النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَاهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
فائدة: قال الشيخ ابن الهمام في ((التحرير)): إذا قال البخاري للرجل: فيه نظر، فحديثه
لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار. انتهى كلام ابن الهمام.
قلت: فأثر عَليٍّ هذا لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار؛ فإن في سنده
حماد بن شعيب.
وقال البخاري: فيه نظر.
تنبيه: يستدل بهذين الأثرين على أن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أمر أن
يصلي التراويح عشرين ركعة، وعلى أنه رُبّه صلى التراويح عشرين ركعة، وقد عرفت أن
هذين الأثرين ضعيفان لا يصلحان للاستدلال. ومع هذا فهما مخالفان لما ثبت عن رسول الله
* بالحديث الصحيح.
وأما أثر عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: فأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة(١)
قال: حدّثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد؛ أن عمر بن الخطاب - رضي الله
تعالى عنه - أمر رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة.
قال النيموي في ((آثار السنن)): رجاله ثقات، لكن يحيى بن سعيد الأنصاري لم يدرك
عمر رضي الله تعالى عنه. انتھی.
قلت: الأمر كما قال النيموي؛ فهذا الأثر منقطع لا يصلح للاحتجاج، ومع هذا فهو
مخالف لما ثبت بسند صحيح، عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه أمر أبي بن كعب وتميمًا
الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. أخرجه مالك في ((الموطأ))(٢). وقد تقدم.
وأيضًا: هو مخالف لما ثبت عن رسول الله ويقر بالحديث الصحيح.
وأما أثر عمر - رضي الله تعالى عنه - الذي أخرجه عبد الرزاق: فقد عرفت حاله،
وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه))(٣) عن عبد العزيز بن رفيع قال: كان أبي بن كعب
- رضي الله تعالى عنه - يصلي بالناس في رمضان بـ ((المدينة)) عشرين ركعة، ويوتر بثلاث.
قال النيموي: عبد العزيز بن رفيع لم يدرك أبي بن كعب. انتهى.
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٦٨٢).
(٢) مالك. حديث (٢٥٣).
(٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٦٨٤).

٦٢٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَكَذَا أَدْرَكْتُ بِبَلِدِنَا بِمَكَّةَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةٌ.
قلت: الأمر كما قال النيموي؛ فأثر أبي بن كعب هذا منقطع، ومع هذا فهو مخالف لما
ثبت عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس
بإحدى عشرة ركعة.
وأيضًا: هو مخالف لما ثبت عن أبي بن كعب؛ أنه صلى في رمضان بنسوة داره ثمان
ركعات وأوتر. وقد تقدم ذكره بتمامه.
وفي قيام الليل قال الأعمش: كان - أي: ابن مسعود - يصلي عشرين ركعة، ويوتر
بثلاث؛ وهذا أيضًا منقطع؛ إن الأعمش لم يدرك ابن مسعود.
(وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي) وهو قول الحنفية، واستدل لهم بما
روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، والطبراني، وعنه: البيهقي (١) من طريق إبراهيم بن عثمان بن
أبي شيبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ◌َّ كان يصلي في رمضان
عشرین رکعة سوی الوتر. انتھی.
وهذا الحديث ضعيف جدًّا لا يصلح للاستدلال، فاستدلالهم بهذا الحديث ليس بصحيح.
قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)): وهو معلول بابن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد
الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه، ولينه ابن عدي في ((الكامل))، ثم إنه
مخالف للحديث الصحيح، عن أبيَّ سلمة بن عبد الرحمن؛ أنه سأل عائشة مؤقتًا: كيف كانت
صلاة رسول الله وَّل في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى
عشرة ركعة ... الحديث(٢). انتهى كلام الزيلعي. وقال النيموي في ((تعليق آثار السنن):
وقد أخرجه عبد بن حميد الكشي في ((مسنده))، والبغوي في (معجمه))، والطبراني في ((معجمه
الكبير))، والبيهقي في ((سننه))، كلهم من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد الإمام
أبي بكر بن أبي شيبة؛ وهو ضعيف.
قال البيهقي بعد ما أخرجه: انفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، وهو
ضعيف. انتهى.
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٦٩٢)، والطبراني في ((الأوسط)) (٧٩٨)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٤٣٩١).
(٢) البخاري، كتاب التراويح. حديث (٢٠١٣)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٧٣٨).

٦٢٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
وقال المزي في ((تهذيب الكمال)): قال أحمد ويحيى وأبو داود: ضعيف.
وقال يحيى أيضًا: ليس بثقة.
وقال النسائي والدولابي: متروك الحديث.
وقال أبو حاتم: ضعیف الحدیث سكتوا عنه. وقال صالح: ضعيف لا یکتب حديثه.
ثم قال المزي: ومن مناكيره حديث: أنه رَّ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة.
انتهى. وهكذا في ((الميزان)). وقال الحافظ في ((التقريب)): متروك الحديث. انتهى كلام
النيموي.
وقال الشيخ ابن الهمام في ((فتح القدير)) بعد ذكر هذا الحديث: ضعيف بأبي شيبة
إبراهيم بن عثمان جد الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، متفق على ضعفه مع مخالفته للصحيح.
انتھی.
وقال العيني في ((عمدة القاري)) بعد ذكر هذا الحديث: وأبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان
العبسي الكوفي قاضي ((واسط)) جد أبي بكر بن أبي شيبة، كذبه شعبة، وضعفه أحمد وابن
معين والبخاري والنسائي وغيرهم. وأورد له ابن عدي هذا الحديث في ((الكامل)) في
مناكيره. انتهى.
واستدل لهم أيضًا: بما روى البيهقي في ((سننه)) (١) عن السائب بن يزيد قال: كنا نقوم
في زمان عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر. وصحّح إسناده السبكي في ((شرح المنهاج))،
وعلي القاري في (شرح الموطأ)).
قلت: في سنده أبو عثمان البصري، واسمه: عمرو بن عبد الله.
قال النيموي في ((تعليق آثار السنن)): لم أقف على من ترجم له. انتهى.
قلت: لم أقف أنا أيضًا على ترجمته مع التفحص الكثير. وأيضًا في سنده: أبو طاهر
الفقيه شيخ البيهقي، ولم أقف على من وثَّقه؛ فمن ادعى صحة هذا الأثر فعليه أن يثبت كون
كل منهما ثقة قابلًا للاحتجاج.
فإن قلت: قال التاج السبكي في ((الطبقات الكبرى)) في ترجمة أبي بكر الفقيه: كان إمام
(١) البيهقي في ((الكبرى)) (٤٣٩٣).

٦٢٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَر بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
المحدثين والفقهاء في زمانه، وكان شيخًا أديبًا عارفًا بالعربية، له يد طولى في معرفة
الشروط، وصنف فيه كتابًا. انتهى. فهذا يدل على كونه ثقة.
قلت: لا دلالة في هذا على كونه ثقة قابلًا للاحتجاج، نعم فيه دلالة على كونه جليل
القدر في الحديث والفقه والعربية، ومعرفة الشروط، ولكن لا يلزم من هذا كونه ثقة،
فالحاصل: أن في صحة هذا الأثر نظرًا وكلامًا، ومع هذا فهو معارض بما رواه سعيد بن
منصور في ((سننه)) قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد، حدّثني محمد بن يوسف، سمعت
السائب بن يزيد يقول: كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب رضيُله بإحدى عشرة ركعة.
قال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته: ((المصابيح في صلاة التراويح)) بعد ذكر
هذا الأثر: إسناده في غاية الصحة. انتهى.
وأيضًا هو معارض بما رواه محمد بن نصر في ((قيام الليل)) من طريق محمد بن إسحاق،
حدّثني محمد بن يوسف، عن جده السائب بن يزيد قال: كنا نصلي في زمن عمر نظُّله في
رمضان ثلاث عشرة ركعة؛ وهو أيضًا معارض بما رواه مالك في ((الموطأ))، عن محمد بن
يوسف، عن السائب بن يزيد، أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن
يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة؛ فأثر السائب بن يزيد الذي رواه البيهقي لا يصلح
للاحتجاج.
فإن قلت: روى البيهقي هذا الأثر بسند آخر؛ بلفظ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن
الخطاب رُبه في شهر رمضان بعشرين ركعة؛ وصحّح إسناده النووي وغيره.
قلت: في إسناده أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، ولم أقف على ترجمته؛ فمن يدعي
صحة هذا الأثر، فعليه أن يثبت كونه ثقة قابلًا للاحتجاج.
وأما قول النيموي: هو من كبار المحدثين في زمانه، لا يسأل عن مثله، فمما لا يلتفت
إليه؛ فإن مجرد كونه من كبار المحدثين لا يستلزم كونه ثقة(١) .
(١) وفيه نظر، فقد قال أبو إسحاق الثعلبي: حدثنا الحسين بن محمد بن فنجويه الثقفي العدل، وقال السيوطي:
حافظ كبير، وكذا قال السمعاني وابن ناصر الدين، وقال الذهبي في ((السير)): الشيخ الإمام المحدث المفيد،
بقية المشايخ أبو عبد الله ... قال شيرويه في تاريخه: كان ثقة صدوقًا كثير الرواية للمناكير حسن الخط كثير
التصانيف. قلت: يروي عنه أبو إسحاق الثعلبي وأبو القاسم القشيري، والبيهقي، وأبو الفضل العباس بن
جعفر الهاشمي وجماعة.

٦٢٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
وَقَالَ أَحْمَدُ: رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ، وَلَمْ يُقْضَ فِيهِ بِشَيْءٍ.
تنبيهات:
الأول: قال النيموي في ((تعليق آثار السنن)): لا يخفى عليك أن ما رواه السائب من
حديث عشرين ركعة، قد ذكره بعض أهل العلم؛ بلفظ: إنهم كانوا يقومون على عهد عمر
بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي مثله. وعزاه إلى البيهقي؛ فقوله: ((وعلى عهد عثمان
وعلي مثله)) قول مدرج لا يوجد في تصانيف البيهقي. انتهى كلام النيموي.
قلت: الأمر كما قال النيموي.
الثاني: قد جمع البيهقي وغيره بين روايتي السائب المختلفتين المذكورتين؛ بأنهم كانوا
يقومون بإحدى عشرة ركعة، ثم كانوا يقومون بعشرین، ویوترون بثلاث.
قلت فيه: إنه لقائل أن يقول بأنهم كانوا يقومون أولًا بعشرين ركعة، ثم كانوا يقومون
بإحدى عشرة ركعة. وهذا هو الظاهر؛ لأن هذا كان موافقًا لما هو الثابت عن رسول الله وَ قوى
وذاك كان مخالفًا له. فتفكر.
الثالث: قد ادعى بعض الناس؛ أنه قد وقع الإجماع على عشرين ركعة في عهد عمر
،، واستقر الأمر على ذلك في الأمصار.
قلت: دعوى الإجماع على عشرين ركعة، واستقرار الأمر على ذلك في الأمصار باطلة
جدًّا. كيف وقد عرفت في كلام العيني رحمه الله أن في هذا أقوالًا كثيرة، وأن الإمام مالكًا
رحمه الله قال: وهذا العمل؛ يعني: القيام في رمضان بثمان وثلاثين ركعة، والإيتار بركعة
بـ((المدينة)) قبل ((الحرة)) منذ بضع ومئة سنة إلى اليوم. انتهى.
واختار هذا الإمام إمام دار الهجرة لنفسه إحدى عشرة ركعة، وكان الأسود بن يزيد
النخعي الفقيه يصلي أربعين ركعة، ويوتر بسبع. وتذكر باقي الأقوال التي ذكرها العيني؛ فأين
الإجماع على عشرين ركعة؟ وأين الاستقرار على ذلك في الأمصار؟
(وقال أحمد: روي في هذا ألوان) أي: أنواع من الروايات. (ولم يقض) أي: لم يحكم
أحمد. (فيه بشيء) وفي كتاب ((قيام الليل)) لابن نصر المروزي: قال إسحاق بن منصور:
قلت لأحمد بن حنبل: كم من ركعة يصلي في قيام شهر رمضان؟ فقال: قد قيل فيه ألوان
نحوًا من أربعين، إنما هو تطوع.
قال إسحاق: نختار أربعين ركعة، وتكون القراءة أخف. انتهى.

٦٢٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهَِه / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
وَقَالَ إِسْحَاقُ: بَلْ نَخْتَارُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وَاخْتَارَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ، إِذَا كَانَ قَارِئاً.
وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
(وقال إسحاق: بل نختار إحدى وأربعين ركعة على ما روي عن أبي بن كعب) لم أقف
على من رواه، وقد ثبت أن عمر ظُه أمر أبي بن كعب رَظُه وتميمًا الداري أن يقوما للناس
بإحدى عشرة ركعة، وقد ثبت أيضًا أنه صلى بالنساء في رمضان بثمان ركعات، وأوتر،
وذكره لرسول الله رَّر فلم يقل شيئًا.
(واختار ابن المبارك وأحمد وإسحاق الصلاة مع الإمام في شهر رمضان) وفي كتاب:
(قيام الليل)): وقيل لأحمد بن حنبل: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو
وحده؟ قال: يصلي مع الناس. قال: ويعجبني أن يصلي مع الإمام، ويوتر معه. قال النبي
وَ﴾ : (إنَّ الرَّجُلَ إذا قَامَ مع الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ له بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ))(١).
قال أحمد رحمه الله: يقوم مع الناس حتى يوتر معهم، ولا ينصرف حتى ينصرف
الإمام.
قال أبو داود: شهدته - يعني: أحمد رحمه الله - شهر رمضان يوتر مع إمامه، إلا ليلة لم
أحضرها .
وقال إسحاق رحمه الله: قلت لأحمد: الصلاة في الجماعة أحب إليك، أم يصلي وحده
في قيام شهر رمضان؟ قال: يعجبني أن يصلي في الجماعة يحيي السنة.
وقال إسحاق كما قال. انتهى.
(واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئًا) أي: حافظًا للقرآن كله أو بعضه.
(١) أحمد. حديث (٢١٤٨٥).

٦٢٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ مَنْ فَظَّرَ صَائِمًا
٨٢- بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلٍ مَنْ فَطْرَ صَائِمًا [ت٨٢، ٨٢٢]
[٨٠٧] (٨٠٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((مَنْ فَظََّرَ صَائِمًا
كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِم شَيْءٌ. [جه: ١٧٤٦، حم: ١٦٥٨٥،
مي: ١٧٠٢].
٨٢- باب ما جاء في فَضْلٍ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا
[٨٠٧] قوله: (من فطّر صائمًا) قال ابن الملك: التفطير جعل أحد مفطرًا؛ أي: من
أُطعم صائمًا. انتهى.
قال القاري: أي: عند إفطاره.
(كان له) أي: لمن فطر. (مثل أجره) أي: الصائم.
وقد جاء في حديث سلمان الفارسي: ((مَنْ فَظَّرَ فيه صَائِمًا كان له مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعَتَقَ
رَقَبَتَهُ مِنَ النَّارِ، وكان له مِثْلُ أَجْرِهِ من غيرِ أَنْ يُنْتَقَصَ من أَجْرِهِ شَيْء)». قلنا: يا رسول الله،
ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم. فقال رسول الله وَله: ((يُعْطِي الله هذا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ
صَائِمًا على مَذْقَة لَبَنِ أو تَمْرَةٍ أو شَرْبَةٍ من مَاءٍ، ومَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ الله من حَوْضِي شَرْبَةً
لا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ ... )) الحديث، رواه البيهقي(١).
قال ميرك: ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) وقال: إن صح الخبر ورواه من طريقه
البيهقي، ورواه أبو الشيخ وابن حبان في ((الثواب)» باختصار عنهما.
وفي رواية لأبي الشيخ قال رسول الله ◌َّهِ: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا في شَهْرِ رَمَضَانَ من كَسْبٍ
حَلالٍ صَلَّتْ عليهِ المَلائِكَةُ لَيَالِيَ رَمَضَانَ كُلَّها وصَافَحَهُ حِبْرِيلُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ومَنْ صَافَحَهُ جِبْرِيلُ
عليه السَّلامُ يَرِقُّ قَلْبُهُ وتَكْثُرُ دُمُوعُهُ)). قال: فقلت يا رسول الله، من لم يكن عنده؟ قال:
((فَقَبْضَةٌ من طَعَامِ)) قلت: أفرأيت إن لم يكن عنده لقمة خبز؟ قال: ((فَمَذْقَةُ لَبَنٍ)). قلت:
أفرأيت إن لم يكن عنده؟ قال: ((فَشَرْبَةٌ من مَاءٍ)(٢).
(١) البيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٣٦٠٨).
(٢) (ضعيف) ابن عدي في ((الكامل)) (٢/ ٢٢٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٩٥٥).

٦٢٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ ر بَابُ التَّرْغِيبِ فِي فِيَامِ رَمَضَانَ، وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٨٣- بَابُ التَّرْغِيبِ في قِيَامٍ رَمَضَانَ، وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ [ت٨٣، م٨٣]
[٨٠٨] (٨٠٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ
رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ، وَيَقُولُ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَابًاً، غُفِرً
لَهُ
قال المنذري: وفي أسانيدهم علي بن زيد بن جدعان. ورواه ابن خزيمة والبيهقي أيضًا
باختصار عنه من حديث أبي هريرة، وفي إسناده: كثير بن زيد؛ كذا في ((المرقاة)).
قلت: قال الحافظ في ((التقريب)): علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال الترمذي: صدوق، إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه
غيره. انتهى. فعلي بن زيد هذا ضعيف عند الأكثر، صدوق عند الترمذي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه النسائي وابن ماجه، وابن خزيمة وابن
حبان في (صحيحيهما)). ولفظ ابن خزيمة والنسائي(١): (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أو جَهَّزَ حَاجًا أو
خَلَفَهُ في أَهْلِهِ أو فَطَّرَ صَائِمًا كان له مِثْلُ أُجُورِهِم من غيرِ أَنْ يَنْقُصَ من أُجُورِهِم))؛ كذا في
((الترغيب)).
٨٣- باب التَّرْغِيبِ في قِيَامٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ ... إلخ
[٨٠٨] قوله: (يرغب) من: الترغيب. (من غير أن يأمرهم بعزيمة) أي: بفريضة؛ قاله
في ((مجمع البحار)).
وقال القاري: أي: بعزم وبتٌّ وقطع؛ يعني: بفريضة.
وقال الطيبيُّ: العزيمة والعزم: عقد القلب على إمضاء الأمر.
(من قام رمضان إيمانًا) أي: تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه. (واحتسابًا) أي: طلبًا
للأجر، لا لقصد آخر من رياء أو نحوه.
(غفر له) ظاهره يتناول الصغائر والكبائر؛ وبه جزم ابن المنذر.
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٣٣٣٠)، وابن خزيمة. حديث (٢٠٦٤)، وابن حبان. حديث (٤٦٣٠).

٦٢٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ رَ بَابُ التَّرْغِيبِ فِي ◌ِيَامِ رَمَضَانَ، وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فَتُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي خِلَافَةٍ أَبِي بَكْرٍ،
وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةٍ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ. [خ: ٢٠٠٩، م: ٧٥٩، ن مختصراً: ١٦٠٢، د: ١٣٧١،
جه مختصراً: ١٣٢٦، حم مختصراً: ٧٢٣٨، طا: ٢٥١، مي مختصراً: ١٧٧٦، وقوله: ((فتوفي)) مدرج من قول
الزهري عند البخاري].
وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ.
وقال النووي: المعروف: أنه يختص بالصغائر؛ وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض
لأهل السنة.
قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة؛ كذا في ((الفتح)).
(ما تقدم من ذنبه) زاد أحمد وغيره: ((وما تَأَخّرَ)).
قال الحافظ: قد استشكلت هذه الزيادة؛ من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يغفر،
والمتأخر من الذنوب لم يأت فكيف يغفر؟
والجواب: أنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك. وقيل: إن
معناه: أن ذنوبهم تقع مغفورة. انتهى.
(والأمر على ذلك) أي: على ترك الجماعة في التراويح، وصدرًا من خلافة عمر بن
الخطاب؛ أي: في أول خلافته. وصدر الشيء ووجهه: أوله، ثم جمع عمر ◌ُه الناس على
قارئ واحد؛ ففي (صحيح البخاري)(١)، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن
عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ؛ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى
المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته
الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عزم،
فجمعهم على أبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال
عمر راته: نعم البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون؛ يريد: آخر الليل،
وکان الناس يقومون أوله.
قوله: (وفي الباب عن عائشة) أخرجه الشيخان(٢).
(١) البخاري، كتاب صلاة التراويح. حديث (٢٠١٠).
(٢) البخاري، كتاب صلاة التراويح. حديث (٢٠١٢)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٦١).

٦٣٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.

٦٣١
كِتَابُ الحَجّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةٍ مَكَّةً
(٧) كِتَابُ الحَجّ تمن رَسُولِ اللّه
١- بَابُ مَا جَاءَ في حُزْمَةٍ مَكَّةَ [ت١، ١٢]
[٨٠٩] (٨٠٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ
المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِ شُرَيْحِ العَدَوِيِّ،
أَنْوَابُ الحَجِّ تمن رَسُولِ اللّهِ وَّـ
أصل الحج في اللغة: القصد.
وقال الخليل: كثرة القصد إلى مُعَظّم. وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال
مخصوصة؛ وهو بفتح المهملة، وبكسرها لغتان.
نقل الطبري أن الكسر لغة أهل ((نجد))، والفتح لغيرهم.
ونقل عن حسين الجعفي: أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه.
ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض؛
كالنذر. واختلف: هل هو على الفور، أو التراخي؟ وهو مشهور.
وفي وقت ابتداء فرضه اختلاف: فقيل: قبل الهجرة؛ وهو شاذ. وقيل: بعدها. ثم
اختلف في سنته:
فالجمهور: على أنها سنة ست؛ لأنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَنِعُواْ الَّْ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهَ﴾
[البقرة: ١٩٦]، وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام: ابتداء الفرض، ويؤيده قراءة علقمة
ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ: ((وأقيموا)) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم.
وقيل: المراد بالإتمام: الإكمال بعد الشروع؛ وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك. وقد
وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج، وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس؛ وهذا
يدل - إن ثبت - على تقدمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها؛ قاله الحافظ في ((فتح
الباري)).
١- باب ما جاء في حُزْمَةٍ مَعَّةَ
[٨٠٩] قوله: (العدوي) بفتح العين والدال، وأبو شريح العدوي هذا هو: الخزاعي

٦٣٢
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةٍ مَكَّةً
أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ -: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ،
أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ الله ◌ِّهِ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي
وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ اللهِ، وَأَثْنَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
الصحابي المشهور رظُه. (أنه قال لعمرو بن سعد) هو: ابن العاصي بن سعيد بن العاصي بن
أمية القرشي الأموي يعرف بـ ((الأشدق)) وليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان.
(وهو) أي: عمرو. (يبعث البعوث) أي: يرسل الجيوش، والبعث: جماعة من الجند
يرسلها الأمیر إلی قتال فرقة، وفتح بلاد.
(إلى مكة) أي: لقتال عبد الله بن الزبير؛ لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم
بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على ((المدينة)).
والقصة مشهورة، وملخصها: أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية، فبايعه
الناس إلا الحسين بن علي وابن الزبير، فأما ابن أبي بكر فمات قبل موت معاوية، وأما ابن
عمر فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن علي فسار إلى ((الكوفة)) لاستدعائهم إياه
ليبايعوه؛ فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصم وتسمى عائذ البيت، وغلب على أمر
(مكة))، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على ((المدينة)) أن يجهزوا إليه الجيوش، فكان آخر
ذلك أن [اتفق] أهل المدينة على خلع يزيد من الخلافة.
(ائذَنْ) بفتح الذال وتبدل همزته الثانية بالياء عند الابتداء، وهو أمر من الإذن؛ بمعنى:
الإجازة.
(أحدثك) بالجزم وقيل: بالرفع. (قولًا) أي: حديثًا. (قام به) صفة لـ ((القول))؛ أي: قام
رسول الله له بذلك القول خطيبًا، والمعنى: حدث به.
(الغد) بالنصب؛ أي: اليوم الثاني. من يوم الفتح.
(سمعته أذناي) بضم الذال وسكونها. فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه؛
أي: حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكید.
(ووعاه قلبي) أي: حفظه تحقيقًا لفهمه وتثبته.
(وأبصرته عيناي) يعني: أن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت فقط، بل مع
المشاهدة .
(أنه حمد الله ... إلخ) هو بيان لقوله: ((تكلم)).

٦٣٣
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةٍ مَكَّةً
(إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَم يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَلَا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ
يَسْفِكَ فِيهَا دَماً أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِيهَا
فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ الله أَذِنَ لِرَسُولِهِ نَّهَ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ،
وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ، كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلُيَبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)). [خ: ١٠٤، م:
١٣٥٤، ن: ٢٨٧٦، حم: ١٥٩٣٨].
فَقِيلَ لأَبِي شُرَيحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ بِذَلِكَ
يَا أَبَا شُرَيحِ،
(إن مكة حرمها الله تعالى) أي: جعلها محرمة معظمة.
قال الحافظ: أي: حكم بتحريمها وقضاه، ولا معارضة بين هذا وبين قوله في حديث
أنس: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ)) لأن المعنى: أن إبراهيم حرم ((مكة)) بأمر الله تعالى لا
باجتهاده. انتھی.
(ولم يحرمها الناس) أي: من عندهم؛ أي: أن تحريمها كان بوحي من الله لا بإصلاح الناس.
(أن يسفك) بكسر الفاء. وحكي ضمها؛ وهو: صب الدم، والمراد به: القتل.
(بها) أي: بـ ((مكة)). (أو يعضد) بكسر الضاد المعجمة؛ أي: يقطع بالمعضد؛ وهو آلة
کالفأس.
(فإن) شرطية. (أحد) فاعل فعل محذوف وجوبًا يفسره. (ترخص) نحو قوله تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]. (ولم يأذن لك) وبه تم جواب المترخص، ثم
ابتدأ وعطف على الشرط، فقال: (وإنما أذن) أي: الله. (ساعة) أي: مقدار من الزمان،
والمراد به يوم الفتح.
وفي ((مسند أحمد)) من طريقِ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن ذلك كان من طلوع
الشمس إلى العصر، والمأذون فيه القتال لا الشجر. (وقد عادت) أي: رجعت. (حرمتها
اليوم) أي: يوم الخطبة المذكورة (كحرمتها بالأمس) أي: ما عدا تلك الساعة، ويمكن أن
يراد بالأمس: الزمن الماضي.
(ما قال لك عمرو بن سعيد) أي: في جوابك. (قال) أي: عمرو. (بذلك) أي: الحديث،
أو الحكم. (يَا أبا شريح) يحتمل أن يكون النداء تتمة لما قبله، أو تمهيدًا لما بعده.

٦٣٤
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةٍ مَكَّةً
إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِياً وَلَا فَارًّا بِدَم وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَيُرْوَى: وَلَا فَارًّا بِخِزْيَةٍ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي شُرَبِحٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَبُو شُرَيْحِ الُزَاعِيُّ، اسْمُهُ: ◌ُوَيلِدُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ العَدَوِيُّ، وَهُوَ الكَعْبِيُّ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ، يَعْنِي: الجِنَايَةِ، يَقُولُ: مَنْ جَنَى جِنَايَةً أَوْ أَصَابَ
دَماً، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الحَرَمِ، فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ.
(إن الحرم) وفي رواية للبخاري: ((إن مكة)). (لا يعيذ) من: الإعاذة؛ أي: لا يجيز، ولا
يعصم (عاصيًا) أي: أن إقامة الحد عليه.
(ولا فارًّا بدم) أي: هاربًا عليه دم يعتصم بـ ((مكة)) کیلا يقتص منه.
(ولا فارًّا بخربة) قال الحافظ: بفتح المعجمة، وإسكان الراء، ثم موحدة؛ يعني:
السرقة؛ كذا ثبت تفسيرها في رواية المستملي.
قال ابن بطال: الخربة بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة، وقد تصرف عمرو في
الجواب، وأتى بكلام ظاهره حق، لكن أراد به الباطل؛ فإن الصحابي أنكر عليه نصب
الحرب على ((مكة))، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص؛ وهو صحيح، إلا أن ابن الزبير
لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء من ذلك. انتهى.
قوله: (ويروى بخزية) قال ابن العربي: في بعض الروايات بكسر الخاء، وزاي ساكنة
بعدها مثناة تحتية؛ أي: بشيء يخزى منه؛ أي: يستحى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الجماعة(١).
(وابن عباس) أخرجه البخاري ومسلم(٢).
قوله: (حديث أبي شريح حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا.
قوله: (يقول) أي: عمرو بن سعيد؛ يعني: يريد عمرو بقوله: ((ولا فارًّا بخربة)): أي:
(١) البخاري، كتاب العلم. حديث (١١٢)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٥٥).
(٢) البخاري، كتاب جزاء الصيد. حديث (١٨٣٣)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٥٣).

٦٣٥
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوابِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
٢- بَابُ مَا جَاءَ في ثَوابِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ [ت٢، ٢٢]
[٨١٠] (٨١٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الْأَحْمَرُ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذَّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي
الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّ الجَنَّهُ».
[ن: ٢٦٣٠، حم: ٣٦٦٠].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عُمَرَ،
من جنى جناية، أو أصاب دمًا، ثم جاء إلى الحرم؛ فإنه يقام عليه الحد. وفيه اختلاف بين
العلماء، وقد بينه الحافظ في ((الفتح)) بالبسط والتفصيل؛ من شاء الاطلاع عليه، فليرجع إليه.
٢- باب ما جاء في ثَوَابِ الحَجّ والعُمْرَةِ
[٨١٠] قوله: (عن عبد الله) أي: ابن مسعود.
(تابعوا بين الحج والعمرة) أي: قاربوا بينهما إما بالقِرَانِ، أو بفصل أحدهما بالآخر.
قال الطيبيُّ رحمه الله: أي: إذا اعتمرتم فحجوا، وإذا حججتم فاعتمروا.
(فإنهما) أي: الحج والاعتمار. (ينفيان الفقر) أي: يزيلانه؛ وهو يحتمل الفقر الظاهر
بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب.
(والذنوب) أي: يمحوانها. قيل: المراد بها: الصغائر، ولكن يأباه قوله: (كما ينفي
الكير) ؛ وهو: ما ينفخ فيه الحداد؛ لاشتعال النار للتصفية.
(خبث الحديد والذهب والفضة) أي: وسخها .
(وليس للحجة المبرورة) قيل: المراد بها: الحج المقبول. وقيل: الذي لا يخالطه شيء
من الإثم، ورجحه النووي.
وقال القرطبي: الأقوال في تفسيره متقاربة المعنى، وحاصلها: أنه الحج الذي وُفِّيَتْ
أحكامه؛ فوقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل؛ كذا قال السيوطي في
((التوشيح)).
قوله: (وفي الباب عن عمر) أخرجه ابن أبي شيبة ومسدد؛ كذا في شرح سراج أحمد. انتهى.

٦٣٦
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوابِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
وَعَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ حُبْشِيّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَجَابٍِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
٥٠ م
مسعودٍ.
[٨١١] (٨١١) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: ((مَنْ حَجَّ
قلت: وأخرجه أحمد وابن ماجه(١) بمثل حديث ابن مسعود المذكور، لكن إلى قوله: ((خبث
الحدید».
(وعامر بن ربيعة) لم أقف على حديثه. (وأبي هريرة) أخرجه البخاري ومسلم(٢) بلفظ:
((من حَجَّ لله فلم يرفُتْ ولم يفسُقْ رجعَ كيوم وَلدَتْه أُمُّه)). (وعبد الله بن حبشي) بضم الحاء
المهملة وسكون الموحدة وكسر الشين المعجمة، ولم أقف على حديثه (٣).
(وأم سلمة) أخرجه أبو داود وابن ماجه(٤). (وجابر) أخرجه أحمد والطبراني في
((الأوسط))(٥) بإسناد حسن مرفوعًا: ((الحَجُّ المَبْرُورُ ليس له جَزَاءٌ إلَّ الجَنَّةَ)) قيل: وما بره؟
قال: ((إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وطيب الكَلامِ)).
ورواه أيضًا ابن خزيمة في (صحيحه))، والبيهقي والحاكم مختصرًا، وقال: صحيح
الإسناد، وفي الباب أحاديث كثيرة ذكرها المنذري في ((الترغيب)).
قوله: (حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح ... إلخ) وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان
في ((صحیحیهما)).
[٨١١] قوله: (من حج)، وفي رواية للبخاري: ((مَنْ حَجَّ هذا البَيْتَ)).
قال الحافظ: وهو يشمل الحج والعمرة، وقد أخرجه الدارقطني بلفظ: ((مَنْ حَجَّ أَوِ
اعْتَمَرَ))، وفي إسناده ضعف.
(١) أحمد. حديث (١٦٨)، وابن ماجه، كتاب المناسك. حديث (٢٨٨٧).
(٢) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٢١)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٥٠).
(٣) أحمد. حديث (١٤٩٧٥)، والنسائي، كتاب الزكاة. حديث (٢٥٢٦).
(٤) أبو داود، كتاب الحج. حديث (١٧٤١).
(٥) أحمد. حديث (١٤١٧٢)، والطبراني في ((الأوسط)). حديث (٨٤٠٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث
(٤١١٩).

٦٣٧
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوابِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [خ: ١٥٢١، م: ١٣٥٠، ن: ٢٦٢٦،
جه: ٢٨٨٩، حم: ٧٠٩٦، مي: ١٧٩٦، رووه بلفظ: ((رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ). بدل: ((غُفِرَ لَهُ مَا ... ))].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَبُو حَازِمٍ: كُوفِيٍّ، وَهُوَ الأَشْجَعِيُّ، وَاسْمُهُ: سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الْأَشْجَعِيَّةِ.
(فلم يرفث) بضم الفاء.
قال الحافظ: فاء الرفث مثلثة في الماضي والمضارع، والأفصح: الفتح في الماضي،
والضم في المستقبل، قال: والرفث: الجماع، ويطلق على التعريض به، وعلى الفحش في
القول.
وقال الأزهري: الرفث: اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر
يخصه بما خوطب به النساء.
وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والجمهور
على أن المراد به في الآية: الجماع. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد به في الحديث: ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا
القرطبي، وهو المراد بقوله في الصيام: ((فإذا كان صَوْمُ أَحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ)) (١). انتهى.
(ولم يفسق) أي: لم يأت بسيئة، ولا معصية. (غفر له ما تقدم من ذنبه) .
وفي رواية ((الصحيحين)): ((رَجَعَ كَيَوْم وَلَدَتْهُ أُمُّه)). قال الحافظ في ((الفتح)): أي بغير
ذنب، وظاهره: غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن
مرداس المصرح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في ((تفسير الطبري)). انتهى.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وأبو حازم كوفي وهو الأشجعي واسمه: سلمان ... إلخ) وأما أبو حازم:
سلمة بن دينار صاحب سهل بن سعد، فلم يسمع من أبي هريرة؛ قاله الحافظ.
-
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٤٠٩)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥١).

٦٣٨
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الحَجِّ
٣- بَابُ مَا جَاءَ في التَّغْلِيظِ في تَرْكِ الحَجّ [ت٣، ٣٢]
[٨١٢] (٨١٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى القُطَعِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ البَاهِليِّ، حَدَّثَنَا
أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَن عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ مَلَكَ
زَاداً وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا،
وَذَلِكَ أَنَّ الله يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾)).
[آل عمران: ٩٧]. [ضعيف].
٣- باب ما جاء في التَّغْلِيظِ في تَرْكِ الحَجّ
[٨١٢] قوله: (محمد بن يحيى القطعي) بضم القاف، وفتح الطاء المهملة البصري
صدوق من العاشرة.
(حدثنا هلال بن عبد الله) قال الحافظ في ((التقريب)): هلال بن عبد الله الباهلي مولاهم
أبو هاشم البصري، متروك من السابعة.
قوله: (من ملك زادًا وراحلة) أي: ولو بالإجارة. (تبلغه) بتشديد اللام، وتخفيفها؛
أي: توصله. (فلا عليه) أي: فلا بأس، ولا مبالاة، ولا تفاوت عليه.
(أن يموت) أي: في أن يموت، أو بين أن يموت.
(يهوديًّا أو نصرانيًّا) في الكفر إن اعتقد عدم الوجوب، وفي العصيان إن اعتقد الوجوب.
وقيل: هذا من باب التغليظ الشديد، وللمبالغة في الوعيد، والأظهر: أن وجه
التخصيص بهما كونهما من أهل الكتاب غير عاملين به؛ فشبه بهما من ترك الحج؛ حيث لم
يعمل بكتاب الله تعالى ونبذه وراء ظهره؛ كأنه لا يعلمه.
قال الطيبيُّ: والمعنى: أن وفاته بهذه الحالة، ووفاته على اليهودية والنصرانية سواء،
والمقصود: التغليظ في الوعيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَّرَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. انتهى.
(وذلك) أي: ما ذكر من شرط الزاد والراحلة، والوعيد على ترك هذه العبادة (﴿وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ﴾) أي: واجب عليهم (﴿حِجُ الْبَيْتِ﴾) بفتح الحاء، وكسرها، ويبدل من ((الناس)).
(﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾) أي: طريقًا، وفسره وَّهِ بالزاد والراحلة، رواه الحاكم وغيره؛
كذا في ((الجلالين))، ويأتي الكلام في ذلك في الباب الآتي.

٦٣٩
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الحَجِّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ
مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ، وَالحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ.
قوله: (وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث) .
أما هلال بن عبد الله: فقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: قال البخاري: منكر
الحدیث.
وقال الترمذي: مجهول.
وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. ثم ذكر الذهبي هذا الحديث من طريقه، ثم قال:
ويروى عن علي قوله، وقد جاء بإسناد آخر أصلح من هذا. انتهى كلام الذهبي.
وأما الحارث، فهو: الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور، كذّبه الشعبي وغيره.
اعلم: أن لحديث الباب طرقًا (١) منها هي التي ذكرها الترمذي، ومنها: الطريق التي
أخرجها سعيد بن منصور في ((السنن))، وأحمد وأبو يعلى والبيهقي، عن شريك، عن ليث بن
أبي سليم، عن ابن سابط، عن أبي أمامة، بلفظ: ((مَنْ لم يَحْبِسْهُ مَرَضٌ أو حاجَةٌ ظاهِرَةٌ أو
سُلْطَانٌ جَائِرٌ فَلَمْ يَحُجَّ فليَمُتْ إِنْ شاءَ يَهُودِيًّا وإنْ شاءَ نَصْرَانِيًّا)). وليث ضعيف، وشريك سيئ
الحفظ، وقد خالف سفيان الثوري فأرسله. رواه أحمد في ((كتاب الإیمان)) له، عن وکیع،
عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط. ومنها: الطريق التي أخرجها ابن عدي، عن
عبد الرحمن القطامي، عن أبي المهزم؛ وهما متروكان عن أبي هريرة.
قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر هذه الطرق مع ألفاظها: وله طريق صحيحة، إلا
أنها موقوفة، رواها سعيد بن منصور والبيهقي، عن عمر بن الخطاب قال: ((لقد هممت أن
أبعث رجالًا إلى أهل الأمصار، فينظروا كل من كان له جِدَةٌ ولم يحج، فيضربوا عليه
الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين))، لفظ سعيد، ولفظ البيهقي(٢): أن عمر قال:
ليمت يهوديًّا أو نصرانيًّا، يقولها ثلاث مرات؛ رجل مات ولم يحج، ووجد لذلك سعة،
وخلیت سبيله.
قلت: وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل بن سابط؛ علم أن لهذا الحديث أصلًا،
ومحمله على من استحل الترك. وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع. انتهى كلام
الحافظ.
(١) الدارمي. حديث (١٧٨٥)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٨٤٤٣).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٨٤٤٤).

٦٤٠
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي إِجَابِ الحَجِّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ
٤ - بَابُ مَا جَاءَ في إِيجَابِ الحَجِّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ [ت٤، ٤٢]
[٨١٣] (٨١٣) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّهِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ الله، مَا يُوجِبُ الحَجَّ؟ قَالَ: ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)). [ضعيف جدًّا، جه: ٢٨٩٦].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْه عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا
مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ.
وَإِبْرَاهِيمُ: هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الخَوْزِيُّ المَكِّيُّ، وَقَدْ تَكلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ قِبَلِ
حِفْظِهِ.
٤- باب ما جاء في إِيجَابِ الحَجِّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ
[٨١٣] قوله: (ما يوجب الحج) أي: ما شرط وجوب الحج. (قال: الزاد والراحلة)
يعني: الحج واجب على من وجدهما؛ ذهابًا وإيابًا .
قوله: (هذا حديث حسن) الظاهر: أن الترمذي حسَّنه لشواهده، وإلا ففي سند هذا
الحديث: إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك الحديث؛ كما صرح به الحافظ في
((التقریب)).
وقال في ((التلخيص)): روى الدارقطني والحاكم والبيهقي(١) من طريق سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ◌َّهِ في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ
مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: ((الزَّادُ
والرَّاحِلَةُ)).
قال البيهقي: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلًا؛ يعني: الذي أخرجه الدارقطني،
وسنده صحيح إلى الحسن، ولا أرى الموصول إلا وهمًا.
وقد رواه الحاكم، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أيضًا، إلا أن الراوي عن
حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وقد قال أبو حاتم: هو منكر الحديث، ورواه
الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر.
(١) الدار قطني (٢١٨/٢) (١٥)، والحاكم. حديث (١٦١٣)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٨٤٢١).