلُ عَلَى هذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ المَرأةَ إذَا أسْلَمت قَبْلَ زَوْجِهَا ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا، وَهِيَ في العِدَّةِ، أنَّ زَوْجَهَا أَحَقُّ بِهَا ما كانَتْ في العِدَّةِ، وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أنَسٍ وَالأوْزَاعِي، وَالشَّافِعِي، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. [١١٤٣] (١١٤٣) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ عَن مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بنُ الحُصَيْنِ، عَن عِكْرِمَةً، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَدَّ النبيُّ ◌ِلَيه ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، بَعْد ◌ِتِّ سِنِينَ، بالنِّكَاحِ الأوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ نكاحًا. [حم: ٣٢٨٠]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بإسنَادِه باسٌ، قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم) أي: من حيث أن هذا الحديث يقتضي أن الردّ بعد العدة يحتاجُ إلى نكاحٍ جديدٍ. فالرد بلا نكاح لا يكون إلا قبل العدة؛ قاله أبو الطيب المدني. (وهو قول مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق). وقال محمد في (مُوَّتِهِ)): إذا أسلمت المرأة، وزوجها كافر في دار الإسلام لم يُفَرَّقْ بينهما حتى يعرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإن أبى أن يسلم فُرُّقَ بينهما، وكانت فرقتها تطليقةً بائنةً. وهو قول أبي حنيفة، وإبراهيم النخعي. انتهى. [١١٤٣] قوله: (بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحًا) وفي رواية لأحمد، وأبي داود، وابن ماجه: بعد سنتين. قال الشوكاني: وفي رواية بعد ثلاث سنين، وأشار في ((الفتح)) إلى الجمع، فقال: المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه، وبالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقدومه مسلمًا، فإن بينهما سنتين وأشهرًا. قوله: (هذا حديث ليس بإسناده بأس). حديث ابن عباس هذا صححه الحاكم. وقال الخطابي: هو أصح من حديث عمرو بن شعيب، وكذا قال البخاري. قال ابن كثير في ((الإرشاد)): هو حديث جيد قوي، وهو من رواية ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس. انتهى. إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نَسَخَهُ، وقد ضعف أمرها ٣٠٢ كتاب النكاح عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ في الزَّوْجَيْنِ المُشْرِكَيْنِ يُسْلِمُ أحَدُهُمَا ولَكنْ لا نَعْرِفُ وَجْهَ هذَا الحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُ قَدْ جَاءَ هذَا مِن قِبَلِ دَاوُدَ بنِ حُصَيْنٍ، مِن قِبَلِ حِفْظِهِ. علي بن المديني، وغيره من علماء الحديث، وابن إسحاق فيه مقال معروف؛ كذا في ((النيل)). قلت: قد تقدم في بحث القراءة خلف الإمام أن الحقَّ أن ابن إسحاق ثقة، قابل للاحتجاج. (ولكن لا نعرف وجه الحديث). قال الحافظ: أشار بذلك إلى أن ردَّها إليه بعد ستِّ سنين، أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل؛ لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة. قال: ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك، إذا تأخر إسلامه عن إسلامها، حتى انقضت عدتها. وممن نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر، وأشار إلى أن بعض أهل الظّاهر قال بجوازه، ورده بالإجماع المذكور. وتعقب بثبوت الخلاف قديمًا فيه، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (١) عن علي، وإبراهيم النخعي(٢) بطرق قوية، وأفتى به حماد شيخ أبي حنيفة، وأجاب الخطابي عن الإشكال: بأن بقاء العدة تلك المدة ممكن، وإن لم تجر به عادة في الغالب، ولا سيما إن كانت المدة إنما هي سنتان وأشهر، فإن الحيض قد يبطىء عن ذات الإقراء لعارض. وبمثل هذا أجاب البيهقي. قال الحافظ: وهو أولى ما يعتمد في ذلك. وقال السهيلي في ((شرح السيرة)): إن حديث عمرو بن شعيب هو الذي عليه العملُ، وإن كان حديث ابن عباس أصحَّ إسنادًا، لكن لم يقل به أحدٌ من الفقهاء؛ لأن الإسلام قد كان فرق بينهما قال الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ومن جمع بين الحديثين قال: معنى حديث ابن عباس: رَدُّهَا عليه على النكاح الأول في الصَّدَاقِ والْحِبَاءِ، ولم يحدث زيادة على ذلك من شرط، ولا غيره. انتهى. وقد أشار إلى مثل هذا الجمع ابن عبد البر. وقيل: إن زينب لما أسلمت، وبقي زوجها على الكفر؛ لم يفرق النبي ◌َّير؛ إذ لم يكن قد نزل تحريم نكاح المسلمة على الكافر، فلما نزل قوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية. أمر النبي ◌َّ ابنته أن تَعْتَدَّ، فوصل أبو العاص مسلمًا قبل انقضاء العدة، فقررها النبي ◌َّير بالنكاح الأول؛ فيندفع الإشكال. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٨/٤). حديث (١٨٢١٧). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٨/٤). حديث (١٨٢١١). ٣٠٣ كتاب النكاح عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ في الزَّوْجَيْنِ المُشْرِكَيْنِ يُسْلِمُ أحَدُهُمَا [١١٤٤] (١١٤٤) حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى، قال: حَدَّثَنَا وَكيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عنِ ابن عبّاسِ: أنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وََّ، ثُمَّ جَاءتِ امْرأْتُهُ مُسْلِمَة، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّهَا كَانَت أُسْلَمَتْ مَعِي، فَرُدَّها عليَّ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ. [ضعيف: سماك روايته عن عكرمة، مضطربة، تغير بآخره، فربما تلقن، د: ٢٢٣٨، جه بنحوه: ٢٠٠٨]. هذَا حديثٌ صحيحٌ، سَمِعْتُ عَبْدَ بنَ حميدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بنَ هَارُونَ يَذْكُرُ، عَن مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ، هذا الحديثَ. وحديثُ الحَجَّاجِ، عَن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيهِ عَن جدِّهِ، أنَّ النَّبِيِّ بَّهِ رَدَّ ابْنَتَه زينب عَلَى أبي العاصي بمَهْرٍ جَديدٍ وَنِكاحٍ جَدِيدٍ، قَالَ يَزِيدُ بنُ هَارُونَ: حدِيثُ ابنِ عبَّاس أجودُ إِسْنادًا . والعَمَلُ عَلَى حديثٍ عَمْرو بن شُعْيْب. قال ابن عبد البر: وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقدٍ جديد. والأخذ بالصَّريح أولى من الأخذ بالمحتمل، ويؤيده مخالفة ابن عباس لما رواه؛ كما حكى ذلك عنه البخاري. قال الحافظ: وأحسن المسالك في تقرير الحديثين؛ ترجيح حديث ابن عباس؛ كما رجحه الأئمة، وحمله على التطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم، وإسلام أبي العاص، ولا مانع من ذلك. انتهى. وفي المقام كلام أكثر من هذا، فعليك أن تراجع شروح البخاري كـ((الفتح))، وغيره. [١١٤٤] قوله: (فقال يا رسول الله: إنها كانت أسلمت معي، فردها عليه) فيه أن المرأة إذا أسلمت مع زوجها تُرَدُّ إليه؛ وهذا مجمع عليه. قوله: (یذکر عنه محمد بن إسحاق هذا الحدیث) أراد بهذا الحدیث حديث ابن عباس المذكور بلفظ: ((رد النبي ◌َّ ابنته زينب ... )). إلخ. ٣٠٤ كتاب النكاح عن رسول اللّه وََّ ر باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرأةَ فَيَمُوت عَنْهَا ٤٣- باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرأةَ فَيَمُوتِ عَنْهَا قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ لهَا [ت٤٣، م٤٤] [١١٤٥] (١١٤٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بنُ الحُبَابِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن مَنْصُورٍ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، أنهُ سُئِلَ عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرأةً ولَمْ يَفْرِضْ لِهَا صَدَاقًا، ولَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقٍ نِسَائِهَا، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعَلَيْهَا العِدَّةُ وَلَهَا المِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشْجَعِيُّ فَقَالَ: قضَى رسُولُ اللهِ وَّةِ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، امْرأةٍ مِنَّا، مِثْلَ الَّذِي ما قضَيْتَ، فَفرِحَ بِهَا ابنُ مَسْعُودٍ. [ن: ٣٣٥٥، د: ٢١١٤، جه بنحوه: ١٨٩١، مي: ٢٢٤٦، حم: ٤٢٦٤]. ٤٣ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأَةَ فَيَمُوتُ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا [١١٤٥] قوله: (ولم يفرض) بفتح الياء وكسر الراء، أي: لم يقدر ولم يعين (لها صداقًا) أي: مهرًا. (ولم يدخل بها) أي: لم يجامعها، ولم يَخْلُ بها خُلْوَةً صحيحةً، (مثل صداق نسائها) أي: نساء قومها، (لا وكس) بفتح فسكون، أي: لا نقص. (ولا شطط) بفتحتين، أي: ولا زيادة، (ولها العدة) أي: للوفاة. (ولها الميراث) زاد في رواية لأبي داود(١): ((فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ الله، وإِنْ يَكُ خَطَأَ فَمِنِّي، وَمِنَ الشَّيْطَانِ، والله ورسوله بَرِيئَانِ)). (فقام معقل) بفتح الميم، وكسر القاف (ابن سنان) بكسر السين. (الأشجعي) بالرفع صفة معقل. (في بروع) قال في ((القاموس)): كـ: ((جَرْول)) ولا يكسر، بنت واشق صحابية. انتهى. وقال في ((المغني)): بفتح الباء عند أهل اللغة، وكسرها عند أهل الحديث. انتهى. وقال في ((جامع الأصول)): أهل الحديث يرونها بكسر الباء وفتح الواو وبالعين المهملة. وأما أهل اللغة، فيفتحون الباء ويقولون: إنه ليس بالعربية فِعْوَل إلا خروع لهذا النَّبْتِ، وعقود: اسم واد. انتهى. قال القاري: فليكن هذا من قبيلهما، ونقل المحدثين أحفظ. قال: وهو غير منصرف (بنت واشق) بكسر الشين المعجمة (ففرح بها) أي: بالقضية أو بالفتيا؛ لكون اجتهاده موافقًا لحكمه ولد . (١) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح. حديث (٢١١٤). ٣٠٥ كتاب النكاح عن رسول الله وَّ ر باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرأةَ فَمُوتِ عَنْهَا قَالَ: وَفِي البَابِ عَن الجَرَّاحِ. حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلَيِّ الخَلالُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُّ هَارُونَ وعَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلاهُمَا عَن سُفْيَانَ، عَن مَنْصُورٍ نحْوَهُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِن غَيْرِ وَجْهٍ، والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ. وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ، وإِسْحَاقُ، وقالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ، مِنْهُمْ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابت، وابن عباس، وابنُ عُمرَ: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ المرأة ولم يَدْخُل بها ولَمْ يَفْرِضْ لِهَا صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ، قالُوا: لَهَا المِيرَاثُ، ولا صَدَاقَ لَهَا، وعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِي، قوله: (وفي الباب عن الجراح)(١) بفتح الجيم وتشديد الراء ابن أبي الجراح الأشجعي، صحابي مقل، وأخرج حديثه أبو داود. قوله: (حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) قال الحافظ في ((بلوغ المرام)): وصححه الترمذي وجماعة. انتهى. قال في ((السبل)): منهم: ابن مهدي، وابن حزم، وقال: لا مغمز فيه بِصِحَّةٍ إِسناده، ومثله قال البيهقي في ((الخلافيات)). قلت: الحديث صحيح، وكل ما أعلَّوه به فهو مَدْفُوعٌ. قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َله وغيرهم؛ وبه يقول الثوري، وأحمد، وإسحاق) قال في ((النيل)): والحديث فيه دليل على أن المرأة تستحقُّ بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصَّداق جميع المهرِ، وإن لم يقع منه دخولٌ ولا خلوةٌ؛ وبه قال ابن مسعود، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق، وأحمد. انتهى. قلت: وهو الحق. (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَّه منهم علي بن أبي طالب - نظراته - وابن عباس، وابن عمر: إذا تزوج الرجل امرأة، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها صداقًا حتى مات، قالوا: لها الميراثُ ولا صداقَ لها، وعليها العدة). وهو قول الأوزاعي، والليث، ومالك وَأَحَدُ قَولي الشافعي. (١) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح. حديث (٢١١٦). ٣٠٦ كتاب النكاح عن رسول الله ◌ََّ / باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرأةَ فَيَمُوت عَنْهَا قَالَ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ واشِقٍ لَكانَتِ الحُجَّةُ فِيما رُوِيَ عنِ النَّبِيِّ بَّهَ، ورُوِيَ عنِ الشَّافِعِي أنَّهُ رَجَعَ بِمِصْرَ بَعْدُ عَن هذَا القَوْلِ، قالوا: لأن الصداق عِوَضٌ، فإذا لم يَسْتَوْفِ الزوجُ المعوض عنه، لم يلزم قياسًا على ثمن المبيع. وأجابوا عن الحديث بأن فيه اضطرابًا؛ فروي مرة عن معقل بن سنان، ومرة عن معقل بن يسار، ومرة عن بعض أشجع لا يُسَمَّى، ومرة عن رجل من أشجع، أو ناس من أشجع. وضعفه الواقدي بأنه حديث ورد إلى المدنية من أهل الكوفة، فما عرفه علماء المدينة. وروي عن علي - رَضَّه - أنه ردَّه بأنه معقل بن سنان أعرابي بَوَّالٌ على عَقِبَيْه. وأجيب بأن الاضطرابَ غيرُ قادحٍ؛ لأنه متردِّد بين صحابي وصحابي، وهذا لا يطعن به في الرواية، ولا يضر الرواية بلفظ: ((عن بعض أشجع))، أو: ((عن رجل من أشجع))؛ لأنه فسر ذلك بمعقل. قال البيهقي: قد سمي فيه ابن سنان، وهو صحابي مشهور، والاختلاف فيه لا يضر؛ فإن جميع الروايات فيه صحيحة، وفي بعضها ما دل على أن جماعةً من أشجع شَهِدُوا بذلك. وقال ابن أبي حاتم: قال أبو زرعة: الذي قال معقل بن سنان أصحُّ، وأما عدم معرفة علماء المدينة، فلا يقدح بها مع عدالة الراوي. وأما الروايةُ عن عليّ - رَُّبه - فقال في ((البدر المنير)): لم يصح عنه. (وقال لو ثبت حديث بروع بنت واشق - لكانت الحجة فيما روي عن النبي (وَّر). وقال الشافعي في ((الأم)): إن كان يثبت عن رسولِ اللهِ وَّرَ فهو أَوْلَى الأمور، ولا حجَّةَ في أحد دون رسول الله وَل﴿ وإن كبر. ولا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له، ولم أحفظه عنه من وجه يثبت مثله؛ مرة يقال: عن معقل بن سنان، ومرة: عن معقل بن يسار، ومرة: عن بعض أشجع لا یسمی. انتھی. وغرضه التضعيف بالاضطراب، وقد عرفت الجواب عنه. وروى الحاكم في ((المستدرك)) عن حرملة بن يحيى، أنه قال: سمعت الشافعي يقول: إن صحَّ حدیثُ بروع بنت واشق قلتُ به. ٣٠٧ كتاب النكاح عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرأةَ فَيَمُوت عَنْهَا وقالَ بِحَدِيثٍ بِرْوَعَ بِنْتٍ وَاشِق. قال الحاكم(١): قال شيخُنا أبو عبد الله: لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس الناس، وقلت: قد صَحَّ الحدیثُ. انتهى. وروي عن الشافعي؛ أنه رجع عن هذا القول (وقال بحديث بروع بنت واشق) لثبوته عنده بعد أن كان مترددًا في صِحَّتِّهِ. (١) أخرجه الحاكم (١٩٦/٢). حديث (٢٧٣٧) قال الذهبي: على شرط مسلم. ٣٠٩ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَب (١٠) كتاب الرَّضاع ١- باب مَا جَاءَ يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَب [ت١، ١٢] [١١٤٦] (١١٤٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَلَيُّ بنُ زَيْدٍ، عَن سَعيدِ بنِ المُسَيبِ، عَن عَلِي بن أبي طالب، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَ لَه: ((إنَّ الله حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ)). [خ: ٢٦٤٥، م: ١٤٤٥، ن: ٣٣٠١، جه: ١٩٣٧، حم: ١٠٩٩]. ١٠ - كِتابُ الرَّضَاعِ بفتح الراء وكسرها لغة، وقال القاضي عياض: والرّضَاعُ والرّضَاعَةُ، بفتح الراء وكسرها فيهما، وأنكر الأصمعي الكسر في الرِّضَاعَةِ، وهو: مَصُّ الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص، وهو يفيدُ التحريم قليلًا كان أو كثيرًا، إذا حَصَلَ في مدةِ الرضاع عند جمهور العلماء. وقال الشافعي: لا يثبت التحريم إلا بخمس رَضَعَاتٍ، ومدة الرضاعة ثلاثون شهرًا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: سنتان؛ وبه قال الشافعي، وأحمد، وغيرهما. ١ - باب مَا جَاءَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمَ مِنَ النَّسَبِ يحرم: صيغة المجهول من التحريم. [١١٤٦] قوله: (إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب) قال القرطبي: في الحديث دلالة على أن الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، يعني: الذي وقع الإرضاع بين ولده منها، أو السيد فتحرم على الصَّبي؛ لأنها تصيرُ أمه، وأمها لأنها جدته فصاعدًا، وأختها؛ لأنها خالته، وبنتها؛ لأنها أخته، وبنت بنتها فنازلًا؛ لأنها بنت أخته، وبنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وبنت بنته فنازلًا؛ لأنها بنت أخته، وأمه فصاعدًا؛ لأنها جدته، وأخته؛ لأنها عمته، ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أختُه من الرضاعة أختًا لأخيه، ولا بنتًا لأبيه؛ إذ لا رضاع بينهم، والحكمة في ذلك أن سبب التحريم ٣١٠ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَب قَالَ: وفي البابِ عَن عَائِشَةَ، ما ينفصلُ من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيعُ صار جُزءًا، من أجزائهما، فانتشر التحريمُ بينهم، بخلاف قرابات الرضيع؛ لأنه ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب. انتھی. قال العلماء: يستثنى من عموم قوله: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) أربع نسوة، يحرمن في النسب مطلقًا، وفي الرضاع قد لا يحرمن: الأولى: أم الأخ في النسب حرام؛ لأنها إما أم وإما زوج أب، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الأخ؛ فلا تحرم على أخيه. الثانية: أم الحفيد حرام في النسب؛ لأنها إما بنت أو زوج ابن، وفي الرضاع قد تكون أجنبية فترضع الحفيد، فلا تحرم على جَدِّهِ. الثالثة: جدة الولد في النسب حرام؛ لأنها إما أم أو أم زوجة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية أرضعت الولد، فيجوز لوالده أن يتزوجها . الرابعة: أخت الولد حرام في النسب؛ لأنها بنت أو ربيبة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الولد فلا تحرم على الوالد. وهذه الصور الأربع اقتصر عليها جماعة، ولم یسٹن الجمهور شيئًا من ذلك. وفي التحقيق لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنهن لم يحرمن من جهة النَّسب، وإنما حرمن من جهة المصاهرة. واستدرك بعض المتأخرين أم العم وأم العمة، وأم الخال وأم الخالة، فإنهن يحرمن في النسب لا في الرضاع، وليس ذلك على عمومه؛ كذا في ((فتح الباري)). وقال النووي: أجمعت الأمة على ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ابنها يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحل [له] النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة، ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر، ولا يعتق عليه بالعتق، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنها القصاص بقتله. فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام. انتهى. قوله: (وفي الباب عن عائشة)(١) أخرجه البخاري بلفظ: ((يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ (١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥٠٩٩)، والترمذي، كتاب الرضاع. حديث (١١٤٧). ٣١١ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَب وابنِ عَبَّاسٍ، وَأُمِّ حَسِبَةً. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ علي حَسَنٌ صحيحٌ، والعمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ من أصْحَابِ النَّبِي ◌ِِّ وغَيْرِهم، لا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذلِكَ اخْتِلافًا . [١١٤٧] (١١٤٧) حَدَّثَنَا بُندارٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعيد القطّانُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح، وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ، عَن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ، عَن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إنَّ الله حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ الوِلادَةِ)). [خ: ٢٦٤٦، م: ١٤٤٤، ن: ٣٣٠٣، د: ٢٠٥٥، جه: ١٩٣٧، حم: ٢٣٦٥٠، مي: ٢٢٤٧، طا: ١٢٩١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذا حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَملُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ، لا نَعْلَمُ بَيْنَهُم فِي ذَلِكَ اخْتِلافًا . الْوِلَادَةِ». وأخرجه الترمذي، وغيره (وابن عباس)(١) أخرجه البخاري، ومسلم بلفظ: ((يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ)). وفي لفظ: ((مِنَ النَّسَبِ)). (وأم حبيبة)(٢)، لينظر من أخرج حديثها . قوله: (هذا حدیث صحیح) وأخرجه أحمد. [١١٤٧] قوله: (ما حرم من الولادة) وفي رواية ابن ماجه(٣): ((مِنَ النَّسَبِ)). قوله: (والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي وَّر، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافًا) وقد وقع الخلاف هل يحرم بالرضاع ما يحرم من الصَّهَارِ؟ وابن القيم قد حقق ذلك في «الهدي» بما فيه كفاية فليرجع إليه. وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يحرم نظير المصاهرة بالرضاعة، فيحرم عليه أم امرأته من الرضاعة، وامرأة أبيه من الرضاعة، ويحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين المرأة وعمتها وبنتها، وبين خالتها من الرضاعة. وقد نازعهم في ذلك ابن تيمية؛ كما حكاه صاحب ((الهدي))؛ كذا في ((النيل)). (١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥١٠٠)، ومسلم، كتاب الرضاع. حديث (١٤٤٧). (٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥١٠١)، ومسلم، كتاب الرضاع. حديث (١٤٤٩). (٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح. حديث (١٩٣٧). ٣١٢ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ في لَبَنِ الفَخْل ٢- باب مَا جَاءَ في لَبَنِ الفَخْل (ت٢، ٢٢] [١١٤٨] (١١٤٨) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلَيِّ الخَلالُ، حَدَّثَنَا ابنُ نُمَيْرٍ، عَنِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَن أبِيهِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: جَاءَ عمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أنْ أَذَنَ لَهُ حَتَّى أسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللهِ بَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ)) قَالَت: إنَّمَا أرْضَعتنِي المَرأةُ ولَمْ يُرْضِعْني الرَّجُلُ، قَالَ: ((فَإِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ)). [خ: ٥٢٣٩، م: ١٤٤٥، ن: ٣٣١٥، د: ٢٠٥٧، جه: ١٩٤٩، حم: ٢٥٠٩٢، مي: ٢٢٤٨، طا: ١٢٧٨]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَملُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضٍ أهْلٍ العِلْم مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ وغَيْرِهِمْ: كَرِهُوا لَبَنَ الفَحْلِ، وَالأَصْلُ في هذَا حَدِيثُ ٢ - باب مَا جَاءَ فيِ لَبَنِ الفَخْلِ بفتح الفاء وسكون المهملة، أي: الرجل، ونسبة اللبن إليه مجازية، لكونه السبب فيه. قال القاضي عبد الوهاب: يتصور تجريد لبن الفحل برجلٍ له امرأتان: ترضع إحداهما صبيًا، والأخرى صبية، فالجمهور قالوا: يحرم على الصبي تزويج الصبية، وقال من خالفهم: يجوز. ذكره الحافظ، ويجيء تفسير لبن الفحل في الباب عن ابن عباس - بطّها -. [١١٤٨] قوله: (جاء عمي من الرضاعة) وفي رواية البخاري(١): إن أفلح - أخا أبي القعيس - جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة (فليلج عليك) أي: ليدخل. (إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل). وفي رواية البخاري(٢) في تفسير ((سورة الأحزاب)): فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس. (قال: فإنه عمك، فليلج عليك) فيه دليل على أن لبن الفحل يحرم، حتى تثبت الحرمة من جهة صاحب اللبن؛ كما تثبت من جانب المرضعة، فإن النبي ◌َّ أثبت عُمُومةَ الرضاع، وألحقها بالنَّسب. قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَّر، وغيرهم، كرهوا لبن الفحل). قال الحافظ في ((الفتح)): ذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار؛ كالأوزاعي في أهل الشام، والثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة، وابن (١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥١٠٣). (٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح. حديث (٤٧٩٦). ٣١٣ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ في لَبَنِ الفَخْل عَائِشَةَ، وقَدْ رَخَّصَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ فِي لَبَنِ الفَحْلِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُ. [١١٤٩] (١١٤٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح، وحَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِك عنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أنَّهُ سُئِلَ عَن رَجُلٍ لَهُ جَارِيَتَانِ، أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً، وَالأخْرَى غُلامًا، أيَحِلُّ لِلْغُلام أنْ يَتَزَوَّجَ بِالجَارِيَةِ؟ فَقَالَ: لا، اللَّقَاحُ وَاحِدٌ. [طا: ١٢٨١]. جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأتباعهم إلى: أن لبن الفحل يحرم؛ وحجتهم هذا الحديث الصحيح. يعني: حديث عائشة المذکور في الباب. (وقد رخص بعض أهل العلم في لبن الفحل) روي ذلك عن ابن عمر، وأبي الزبير، ورافع بن خديج، وغيرهم، ومن التابعين: عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَنُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يذكر العمة والبنت؛ كما ذكرهما في النسب. وأجيبوا: بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يَدُلُّ على نفي الحكم عما عداه، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة. واحتجَّ بعضهم من حيث النظر: بأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟ والجواب: أنه قياس في مقابلة النص، فلا يلتفت إليه، وأيضًا: فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما، وإلى هذا أشار ابن عباس بقوله في هذه المسألة: اللقاح واحد، وأيضًا فإن الوطء، يدرُّ اللبن، فللفحل فيه نصيب. (والقول الأول أصح) فإنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة، ولم يثبت القول الثاني بدليلٍ صحيحٍ. [١١٤٩] قوله: (له جاريتان) أي: أمتان (أرضعت أحدهما جارية) أي: صبية (والأخرى غلامًا) أي: والجارية الأخرى أرضعت صبيًّا. (فقال: لا) أي: لا يحل للغلام أن يتزوج الجارية. (اللقاح واحد) قال الجزري في ((النهاية)): اللقاح، بالفتح، اسم ماء الفحل، أراد أن ماء الفحل، الذي حَمَلَتْ منه واحدٌ، واللبن الذي أرضعت كُلُّ واحدة منهما كان أصلُه ماء الفحل، ويحتمل أن يكون اللقاح في هذا الحديث بمعنى الإلقاح، يقال: ألقح الفحل الناقة ٣١٤ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتَان قَالَ أبُو عِيْسَى: [وهذا تفسير لَبَنِ الفَحْلِ]، وهذَا الأصْلُ في هذَا البَابِ، وهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ، وإِسْحَاقَ. ٣- باب مَا جَاءَ لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتَان [٣٥، ٣٢] [١١٥٠] (١١٥٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا المعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أيُّوبَ يُحَدِّثُ عَن عَبْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ، عَن عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ، عَن عَائِشَةَ، عنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لا تحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتَانِ)). [م: ١٤٥٠، ن: ٣٣١٠، د: ٢٠٦٣، جه: ١٩٤١، حم: ٢٥٢٨٤، مي: ٢٢٥١]. إلقاحًا ولقاحًا؛ كما يقال: أعطى إعطاء وعطاء. والأصل فيه للإبل، ثم استعير للناس. انتھی. وأثر ابن عباس هذا سكت عنه الترمذي؛ والظاهر أن إسناده صحيح. ٣ - باب مَا جَاءَ لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ، وَلَا المَصَّتَانِ [١١٥٠] قوله: (لا تحرم المصَّة، ولا المصتان). وفي حديث أم الفضل: ((لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ، وَلَا الإِمْلَاجَتَانِ)). وفي رواية: ((لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَ الرَّضْعَتَانِ)). والمصَّة: هي المرة من المص كالرضعة من الرضاع. قال في ((القاموس)): مَصِصْتُهُ بالكسر، أمصُّه. ومصصته أمصُّه، كخصصته أخصُّه شربته شربًا رفيقًا. انتهى. وقال في ((الصراح)): المص مكيدن(١). وقال في ((القاموس)): ملج الصبيُّ أمه؛ كنصر وسمع: تَنَاوَلَ ثَدْيَها بِأَدْنَى فَمِهِ. وامتلج اللبن: امتصه، وأملجه أرضعه، والمَلِيجُ الرَّضِيعُ. انتهى. وقال فيه: رضع أمه كسمع وضرب رضعًا ويحرك، ورضاعًا ورضاعة، وتكسر إن امتص ثدیھا . انتهى. وقال ابن الأثير في ((النهاية)): فلا تحرم الملجة والملجتان. وفي رواية: الإملاجة والإملاجتان. الملجُ المصُّ، ملج الصبيُّ أمه يملجها ملجًا، وملجها يملجها إذا رَضَعها. والملجةُ المرةُ، والإملاجة المرة أيضًا، من أملجته أمه، أي: أرضعته. يعني: أن المصة والمصَّتين لا يُحَرِّمَانِ ما يُحَرِّمُهُ الرضاعُ الكاملُ. انتهى. (١) مكيدن: كلمة فارسية، بمعنى المص. ٣١٥ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتَان قَالَ: وفي الباب عَن أُمِّ الفَضْلِ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والزُّبَيْرِ بن العوام، وابنِ الزُّبَيْرِ، وروى غير واحد هذا الحديث عن هشام بن عُروَةَ عَن أبيه عَن عبد الله بن الزُّبير، عنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لا تحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتَانِ)). وَرَوَى مُحَمَّدُ بنُ دِينَار، عَن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَن أبِيهِ، عَن عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ، عَن الزُّبيرِ، عنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وَزَادَ فِيهِ مُحَمَّدُ بنُ دِينَارٍ البَصْرِيُّ، عنِ الزُّبَيْرِ عنِ النَّبِيِّ وَّةَ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظِ، والصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ حدِيثُ ابنِ أبِي مُلَيْكَةً عَن عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ، عَن عَائِشَةَ، عنِ النَّبِيِّ بَّى. قوله: (وفي الباب عن أم الفضل)(١) أن رجلاً سأل النبي ◌َّ﴾ أتحرم المصة؟ فقال: ((لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَ الرَّضْعَتَانِ، وَالمَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ)) وفي رواية قالت: دخل أعرابيٍّ على نبي الله مَّ، وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله، إنِّي كانت لي امرأة، فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين. فقال النبي وَله: ((لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَ لَا الإِمْلَاجَتَانِ)). أخرجهما أحمد، ومسلم(٢) (وأبي هريرة)(٣) أخرجه النسائي. وقال ابن عبد البر: لا يصح مرفوعًا؛ كذا في ((التلخيص)). (والزبير)(٤) أخرجه أحمد، والنسائي، وابن حبان (وابن الزبير عن عائشة)(٥). أخرجه مسلم، والترمذي، وغيرهما. قوله: (وهو غير محفوظ، والصحيح عند أهل الحديث حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير عن عائشة ... إلخ) وأعلَّ ابن جرير الطبري الحديث بالاضطراب. فإنه روى عن علي بن الزبير عن أبيه، وعنه عن عائشة، وعنه عن النبي وَّر بلا واسطة. وجمع ابن حبان بينهما؛ بإمكان أن يكون ابن الزبير سمعه من كلٌّ منهم. قال الحافظ في ((التلخيص)): وفي ذلك الجمع بعدٌ على طريقة أهل الحديث. انتهى. (١) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع. حديث (١٤٥١). (٢) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع. حديث (١٤٥١)، وأحمد. حديث (٢٦٣٣٢). (٣) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٣/ ٣٠٠). حديث (٥٤٦٠). (٤) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٢٩٩/٣). حديث (٥٤٥٧)، وابن حبان (٣٩/١٠). حديث (٤٢٢٦)، ولم أقف علیه عند أحمد. (٥) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع. حديث (١٤٥٠)، وهو حديث الباب (١١٥٠). ٣١٦ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتَانِ قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وسألت مُحمَّدًا عَن هذا فقال: الصَّحِيحُ عَن ابن الزُّبیر عَن عَائِشَةَ، وحدیثُ مُحمَّد بن دینار وزاد فيه عَن الزبير، وإنما هو هشام بن عروة عن أبيه عَن الزُّبير، والعملُ على هذَا عِنْدَ بَعْض أهلِ العِلْم مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ بَِّ وغَيْرِهِمْ، وقالَتْ عَائِشَةُ: أُنْزِلَ فِي القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، فَنُسِخَ مِن ذلِكَ خَمْسٌ، وَصَارَ إلَى خَمْسٍ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُؤُفِّيَ رَسولُ اللهِ نَّهِ وَالأَمْرُ عَلَى ذلِكَ. قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح). وأخرجه مسلم، وغيره (والعمل على هذا) أي: حديث عائشة: ((لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَ المَصَّتَانِ)) (عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَ* وغيرهم). ذهب أحمد في رواية، وإسحاق، وأبو عبيدة، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود وأتباعه - إلا ابن حزم - إلى: أن الذي يحرم ثلاث رضعاتٍ؛ لقوله وَله: ((لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَ الرَّضْعَتَانِ)). فإن مفهومه أن الثلاث تحرم. وأغرب القرطبيُّ فقال: لم يقل به إلا داود؛ كذا في ((فتح الباري)). قوله: (وقالت عائشة أنزل في القرآن: عشر رضعات معلومات) بسكون الشين وبفتح الضاد؛ قاله القاري. (فنسخ من ذلك خمسًا) أي: فنسخ الله تعالى من ذلك المذکور خمس رَضَعَاتٍ، وقد ضبط في النسخة الأحمدية المطبوعة: فنسخ، بضم النون وكسر السين، ويخدشه قوله: ((خمسًا)) بالنصب. نعم لو كان ((خمس)) بالرفع؛ لكان صحيحًا. (وصار إلى خمس رضعات ... إلخ) وفي رواية مسلم(١) قالت: فيما نزل من القرآن عَشْرُ رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفي رسول الله وَّةَ، وَهُنَّ فيما يقرأ من القرآن. قال النووي معناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًّا، حتى أنه وَّر توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنًا متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى. والنسخ ثلاثة أنواع: أحدها: ما نسخ حكمه وتلاوته؛ كعشر رضعات. والثاني ما نسخ تلاوته دون حكمه (١) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع. حديث (١٤٥٢). ٣١٧ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتَانِ حَدَّثَنَا بِذلِكَ إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مالكٌ، حَدَّثَنَا مَعْن عَن عَبْد الله بنِ أبي بَكْرٍ، عَن عَمْرَةَ، عَن عَائِشَةَ بِهِذَا، وبِهِذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي وبَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّرِ. [م: ١٤٥٢، ن: ٣٣٠٧، د: ٢٠٦٢، جه: ١٩٤٢، طا: ١٢٩٣، مي: ٢٢٥٣ ]. وهو قَوْلُ الشَّافِعِي وإِسْحَاقَ، وقال أحمدُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتَانِ)) وقالَ: إِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى قَوْلِ عَائِشَةَ فِي خَمْسٍ رَضَعَاتٍ فَهُوَ مَذْهَبٌ قَوِيٌّ، وجَبُنَ عَنْهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِّل وغَيْرِهِمْ: يُحَرِّمُ قَلِيلُ الرَّضَاعِ كـ((خمس رضعات))، و((كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما)). والثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوه، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَبًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية. انتهى كلام النووي. (وبهذا كانت عائشة تفتي، وبعض أزواج النبي ( 8* وهو قول الشافعي وإسحاق). قال النووي: اختلف العلماء في القدر الذي يثبت به حكم الرضاع، فقالت عائشة، والشافعي وأصحابه: لا يثبت بأقل من خمس رضعات. وقال جمهور العلماء: يثبت برضعة واحدة، حكاه ابن المنذر عن [علي] وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وطاوس، وابن المسيب، والحسن، ومكحول، والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة - ﴿ه - قال: فأما الشافعي وموافقوه فأخذوا بحديث عائشة: ((خمس رضعات معلومات)). وأخذ مالك بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يذكر عددًا، وهاهنا اعتراضات من قبل الشّافعية على المالكية، ومن قبل المالكية على الشافعية، مذكورة في ((شروح مسلم))، والبخاري. (فهو مذهب قوي) لصحة دليله وقوته. (وجبن) الجبن، بضم الجيم وسكون الموحدة: ضد الشجاعة. فهو: إما مصدر، ويحتمل أن يكون بصيغة الماضي بفتح الموحدة ويضمها. (عنه) الضمير المجرور يرجع إلى قوله: ذاهب. (أن يقول فيه) أي: في هذا المذهب القوي. (شيئًا) والمعنى: جبن عن ذلك الذاهب أن يتكلم في هذا المذهب القويِّ بشيء من الكلام، أو ذلك جبن عنه، والظاهر: أن هذا مقولة أحمد، وقيل: إنه مقولة الترمذي. وضمير ((عنه)) یرجع إلى أحمد. قوله: (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صل8$، وغيرهم: يحرم قليل الرضاع ٣١٨ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلا المَصَّتَان وَكَثِيرِهُ إذَا وَصَلَ إلَى الجَوْفِ، وهو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّورِي وَمَالِكِ بنِ أَنَسٍ، والأوْزَاعِي، وعَبْدِ الله بنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعِ وأهْلِ الكُوفَةِ، عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي مُلَيْكَة، هُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُبيدِ اللهِ بن أبي مليكة، ويكنى أبا مُحَمَّدٍ، وكان عَبدُ الله قدِ استقضاهُ على الطَّائف. وقال ابنُ جُرَيج عَنِ ابنِ أبي مُليكَةَ قَالَ: أدركتُ ثلاثين من أصْحَابٍ النَّبِيِّ ◌َد. وكثيره، إذا وصل إلى الجوف. وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، وأهل الكوفة) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول الجمهور، وإليه ميلان الإمام البخاري - رحمه الله -؛ فإنه قال في ((صحيحه)) (١): باب من قال: لا رضاع بعد حولين، إلى أن قال: وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره. انتهى. قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى التمسك بالعموم الوارد في الأخبار. انتهى. قلت: استدل هؤلاء الأئمة بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وإطلاق حديث: ((إِنَّ الله حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَمَ مِنَ النَّسَبِ)). وغير ذلك. قال الحافظ في ((الفتح)): وقوى مذهب الجمهور: أن الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك، فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلقُ عليه الاسم، ويعضدُه من حيث النظر أنه معنى طارئ يقتضي تأييد التحريم، فلا يشترط فيه العدد كالصهر. أو يقال: مائع يلج الباطن، فيحرم فلا يشترط فيه العدد كالمنيٌّ. والله أعلم. وأيضًا فقول عائشة: عشر رضعات معلومات، ثم نسخن بخمس معلومات، فمات النبي ◌َّ وهن مما يقرأ. لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونُه قرآنًا، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه. انتهى كلام الحافظ. (١) البخاري. كتاب النكاح. باب: من قال: لا رضاع بعد حولين. قبل الحديث (٥١٠٢). ٣١٩ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ في شهَادَةِ المَرأةِ الوَاحِدةِ في الرَّضَاعِ ٤- باب مَا جَاءَ في شهَادَةِ المَرأةِ الوَاحِدَةِ في الرَّضَاعِ [ت٤، م٤] [١١٥١] (١١٥١) حَدَّثَنَا عليُّ بنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن أيُّوبَ، عَن عَبْدِ الله بنِ مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بنُ أبي مَرْيَم، عَن عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: وسَمِعْتُهُ مِن عُقْبَةَ، وَلكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أحْفَظُ. قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرأةً فَجَاءَتْنَا امْرأةٌ سَودَاءُ فَقَالَت: إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ بِنْتَ فُلانٍ فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَت: إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، قَالَ فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالٌ: فَأَتَّيْتُهُ مِن قِبَلِ وَجْهِهِ، فَأَعْرَضَ عِنِّي بِوَجْهِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: ((وَكَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، ٤ - باب مَا جَاءَ فيِ شَهَادَةِ المَرْأَةِ الوَاحِدَةِ في الزَّضَاعِ [١١٥١] قوله: (قال: وسمعته من عقبة) أي: قال عبد الله بن أبي مليكة: وسمعت الحديث من عقبة بن الحارث، من غير واسطة عبيد بن أبي مريم (ولكني لحديث عبيد أحفظ) وأخرجه أبو داود من طريق حماد عن أيوب، ولفظه: عن ابن أبي مليكة عن ابن الحارث قال: وحدثنيه صاحب لي عنه، وأنا لحديث صاحبي أحفظ ولم يُسَمِّهِ. قال الحافظ في ((الفتح)): وفيه إشارة إلى التفرقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع، أو بين القصد إلى التحديث وعدمه. فيقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ، أو قصد الشيخُ تحديثه بذلك: حدثني بالإفراد، وفيما عدا ذلك: حدثنا بالجمع، أو سمعت فلانًا يقول، ووقع عند الدارقطني من هذا الوجه: حدثني عقبة بن الحارث، ثم قال: لم يحدثني، ولكني سمعته يُحَدِّثُ، وهذا یعین أحد الاحتمالین، وقد اعتمد ذلك النسائي فيما يرويه عن الحارث بن مسكين، فيقول الحارث بن مسكين: قرأه عليه وأنا أسمع، ولا يقول: حدثني، ولا أخبرني؛ لأنه لم يقصده بالتحديث، وإنما كان يسمعه من غير أن يشعر به. انتهى. قوله: (تزوجت امرأة) وفي رواية للبخاري: أنه تزوج أُمَّ يحيى بنت أبي إهاب. (فجاءتنا امرأة سوداء) قال الحافظ: ما عرفت اسمها. (قد أرضعتكما) وفي رواية للبخاري: ((قد أرضعت عقبة، والتي تزوج بها)). (فأتيت النبي ونَ﴾) وفي رواية للبخاري: فقال لها عقبة: ما أعلم أنك قد أرضعتني ولا أخبرتني، فأرسل إلى آل إبي إهاب، فسألهم فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتنا، فركب إلى النبي ◌َّ ر (قال: وكيف بها؟) أي: كيف تشتغل بها وتباشرها، ٣٢٠ كتاب الرَّضاع / باب مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ المَرأةِ الوَاحِدةِ في الرَّضَاعِ دَعْهَا عَنْكَ)). [خ: ٥١٠٥، ٨٨، ن: ٣٣٣٠، د: ٣٦٠٣، حم: ١٥٧١٥، مي: ٢٢٥٥]. قَالَ: وفي الباب عَنِ ابن عُمَرَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذَا الحَدِيثَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَن عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ، ولَمْ يَذْكُرُوا فيهِ عَن عُبَيْدِ بنِ أبي مَرْيَمَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: ((دَعْهَا عِنْكَ))، والعَمَلُ عَلَى هذَا الحديث عِنْدَ بَعْض أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّةِ وَغَيْرِهِمْ، أجَازُوا شَهَادَةَ المَرأةِ الوَاحِدَةِ في الرَّضَاعِ. وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: تَجُوزُ شَهادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ، وَيُؤْخَذُ يَمِينُهَا، وَبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ وإِسْحَاقُ، وقد قَالَ بَعضُ أهْلِ وتفضي إليها. ((وقد زعمت))، أي: والمحال أنها قالت. (دعها عنك) وفي رواية للبخاري في الشهادات: فنهاه عنها. وفي رواية أخرى له في ((كتاب العلم)) (١): فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غيْرَهُ. قوله: (حديث عقبة بن الحارث حديث حسن صحيح) أخرجه البخاري. قوله: (والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَيطر أجازوا شهادة المرأة الواحدة في الرضاع) وهو قول أحمد، قال علي بن سعد: فسمعت أحمد يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع. قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث. وهو قول الأوزاعيِّ، ونقل عن عثمان، وابن عباس، والزهري، والحسن، وإسحاق، وروى عبد الرزاق(٢) عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: فرَّق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء؛ إنها أرضعتهم. قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم، واختاره أبو عبيد، إلا أنه قال: إن شهدت المرضعة وحدها وجب على الزوج مفارقة المرأة، ولا يجب عليه الحكم بذلك، وإن شهدت معها أخرى وجب الحكم به؛ كذا في ((فتح الباري)). (وقال ابن عباس: تجوزُ شهادةُ امرأةٍ واحدةٍ في الرَّضاعِ، وتؤخذ يمينها، وبه يقول أحمد، وإسحاق) يعني: أنه رواية عن أحمد، ولم أقف على دليل أخذ اليمين. (وقال بعض أهل (١) أخرجه البخاري، كتاب العلم. حديث (٨٨). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٣٤/٨). حديث (١٥٤٣٤).