النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ صِيَامَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ
الجُمُعَةِ، لَا يَصُومُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
قَالَ: وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ هَذَا الحَدِيثَ، وَلَمْ يَرْنَعْهُ.
٤٢- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ [ت٤٢، ٤٢٠]
[٧٤٣] (٧٤٣) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ
يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ)). [خ: ١٩٨٥، م: ١١٤٤، د: ٢٤٢٠، جه: ١٧٢٣، حم: ١٠٠٥٢].
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الحافظ ابن عبد البر(١) بسنده إلى أبي هريرة، أنه قال:
(مَنْ صَامَ الجُمُعَةَ كُتِبَ له عَشْرَةُ أَيَّامٍ من أَيَّامِ الآخِرَةِ لا يُشَاكِلُهُنَّ أَيَّامُ الدُّنْيَا))؛ كذا في
(النيل)).
.
وفي الباب عن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة(٢) نحو رواية ابن عمر المذكور.
قوله: (حدیث عبد الله حدیث حسن غریب) وأخرجه النسائي، وصحَّحه ابن حبان وابن
عبد البر وابن حزم؛ كذا في ((عمدة القاري)).
٤٢- باب ما جاء في كَرَاهِيَةٍ صَوْمِ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ
[٧٤٣] قوله: (لا يصوم أحدكم يوم الجمعة) نفي معناه نهي.
قال الحافظ: ذهب الجمهور: إلى أن النهي فيه للتنزيه، واختلف في سبب النهي عن
إفراده على أقوال.
أحدها: لكونه يوم عيد، والعيد لا يصام.
واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره: بأن شبهه بالعيد لا
يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري.
ثانيها: لئلا يضعف عن العبادة؛ وهذا اختاره النووي.
(١) ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣٨١/٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٣٨٦٣).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٢٥٩).

٥٢٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَجَابِرٍ، وَجُنَادَةَ الْأَزْدِيِّ، وَجُويْرِيَةَ، وَأَنَسٍ،
وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.
ثالثها : خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن به؛ كما افتتن اليهود بالسبت.
رابعها: خشية أن يفرض عليهم؛ كما خشي ◌ٍّ من قيامهم الليل ذلك.
خامسها: مخالفة النصارى؛ لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون بمخالفتهم.
قال الحافظ بعد ذكر هذه الأقوال مع مالها وما عليها، ما لفظه: وأقوى الأقوال وأولاها
بالصواب أولها، وورد فيه صریحًا حديثان:
أحدهما: رواه الحاكم(١) وغيره، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ؛ فلا
تَجْعَلُوا يَوْم عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ، إلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ».
والثاني: رواه ابن أبي شيبة (٢) بإسناد حسن، عن علي قال: ((مَنْ كان مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنَ
الشَّهْرِ فَليَصُمْ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَلا يَصُمْ يَوْمَ الجُمُعَة؛ فإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وشَرَابٍ وذِكْرٍ)). انتهى.
قوله: (وفي الباب عن علي) أخرجه ابن أبي شيبة، وتقدم لفظه آنفًا .
(وجابر) أخرجه الشيخان(٣). (وجنادة الأزدي) أخرجه أحمد(٤).
(وجويرية) أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود(٥) . (وأنس) أخرجه الطبراني(٦) من رواية
صالح بن جبلة عنه؛ أنه سمع النبي ◌ََّ يقول: ((مَنْ صَامَ الأَرْبِعَاءَ والخَمِيسَ والجُمُعَةَ بَنَى الله
له في الجَنَّةِ قَصْرًا من لُؤْلُؤٍ وَيَاقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ، وكَتَبَ له بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ)).
وصالح بن جبلة ضعفه الأزدي؛ كذا في ((عمدة القاري)).
(وعبد الله بن عمرو) أخرجه النسائي(٧).
(١) الحاكم. حديث (١٥٩٥).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٢٤٣).
(٣) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٨٤)، ومسلم، كتاب الصوم. حديث (١١٤٣).
(٤) أحمد (ضمن الأحاديث الساقطة من المسند)، وأخرجه أيضًا النسائي في ((الكبرى)) (٢٧٧٣)، والطحاوي في
(شرح معاني الآثار)) (٣٠٦٧)، والطبراني في ((الكبير)) (٢١٧٣).
(٥) أحمد. حديث (٦٧٣٢)، والبخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٨٦)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٢٢).
(٦) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٢٥٤)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٩٨/٣ - ١٩٩): وفيه صالح بن جبلة؛
ضعفه الأزدي.
(٧) النسائي في ((الكبرى)). حديث (٢٧٥٣).

٥٢٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه ◌َ بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، يَكْرَهُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْتَصَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ
بِصِيَامٍ، لَا يَصُومُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَبِهِ يَقُوَّلُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقٌ.
٤٣- بَابٌ مَا جَاءَ في صَوْمٍ يَوْمِ السَّبْتِ [ت٤٣، ٤٣٢]
[٧٤٤] (٧٤٤) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ
يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أُخْتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ:
(لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وبه يقول أحمد وإسحاق) وبه يقول الشافعي والجمهور.
وقال مالك: لا كراهة فيه، ففي ((الموطأ)) قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: لم أسمع
أحدًا من أهل العلم والفقه، ومن يُقْتدى به نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد
رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه. انتهى.
وبه قال أبو حنيفة؛ قال سراج أحمد في ((شرح الترمذي)): قال إمامنا أبو حنيفة: يندب
صوم الجمعة ولو منفردًا، وتمسك بحديث أخرجه الترمذي عن ابن مسعود. وكره منفردًا
الشافعي وأحمد.
قال النووي: السنة مقدمة على ما رآه مالك، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة،
ومالك معذور في أنه لم يبلغه. انتهى.
قلت: وقد تقدم الجواب عن حديث ابن مسعود، فالحق في هذا الباب ما ذهب إليه
الشافعي وأحمد والجمهور. والله تعالى أعلم.
٤٣- باب ما جاء في صَوْمٍ يَوْمِ السَّبْتِ
[٧٤٤] قوله: (عن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة، وسكون السين.
(عن أخته) وفي رواية أبي داود: عن أخته الصَّمَّاء.
قال القاري: بتشديد الميم، اسمها: بهية، وتعرف بـ ((الصماء)).
قوله: (لا تصوموا يوم السبت) ؛ أي: وحده. (إلا فيما افترض عليكم) بصيغة المجهول.

٥٢٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ ي بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ
إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ)). [د: ٢٤٢١، جه: ١٧٢٦، مي: ١٧٤٩].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
وَمَعْنَى كَرَاهَتِهِ فِي هَذَا أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ يَوْمَ السَّبْتِ بِصِيَامٍ، لأَنَّ اليَهُودَ تُعَفِّمُ يَوْمَ
السَّبْتِ.
قال الطيبيُّ: قالوا: النهي عن الإفراد؛ كما في الجمعة، والمقصود: مخالفة اليهود
فيهما، والنهي فيهما؛ للتنزيه عند الجمهور، وما افترض يتناول المكتوب والمنذور وقضاء
الفوائت وصوم الكفارة، وفي معناه ما وافق سنة مؤكّدةً، كـ ((عرفة)) وعاشوراء، أو وافق
وردًا .
وزاد ابن الملك: وعشرة ذي الحجة، أو في: ((خير الصيام صيام داود)) فإن المنهي عنه
شدة الاهتمام، والعناية به حتى كأنه يراه واجبًا؛ كما تفعله اليهود.
قال القاري: فعلى هذا يكون النهي للتحريم. وأما على غير هذا الوجه؛ فهو للتنزيه
بمجرد المشابهة.
(إلا لحاء عنبة) قال التوربشتي: اللحاء ممدود؛ وهو: قشر الشجر، والعنبة هي: الحبة
من العنب. انتهى. (أو عود شجرة) عطف على ((لحاء عنبة)).
(فليمضغه) قال في ((القاموس)) مضغه كـ ((منعه)) و(«نصره)): لاكه بأسنانه، وهذا تأكيد
بالإفطار لنفي الصوم، وإلا فشرط الصوم النية، فإذا لم توجد لم يوجد ولو لم يأكل.
قوله: (هذا حديث حسن) وصححه الحاكم على شرط البخاري. وقال النووي: صححه
الأئمة؛ كذا في ((المرقاة)).
وقال أبو داود في ((السنن)): هذا الحديث منسوخ. انتهى.
وقال فيه أيضًا: قال مالك: هذا كذب. انتهى.
وقال المنذري: وروي هذا الحدیث من حديث عبد الله بن بسر، ومن حدیث أبیه بسر،
عن رسول الله وَالرّ. ومن حديث الصماء، عن عائشة زوج النبي ◌َّ، عن النبي ◌َّل.
وقال النسائي: هذه أحاديث مضطربة. انتهى كلام المنذري.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): قال الحاكم(١): وله معارض بإسناد صحيح. ثم روى
(١) في ((المستدرك)) (١٥٩٣).

٥٢٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمٍ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَالخَيِيسِ
٤٤- بَابُ مَا جَاءَ في صَوْمٍ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ [ت٤٤، م٤٤]
[٧٤٥] (٧٤٥) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ الفَلَّاسُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
دَاوُدَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ رَبِيعَةَ الجُرَشِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَلِّ يَتَحَرَّى صَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ. [ن: ٢٣٦١، جه: ١٧٣٩،
حم: ٢٤٢٢٧].
عن كريب؛ أن ناسًا من أصحاب رسول الله وَّ له بعثوه إلى أم سلمة: أسألها عن الأيام التي
كان رسول الله وسلّ أكثر لها صيامًا. فقالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم، فقاموا
بأجمعهم إليها فسألوها، فقالت: صدق، وكان يقول: ((إنَّهُما يَوْمُ عِيدٍ للمُشْرِكِينَ، فأنا أُرِيدُ
أَنْ أُخَالِفَهُم)). ورواه النسائي والبيهقي وابن حبان(١).
وروى الترمذي(٢) من حديث عائشة قالت: كان رسول الله وَله يصوم من الشهر السبت
والأحد والإثنين ... إلخ. انتهى.
قلت: قد جمع بين هذه الأحاديث؛ بأن النهي متوجه إلى الإفراد، والصوم باعتبار
انضمام ما قبله أو ما بعده، ويؤيده: أنه ◌ّ ر قد أذن لمن صام الجمعة أن يصوم يوم السبت
بعدها، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ.
وأما علة الاضطراب: فيمكن أن تدفع بما ذكره الحافظ في ((التلخيص)).
وأما قول مالك: إن هذا الحديث كذب؛ فلم يتبين لي وجه كذبه. والله تعالى أعلم.
٤٤- باب ما جاء في صَوْمٍ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ
[٧٤٥] قوله: (عن ربيعة الجُرَشِيِّ) بضم الجيم، وفتح الراء بعدها معجمة، مختلف في
صحبته، وثَّقه الدارقطني وغيره؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (يتحرى صوم الإثنين والخميس) أي: يقصده ويطلبه. والتحري: طلب الأحرى
والأولى.
وقيل: التحري: طلب الثواب، والمبالغة في طلب شيء.
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٢٧٧٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٨٢٨٠)، وابن حبان (٣٦١٦).
(٢) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٤٦).

٥٢٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمٍ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَالخَيِيسِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ حَفْصَةَ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
[٧٤٦] (٧٤٦) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام،
قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَيْئَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله
ونَ﴿ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالإِثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ
وَالخَمِیسَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قوله: (وفي الباب عن حفصة، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد) .
أما حديث حفصة: فأخرجه أبو داود(١) .
وأما حديث أبي قتادة: فأخرجه مسلم (٢).
وأما حديث أسامة: فأخرجه أبو داود والنسائي (٣)؛ كذا في ((التلخيص)).
قوله: (حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأعله ابن القطان بالراوي
عنها، وأنه مجهول، وأخطأ في ذلك، فهو صحابي؛ كذا في ((التلخيص)).
[٧٤٦] قوله: (يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين) مراعاة للعدالة بين الأيام؛ فإنها
أيام الله تعالى، ولا ينبغي هجران بعضها؛ لانتفاعنا بكلها .
قال الطيبيُّ: وقد ذكر الجمعة في الحديث السابق، فكان يستوفي أيام الأسبوع بالصيام.
قال ابن الملك: وإنما لم يصم ◌َلّ الستة متوالية؛ كيلا يشق على الأمة الاقتداء به؛
رحمة لهم، وشفقة عليهم؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه) قال الحافظ في
«فتح الباري)»: وهو أشبه.
(١) أبو داود، كتاب الصيام. حديث (٢٤٥١).
(٢) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٦٢).
(٣) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٣٦)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٥٨).

٥٢٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمٍ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ
[٧٤٧] (٧٤٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رِفَاعَةَ،
عَنْ سُهيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوَّلَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((تُعْرَضُ
الْأَعْمَالُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالخَميسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)). [ن: ٢٣٥٧،
حم: ٢١٢٤٦].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا البابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[٧٤٧] قوله: (تعرض الأعمال) أي: على الله تعالى.
(فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) أي: طلب الزيادة رفعة الدرجة.
قال ابن الملك: وهذا لا ينافي قوله عليه السلام: ((يُرْفَعُ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ
وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ))(١). للفرق بين الرفع والعرض؛ لأن الأعمال تجمع في
الأسبوع، وتعرض في هذين اليومين.
وفي حديث مسلم (٢): ((تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ
الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وبين أَخِيهِ شَحْنَاءُ؛ فيقالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحا».
قال ابن حجر: ولا ينافي هذا رفعها في شعبان. فقال: ((إِنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فيه الأعْمَالُ،
وأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وأنا صَائِمٌ))(٣) . لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة، وأعمال العام
مجملة؛ كذا في ((المرقاة)).
قلت: حديث رفع الأعمال في شعبان أخرجه النسائي وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة
من حديث أسامة قال: قلت: يا رسول الله، لَمْ أَرَكَ تَصوم من شهر من الشهور ما تصوم من
شعبان. قال: ((ذلكَ شَهْر يَغْفَلُ النَّاسُ عنه بَيْنَ رَجَبٍ ورَمَضَانَ وهو شَهْرٌ تُرْفَعُ فيه الأَعْمَالُ إلى
رَبِّ العَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وأنَا صَائِمٌ)). ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى(٤)؛
كذا في ((النيل)).
(١) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٧٩).
(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب. حديث (٢٥٦٥).
(٣) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٥٧)، وأحمد. حديث (٢١٨٠١).
(٤) أبو يعلى. حديث (٤٩١١).

٥٢٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّهِ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ الْأَزْبِعَاءِ وَالخَمِيسِ
٤٥- بَابُ مَا جَاءَ في صَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَالخَمِيسِ [ت٤٥، ٤٥٢]
[٧٤٨] (٧٤٨) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ الجُريْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَدُّويَه قَالَا: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ مُسْلِمِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ
أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ - أَوْ سُئِلَ - رَسُولَ اللهِ بَّهَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقَالَ: ((إِنَّ لأَهْلِكَ
عَلَيْكَ حَقًّا)). ثُمَّ قَالَ: ((صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ وَكُلَّ أَزَبِعَاءَ وَخَمِيسٍ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ
صُمْتَ الدَّهْرَ وَأَفْطَرْتَ)). [فِيهِ ضعف: د: ٢٤٣٢].
وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ مُسْلِمِ القُرَشِيِّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ
هَارُونَ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِهِ.
٤٥- باب ما جاء في صَوْمِ الأَرْبِعَاءِ والخَمِيسِ
[٧٤٨] قوله: (محمد بن مَدُّويه) بفتح الميم وشدة الدال؛ هو: محمد بن أحمد بن
الحسين بن مدويه القرشي أبو عبد الرحمن الترمذي، صدوق، من الحادية عشرة.
قوله: (صم رمضان والذي يليه) قيل: أراد الست من شوال. وقيل: أراد به شعبان.
(وكل أربعاء) بالمد، وعدم الانصراف. (وخميس) بالجر والتنوين.
(فإذًا) بالتنوين، والفاء جزاء شرط محذوف، أي: إن فعلت ما قلت لك، فقد صمت،
و ((إذا)) جواب جيء لتأكيد الربط.
قوله: (حديث مسلم القرشي حديث غريب) الحديث أخرجه أبو داود أيضًا، وسكت
عنه. (وروى بعضهم عن هارون بن سلمان، عن مسلم بن عبيد الله، عن أبيه) قال المنذري
في ((تلخيص السنن)) بعد نقل كلام الترمذي هذا: وقد أخرج النسائي الروايتين: الرواية
الأولى والثانية التي أشار إليها الترمذي. انتهى.

٥٢٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ صَوْمٍ عَرَفَةَ
٤٦- بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلٍ صَوْمٍ عَرَفَةَ [ت٤٦، ٤٦٢]
[٧٤٩] (٧٤٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَعْبَدِ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَهُ
قَالَ: ((صِيَامُ يَوْمٍ عَرَفَّةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي
قَبْلَهُ )). [م مطولاً: ١١٦٢، د مطولاً: ٢٤٢٥، جه: ١٧٣٠، حم: ٢٢٠٢٤].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
٤٦- باب ما جاء في فَضْلٍ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ
[٧٤٩] قوله: (عن عبد الله بن معبد الزِّمَّاني) بكسر الزاي وتشديد الميم وبنون، بصري
ثقة من الثالثة؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (إني أحتسب على الله) أي: أرجو منه.
قال الطيبيُّ: كأن الأصل أن يقال: أرجو من الله أن يكفِّر، فوضع موضعه: ((أحتسب))
وعدّاه بـ ((علي)) الذي للوجوب على سبيل الوعد، مبالغة لحصول الثواب. انتهى.
(أن يكفِّر السنة التي بعده، والسنة التي قبله) قال النووي قالوا: المراد بالذنوب:
الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى تخفيف الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات.
وقال القاري في ((المرقاة)): قال إمام الحرمين: المكفر الصغائر.
وقال القاضي عياض: وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا
التوبة، أو رحمة الله. انتهى.
فإن قيل: كيف يكون أن يكفِّر السنة التي بعده مع أنه ليس للرجل ذنب في تلك السنة.
قيل: معناه: أن يحفظه الله تعالى من الذنوب فيها. وقيل: أن يعطيه من الرحمة والثواب
قدرًا يكون كفارة السنة الماضية والسنة القابلة إذا جاءت واتفقت له ذنوب. انتهى (١) ..
(١) لم يذكر الشارح حديث أبي سعيد؛ وحديثه أخرجه البزار (٤٩٣/١ - كشف)، حديث (١٠٥٣)، والطبراني في
((الأوسط)) (٢٠٦٥)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٩/٣): فيه عمر بن صهبان وهو متروك، وأخرجه
الطبراني في ((الأوسط)) باختصار يوم عاشوراء، وإسناد الطبراني حسن.

٥٣٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ر بَابُ كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَّةَ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي فَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ العِلْمِ صِيَامَ
يَوْمٍ عَرَفَةَ إِلَّا بِعَرَفَةَ.
٤٧- بَابُ كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ [ت٤٧، ٤٧٠]
[٧٥٠] (٧٥٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ،
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الْفَضْلِ بِلَبَنِ
فَشَرِبَ. [خ بنحوه: ١٩٨٨، م بنحوه: ١١٢٣، د: ٢٤٤١، حم: ٢٥١٢، طا بنحوه: ٨٤١].
وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قوله: (حديث أبي قتادة حديث حسن) وأخرجه مسلم مطولًا .
٤٧- باب ما جاء في كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَة
أي: بـ «عرفات)).
[٧٥٠] قوله: (حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ) بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد
التحتية.
قوله: (وأرسلت إليه أم الفضل) أي: بنت الحارث، وهي امرأة العباس.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه أحمد وابن ماجه؛ بلفظ: نهى رسول الله وَطيه
عن صوم عرفة بـ ((عرفات))، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم
والبيهقي(١) . وفيه: مهدي الهجري، وهو مجهول.
ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) من طريقه، وقال: لا يتابع عليه.
قال العقيلي: وقد روي عن النبي ◌ّ بأسانيد جياد؛ أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا
يصح النهي عن صيامه.
قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر كلامه هذا: قد صحَّحه ابن خزيمة، ووثَّق مهديًّا
المذکور ابن حبان.
(١) أحمد. حديث (٩٤٦٨)، وابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٧٢٣)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث
(٢٤٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٨٣١)، والحاكم (١٥٨٧)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢٧٠٣).

٥٣١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِّ ر بَابُ كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْم عَرَفَةً بِعَرَفَةَ
وَابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ الفَضْلِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ فَلَمْ يَصُمْهُ - يَعْنِي يَوْمَ عَرَفَةَ -
وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ الْإِفْطَارَ بِعَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى بِهِ الرَّجُلُ
عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَدْ صَامَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَوْمَ عَرَفَّةَ بِعَرَفَةً .
(وابن عمر) أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان(١) . (وأم الفضل) أخرجه الشيخان(٢).
قوله: (وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة) قال الحافظ في ((الفتح)): وعن ابن
الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه؛ أي: يصومون يوم عرفة بعرفة، وكان ذلك
یعجب الحسن، ویحکیه عن عثمان.
وعن قتادة مذهب آخر، قال: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في
((المعرفة)) عن الشافعي في القديم، واختاره الخطّابي والمتولي من الشافعية. وقال الجمهور:
يستحب فطره؛ حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به على الذكر، كان له مثل أجر الصائم.
وقال الطبري: إنما أفطر رسول الله وَله بعرفة؛ ليدل على الاختيار للحاج بـ ((مكة)) لكي
لا يضعف عن الدعاء، والذكر المطلوب يوم عرفة.
وقيل: إنما كره صوم يوم عرفة؛ لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه. ويؤيده: ما
رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعًا: ((يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ مِنَّى عِيدُنا أَهْلَ
الإِسْلامِ))(٣). انتهى كلام الحافظ.
قلت: ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحب الفطر يوم عرفة بعرفة هو الظاهر، ويدل
عليه حديث أبي هريرة؛ أن رسول الله وفض له نهى عن صوم عرفة بعرفة، وقد صحَّح هذا
الحديث ابن خزيمة والحاكم على ما قاله الحافظ في ((الفتح))، وأخذ بظاهره بعض السلف؛
فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: يجب فطر يوم عرفة للحاج. والله تعالى أعلم.
(١) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٥١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٢٥)، وابن حبان. حديث (٣٦٠٦).
(٢) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٥٨)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٢٣).
(٣) أبو داود، كتاب الصيام. حديث (٢٤١٩)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٧٣)، والنسائي، كتاب
مناسك الحج. حديث (٣٠٠٤).

٥٣٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَثِّ عَلَى صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
[٧٥١] (٧٥١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ أَبِيَ نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ
صَوْمٍ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَّةَ؟ فَقَالَ: حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ
يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا
أَنْهَى عَنْهُ. [حم: ٥٠٦٠، مي: ١٧٦٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
وَأَبُو نَجِيحِ وَاسْمُهُ: يَسَارُ، سَمِعَ منِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ أَيضاً، عَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ.
٤٨- بَابُ مَا جَاءَ في الحَثِّ عَلَى صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ [ت٤٨، ٤٨٢]
[٧٥٢] (٧٥٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَعْبَدِ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َيه
قَالَ: ((صِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)). [م مطولاً:
١١٦٢، جه: ١٧٣٨، حم مطولاً: ٢٢٠٢٤].
[٧٥١] قوله: (وأبو نجيح واسمه: يسار) المكي مولى ثقيف مشهور بكنيته، ثقة من
الثالثة، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح، مات سنة تسع ومئة؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (وقد روي هذا الحديث أيضًا، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل، عن ابن
عمر) فالظاهر: أن أبا نجيح سمع أولًا هذا الحديث بواسطة رجل، ثم لقي ابن عمر فسمعه
منه بلا واسطة.
٤٨ - بَابُ مَا جَاءَ في الحَثِّ عَلَى صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر.
قال الطيبيُّ: وهو اليوم العاشر من المحرم؛ وسيجيء الكلام في تعيينه.
[٧٥٢] قوله: (إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) فإن قيل: ما وجه أن صوم

٥٣٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَثِّ عَلَى صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
وَفِي البَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدٍ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَهِنْدِ بْنِ أَسْمَاءَ،
وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ الخُزَاعِيِّ عَنْ
عَمِّهِ، وَعَبْدِ الله بْنِ الزُّبِيْرِ،
عاشوراء يكفر السنة التي قبله، وصوم يوم عرفة يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده؟
قيل: وجهه: أن صوم يوم عرفة من شريعة محمد ◌ّطهر، وصوم يوم عاشوراء من شريعة
موسى عليه الصلاة والسلام.
وقال الحافظ في ((الفتح)): روى مسلم(١) من حديث أبي قتادة مرفوعًا، ((إِنَّ صَوْمَ
عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَة، وإِنَّ صِيَامَ عَرَفَة يُكَفِّرُ سَنَتَيْنٍ)).
وظاهره أن صيام عرفة أفضل من صيام عاشوراء. وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم
عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي ◌َّر؛ فلذلك كان
أفضل. انتهى. والله تعالى أعلم.
قوله: (وفي الباب عن علي) أخرجه الدارمي والترمذي وأحمد والبيهقي(٢) والنسائي.
(ومحمد بن صيفي) أخرجه ابن ماجه(٣). (وسلمة بن الأكوع) أخرجه الشيخان (٤).
(وهند بن أسماء) أخرجه الطحاوي(٥). (وابن عباس) أخرجه الشيخان(٦) . (والربيع بنت
معوذ) أخرجه مسلم(٧) . (وعبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه) أخرجه الطحاوي(٨).
(وعبد الله بن الزبير) أخرجه أحمد والبزار والطبراني(٩).
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٦٢).
(٢) أحمد. حديث (١٠٧٢)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢٧١٥).
(٣) ابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٧٣٥).
(٤). البخاري، كتاب الصوم. حديث (٢٠٠٧)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٣٥).
(٥) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). حديث (٣٠٢٤).
(٦) البخاري، كتاب الصوم. حديث (٢٠٠٤)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٣٠).
(٧) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٣٦).
(٨) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). حديث (٣٠٢٥).
(٩) أحمد. حديث (١٥٦٩٩، ١٥٦٨٧)، والبزار. حديث (١٩٦٥ - زخار)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٤/٣):
وثویر ضعيف.

٥٣٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
ذَكَرُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنَّهُ حَثَّ عَلَى صِيَامٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: لَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ، أَنَّهُ قَالَ: ((صِيَامُ يَوْم عَاشُورَاءَ
كَفَّارَةُ سَنَةٍ». إِلَّ فِي حَدِيثٍ أَبِي قَتَادَةَ.
وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
٤٩- بَابُ مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في تَرْكِ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ [ت٤٩، ٤٩٠]
[٧٥٣] (٧٥٣) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْماً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي
الجَاهِليَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ
بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الفَرِيضَةَ، وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ
صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. [خ: ٢٠٠٢، م: ١١٢٥، د: ٢٤٤٢، جه مختصراً: ١٧٣٣، حم: ٢٣٧١٠،
طا: ٦٦٥، مي: ١٧٦٠].
(ذكروا) أي: هؤلاء الصحابة المذكورون
٤٩- باب ما جاء في الرُّخْصَةِ في تَرْكِ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
[٧٥٣] قوله: (كان عاشوراء يومًا تصومه قريش) هكذا في غالب النسخ، والظاهر ((يومًا))
بالنصب، واعتباره منصوبًا مضافًا إلى الجملة بعده؛ كما في ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩]
يبعده اشتمال ((تصومه)) على ضمير عائد إليه؛ فإن اشتمال الجملة المضاف إليها على ضمير
المضاف غير متعارف في العربية، بل قد منعه بعضهم؛ فالظاهر: أن الجملة التي بعده صفة
له، واعتبار ((اليوم)) اسم ((كان)) على أن ((عاشوراء)) خبر (كان)) بعيد من حيث المعنى، ومن
حيث علم الإعراب؛ لأن ((عاشوراء)) معرفة، و((يوم)) نكرة؛ فالوجه أن يقال: إن ((كان)) فيه
ضمير الشأن، و((عاشوراء)) مبتدأ خبره ((يومًا))؛ كذا في ((شرح الترمذي)) لأبي الطيب.
(فلما افترض رمضان كان رمضان هو الفريضة) ظاهر هذا الحديث: أن صوم عاشوراء
کان فرضًا، ثم نسخ وجوبه بوجوب صوم رمضان.
قال الحافظ في ((الفتح)): يؤخذ من مجموع الأحاديث: أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر
بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بِأَمْرٍ مَنْ أكل

٥٣٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَيْسٍ بْنِ سَعْدٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ،
وَمُعَاوِيَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، عَلَى حَدِيثٍ عَائِشَةَ، وَهُوَ
حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَا يَرَوْنَ صِيَامَ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ وَاجِباً، إِلَّا مَنْ رَغِبَ فِي صِيَامِهِ، لِمَا
ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ .
بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أَلَّا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في
مسلم(١) : ((لما فرض رمضان ترك عاشوراء))؛ مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو بَاقٍ،
فدل على أن المتروك وجوبه.
وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه،
بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته وي لير حيث يقول:
(لَئِنْ عِشْتُ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ والعَاشِرَ))(٢)، ولترغيبه في صومه، ((وأنه يكفِّر سنة)) وأي تأكيد
أبلغ من هذا؟! انتهى.
قوله: (وفي الباب عن ابن مسعود، وقيس بن سعد، وجابر بن سمرة، وابن عمر،
ومعاوية) أما حديث ابن مسعود: فمتفق عليه(٣).
وأما حديث قيس بن سعد: فأخرجه ابن أبي شيبة(٤) .
وأما حديث جابر بن سمرة: فأخرجه مسلم(٥) .
وأما حديث ابن عمر (٦) ومعاوية(٧) - وهو: ابن أبي سفيان - فمتفق عليهما.
قوله: (وهو حديث صحيح) وأخرجه البخاري والنسائي.
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٢٧).
(٢) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٣٤).
(٣) البخاري، كتاب التفسير. حديث (٤٥٠٣)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٢٧).
(٤) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٣٦٦).
(٥) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٢٨).
(٦) البخاري، كتاب الصوم. حديث (٢٠٠٠)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٢٦).
(٧) البخاري، كتاب الصوم. حديث (٢٠٠٣)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٢٩).

٥٣٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي عَاشُورَاءَ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟
٥٠- بَابُ مَا جَاءَ في عاشُورَاءَ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ [ت٥٠، ٥٠٢]
[٧٥٤] (٧٥٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَاجِبٍ بْنِ
عُمَرَ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مُتَوَسِّدُ رِدَاءَهُ فِي
زَمْزَمَ، فَقُلْتُ: أَخَبِرْنِي عَنْ يَؤْمِ عَاشُورَاءَ، أَيُّ يَوْمٍ هُوَ أَصُومُهُ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ
المُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، ثُمَّ أَصْبِعْ مِنْ يَوْمِ التَّاسِعِ صَائِماً، قَالَ: فَقُلْتُ: أَمَكَذَا كَانَ يَصُومُهُ
مُحَمَّدٌ وَلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. [م: ١١٣٣، د: ٢٤٤٦، حم: ٢٥٣٦].
٥٠ - بَابُ مَا جَاءَ في عَاشُورَاءَ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟
[٧٥٤] قوله: (وهو متوسد رداءه في زمزم) وفي رواية لمسلم: ((عِنْدَ زَمْزَم)). (ثم أصبح من
يوم التاسع صائمًا ... إلخ) قال النووي: هذا تصريح من ابن عباس؛ بأن مذهبه: أن عاشوراء
هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل؛ فإن العرب تسمي اليوم
الخامس من يوم الوِرْدِ ربعًا؛ وكذا باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عشرًا.
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى: أن العاشوراء هو اليوم العاشر من
المحرم؛ ممن قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحاق
وخلائق، وهذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ.
وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس الثاني: يرد عليه؛ لأنه
قال: إن النبي وسلم كان يصوم عاشوراء، فذكروا أن اليهود والنصارى تصومه، فقال: إنه في
العام المقبل يصوم التاسع؛ وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع؛ فتعين كونه
العاشر. انتهى.
قلت: وقد تأول قول ابن عباس هذا الزين بن المنير؛ بأن معناه: أنه ينوي الصيام في
الليلة المتعقبة للتاسع، وقواه الحافظ بحديث ابن عباس(١) أنه وَّ قال: ((إذا كان المُقْبِلُ إِنْ
شَاءَ الله صُمْنَا النَّاسِعَ)) فلم يَأْتِ العَامُ المُقْبِلُ حَتَّى تُوُفي، قال: فإنه ظاهر في أنه بَّ كان
يصوم العاشر، وهَمَّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك. انتهى.
وقال الشوكاني: الأولى أن يقال: إن ابن عباس أرشد السائل له إلى اليوم الذي يصام
(١) الطبراني في ((الكبير)) (١٠٧٨٥).

٥٣٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي عاشُورَاءَ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟
[٧٥٥] (٧٥٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِوَّهَ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ العَاشِرِ.
فيه، وهو التاسع، ولم يُجِبْ عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر؛ لأن ذلك مما لا
يسأل عنه، ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة.
فابن عباس لما فهم من السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه، أجاب عليه بأنه
التاسع، وقوله: ((نعم) بعد قول السائل: ((أهكذا كان النبي ◌َّل يصوم؟)) بمعنى: نعم، هكذا
كان يصوم لو بقي؛ لأنه قد أخبرنا بذلك، ولابد من هذا؛ لأنه ◌ّ مات قبل صوم التاسع.
وتأويل ابن المنير في غاية البعد؛ لأن قوله: ((وأصبح يوم التاسع صائمًا)) لا يحتمله.
انتهى كلام الشوكاني.
قلت: وتأويل الشوكاني أيضًا بعيد؛ فتفكر.
[٧٥٥] قوله: (أمر رسول الله وَّر بصوم عاشوراء يوم العاشر) هذا دليل على أن
الغاشوراء هو اليوم العاشر.
قال في ((اللمعات)): مراتب صوم المحرم ثلاثة:
الأفضل: أن يصوم العاشر، ويومًا قبله، ويومًا بعده؛ وقد جاء ذلك في حديث أحمد.
٠
وثانيها: أن يصوم يوم التاسع والعاشر.
وثالثها: أن يصوم العاشر فقط. وقد جاء في التاسع والعاشر أحاديث، ولهذا لم يجعلوا
صوم العاشر والحادي عشر من المراتب، وإن كان مخالفة اليهود في هذه أيضًا، وكذا لا
يجزئ التاسع من السنة. انتهى.
قلت: قال الحافظ في ((الفتح)): ولأحمد (١) مرفوعًا عن ابن عباس: ((صُومُوا يَوْمَ
عَاشُورَاءَ، خَالِفُوا اليَهُودَ، صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ، أو يَوْمًا بَعْدَهُ)). وهذا كان في آخر الأمر، وقد
كان * يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولاسيما إذا كان فيما يخالف فيه
أهل الأوثان، فلما فتحت (مكة))، واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا؛ كما
ثبت في الصحيح؛ فهذا من ذلك، فوافقهم أولًا وقال: (نَحْنُ أَحَقُّ بمُوسَى مِنْكُم))(٢) ، ثم
أحب مخالفتهم؛ فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده؛ خلافًا لهم. انتهى.
(١) أحمد. حدیث (٢١٥٥).
(٢) البخاري، كتاب مناقب الأنصار. حديث (٣٩٤٣)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٣٠).
د

٥٣٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي عاشُورَاءَ أَيُّ يَوْم هُوَ؟
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي يَوْمٍ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ بَعْضُهُم: يَوْمُ التَّاسِعِ، وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: يَوْمُ العَاشِرِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: صُومُوا التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ،
وَخَالِفُوا الْيَهُودَ.
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) حديث ابن عباس الأول: أخرجه مسلم
وأبو داود. والثاني: انفرد به الترمذي، وهو منقطع بين الحسن البصري وابن عباس؛ فإنه لم
يسمع منه. وقول الترمذي: حديث حسن صحيح، لم يوضح مراده؛ أي حديثي ابن عباس
أراد؟ وقد فهم أصحاب الأطراف أنه أراد تصحيح حديثه الأول؛ فذكروا كلامه هذا عقيب
حديثه الأول؛ فتبين أن الحديث الثاني منقطع وشاذ أيضًا؛ لمخالفته للحديث الصحيح
المتقدم؛ كذا في ((عمدة القاري)) للعيني رحمه الله.
قوله: (فقال بعضهم: يوم التاسع. وقال بعضهم: يوم العاشر) قال الزين بن المنير: الأكثر
على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية.
وقيل: هو اليوم التاسع؛ فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو
مضاف لليلته الآتية.
وقيل: إنما سمي التاسع عاشوراء؛ أخذًا من أوراد الإبل: كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية
أيام، ثم أوردوها في التاسع قالوا: وردنا عِشْرًا؛ بكسر العين، وكذلك إلى الثلاثة؛ كذا في
((الفتح)).
(وروي عن ابن عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود) لم أقف على
من أخرج قول ابن عباس هذا (١) .
وأخرج أحمد(٢) عنه مرفوعًا: ((صُومُوا يومَ عاشُورَاءَ، وخالِفُوا اليَهُودَ، وصُومُوا قَبْلَهُ يومًا
وبَعْدَهُ يومًا))؛ كذا في ((المنتقى)).
قال الشوكاني: رواية أحمد هذه ضعيفة منكرة من طريق داود بن علي، عن أبيه، عن
جده، رواها عنه ابن أبي ليلى.
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) (٣/ ٣٧٠ - رشد) أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس
يقول .. فذكره. وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد صرح ابن جريج بالسماع فانتفت شبهة تدليسه.
(٢) أحمد. حديث (٢١٥٥).

٥٣٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ العَشْرِ
وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
٥١- بَابُ مَا جَاءَ في صِيَامِ العَشْرِ [ت٥١، ٥١٢]
[٧٥٦] (٧٥٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَائِماً فِي العَشْرِ قَطُّ. [م: ١١٧٦،
د: ٢٤٣٩، جه: ١٧٢٩].
قال: وقد أخرجه بمثله البيهقي، وذكره في ((التلخيص)) وسكت عنه. انتهى.
وأخرج مسلم(١) عنه مرفوعًا: ((لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ)). وفي رواية له: فلم
يأت العام المقبل؛ حتى توفي رسول الله زيتالچ .
قال بعض أهل العلم: قوله وَّهِ: ((لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ)). يحتمل أمرين:
أحدهما: أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع.
والثاني: أراد أن يضيفه في الصوم، فلما توفي رسول الله # ## قبل بيان ذلك كان
الاحتياط صوم الیومین.
قال الحافظ: وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب:
أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي
عشر معه. انتھی.
(وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال النووي: قال الشافعي وأصحابه
وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعًا؛ لأن النبي ◌َّقو صام العاشر
ونوى صيام التاسع، وقد سبق في ((صحيح مسلم))(٢) في ((كتاب: الصلاة)) من رواية أبي هريرة:
أن النبيِ وَّ قال: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بعدَ رَمَضَانَ شَهْرُ الله المُحَرَّمُ)). انتهى كلام النووي.
٥١- باب ما جاء في صِيَامِ العَشْرِ
أي: عشر ذي الحجة.
[٧٥٦] قوله: (ما رأيت النبي وَ ي صائمًا في العشر قط) وفي رواية مسلم: أن النبي وَلفو
لم يصم العشر.
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٣٤).
(٢) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٦٣).

٥٤٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ العَشْرِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ.
وَرَوَى النَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَمْ
يُرَ صَائِماً فِي العَشْرِ.
وَرَوَى أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِهِ - عَنِ
الْأَسْوَدِ - وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْصُورٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ،
قال النووي: قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر
هَا هُنَا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة.
قالوا: وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا
شديدًا لا سيما التاسع منها؛ وهو يوم عرفة.
وثبت في ((صحيح البخاري))(١)؛ أن رسول الله بَّه قال: ((ما من أَيَّامِ العَمَلُ الصَّالِحُ فيها
أَفْضَلُ منه في هذه))؛ يعني: العشر الأوائل من ذي الحجة؛ فيتأول قولها: ((لم يصم العشر))
أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك
عدم صيامه في نفس الأمر.
ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ◌َّ
قالت: ((كان رسول الله ﴾ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر
أول اثنين من الشهر والخميس)). رواه أبو داود وهذا لفظه، وأحمد والنسائي، وفي
روایتهما: ((وخمیسین). انتھی.
وقال الحافظ في ((الفتح)) في شرح حديث البخاري الذي ذكره النووي ما لفظه: واستدل
به على فضل صيام عشر ذي الحجة؛ لاندراج الصوم في العمل. قال: ولا يرد على ذلك ما
رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت: ((ما رأيت رسول الله وَله صائمًا العشر قط؛ لاحتمال
أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل، وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته؛ كما
رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضًا. انتهى.
(١) البخاري، كتاب العيدين. حديث (٩٦٩).