النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب الجنائز عن رسول الله يوليو / باب آخر قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بهذا الإسْنَادِ ولَمْ يَرْفَعْهُ، وأَبُو المُهَزَّمِ اسْمُهُ: يَزِيدُ بنُ سُفْيَانَ وضَعَّفَه شُعْبَة. وقد عَدَّ ◌َِّ أن من جملةِ الحقوقِ التي للمؤمن على المؤمن أن يُشْيِّعَ جَنَازَتَهُ. قوله: (هذا حديث غريب) لم يحكم الترمذي عليه بالضعف وهو ضعيف؛ لأن في سنده: أبا المهزم؛ وهو متروك؛ كما عرفت. قوله: (وضعفه شعبة) قال الذهبي في ((الميزان)): قال مسلم: سمعت شعبة يقول: رأيت أبا المهزم ولو يُعطى درهمًا لوضع حديثًا. انتهى. اعلم: أن أهل العلم قد اختلفوا في كيفية حمل الجنازة: فقال محمد - رحمه الله - في (موّئه)): وصفته أن يبدأ الرجل، فيضع يمين الميت المقدم على يمينه، ثم يضع يمين الميت المؤخر على يمينه، ثم يعود إلى المقدم الأيسر فيضعه على يساره، وهذا قول أبي حنيفة - رَُّه - انتهى. وقال الشافعي - رحمه الله -: السُّنة أن يحملها رجلان يضعها السَّابق على أصل عنقه، والثاني على أعلى صدره. واستدلَّ للإمام أبي حنيفة بما رواه ابن ماجه(١)، عن عبيد الله بن بِسْطاس، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود - رُه - قال: ((مَن اتَّبَعَ جَنَازَةً فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّريرِ كُلِّهَا))؛ فإنه من السنة [إن شاء فليتطوع] وإن شاء فليدع. ورواه أبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في ((مصنفيهما))(٢). حدثنا شعبة عن منصور عن المعتمر بن عبيد بن بسطاس به بلفظ: فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الأَرْبَعَةِ، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في (معجمه)(٣) ورواه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب ((الآثار)) (٤) أخبرنا أبو حنيفة - حدثنا منصور بن المعتمر به، قال: من السنة حمل الجنازة بجوانب السرير الأربعة؛ كذا في ((نصب الراية)). واحتج للإمام الشافعي - رحمه الله - بما أخرجه ابن سعد(6) عن شيوخ من بني (١) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٤٧٨). (٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (٤٤/١). حديث (٣٣٢)، وابن أبي شيبة (٤٨١/٢). حديث (١١٢٨١)، وعبد الرزاق (٥١٢/٣). حديث (٦٥١٧). (٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣١٩/٩). حديث (٩٥٩٧). (٤) أخرجه محمد بن الحسن في ((الآثار)) (٢٣٥). (٥) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٤٣١/٣). ١٢٢ كتاب الجنائز عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ في القِيَامِ لِلْجَنَازَة ٥١- باب مَا جَاءَ في القِيَامِ لِلْجَنَازَة (ت٥١، ٥١٢] [١٠٤٢] (١٠٤٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ شِهَابٍ عَن سَالِم بنِ عَبْدِ الله عَن أبيهِ عَن عَامِرٍ بنِ رَبِيْعَةَ عنِ النَّبِيِّ، وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن نَافِعِ عَن ابنِ عُمَر عَن عَامِرٍ بنِ رَبِيعَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا رَأيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا عبد الأشهل؛ أن رسول الله وَ الر حمل جنازة سعد [بن معاذ] من بيته بين العمودين، حتى خرج به من الدار. وأجاب صاحب ((الهداية)) عن هذا: بأن ذلك كان لازدحام الملائكة. قلت: لا شك في أنه كان في جنازة سعد ازدحامُ الملائكة. فروى ابن سعد(١) بإسناد صحيح عن ابن عمر رفعه قال: ((لَقَدْ شَهِدَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ، لم ينزلوا إلَى الأَرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ))؛ كذا في ((الدراية)) لكن لا يلزم من هذا أن حمل جنازته بين العمودين كان لا زدحامهم. فتفکر. وقد حملت جنائز عدة من الصحابة - رضـ يتجه - بين العمودين. قال الحافظ في ((الدراية)): وفي الباب عن الحسن بن الحسن بن علي في جنازة جابر، أخرجه الطبراني. وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: رأيت سعدًا في جنازة عبد الرحمن بن عوف واضعًا السرير على كاهله بين العمودين. أخرجه الشافعي. ومن حديث أبي هريرة: أنه صنع ذلك في جنازة سعد، ومن حديث عثمان: أنه صنع ذلك. ومن طريق ابن عمر في جنازة رافع بن خديج، ومن طريق ابن الزبير في جنازة المسور بن مخرمة. وروى ابن سعد عن مروان: أنه فعل ذلك هو وأبو هريرة بجنازة حفصة بنت عمر. انتهى ما في ((الدراية)). ٥١ - باب مَا جَاءَ في القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ [١٠٤٢] قوله: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها) وفي حديث جابر عند مسلم(٢): ((إِنَّ (١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٤٣٠/٣). (٢) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٦٠). ١٢٣ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ في القِيَامِ لِلْجَنَازَة حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ)). [خ: ١٣٠٧، م: ٩٥٨، ن: ١٩١٥، د: ٣١٧٢، جه: ١٥٤٢، حم: ١٥٢٦٠]. المَوتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا)). وفي حديث سهل بن حنيف، وقيس بن سعد عند البخاري(١): ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: ((أَلْيْسَتْ نَفْسًا))؟. وفي حديث أنس مرفوعًا عند الحاكم فقال: ((إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ)). وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا عند أحمد، وابن حبان، والحاكم(٢): ((إِنَّمَا تَقُومُونَ، إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوسَ)). ولفظ ابن حبان: ((إِعْظَامًا لهِ الَّذِي يَقْبِضُ الأَرْوَاحَ)). قال الحافظ: في ((الفتح)) ما محصله: إنه لا تَنَافي بين هذه التعليلات؛ لأن القيام لِلفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك؛ وهم الملائكة، قال: وأما ما أخرجه أحمد(٣) من حديث الحسن بن علي قال: إنما قام رسول الله وَل﴿ه؛ تَأَذِّيًا بِرِيحِ الیھوديِّ. زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عباس: فَأَذَاهُ رِيحُ بَخُورِهَا(٤). وللطبراني والبيهقي من وجه آخر عن الحسن - كراهيةُ أن تعلو رأسه؛ فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، أما أولًا: فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصِّحة، وأما ثانيًا: فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صَرِيحٌ من لفظ النبي وَلخر . انتهى. قوله: (حتى تخلفكم) بضم أوله، وفتح المعجمة، وتشديد اللام المكسورة، بعدها فاء؛ أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز؛ لأن المراد حاملها . (أو توضع) أي: عن مَنَاكِبَ الرجال. (١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣١٣). (٢) أخرجه أحمد. حديث (٦٥٣٧)، والحاكم (٥٠٩/١). حديث (١٣٢٠) وقال صحيح الإسناد، وابن حبان (٣٢٤/٧). حديث (٣٠٥٣). (٣) أخرجه أحمد. حديث (١٧٢٤). (٤) ذكره في ((مجمع الزوائد)) (١٢٩/٣) وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه أبو عمرو السدوسي، ولم يرو عنه غير أبي عامر العقدي، وبقية رجاله ثقات. ١٢٤ كتاب الجنائز عن رسول اللّه وَاه / باب مَا جَاءَ في القِيَامِ لِلْجَنَازَة قَالَ: وفي البابِ عَن أبي سَعِيدٍ، وجَابِرٍ، وسَهْلٍ بنِ حُنَيْفٍ، وقَيْسٍ بِنِ سَعْدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ عَامِرٍ بنِ رَبِيعَةً، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٠٤٣] (١٠٤٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ والحَسَنُ بنُ عَلِي الخلال الحُلْوَانِيُّ قالا: حَدَّثَنَا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ عَن يَحْيَى بنِ أبي کَثِيرٍ عَن أبي سَلَمَةَ عَن أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: أنّ رسول الله بَّه قال: ((إِذَا رأيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لها، فَمَنْ تَبِعَهَا فلا يَقْعُدَنَّ حَتَّى تُوضَحَ)). [خ: ١٣١٠، م: ٩٥٩، ن: ١٩١٣، د: ٣١٧٢، حم: ١٠٨١١، جه: ١٥٤٢]. قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) (١) أخرجه البخاري، ومسلم: (وجابر)(٢) أخرجه البخاري، ومسلم. (وسهل بن حنيف)(٣) لينظر من أخرجه. (وقيس بن سعد)(٤) أخرجه البخاري، ومسلم. (وأبي هريرة)(٥) أخرجه البخاري، ومسلم. قوله: (حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح). وأخرجه البخاري ومسلم. [١٠٤٣] قوله: (فمن تبعها فلا يقعدن حتى توضع) قيل: أراد به وضعها عن الأعناق، ويعضده رواية الثوري: ((حَتَّى تُوضَعَ بِالأَرْضِ)). وقيل: ((حتى توضع في اللحد)). قاله الطيبي . قلت: قال الحافظ في ((التلخيص)): المراد بالوضع: الوضع على الأرض، ووقع في رواية عبادة: ((حتى توضع في اللَّخدِ)). ويردُّه ما في حديث البراء الطويل الذي صَحَّحهُ أبو عَوَانة وغيره(٦): كنا مع رسول الله بَّه في جنازة، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، (فَجَلَسَ] فَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. ووقع في رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة اختلاف: فقال الثوري عنه: حتى (١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣١٠)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٥٩). (٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣١١)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٦٠). (٣) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣١٣)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٦١). (٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣١٣)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٦١). (٥) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣٠٩)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٥٩). (٦) أخرجه أبو داود في كتاب السنة. حديث (٤٧٥٣). ١٢٥ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب الرُّخصَةِ فِي تَرْكِ القِيَامِ لَهَا قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ أبي سَعِيدٍ في هذا البَابِ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإِسْحَاقَ قالا: مَن تَبعَ جَنَازَة فَلا يَفْعُدَنَّ حَتَّى تُوضَعَ عَن أَعْنَاقِ الرِّجَالِ، وقد رُوِيَ عَن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَدَّمُونَ الجَنَازَةَ فِيَقْعُدُون قَبْلَ أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِمُ الجَنَازَةُ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. ٥٢- باب الرُّخصَةِ في تَرْكِ القِيَامِ لَهَا [ت٥٢، م٥٢] [١٠٤٤] (١٠٤٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَن يَحْيَى بِنِ سَعِيدٍ عَن وضع بالأرض. وقال أبو معاوية عنه: حتى توضع باللحد. حكاه أبو داود، ووهم رواية أبي معاوية، وكذلك قال الأثرم. انتهى. قوله: (حديث أبي سعيد في هذا الباب حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: (وهو قول أحمد، وإسحاق قالا: من تبع ... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)): اختلف الفقهاء في ذلك فقال أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه؛ كما نقله ابن المنذر؛ وهو قول الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. وروى البيهقي (١) من طريق أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما؛ أن القائم مثل الحامل، يعني: في الأجر. وقال الشعبي، والنخعي: يكره القعودُ قبل أن توضع. وقال بَعْضُ السلف: يجب القيام، واحتج [له] برواية سعيد، عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: ما رأينا رَسُولَ اللهِ وَّهِ شَهِدَ جَنَازَةً قَطُ، فَجَلَسَ حَتَّى تُوضَعَ. أخرجه النسائي. انتهى كلام الحافظ. قوله: (وقد روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي 8 8$ وغيرهم؛ أنهم كانوا يتقدمون ... إلخ) - لم أقف على حديث صحيح يدل على ذلك، والظاهر الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة هو ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، وغيرهما. والله تعالى أعلم. ٥٢ - باب الرُّخْصَةِ في تَرْكِ القِيَامِ لَهَا أي: عند رؤية الجنازة. [١٠٤٤] (١) أخرجه البيهقي (٢٧/٤). حديث (٦٦٧٤). ١٢٦ كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب الرُّخصَةِ فِي تَرْكِ القِيَامِ لَهَا وَاقِدٍ، وهُوَ ابْنُ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، عَن نَافِعِ بنِ جُبَيْرٍ عَن مَسْعُودِ بنِ الحَكَم عَن عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ، أَنَّهُ ذُكرَ القِيَامِ في الجَنَائِ حَتَّى تُوضَعَ فَقَالَ عَلِيٍّ: قَامَ رَسُولُ الله وَلَ، ثُمَّ قَعَدَ. [م: ٩٦٢، د: ٣١٧٥، ن: ١٩٩٨، حم: ٦٢٤، طا: ٥٤٩]. وفي البابِ عَن الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ. قوله: (فقال عليّ: قام رسول الله وَّي ثم قعد) قال البيضاوي: يحتمل قول علي: ((ثم قعد))، أي: بعد أن جاوزته، وبعدت عنه. ويحتملُ أن يريد: كان يَقُومُ في وقت، ثم ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يكون فعلهُ الأخير قرينةً في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك: الندبُ، ويحتمل أن يكون نَسْخًا للوجوب المستفادٍ من ظاهر الأمر، والأول أرجح؛ لأن احتمال المجاز يعني في أول الأمر أولى من دعوى النسخ. انتهى كلام البيضاوي. قال الحافظ في ((الفتح)): والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي من حديث علي؛ أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حَدَّثُهم ... الحديث. ومن ثَمَّ قال بكراهة القيام جماعة منهم سليم الرازي، وغيره من الشافعية. وقال ابن حزم: قعوده وَّهِ بعد أمره بالقيام يدلُّ على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نَسْخًا؛ لأن النسخ لا يكون إلا بنهي، أو بترك معه نهي. قال الحافظ في (الفتح)): وقد ورد معنى النهي من حديث عبادة قال: كان النبي ◌َّهِ يَقُومُ لِلْجَنَازَةِ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ هكَذَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: ((اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ)). أخرجه أحمد(١)، وأصحاب السنن إلا النسائي، فلو لم يكن إسناده ضعيفًا؛ لكان حجة في النسخ. انتھی . قلت: ويدل على النسخ ما رواه أحمد (٢) عن عليٍّ بلفظ: قال: كان رَسُولُ اللهِ وَ لَه أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس. قوله: (وفي الباب عن الحسن بن علي وابن عباس)(٣) أخرجه النسائي من طريق محمد بن سيرين قال: إن جَنَازَةً مرت بالحسن بن علي، وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم (١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٧٦)، والترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠٢٠)، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٤٥) ولم أقف عليه عند أحمد. (٢) أخرجه أحمد. حديث (٦٢٤). (٣) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز. حديث (١٩٢٤). ١٢٧ كتاب الجنائز عن رسول الله وَله / باب الرُّخصَّةِ فِي تَرْكِ القِيَامِ لَهَا قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ عَلِيٍّ، حديث حسنٌ صحيحٌ، وفيهِ رِوَايَةُ أَرْبَعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بَعْضُهُمْ عَن بَعْضٍ، والعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وهذا أصَُّ شَيْءٍ في هذا البابِ، وهذا الحَدِيثُ نَاسِخٌ للأولِ: ((إِذَا رأيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا)) وقالَ أحمدُ: إنْ شَاءَ قَامَ، وإن شَاءَ لَمْ يَقُمْ، واحْتَجَّ بأنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قد رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَامَ ثُمَّ فَعَدَ، وهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بنُ إبرَاهِيمَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: مَعْنَى قَوْلٍ عَلِي: قَامَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: فِي الجَنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ. يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا رأى الجَنَازَة قام ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ، فَكَانَ لا يَقُومُ إِذَا رأى الجَنَازَةَ. ابن عباس، فقال الحسن: أليس قد قام رسول الله ◌َفي الجنازة يهودي؟ قال ابن عباس: نعم، ثم جلس. قوله: (حديثُ عليٍّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) وأخرجه مسلم بلفظ: ((أن النبي ◌َّهِ قَامَ فِي الْجَنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ)). قوله: (وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول: إذا رأيتم الجَنَازَةَ فقوموا). ويدل على النسخ حديثُ عبادة وقد تقدم، وما رواه أحمد (١) عن علي بلفظ: (ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ)) وتقدم هذا أيضًا، وما رواه البيهقي من حديث علي؛ أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدَّثهم الحديث، وقد تقدم هذا أيضًا. (وقال أحمد: إن شاء قام، وإن شاء لم يقم ... إلخ) فعند أحمد حديث عَلِيٍّ هذا ليس بناسخ للحديث الأول. قال الحازمي في كتاب ((الاعتبار))(٢): وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب: فقال بعضهم: على الجالس أن يقوم إذا رأى الجنازة حتى تخلفه؛ وممن رأى ذلك أبو مسعود البدري، وأبو سعيد الخدري، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، وسالم بن عبد الله. وقال أحمد بن حنبل: إن قام لم أَعِبْهُ، وإن قَعد فلا بأس به، وبه قال إسحاق الحنظلي. وقال أكثر أهل العلم: ليس على أحدٍ القيامُ للجنازة، روينا ذلك عن علي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وعلقمة بن الأسود، والنخعي، ونافع بن جبير، وفعله سعيد بن المسيّب؛ (١) أخرجه أحمد، حديث (٦٢٣). (٢) ((الاعتبار)) ص ٣١٠. ١٢٨ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في قَوْلِ النبيِّ وَّهِ((اللَّحْدُ لَنَا، والشَّقُّ لِغَيْرِنَا)) ٥٣- باب مَا جَاءَ في قَوْلِ النبيِّ بَِِّ: ((اللَّحْدُ لَنَا، والشَّقُّ لِغَيْرِنَا)) [ت٥٣، ٥٣٢] [١٠٤٥] (١٠٤٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ونَصْرُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ويُوسُفُ بنُ مُوسَى القَطَّانُ البَغْدَادِيُّ قالُوا: حَدَّثَنَا حَكَّامُ بنُ سَلْمِ، عَن عَلِيٍّ بنِ عَبْدِ الأعْلَى، عَن أبيهِ، عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَّ النبيُّ ◌َِّهِ: ((اللَّحْدُ لَنَا، والشَّقُّ لِغَيْرِنَا)). [ن: ٢٠٠٨، د: ٣٢٠٨، جه: ١٥٥٤، حم بنحوه: ١٨٧٢٨]. وبه قال عروة بن الزبير، ومالك، وأهل ((الحجاز))، والشافعي وأصحابه، وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ، وتمسّكوا في ذلك بأحاديث، ثم ذكر الحازمي بإسناده حديث علي بن أبي طالب؛ أن رسول الله وَّ﴾ ((كان يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ)) (١) قال: هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم. ثم ذكر بإسناده عن مسعود بن الحكم الزرقي؛ أنه سمع علي بن أبي طالب - ته - في رحبة ((الكوفة))، وهو يقول: كان رسولُ اللهِ وَّ﴿ أَمَرَنَا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس، ثم ذكر بإسناده عن مجاهد عن أبي معمر قال: مرت بنا جنازة فقمنا، فقال: مَنْ أَقْتَاكُمْ بِهِذَا؟ قلنا: أبو موسى الأشعري، فقال: ما فعله رسولُ الله ◌َله إلا مرة، كان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نسخ ذلك نهى عنه. انتهى. قال الحازمي: فهذه الألفاظ كلها تدلُّ على أن القعود أولى من القيام. قال الشافعي: قد جاء عن النبي ◌َّ تركه بعد فعله. والحجة في الآخر من أمر رسول الله وَ ◌ّ* إن كان الأول واجبًا، فالآخر من أمره ناسخ، وإن كان استحبابًا فالآخر هو الاستحبابُ، وإن كان مباحًا لا بأس بالقيام والقعود، فالقعود أولى؛ لأنه الآخر من فعله بَّر. انتهى. ٥٣ - بَابُ مَا جَاءَ في قول النَّبِيِّ وَ﴿ِ: ((اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُ لِغَيْرِنا)) اللَّحْدُ؛ بفتح اللام وبالضم، وسكون الحاء؛ هو: الشق في عرض القبر جانب القبلة، والشَّقُّ هو الضَّريح، وهوَ الشَّقُّ في وسْطِ القبرِ. [١٠٤٥] قوله: (حدثنا حكام) بفتح الحاء، وتشديد الكاف (بن سلم) بفتح السين، وسكون اللام، ثقة، له غرائب (عن علي بن عبد الأعلى) صدوق، ربما وهم. قوله: (اللحد لنا والشق لغيرنا) قال التوربشتي: أي: اللحد آثرُ وأولى لنا، والشق آثر وأولى لغيرنا، أي: هو اختيار مَنْ كان قبلنا من أهل الإيمان، وفي ذلك بيان فضيلة اللحد، (١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، حديث (٩٦٢). ١٢٩ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في قَوْلِ النبيِّ وَّهِ((اللَّحْدُ لَنَا، والشَّقُّ لِغَيْرِنَا)) وفي البابِ عَن جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله وعَائِشَةَ وابنٍ عُمَر وجَابر. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ ابن عَبَّاسِ، حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ. وليس فيه نهي عن الشق؛ لأن أبا عبيدة - مع جلالة قدره في الدين والأمانة - كان يصنعه، ولأنه لو كان منهيًّا لما قالت الصحابة: أيهما جاء أولًا عمل عمله، ولأنه قد يضطر إليه؛ الرخاوة الأرض. انتهى. وقال الطيبي: ويمكن أنه - عليه الصلاة والسلام - عنى بضمير الجمع نفسه، أي: أوثر لي اللحد، وهو إخبار عن الكائن، فيكون معجزة. انتهى. وقيل: معناه: اللَّحد لنا معشر الأنبياء، والشق جَائِزٌ لغيرنا. قلت: الصحيحُ هو ما ذكره التوربشتي، ويؤيده حديث جرير(١) بن عبد الله بلفظ: ((اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا أَهْلِ الْكِتَابَ)). قوله: (وفي الباب عن جرير بن عبد الله)(٢) أخرجه أحمد، والبزار، وابن ماجه بنحو حديث ابن عباس المذكور في هذا الباب: وفيه: عثمان بن عمير؛ وهو ضعيف. وزاد أحمد بعد قوله: ((لغيرنا)): ((أهل الكتاب)). (وعن عائشة)(٣)، أخرجه ابن ماجه بلفظ: قالت: لما مات رسول الله وَّر اختلفوا في اللَّحْدِ والشَّقِّ حتى تكلَّموا في ذلك، وارتفعت أصواتُهم؛ فقال عمر - ◌َُه - لا تَصْخَبُوا عند رسول الله وَّ﴿ حَيًّا ولا ميتًا أو كلمة نحوها، فأرسلوا إلى الشقاق واللأَّحِدِ جميعًا، فجاء اللاحد فَلَحَدَ لرسول اللهِ وَّةِ، ثم دُفن ◌َِّ. (وابن عمر - -) (٤)، أخرجه أحمد بلفظ: ((أنهم ألحدوا للنبي وَّ لحدًا)) وفيه: عبد الله العمري، وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: ((ألحدوا للنبي نَّهِ، ولأبي بكر، وعمر)). (وجابر) أخرجه ابن شاهين في كتاب ((الجنائز)) بلفظ حديث ابن عباس المذكور. وأحاديث الباب تدلُّ على استحباب اللحدِ، وأنه أولى من الضَّرْح، وإلى ذلك ذهب الأكثر؛ كما قال النووي في ((شرح مسلم)): إجماع العلماء على جواز اللَّخَدِ والشَّقِّ. قوله: (حديث ابن عباس غريب من هذا الوجه) أخرجه الخمسة. (١) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز حديث (١٥٥٥). (٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٥٥)، وأحمد. حديث (١٨٧٢٨) ولم أقف عليه عند البزار. (٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٥٨). (٤) أخرجه أحمد. حديث (٤٧٤٨)، وابن أبي شيبة (١٤/٣). حديث (١١٦٣٥). ١٣٠ كتاب الجنائز عن رسول الله وَل ◌َو / باب ما يَقُول إذا أُدْخِلَ المَيِّتُ القبر ٥٤- باب ما يَقُول إذا أَدْخِلَ المَيِّتُ القبر [ت٥٤، ٥٤٢] [١٠٤٦] (١٠٤٦) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأشَجُ، حَدَّثَنَا أبو خَالِدِ الأحْمَرُ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ عَن نَافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ: أنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ إِذَا أُدْخِلَ المَيِّتُ القَبْرَ - وقالَ أبُو خَالِدٍ مرّةً: إذَا وُضِعَ المَيِّتُ فِي لَحْدِهِ - قَالَ مَرَّةً: ((بِسْم الله، وبالله، وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله)) وقالَ مَرَّةً: ((بِسْم الله، وبالله، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ وَ)). [د: ٣٢١٣، جه: ١٥٥٠، حم: ٤٧٩٧]. قال الشوكاني: وصححه ابن السكن، وحسنه الترمذي، كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من ((جامعه)) [و] في إسناده: عبد الأعلى بن عامر؛ وهو ضعيف. انتهى. ٥٤ - باب مَا يَقُولُ إِذَا أُدْخِلَ المَيِّتُ القَبْرَ [١٠٤٦] قوله: (إذا أدخل) روي مجهولًا، ومعلومًا (الميت) بالرفع أو النصب. (القبر) مفعول ثانٍ. (قال) أي: أبو سعيد الأشج. (وقال أبو خالد: إذا وضع الميت في لحده) يعني: أن أبا خالد قال مرة لفظ: ((إِذَا وُضِعَ الميِّثُ فِي لَحْدِهِ»، مكان لفظ: ((إِذَا أُدْخِلَ المَيِّتُ الْقَبْرَ))، وقد جاء صَرِيحُ هذا في رواية ابن ماجه كما ستعرف. (قال مرة: بسم الله) أي: وضعته، أو وضع، أو أدخله. (وبالله) أي: بأمره وحكمه، أو بعونه وقدرته. (وعلى ملة رسول الله) أي: على طريقته ودينه. (وقال مرة: بسم الله وبالله، وعلى سُنَّةِ رسول الله) أي: على طريقته وشريعته، والمراد بملة رسول الله وسنته واحد. قال الطيبي: قوله: ((أدخل)) روي معلومًا ومجهولًا، والثاني أغلب، فعلى المجهول لفظ ((كان)) بمعنى الدوام، وعلى المعلوم بخلافه؛ لما روى أبو داود(١) عن جابر قال: رَأَى نَاسٌ نَاراً فِي المَقْبَرَةِ فَأَتَوِهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي القَبْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((نَاوِلُونِي صَاحِبكم)) فإذا هو بالرجل الذي يرفع صوته بالذكر. قال ميرك: وفيه نظر؛ لأنه على تقدير المعلوم يحتملُ الدوام أيضًا. (١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٦٤). ١٣١ كتاب الجنائز عن رسول الله وَلجه / باب ما يَقُول إذا أُدْخِلَ المَيِّتُ القبر قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هَذا الوَجْهِ. وقدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ مِن غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ أيضًا عَن ابنِ عُمَرَ، عنِ النَّبِيِّ وَِّ، ورَوَاهُ أَبُو الصِّديقِ النَّاجِي عنِ ابْنِ عُمَرَ، عنِ النَّبِيِّ. وقدْ رُوِيَ عَن أبي الصِّدِّيقِ النَّاجي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفًا أيضًا . وعلى تقدير المجهول يحتمل عدمه أيضًا كما لا يخفى. قال القاري: وفيه: أن إدخاله - عليه الصلاة والسلام - الميت بنفسه الأشرف لم يكن دائمًا. بل كان نادرًا، لكن قوله: ((بِسْم الله)) يمكن أن يكون دائمًا مع إدخاله، وإدخال غيره. تأمل. انتهى قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وابن ماجه. قوله: (رواه أبو الصديق الناجي عن النبي( 18) أخرجه أبو داود(١) (وقد روي عن أبي الصديق موقوفًا أيضًا) قال المنذري، وأخرجه النسائي(٢) مسندًا وموقوفًا. وفي الباب أحاديث أخرى، ذكرها الحافظ في ((التلخيص))، والزيلعي في ((نصب الراية)). تنبيه: اعلم أن الترمذي - رحمه الله - روى حديث الباب بالإجمال، وقد رواه ابن ماجه(٣) بالإيضاح، فقال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي بَّر ، وحدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر قال: ((كَانَ النبيُّ ◌َّهِ إِذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ الْقَبْر قال: ((بِسْم الله وَعَلَى مَّة رسول الله)). وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده قال: ((بسم الله وعَلى سُنّةِ رَسُولِ الله)). وقال هشام في حديثه: ((بِسْمِ الله، وَفي سَبِيلِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله)). (١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣٢١٣). (٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٢٦٨/٦). حديث (١٠٩٢٧، ١٠٩٢٨). (٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٥٠). ١٣٢ كتاب الجنائز عن رسول الله وَج / باب مَا جَاءَ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ يُلْقَى تحْتَ المَيِّتِ في القَبْر ٥٥- باب مَا جَاءَ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ يُلْقَى تحْتَ المَيِّتِ في القَبْرِ [ت٥٥٢،٥٥] [١٠٤٧] (١٠٤٧) حَدَّثَنَا زَيْدُ بنُ أخْزَمَ الطَّائِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُثمانُ بنُ فَرْقَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَن أبيهِ، قَالَ: الَّذِي الْحَدَ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ وَله أبُو طَلْحَةَ، والّذِي الْقَى القَطِيفَةَ تَحْتَهُ شُفْرَانُ: مَوْلَى رَسُولِ اللهِوَّل. ٥٥ - باب مَا جَاءَ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ يُلْقَى تَحْتَ الميّتِ في الْقَبْرِ [١٠٤٧] قوله: (سمعت جعفر بن محمد) جعفر هذا معروف بالصَّادق، وأبوه: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، معروف بالباقر. قوله: (الذي ألحد) يقال: لَحَدَ يَلْحَدُ كذهب يذهب، وألحد يلحد، إذا حفر اللحد؛ وهو: الشَّقُّ تحت الجانب القبلي من القبر. (والذي ألقى القطيفة) قال في ((النهاية)): هي كساءٌ له خَمْل. (شقران) بضم الشين المعجمة، وسكون القاف مولى رسول الله وَطله ، قيل: اسمه صالح، شهد ((بدرًا)) وهو مملوك، ثم عتق، قال الحافظ: أظنه مات في خلافة عثمان. قال النووي في ((شرح مسلم)): هذه القطيفة ألقاها شُقْران [مولى رسول الله وَعليه] وقال: كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله بَّه، وقد نَصَّ الشافعيُّ، وجميع أصحابنا، وغيرهم من العلماء؛ على كراهة وضع قطيفة، أو مضربة، أو مخدة، أو نحو ذلك تحت الميت في القبر. وَشَذَّ عنهم البغويُّ من أصحابنا فقال في كتابه ((التهذيب)): لا بأس بذلك؛ لهذا الحدیث. والصواب: كراهته؛ كما قال الجمهور. وأجابوا عن هذا الحديث: بأن شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شقران؛ لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي وَّر؛ لأن النبي وَّ كان يلبسها ويفترشها، فلم تطب نفس شُقْرَان أن يبتذلها أحد بعد النبي ◌َلّر . وخالفه غيره، فروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثَوْبٌ في قبره، انتھی کلام النووي. ١٣٣ كتاب الجنائز عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ يُلْقَى تحْتَ المَيِّتِ في القَبْر قَالَ جَعْفَرٌ: وَأَخْبَرَنِي عبيد الله بْنُ أبي رَافِعِ قَالَ: سَمِعْتُ شُقْرَانَ يَقُولُ: أنَا وَالله طَرَحْتُ القَطِيفَةَ تحْتَ رسولِ اللهِ بَّهِ فِي القَبْرِ قَالَ: وفي البابِ عنِ ابْنِ عَبَّاس. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَديثُ شُقْرَانَ، حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، عَن عُثْمَانَ بْنِ فَرْقَدٍ، هذا الحَدِيثَ. [١٠٤٨] (١٠٤٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَن شُعْبَةٍ، عَن أبي جمْرَةَ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جُعِلَ في قَبْرِ النبيِّ وَّ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ. [م: ٩٦٧، ن: ٢٠١١، حم: ٢٠٢٢]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، (وأخبرني ابن أبي رافع قال: سمعت شُقْرَانَ يقول: أنا والله طرحت القطيفة ... إلخ) وروى ابن إسحاق في ((المغازي)) والحاكم في ((الإكليل)) ومن طريقه البيهقي(١) عنه، من طريق ابن عباس، قال: كان شُقْرَانُ حين وضع رسول اللهِ وَّ في حفْرته، أخذ قطيفة - قد كان يلبسها ويفترشها - فدفنها معه في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت معه. وروى الواقدي عن علي بن أبي حسين أنهم أخرجوها، وبذلك جزم ابن عبد البر؛ كذا في ((التلخيص)). قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه الترمذي في هذا الباب ومسلم وغيره. (حديث شقران حديث حسن غريب). ذكره الحافظ في ((التلخيص)) وسكت عنه. [١٠٤٨] قوله: (حدثنا يحيى بن سعيد) هو القطان. (عن أبي جمرة) بفتح الجيم، وسكون الميم. (قال: جعل) بصيغة المجهول، والجاعل هو شُقْرانُ، مولى رسول الله وَلَيه كما تقدم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن حبان. قال الحافظ: وروى ابن أبي شيبة(٢) وأبو داود في ((المراسيل))(٣)، عن الحسن نحوه، (١) أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٤٠٨/٣)، وانظر ((تلخيص الحبير)) (١٣٠/٢). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤/٣). حديث (١١٧٥٣). (٣) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٢٩٩/١). حديث (٤١٦). ١٣٤ كتاب الجنائز عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ يُلْقَى تحْتَ المَيِّتِ في القَبْر وَقَدْ رَوَى شُعْبَةٍ عَن أبي حَمْزَةَ القَصّابِ، واسْمُهُ عِمرَانُ بْنُ أبي عَطَاءٍ، وَرُوِيَ عَن أبي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، واسْمُهُ: نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، وكِلاهُمَا مِن أصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقَدْ رُويَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُلْقَى تَحْتَ المَيِّتِ في القَبْرِ شَيْءٌ، وَإِلَى هذا ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العلمِ. قال: وقال مُحَمَّدُ بنُ بَشَار في موضع آخر: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر ویحیی عَن شُعْبَة عَن أبي جمرة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهذا أصحُ. وزاد: لأن ((المدينة)) أرض سبخة، وذكر ابن عبد البر: أن تلك القطيفة استخرجت قبل أن یُھَالَ الترابُ. انتھی. وقال الحافظ العراقي في ((ألفيته في السيرة)): وفرشت في قبره قطيفة، وقيل: أخرجت، وهذا أثبت. قوله: (وقد روى شعبة عن أبي حمزة القصاب) بالحاء المهملة والزاي، والقصاب بمعنى: بائع القصب. (واسمه: عمران بن أبي عطاء) الواسطي. روى عن ابن عباس وأنس وغيرهما، وعنه: شعبة والثوري وغيرهما، ثقة له في مسلم حديث ابن عباس(١): ((لَا أَشْبَعَ الله بَظْنَهُ)). وليس له حديث في ((جامع الترمذي)). ((وروى)) أي: شعبة (عن أبي جَمْرة) بفتح الجيم، وسكون الميم والراء المهملة. (الضبعي) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة، بعدها مهملة. (واسمه: نصر بن عمران) البصري، نزيل ((خراسان))، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من الثالثة. قوله: (وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم). وذهب الجمهور إلى الكراهة، وقولهم هو الراجح، وتقدم الجواب عن حديث الباب والله تعالى أعلم. قوله: (حدثنا محمد بن جعفر ويحيى عن شعبة عن أبي جمرة) بالجيم لا غير، وليس لأبي حمزة القصَّاب حديث في ((الترمذي)). (١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب. حديث (٢٦٠٤). ١٣٥ كتاب الجنائز عن رسول الله ربَّه / باب مَا جَاءَ في تَسْوِيَةِ القُبُور ٥٦- باب مَا جَاءَ في تَسْوِيَةِ القُبُور [ت٥٦، ٥٦٢] [١٠٤٩] (١٠٤٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن حَبِيبٍ بنِ أبي ثَابِتٍ، عَن أبي وَائِلٍ، أنَّ عَلِيًّا قَالَ لأبِي الهَيَّاجِ الأسَدِيِّ: أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي بِهِ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أنْ لا تَدَع قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ، ٥٦ - باب مَا جَاءَ في تَسْوَيَةِ الْقَبْرِ [١٠٤٩] قوله: (قال لأبي الهياج) بتشديد التحتية (الأسدي) بفتح السين ويسكن (أبعثك على ما بَعَثَني) أي: أُرسلك للأمر الذي أرسلني، وإنما ذكر تعديته بحرف ((على))؛ لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير، أي: أجعلك أميرًا على ذلك؛ كما أمَّرني رسول الله وَلثر؛ قاله ((القاري)). (أَلَّا تدع) ((أن)) مصدرية، و((لا) نافية، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو: ((ألا تدع)) وقيل: ((أن)) تفسيرية، و((لا)) ناهية؛ أي: لا تترك. (قبرًا مشرفًا) قال القاري: هو الذي بُني عليه حتى ارتفع دون الذي أُعْلِمَ عليه بالرمل والحصباء، أو محسومة بالحجارة؛ ليعرف ولا يوطأ. (إلا سويته) في ((الأزهار)) قال العلماء: يستحب أن يرفع القبر قَدْرَ شِبْرٍ، ويكره فوق ذلك، ويستحبُّ الهَدْمُ. ففي قدره خلاف. قيل: إلى الأرض؛ تغليظًا، وهذا أقرب إلى اللفظ، أي: لفظ الحديث من التسوية. وقال ابن الهمام: هذا الحديث محمولُ على مَنْ كانوا يفعلونه من تَعْلِيةِ القبور بالبناء العالي، وليس مرادنا بذلك تسنيم القبر، بل بقدر ما يبدو من الأرض، ويتميز عنها؛ كذا في ((المرقاة)). وقال الشوكاني في (النيل)): قوله: ((ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته)). فيه: أن السنة أن القَبْرَ لا یرفع رفعًا کثیرًا، من غیر فرق بین من کان فاضلاً، ومن كان غیر فاضل. والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحابُ أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعي، ومالك، ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوليًا القبب، والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لَعَنَ النبيُّ نَّ فَاعِلَ ذَلِكَ، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها من مفاسد ١٣٦ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّهُو / باب مَا جَاءَ في تَسْوِيَّةِ القُبُور ولا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ)). [م: ٩٦٩، ن: ٢٠٣٠، د: ٣٢١٨، حم: ٧٤٣]. قال: وفي البابِ عَن جَابِرٍ . قَالَ أَبُوٍ عِيْسَى: يبكي لها الإسلام؟! منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكُفَّار للأصنام، وَعَظُمَ ذلك فظنُّوا أنها قادرة على جَلب النفع، ودفع الضُّرِّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العبادُ من ربهم، وشدُّوا إليها الرِّحَالَ، وتمسَّحوا بها واستغاثوا . وبالجملة: أنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع، لا نجد من يغضب الله، ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالمًا ولا متعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم، إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه؛ حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني؛ تلعثم وتلكًا، وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على شركهم قد بَلَغَ فوق شِرْكِ من قال: إنه - تعالى - ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رُزء للإسلام أشد من الكفر، وأيُّ بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يُصَابُ به المسلمون تَعْدِلُ هذه المصيبة؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البَيِّنِ واجبًا؟ !!. [الوافر]: لَقَدْ أَسَمَعْتَ لَو نَادَیتَ حَيًّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي الرَّمَادِ وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ (ولا تمثالًا) أي: صورة (إلا طمسته) محوته وأبطلته. قوله: (وفي الباب عن جابر)(١) لينظر من أخرجه، وفي الباب أيضًا عن فضالة بن عبيد، أخرجه مسلم (٢) عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم بـ ((رودس))، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله وَّهِ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِها . (١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٦٨). (٢) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٧٠)، والترمذي، في كتاب الجنائز. حديث (١٠٥٢). ١٣٧ كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي تَسْوِيَةِ القُبُور حديثُ عَلِيٍّ، حديثٌ حسنٌ، والعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ، يَكْرَهُونَ أنْ يُرْفَعَ القَبرُ فَوْقَ الأرْضِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أكْرَهُ أن يُرْفَعَ القَبْرُ إلَّا بِقَدْرٍ مَا يُعْرَفُ أنَّهُ قَبْرٌ، لِكَيْلا يُوطَأَ وَلا يُجْلَسَ عَلَيْهِ. قوله: (حديث عليٍّ حديث حسن) وأخرجه مسلم (قال الشافعي: أكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما یعرف أنه قبر؛ لکیلا یوطأ ولا يُجلس عليه) قال النووي في ((شرح مسلم)) ٣١٢ ج١ في شرح قوله: (يأمر بتسويتها) فيه: أن السنة أن القبر لا يرفع على الأرض رَفْعًا كثيرًا، ولا يسنم، بل يرفع نحو شبر ويسطح، وهذا مذهبُ الشافعي ومن وافقه. ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء: أن الأفضل عندهم تسنيمها. وهو مذهبُ مالك. انتهى كلام النووي. وأخرج البخاري في ((صحيحه))(١) عن سفيان التمار؛ أنه حدثه أنه رأى قبر النبي وَيّ مُسَنَّمًا . قال الحافظ: قوله: ((مسنمًا)) أي: مرتفعًا، زاد أبو نُعَيْمٍ في ((المستخرج)): وقبر أبي بكر وعمر كذلك. واستدل به على أن المستحبَّ تسنيمُ القبورِ؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزني، وكثير من الشافعية. وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح؛ كما نَصَّ عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون. وقول سفيان التمار: لا حجة فيه؛ كما قال البيهقي؛ لاحتمال أن قبره ولو لم يكن في الأول مُسَنَّمًا، فقد روى أبو داود، والحاكم(٢) من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر رسول الله وَ ل﴿ وَصَاحِبَيْهِ، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله وَ ﴿ مُقَدَّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ◌َّر، وعمر رأسه عند رجلي النبي ◌ّطير. وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على ((المدينة)) من قبل الوليد بن (١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣٩٠). (٢) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣٢٢٠)، والحاكم (٥٢٤/١). حديث (١٣٦٨). ١٣٨ كتاب الجنائز عن رسول اللّه وَّرِ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة المشي عَلَى القُبُورِ والجُلُوسِ عَلَيْهَا، ٥٧- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة المشي عَلَى القُبُورِ والجُلُوسِ عَلَيْهَا، والصَّلاة إليها [ت٥٧، ٥٧٢] [١٠٥٠] (١٠٥٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزيد بنِ جَابِرٍ، عَن بُسْرِ بنِ عُبَيْدِ الله، عَن أبي إذْرِيسَ الخَوْلانِيِّ، عَن وَاثِلَةَ بنِ الأسقَعِ، عَن أبي مَرْثَدِ الغَنَوِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُور، عبد الملك صَيَّرُوهَا مرتفعة، وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب ((صفة قبر النبي وَّ)) من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، عن غنيم بن بسطام المديني، قال: رأيتُ قبر النبي ◌َّ في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه. ثم الاختلاف في ذلك في: أيهما أفضل، لا في أصل الجواز؟ ورجح المزني التسنيم من حيث المعنى بأن المسطحَ يشبه ما يصنع للجلوس بخلاف المسئَّم. ورجَّحه ابن قدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو من شعار أهل البدع، فكأن التسنيمَ أولى، ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد: ((أنه أمر بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله وَله يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا)). انتهى كلام الحافظ. ٥٧ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيةِ المَشْي عَلَى القُبُورِ، وَالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَالصَّلاَةِ إِلَيْهَا وفي بعض النسخ: باب: في كراهية المَشْي على القبور ... إلخ. [١٠٥٠] قوله: (عن بسر بن عبيد الله) بضم الموحدة، وسكون السين. (عن أبي مرثد) بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح الثاء المثلثة. (الغنوي) بفتحتين صحابي بدري، مشهور بكنيته، واسمه كناز، بتشديد النون، وآخره زاي معجمة: (لا تجلسوا على القبور) فيه: دليل على تحريم الجلوس على القبر؛ وإليه ذهب الجمهور؛ قاله الشوكاني. قال ابن الهمام: وكره الجلوس على القبر ووطؤه، وحينئذٍ فما يصنعه الناس - ممن دفنت أقاربه، ثم دفنت حواليه خلق - من وطءٍ تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه، ويكره النومُ عند القبرِ، وقضاء الحاجة بل أولى. ويكره كل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا زيارتها، والدعاء عندها قائمًا، كما كان رسولُ الله وَّلم يفعل في الخروج في «البقيع)). انتھی. ١٣٩ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّ ر باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة المشي عَلَى القُبُورِ والجُلُوسِ عَلَيْهَا، ولا تُصَلُّوا إِلَيْهَا)). [م: ٩٧٢، ن: ٧٥٩، د: ٣٢٢٩، حم: ١٦٧٦٥]. قَالَ: وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، وعَمْرِو بِنِ حَزْمِ، وبَشِيرِ ابنِ الخَصَاصِيَةِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِي عَن عَبْدِ الله بْنِ المُبَارَكِ، بهذا الإسْنَادِ، نحْوَهُ. (ولا تصلوا إليها) أي: مستقبلين إليها . قال القاري: وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة، وهو مما ابتلي به أهل ((مكة))؛ حيث يضعون الجنازة عند الكعبة، ثم يستقبلون إليها . قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة)(١) أخرجه الجماعة إلا البخاري، والترمذي مرفوعًا: (لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلِصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ له من أَنْ يَجلِسَ على قَبْرٍ)). (وعمرو بن حزم)(٢) أخرجه أحمد بلفظ: قال: رآني النبيُّ وَّ متكئًا على قبر فقال: (لاَ تُؤْذٍ صاحب هَذَا الْقَبرِ، أَوْ لا تُؤْذِه)). قال الحافظ في ((الفتح)): إسناده صحيح. (وبشير ابن الخصاصية)(٣) بفتح الموحدة وكسر الشين، هو بشير بن معبد، وقيل: ابن زيد بن معبد السدوسي المعروف بابن الخصاصية، بمعجمة مفتوحة، وصادين مهملتين بعد الثانية تحتانية، صحابي جليل، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بلفظ: ((أَنَّ رسولَ اللهِ بَّهِ رَأَى رَجُلًا يَمْشِي فِي نَعْلَيْنِ بَيْنَ الْقُبُورِ، فَقَالَ: ((يَا صَاحِبَ السَّبْتِيَتَيْنِ، أَلْقِهِمَا)). سَكَتَ عنه أبو داود، والمنذري، ورجال إسناده ثقات، إلا خالد بن نمير؛ فإنه يهم. وأخرجه أيضًا الحاكم وصححه؛ قاله الشوكاني في ((النيل)). فائدة: قال الشوكاني في ((النيل)) تحت حديث بشير هذا: فيه دليل على أنه لا يجوزُ المشيء بين القبور بالنعلين، ولا يختص عدم الجواز بكون النعلين سبتيتين؛ لعدم الفارق بينها وبین غيرها . (١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٧١)، والنسائي، كتاب الجنائز. حديث (٢٠٤٤)، وأبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣٢٢٨)، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٦٦). (٢) أخرجه أحمد. حديث (٢٧٩١٥). (٣) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣٢٣٠)، والنسائي، كتاب الجنائز. حديث (٢٠٤٨)، وابن ماجه، کتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٦٨). ١٤٠ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿و / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ تَجْصيص القُبُورِ وَالكِتَابَةِ عَلَيْهَا [١٠٥١] (١٠٥١) حَدَّثَنَا علي بْنُ حُجْرٍ وأبُو عَمَّارٍ قالا: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِم عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، عَنِ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَن وَائِلَةَ بْنِ الأسْفَعِ، عَن أبي مَرْئَدِ الغنويِّ، عنِ النَّبِيِّ، نحوَهُ، ولَيْسَ فِيهِ: عَن أبي إذْرِيسَ، وهذا الصَّحِيحُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: قَالَ مُحَمَّدٌ: وحديثُ ابْنِ المُبَارَكِ خَطَأٌ، أخْطَأْ فِيهِ ابْنُ المُبَارك، وَزَادَ فِيهِ عَن أبي إذْرِيسَ الخَوْلانِيِّ وإِنّمَا هُوَ بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله عَن وَاثِلَةَ، هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، ولَيْسَ فِيهِ عَن أبي إدريس الخَوْلانِيِّ. ويُسرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ قد سَمِعَ من وَاثِلَةَ بن الأسْقَعِ. ٥٨- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ تَجْصيص القُبُورِ وَالكِتَابَةِ عَلَيْهَا [ت٥٨، ٥٨٢] [١٠٥٢] (١٠٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الأسْوَدِ أبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَن أبي الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَلِ أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وأنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وقال ابن حزم: يجوز وطء القبور بالنعال التي ليست سبتية؛ لحديث: ((أن الميت يسمع خفق نعالهم))، وخص المنع بالسبتية، وجعل هذا جمعًا بين الحديثين وهو وهم؛ لأن سماع الميت لخفق النعال، لا يستلزم أن يكون المشي على القبر، أو بين القبور فلا معارضة. انتهى كلام الشوكاني. [١٠٥١] قوله: (قال محمد) هو: الإمام البخاري. (حديث ابن المبارك خطأ أخطأ فيه ابن المبارك، وزاد فيه عن أبي إدريس الخولاني ... إلخ) لقائل أن يقول: إن ابن المبارك ثقة حافظ، فيمكن أن يكون الحديثُ عند بسر بن عبيد الله بالوجهين؛ أعني رواه أولًا عن واثلة بواسطة أبي إدريس، ثم لقيه فرواه عنه من غير واسطة. والله تعالى أعلم. وحديث أبي مرثد هذا، أخرجه مسلم. ٥٨ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ تَجْصِيصِ القُبُورِ وَالكِتَابَةِ عَلَيْهَا [١٠٥٢] قوله: (نهى أن تخصص القبور) بصيغة المجهول، وفي رواية لمسلم: ((نَهَى عَنْ تَقْصِيص الْقُبُور)) بالقاف والصادين المهملتين، وهو بمعنى التخصيص، والقصة هي الجصُّ. (وأن يكتب عليها) بالبناء للمفعول.