النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّائِمِ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ نَاسِياً
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ: إِذَا أَكَلَ فِي رمَضَانَ نَاسِياً فَعَلَيْهِ القَضَاءُ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ..
كلهم يقولون: إن من أكل أو شرب ناسيًا، فليتم صومه، ولا قضاء عليه ولا كفارة، واحتجوا
بحدیث الباب.
(وقال مالك بن أنس: إذا أكل في رمضان ناسيًا فعليه القضاء) وأجاب بعض المالكية
عن حديث الباب: بأنه محمول على صوم التطوع.
وقال القرطبي: احتج به من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء، فيحمل
على سقوط المؤاخذة؛ لأن المطلوب صيام يوم لا حزم فيه. لكن روى الدارقطني فيه سقوط
القضاء، وهو لا يقبل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن صح وجب الأخذ به، وسقط
القضاء. انتهى.
وقال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إثبات القضاء، فيحمل على سقوط الكفارة
عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بَيَّتَها. انتهى.
والجواب عن ذلك كله: بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني(١) من
طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
بلفظ: ((مَنْ أَفْطَرَ في شَهْرٍ رَمَضَانَ نَاسِيًا فلا قَضَاءَ عليه ولا كَفَّارَة)). فعين رمضان، وصرح
بإسقاط القضاء؛ ذكره الحافظ في ((فتح الباري)). وقال بعد ذكر طرق هذا الحديث: فأقل
درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج
في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة، ويعتضد أيضًا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة
من غير مخالفة لهم؛ منهم: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر، ثم
هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن ◌ُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فالنسيان ليس من
كسب القلب. انتهى كلام الحافظ.
قوله: (والأول أصح) أي: القول الأول أصح من قول مالك؛ وتقدم وجه كونه أصح
آنفًا .
(١) ابن خزيمة. حديث (١٩٩٠)، وابن حبان. حديث (٣٥٢١)، والدارقطني (١٧٨/٢). حديث (٢٨)،
والحاكم. حديث (١٥٦٩) وقال: على شرط مسلم.

٤٨٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِفْطَارِ مُتَعَمِّداً
٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ في الْإِفْطَارِ مُتَعَمِّداً [ت٢٧، ٢٧٢]
[٧٢٣] (٧٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَبُو المُطَوِّسِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ
رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلُّهِ وَإِنْ صَامَهُ)). [ضعيف: أَبُو المطوس لين
الحديث، وأبوه لم يوثقه غير ابن حبان، د: ٢٣٩٦، جه: ١٦٧٢، حم: ٨٧٨٧، مي: ١٧١٤].
٢٧ - باب ما جاء في الإفْطَارِ مُتَعَمِّدًا
[٧٢٣] قوله: (حدثنا أبو المطوِّس) بكسر الواو المشددة هو: يزيد. وقيل: عبد الله بن
المطوس، لين الحديث؛ كذا في ((التقريب)).
(عن أبيه) هو المطوس. قال في ((التقريب)): المطوس بتشديد الواو المكسورة. ويقال:
أبو المطوس عن أبي هريرة، مجهول، من الرابعة.
قوله: (من غير رخصة) كسفر. (ولا مرض) أي: مبيح للإفطار، من عطف الخاص على
العام. (لم يقض عنه صوم الدهر كله) أي: صومه [فيه]، فالإضافة بمعنى ((في)) نحو: مكر
الليل، و((كله)) للتأكيد.
(وإن صامه) أي: ولو صام الدهر كله.
قال الطيبيُّ: أي: لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النفل، وإن سقط قضاؤه بصوم
يوم واحد؛ وهذا على طريق المبالغة والتشديد؛ ولذلك أكده بقوله: ((وإن صامه)) أي: حق
الصيام.
قال ابن الملك: وإلا فالإجماع على أنه يقضي يومًا مكانه.
وقال ابن حجر: وما اقتضاه ظاهره: أن صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من
رمضان لا يجزئه؛ قال به علي وابن مسعود، والذي عليه أكثر العلماء [أنه] يجزئه [يوم بدل
يوم] وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر، وما صامه بدله في غاية القصر والبرد؛ كذا في
((المرقاة)).

٤٨٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِقْطَارِ مُتَعَمِّداً
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: [حَدِيثٌ] لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَسَمِعْتُ مُحَمَّداً يَقُولُ: أَبُو المُطَوِّسِ اسْمُهُ: يَزِيدُ بْنُ المُعَلَوِّسِ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ
غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ.
قلت: قال البخاري في ((صحيحه)) (١): ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((مَنْ أَفْطَرَ يومًا في
رَمَضَانَ من غيرِ عُذْرٍ. ولا مَرَضٍ لم يَقْضِهِ صيامُ الدَّهْرِ وإِنْ صَامَهُ)). وبه قال ابن مسعود.
وقال سعيد بن المسيب وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد: يقضي يومًا مكانه. انتهى.
وذكر الحافظ في ((الفتح)) من وصل هذه الآثار. قال: وصله - يعني: أثر ابن مسعود -
الطبراني والبيهقي (٢)؛ بإسناد لهما عن عرفجة قال: قال عبد الله بن مسعود: ((من أفطر يومًا
في رمضان متعمدًا من غير علة، ثم قضى طول الدهر لم يقبل منه)). وبهذا الإسناد عن علي
مثله. انتھی.
وقال أبو هريرة بمثل قول ابن مسعود به كما سيجيء؛ فظهر أن ما ادعى ابن الملك
من أن الإجماع على أنه يقضي يومًا مكانه؛ ليس بصحيح.
قوله: (حديث أبي هريرة به حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه) أخرجه أصحاب
السنن الأربعة، وصحَّحه ابن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة؛ كلاهما عن حبيب بن
أبي ثابت، عن عمارة بن عمير، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قوله: (وسمعت محمدًا يقول: أبو المطوس اسمه: يزيد بن المطوس، ولا أعرف له غير
هذا الحديث) وقال البخاري في ((التاريخ)): تفرد أبو المطوس بهذا الحديث، ولا أدري سمع
أبوه من أبي هريرة أم لا .
قال الحافظ في (الفتح)): واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافًا كثيرًا، فحصلت
فيه ثلاث علل: الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوس، والشك في سماع أبيه عن
أبي هريرة. وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء.
وذكر ابن حزم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مثله موقوفًا .
انتهى كلام الحافظ.
(١) البخاري، كتاب الصوم، معلقًا قبل الحديث (١٩٣٥)، ووصله أبو داود (٢٣٩٦)، والنسائي في ((الكبرى))
(٣٢٨١)، وابن ماجه (١٦٧٢).
(٢) الطبراني في ((الكبير)) (٩٥٧٤)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٧٨٥٦).

٤٨٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الفِظْرِ فِي رَمَضَانَ
٢٨ - بَابُ مَا جَاءَ في كَفَّارَةِ الفِطْرِ في رَمَضَانَ [ت٢٨، ٢٨٢]
[٧٢٤] (٧٢٤) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ وَأَبُو عَمَّارٍ، وَالمَعْنَى وَاحِدٌ،
وَاللَّفْظُ لَفْظُ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكْتُ، قَالَ:
((وَمَا أَهْلَكَكَ ؟)) قَالَ:
٢٨ - باب ما جاء في كَفَّارَةِ الفِطْرِ في رَمَضَان
[٧٢٤] قوله: (أتاه رجل) وفي رواية للبخاري وغيره: بينما نحن جلوس عند رسول الله
مَخالد إذ جاءه رجل. قال الحافظ: لم أقف على تسميته، إلا أن عبد الغني في ((المبهمات))،
وتبعه ابن بشكوال جزمًا بأنه سلمان، أو سلمة بن صخر البياضي.
(فقال: يا رسول الله) وقع في رواية: ((جاء رجل وهو ينتف شعره، ويدق صدره،
ويقول: هلك الأبعد)). وفي رواية: ((يلطم وجهه)). وفي رواية: ((ويحثي على رأسه التراب)).
قال الحافظ بعد ذكر هذه الروايات: واستدل بهذا على جواز هذا الفعل والقول ممن
وقعت له معصية، ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا؛ فيجوز في مصيبة الدين؛ لما يشعر
به الحال من شدة الندم، وصحة الإقلاع. ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم
الخدود، وحلق الشعر عند المصيبة.
(هلكت) وفي حديث عائشة: ((احترقت)).
واستدل به على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى
ذلك؛ فكأنه جعل المتوقع كالواقع، وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي.
وإذا تقرر ذلك، فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناس؛ وهو مشهور قول مالك
والجمهور.
وعن أحمد وبعض المالكية: يجب على الناس، وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة؛
هل كان عن عمد أو نسيان وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول؛ كما
اشتهر.
والجواب: أنه قد تبين حاله بقوله: ((هلكت واحترقت))؛ فدل على أنه كان عامدًا عارفًا
بالتحريم، وأيضًا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد.

٤٨٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الفِظْرِ فِي رَمَضَانَ
وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟)) قَالَ: لَا، قَالَ:
(فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟)) قَالَ: لَا؟ قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ
سِتِينَ مِسْكِيناً ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((اجْلِسْ)) فَجَلَسَ، فَأَتِيَ النَِّيُّ ◌َه
(وقعت على امرأتي في رمضان) وفي حديث عائشة: ((وطئت امرأتي)).
(قال: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟) أي: عبدًا، أو أمة. (قال: لا. قال: فهل تستطيع أن
تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا) قال
القاضي: وكذا في ((شرح السنة)): رتب الثاني بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث بالفاء على
فقد الثاني؛ فدل على الترتيب.
وقال مالك بالتخيير؛ فإن المجامع مخيَّر بين الخصال الثلاث عنده.
قال ابن حجر: الكفارة مرتبة ككفارة الظهار المذكورة في سورة المجادلة؛ وهو قول
الشافعي والأكثرین.
وقال مالك: إنها مخيرة كالكفار المذكورة في سورة المائدة؛ لرواية أبي داود(١): ((أن
يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا)).
وأجابوا بأن ((أو)) كما لا تقتضي الترتيب لا تمنعه؛ كما بينته الروايات الأخر، وحينئذٍ
فالتقدير: أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عن الصوم. ورواتها أكثر وأشهر،
فقد رواها عشرون صحابيًّا؛ وهي حكاية لفظ النبي وبيَّي ورواة هذا اثنان؛ وهو لفظ الراوي.
انتهى؛ كذا في ((المرقاة)).
قلت: لا شك أن رواة الكفارة مرتبة أكثر، وأما إنها رواها عشرون صحابيًّا ففيه نظر.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((فتح الباري)): وسلك الجمهور في ذلك مسلك
الترجيح؛ بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روی التخییر، إلى أن قال: بل روي
الترتيب عن الزهري تمام ثلاثين نفسًا أو أزيد. قال: ويترجح الترتيب أيضًا بأنه أحوط؛ لأن
الأخذ به مجزي، سواء قلنا بالتخيير، أو لا؛ بخلاف العكس. انتهى كلام الحافظ.
والحاصل: أن القول بالترتيب هو الراجح المعول عليه.
(١) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٩٢).

٤٨٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الفِظْرِ فِي رَمَضَانَ
بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ - قَالَ: (تَصَدَّقْ بِهِ))، فَقَالَ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا
أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ وَّهِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قَالَ: ((فَخُذْهُ فَأَظْعِمْهُ
أَهْلَكَ)). [خ: ١٩٣٦، م: ١١١١، د: ٢٣٩٠، جه: ١٦٧١، طا: ٦٦٠، مي: ١٧١٦].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي مُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ فِي مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّداً مِنْ
جِمَاعٍ، وَأَمَّا مَنْ أَقْطَرَ مُتَعَمِّداً مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ فَإِنَّ أَهْلَ العِلْمِ قَدِ اخْتَفُوا فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَشَبَّهُوا الْأَكْلَ وَالْشُّرْبَ بِالجِمَاعِ، وَهُوَ
قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ إِنَّمَا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ الْكَفَّارَةُ
فِي الجِمَاعِ، وَلَمْ تُذْكَرْ عَنْهُ فِي الْأَْلِ وَالشُّرْبِ، وَقَالُوا: لَا يُشْبِهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ
الجِمَاعَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَوْلُ النَّبِيِّ وَّهِ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَفْطَرَ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ: ((خُذْهُ فَأَظْعِمْهُ
أَهْلَكَ))، يَحْتَمِلُ هَذَا مَعَانِيَ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ قَدرَ عَلَيْهَا، وَهَذَا
رَجُلٌ لَمْ يَقدِرْ عَلَى الْكَفَّارَةِ فَلَمَّا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ◌ِّهِ شَيْئاً وَمَلَكَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا أَحَدٌ
(بعَرَقٍ) بفتحتين. (والعرق: المِكْتَلُ) بكسر الميم؛ أي: الزنبيل. (الضخم) بسكون
الخاء؛ أي: العظيم. وفي حديث علي عند الدارقطني(١): ((تُطْعِمُ سِتِينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ
مُدٍّ) وفيه: ((فأتى بخمسة عشر صاعًا. فقال: أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)). وكذا في رواية حجاج
عن الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة، وقد جاء في بيان مقدار ما في المكتل من
التمر روايات مختلفة، وبرواية علي هذه يحصل الجمع بينها؛ كما ذكره الحافظ في ((الفتح)).
(قال: تصدق به) أي: على الفقراء. (فقال) أي: الرجل. (ما بين لابتيها) أي:
((المدينة)).
(١) الدارقطني (٣١٦/٣). حديث (٢٦٠).

٤٨٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ لِلصَّائِم
أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنَّا. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)). لأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ
الفَضْلِ عَنْ قُوتِهِ.
وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَتَكُون الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ
دَيْناً، فَمَتَى مَا مَلَكَ يَوْماً مَا كَفَّرَ.
٢٩ - بَابُ مَا جَاءَ في السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ [ت٢٩، م٢٩]
[٧٢٥] (٧٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َه
- مَا لَا أُخْصِي - يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ. [ضعيف، عاصم، ضعيف، د: ٢٣٦٤، حم: ١٥٢٥١].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
٢٩ - باب ما جاء في السِّوَاكِ للصَّائِم
[٧٢٥] قوله: (عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني،
ضعيف، من الرابعة.
قوله: (ما لا أحصي) أي: مقدارًا لا أقدر على إحصائه وعده؛ لكثرته.
وقوله: (يتسوك) مفعول ثان؛ لأنه خبر على الحقيقة، و((ما)) موصوفة، ((لا أحصي))
صفتها؛ وهي ظرف لـ ((يتسوك))؛ أي؛ يتسوك مرات لا أقدر على عدها؛ قاله الطيبيُّ.
قال ميرك: ولعله حمل الرؤية على معنى العلم، فجعل ((يتسوك)) مفعولًا ثانيًا، ويحتمل
أن تكون بمعنى: الإبصار، و((يتسوك)) حينئذٍ حال، وقوله: (وهو صائم) حال أيضًا إما
مترادفة، وإما متداخلة؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (وفي الباب عن عائشة) أخرجه ابن ماجه والدارقطني(١) بلفظ: قالت: قال
رسول الله ◌َالى: ((خير خصال الصائم السواك)).
(حديث عامر بن ربيعة حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود، وأخرجه ابن خزيمة في
(١) ابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٦٧٧)، والدارقطني (٢٠٣/٢) (٦).

٤٨٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، لَا يَرَوْنَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَأُساً، إِلَّا أَنَّ بعضَ
أَهْلِ العِلْم كَرِهُوا السِّوَاكَ لِلصَّائِم بِالعُودِ الرَّظْبِ، وَكَرِهُوا لَّهُ السِّوَاكَ آخِرَ النَّهارِ،
((صحيحه)) وقال: كنت لا أخرج حديث عاصم، ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه،
وروى يحيى وعبد الرحمن عن الثوري عنه، وروى مالك عنه خبرًا في غير ((الموطأ)).
قال الحافظ: وضعَّفه ابن مَعين والذهلي والبخاري، وغير واحد. انتهى.
قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بالسواك للصائم بأسًا) قبل الزوال
وبعده، رطبًا كان السواك أو يابسًا؛ وهو قول أكثر أهل العلم؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة
والشافعي على ما حكى عنه الترمذي. واحتجوا بحديث الباب، وبحديث عائشة الذي أشار
إليه الترمذي، وبحديث أبي هريرة: ((لولا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
وُضُوءٍ». أخرجه النسائي(١) ، وبجميع الأحاديث التي رويت في معناه، وفي فضل السواك؛
فإنها بإطلاقها تقتضي إباحة السواك في كل وقت، وعلى كل حال؛ وهو الأصح والأقوى.
(إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب) كالمالكية والشعبي؛
فإنهم كرهوا للصائم الاستياك بالسواك الرطب؛ لما فيه من الطعم.
وأجاب عن ذلك ابن سيرين جوابًا حسنًا. قال البخاري في ((صحيحه)): قال ابن سيرين:
لا بأس بالسواك الرطب. قيل: له طعم. قال: والماء له طعم، وأنت تمضمض به. انتهى.
وقال ابن عمر: لا بأس أن يستاك الصائم بالسواك الرطب واليابس، رواه ابن أبي شيبة.
قلت: هذا هو الأحق؛ لأن أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه في الفم
شيء، وذلك الشيء كماء المضمضة، فإذا قذفه من فيهٍ لا يضره بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
(وكرهوا له السواك آخر النهار) واحتجوا على ذلك بأن في الاستياك آخر النهار إزالة
الخلوف المحمود بقوله وَّله: ((الخَلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَظْيَبُ عند الله من رِيحِ المِسْكِ))(٢).
وأجيب بأن الخُلُوفَ: بضم الخاء المعجمة على الصحيح: تغير رائحة الفم من خلو
المعدة، وذلك لا يزال بالسواك.
قال ابن الهمام: بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار؛ وهذا لأن سبب
الخلوف خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب، ولهذا روي
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٣٠٣٤).
(٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٨٩٤)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥١).

٤٨٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ لِلصَّائِم
عن معاذ مثل ما قلنا. روى الطبراني(١) عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل:
أتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم. قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت غدوة وعشية،
قلت: إن الناس يكرهونه عشية، ويقولون: إن رسول اللهِ وَّه قال: ((لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَظْيَبُ
عند الله من رِيحِ المِسْكِ))؟ فقال: سبحان الله! لقد أمرهم بالسواك، وهو يعلم أنه لابد بفي
الصائم خلوف وإن استاك، وما كان الذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدًا، ما في ذلك من
الخير شيء، بل فيه شر، إلا من ابتلي ببلاء لا يجد منه بدًّا. انتهى.
قلت: إسناد هذا الأثر جيد؛ كما صرح به الحافظ في ((التلخيص الحبير)).
قال ابن الهمام: وكذا الغبار في سبيل الله؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنِ اغْبَرَّتْ
قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ الله على النَّارِ، إِنَّما يُؤْجَرُ عليه مَنِ اضْظُرَّ إليه ولم يَجِدْ عنه مَحِيصًا،
فَأَمَّا مَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ عَمْدًا فما له في ذلكَ مِنَ الأَجْرِ شَيْءٌ)) (٢).
قيل: فيدخل في هذا أيضًا من تكلف الدوران تكثيرًا للمشي إلى المساجد، نظرًا إلى قوله
عليه الصلاة والسلام: ((وكَثْرَةُ الخُطَا إلى المَسَاجِدِ))(٣).
قال: وفي المطلوب أحاديث مضعفة: منها ما رواه البيهقي(٤) ، عن إبراهيم بن
عبد الرحمن، حدثنا إسحاق الخوارزمي قال: سألت عاصم الأحول؛ أيستاك الصائم
بالسواك الرطب؟ قال: نعم، أتراه أشد رطوبة من الماء؟ قلت: أول النهار وآخره؟ قال:
نعم. قلت: عمن رحمك الله؟ قال: عن أنس عن النبي ◌َّر.
وروى ابن حبان، عن ابن عمر قال: كان رسول الله وَليو يستاك آخر النهار؛ وهذا هو
الصحيح عن ابن عمر من قوله.
قلنا: كفى ثبوته عن ابن عمر مع تعدد الضعيف فيه، مع عمومات الأحاديث الواردة في
فضل السواك.
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٢٠/ ٧٠) (١٣٣).
(٢) انظر ((نصب الراية)) (٢/ ٣٣٢).
(٣) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٥١).
(٤) البيهقي في ((الكبرى)) (٨١١١)، وأخرجه الدارقطني (٢٠٢/٢) (١).

٤٩٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكُخْلِ للضَّائِمِ
وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ بِالسِّوَاكِ بَأْساً أَوَّلَ النَّهَارِ وَلَا آخِرَهُ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ السِّوَاكَ
آخِرَ النَّهَارِ .
٣٠- بَابُ مَا جَاءَ في الْكُحْلِ للضَّائِمِ [ت٣٠، ٣٠٢]
[٧٢٦] (٧٢٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ الْكُوفِيُّ،
وأما ما روى الطبراني(١) عنه عليه الصلاة والسلام: ((إذا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بالغُدْوَةِ ولا
تَسْتَاكُوا بالعَشِيِّ؛ فإنَّ الصَّائِمَ إذا يَبِسَتْ شَفَتَاهُ كانت له نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ)) فحديث ضعيف لا
يقاوم ما قدمنا. انتهى كلام ابن الهمام ملخصًا .
قلت: حديث: ((إذا صمتم فاستاكوا بالغدوة ... )) إلخ رواه الدارقطني والبيهقي (٢) من
حديث خباب وضعفاه، وروياه أيضًا من حديث علي وضعفاه أيضًا؛ قاله الحافظ في
((التلخيص)). وقال فيه: وأخرج الدارقطني(٣) من طريق عمر بن قيس، عن عطاء، عن
أبي هريرة قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليت العصر فألقه؛ فإني سمعت رسول الله
وَ﴿ يقول: ((خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَظْيَبُ عندَ الله من رِيحِ المِسْكِ)). انتهى
قلت: وهذا الحديث أيضًا ضعيف؛ فإن عمر بن قيس متروك.
قال في ((التقريب)): عمر بن قيس المكي المعروف بـ ((سندل)) متروك، من السابعة. انتهى.
وقال في ((الخلاصة)) في ترجمته: عن عطاء، وعنه ابن عيينة وابن وهب، قال البخاري:
منکر الحدیث. انتهى.
قوله: (ولم ير الشافعي بالسواك بأسًا أول النهار ولا آخره) كذا حكى الترمذي عن
الشافعي، والمشهور عنه أنه كان يكره السواك بعد الزوال.
٣٠- باب ما جاء في الكُخْلِ للضَّائِمِ
[٧٢٦] قوله: (حدثنا عبد الأعلى بن واصل) بن عبد الأعلى الأسدي (الكوفي)، ثقة،
من كبار العاشرة.
(١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٣٦٩٦)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٤/٣): وفيه كيسان أبو عمر؛ وثقه ابن
حبان وضعفه غيره.
(٢) الدارقطني (٢٠٤/٢) (٧)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٨١٢٠).
(٣) الدارقطني (٢٠٣/٢). حديث (٥).

٤٩١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكُخْلِ الصَّائِمِ
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاتِكَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
النَّبِيِّ وَُِّّ فَقَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِي، أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). [ضعيف الإسناد].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَيِي رَافِعٍ .
(حدثنا الحسن بن عطية) بن نجيح القرشي أبو علي البزاز، صدوق، من التاسعة.
(حدثنا أبو عاتكة) مجمع على ضعفه، وسيجيء ترجمته.
(فقال: اشتكت عيني) بالتشديد، وفي نسخة بالتخفيف؛ أي: أشكو من وجع عيني، قاله
القاري.
(قال: نعم) فيه جواز الاكتحال بلا كراهة للصائم؛ وبه قال الأكثرون.
قوله: (وفي الباب عن أبي رافع) أخرجه البيهقي(١) من طريق محمد بن عبيد الله بن
أبي رافع، عن أبيه، عن جده، بلفظ: إن رسول الله وَّ كان يكتحل وهو صائم.
قال ابن أبي حاتم عن أبيه [٢/١/٤]: هذا حديث منكر، وقال في محمد: إنه منكر؛
وكذا قال البخاري. ورواه ابن حبان في ((الضعفاء)) من حديث ابن عمر، وسنده مقارب.
ورواه ابن أبي عاصم في كتاب: ((الصيام)) له من حديث ابن عمر أيضًا، ولفظه: خرج
علينا رسول الله وَّطه وعيناه مملوءتان من الإثمد وذلك في رمضان، وهو صائم(٢)؛ ذكره
الحافظ في ((التلخيص)).
قال: ورواه أبو داود من فعل أنس، ولا بأس بإسناده.
قال: وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني ((الأوسط))(٣) ، عن ابن عباس في
«شعب الإيمان» للبيهقي(٤) بإسناد جيد. انتهى.
وفي الباب أيضًا عن عائشة قالت: اكتحل النبي ◌ٍَّ وهو صائم، أخرجه ابن ماجه(٥) عن
(١) البيهقي في ((الكبرى)) (٨٠٤٧)، وابن حبان في ((المجروحين)) (٢/ ٢٥٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٩٣٩)، قال
الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٧/٣): رواه الطبراني في ((الكبير)) من رواية حبان بن علي عن محمد بن عبيد الله بن
أبي رافع وقد وثقا وفيهما كلام كثير.
(٢) أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (١/ ٣٢٠).
(٣) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٦٩١١)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٧/٣): وفيه جماعة لم أعرفهم.
(٤) البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٤٢٦).
(٥) ابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٦٧٨).

٤٩٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكُخْلِ الصَّائِمِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ
وَه فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَأَبُو عَاتِكَةَ يُضَعَّفُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ، فَكْرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَابْنِ
المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَرَّخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
بقية، حدثنا الزبيدي عن هشام بن عروة، عن أبيه عنها، والزبيدي هو سعيد بن أبي سعيد
الزبيدي؛ كما هو مصرح في رواية البيهقي؛ وهو ضعيف.
قوله: (وأبو عاتكة يضعف) قال في ((التقريب)): اسمه: طريف بن سلمان، أو بالعكس،
ضعيف، وبالغ السليماني فيه، من الخامسة.
وقال في ((الخلاصة)): عن أنس، وعنه الحسن بن عطية، قال البخاري. منكر الحديث. انتهى.
وقال في ((الميزان)»: مجمع على ضعفه.
قوله: (واختلف أهل العلم في الكحل للصائم: فكرهه بعضهم، وهو قول سفيان وابن
المبارك وأحمد وإسحاق) واستدل لهم بما أخرج أبو داود(١) من طريق عبد الرحمن بن
النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبي وََّ أنه أمر بالإثمد المُرَوّح عند
النوم. وقال: ((لِيَتَّقِهِ الصَّائِم)).
قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر. انتهى.
قال الزيلعي: قال صاحب ((التنقيح)): معبد وابنه النعمان كالمجهولين.
وعبد الرحمن بن النعمان؛ قال ابن معين: ضعيف، وقال(٢) أبو حاتم: صدوق. انتهى.
فهذا الحديث لا يصلح للاستدلال على كراهة الكحل للصائم، وليس في كراهته حديث
صحيح.
(ورخص بعض أهل العلم في الكحل للصائم؛ وهو قول الشافعي) وهو قول الحنفية،
وروى أبو داود في ((سننه))(٣) بإسناده عن الأعمش قال: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره
الكحل للصائم، وكان إبراهيم يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر. انتهى.
(١) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٧٧).
(٢) في نسخ التحفة ((قال لي))، والصواب حذفهما كما في ((نصب الراية)) (٣٣١/٢).
(٣) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٧٩).

٤٩٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ
٣١- بَابُ مَا جَاءَ في الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ [ت٣١، ٣١٢]
[٧٢٧] (٧٢٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَقُتَيْبةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ زِیَادِ بْنِ
عِلَاقَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ يُقَبِّلُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ.
[م: ١١٠٦، د: ٢٣٨٣، جه: ١٦٨٣، حم: ٢٤٦٨٠، مي: ١٧٢٢].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَة حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ،
وهذا الأثر سكت عنه أبو داود والمنذري، واستدل لهم بأحاديث الباب، وهي
بمجموعها تصلح للاحتجاج على جواز الاكتحال للصائم، وليس في کراهته حديث صحيح؛
فالراجح هو القول بالجواز من غير كراهة. والله تعالى أعلم.
فإن قلت: قد يوجد طعم الكحل في الحلق، وقد ورد الفطر مما دخل، وليس مما خرج.
قلت: حديث ((الفطر مما دخل، وليس مما خرج)) مرفوعًا ضعيف (١) ، ثم المراد
بالدخول: دخول شيء بعينه من منفذ إلى الباطن، لا وصول أثر شيء من المسامات إلى
الباطن؛ ولذا لا يفطر شم العطر ونحوه.
٣١- باب ما جاء في القُبْلَةِ للضَّائِمِ
[٧٢٧] قوله: (عن زياد بن عِلاقَةً) بكسر العين المهملة وبالقاف، ثقة، من الثالثة.
قوله: (كان يقبل في شهر الصوم) أي: في رمضان، وفي رواية لمسلم: ((يقبل في
رمضان، وهو صائم)).
قال الحافظ في ((الفتح)): فأشارت عائشة إلى عدم التفرقة بين صوم الفرض والنفل.
انتھی.
قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وغيرهما بألفاظ.
قوله: (وفي الباب عن عمر بن الخطاب) أخرجه أحمد وأبو داود(٢)، بلفظ قال:
هششت يومًا، فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي ◌َّله فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا؛ قبلت
(١) قال البيهقي: لا يثبت.
(٢) أحمد. حديث (١٣٩)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٨٥).

٤٩٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ
وَحَفْصَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَّهِ وَغَيْرِهِم فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَأَخَّصَ
بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِّ وَلِهِ فِي الْقُبْلَةِ لِلشَّيْخِ، وَلَمْ يُرَخِّصُوا لِلشَّابِّ مَخَافَةَ أَلَّا يَسْلَمَ لَهُ
صَوْمُهُ، وَالمُبَاشَرَةُ عِنْدَهُمْ أَشَدُّ.
وأنا صائم. فقال رسول الله وَّله: ((أَرَأَيْتَ لو تَمَضْمَضْتَ بماءٍ وأَنْتَ صَائِمٌ)) قلت: لا بأس
بذلك. فقال ◌َله: ((فَفِيمَ؟))؛ كذا في ((المنتقى)).
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه أبو داود والنسائي، قال النسائي:
منكر، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. انتهى.
(وحفصة) أخرجه ابن ماجه(١) بلفظ: أن النبي ◌َّ كان يقبِّل وهو صائم.
(وأم سلمة) أخرجه الشيخان(٢) بلفظ: أن النبي وَال كان يقبّلها وهو صائم.
(وابن عباس) أخرجه ابن ماجه(٣) بلفظ: قال: رخّص للكبير الصائم في المباشرة، وكره
للشاب.
(وأنس) لينظر من أخرجه(٤). (وأبي هريرة) أبو داود(٥) بلفظ: أن رجلاً سأل النبي وَله
عن المباشرة للصائم، فرخّص له، وأتاه آخر فسأله، فنهاه؛ فإذا الذي رخّص له شيخ، وإذا
الذي نهاه شاب. انتهى.
وسكت عنه أبو داود والمنذري.
وقال ابن الهمام: سنده جيد؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (فرخص بعض أصحاب النبي ﴿ في القبلة للشيخ، ولم يرخصوا للشاب ... إلخ)
قال الحافظ في ((الفتح)): فَرَّق قوم بين الشاب والشيخ، فكرهها، يعني: القُبلة للشاب، وأباحها
للشيخ؛ وهو مشهور عن ابن عباس، أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه
حديثان مرفوعان فيهما ضعف:
(١) ابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٦٨٥).
(٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٢٩)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٠٨).
(٣) ابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٦٨٥).
(٤) الطبراني في ((الصغير)). حديث (٦١٤)، و((الأوسط)) (٤٤٥٢).
(٥) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٨٧).

٤٩٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِم
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: الْقُبْلَةُ تُنْقِصُ الْأَجْرَ وَلَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ، وَرَأَوْا أَنَّ
لِلصَّائِمِ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ أَنْ يُقْبِّلَ، وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ تَرَكَ الْقُبْلَةَ لِيَسْلَمَ لَّهُ صَوْمُهُ،
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
أخرج أحدهما أبو داود(١) من حديث أبي هريرة.
والآخر: أحمد (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى.
قوله: (وقد قال بعض أهل العلم: القبلة تنقص الأجر، ولا تفطر الصائم، ورأوا أن
للصائم إذا ملك نفسه أن يقبِّل .... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)) بعد نقل كلام الترمذي
هذا: ويدل على ذلك ما رواه مسلم(٣) من طريق عمر بن أبي سلمة، وهو ربيب النبي وَّر أنه
سأل رسول الله وَله: أيقبّل الصائم؟ فقال: ((سَلْ هذه)) لأم سلمة؛ فأخبرته أن رسول الله وكله
يصنع ذلك. فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: ((أَمَا
والله إنِّي لأَتْقَاكُم الله وأَخْشَاكُم له)). فدل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء؛ لأن عمر حينئذ
كان شابًّا، ولعله كان أول ما بلغ، وفيه: دلالة على أنه ليس من الخصائص.
وروى عبد الرزاق(٤) بإسناد صحيح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار؛ أنه قبَّل
امرأته وهو صائم؛ فأمر امرأته أن تسأل النبي ◌َّر عن ذلك، فسألته: فقال: إني أفعل ذلك.
فقال زوجها: يرخِّص الله لنبيه فيما يشاء، فرجعت فقال: ((أنا أَعْلَمُكُم بحُدُودِ الله وأَتْقَاكُم)).
وأخرجه مالك(٥) لكنه أرسله. قال: عن عطاء أن رجلًا ... فذكر نحوه مطولًا. انتهى
كلام الحافظ.
قال قبل هذا: قد اختلف في القُبلة والمباشرة للصائم: فكره قوم مطلقًا؛ وهو مشهور
عند المالكية. وروى ابن أبي شيبة (٦) بإسناد صحيح، عن ابن عمر؛ أنه كان يكره القُبلة
والمباشرة.
(١) انظر الحديث السابق.
(٢) أحمد. حديث (٦٧٣٩).
(٣) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٠٨).
(٤) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٤١٢).
(٥) مالك (٦٤١).
(٦) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٤٣٦).

٤٩٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَاشَرَةِ الصَّائِمِ
٣٢- بَابٌ مَا جَاءَ في مُبَاشَرَةِ الصَّائِمِ [ت٣٢، م٣٢]
[٧٢٨] (٧٢٨) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يُبَاشِرُنِي وَهُوَ
صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ.
ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾
[البقرة: ١٨٧] الآية، فمنع من المباشرة في هذه الآية نهارًا.
والجواب عن ذلك: أن النبي ◌َّ هو المبيِّن عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارًا،
فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية: الجماع، لا ما دونه من قبلة ونحوها.
وأباح القبلة قوم مطلقًا. وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة؛ وبه قال سعيد وسعد بن
أبي وقاص وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها. انتهى كلام الحافظ.
قلت: أعدل الأقوال عندي: ما ذهب إليه سفيان الثوري والشافعي، من أن الصائم إذا
ملك نفسه، جاز له التقبيل، وإذا لم يأمن تركه. وبه يحصل الجمع والتوفيق بين الأحاديث
المختلفة؛ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، قال محمد بن الحسن في ((الموطأ)) (١) : لا بأس
بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه بالجماع، فإن خاف ألا يملك نفسه فالكف أفضل؛ وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله والعامة قبلنا. انتهى.
٣٢- باب ما جاء في مُبَاشَرَةِ الصَّائِمِ
المباشرة أعم من القبلة، قيل: هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة
واللمس باليد؛ قاله القاري.
[٧٢٨] قوله: (يباشرني) قال النووي: معنى المباشرة هنا: اللمس باليد، وهو من التقاء
البشرتين. انتهى.
(وكان أملككم لأَرَبِهِ) بفتح الهمزة والراء، وبالموحدة، أي: حاجته، ويروى بكسر
الهمزة، وسكون الراء؛ أي: عضوه، والأول أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري من
التفسير؛ كذا في ((فتح الباري)).
(١) ((الموطأ)) رواية محمد بن الحسن تحت رقم (٣٥٢).

٤٩٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَاشَرَةِ الصَّائِم
[٧٢٩] (٧٢٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبِرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ،
وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. [خ: ١٩٢٧، م: ١١٠٦، د: ٢٣٨٢، جه: ١٦٨٤ و ١٦٨٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَبُو مَيْسَرَةَ اسْمُهُ: عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَمَعْنَى الإِرْبِهِ يَعْنِي: لِنَفْسِهِ.
قلت: قال البخاري بعد رواية هذا الحديث: قال ابن عباس: إرب: حاجة.
وقال طاوس: ﴿غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ﴾: الأحمق لا حاجة له في النساء. انتهى.
قال الجزري في ((النهاية)): أي: لحاجته؛ تعني أنه كان غالبًا لهواه، وأكثر المحدثين
يروونه بفتح الهمزة والراء، يعنون: الحاجة، [وبعضهم يرويه بكسر الهمزة والراء؛ يعنون:
الحاجة](١) ، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان:
أحدهما: أنه الحاجة. والثاني: أرادت به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة.
انتهى. وفي ((مجمع البحار)): خدش التفسير بالعضو، بأنه خارج عن سنن الأدب. انتهى.
قال النووي: معنى كلام عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن
القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي ◌َّقي في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه، ويأمن
الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة، وهيجان نفس، ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك،
فطریقکم الانکفاف عنها. انتهى.
[٧٢٩] قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ.
(وأبو ميسرة اسمه: عمرو بن شرحبيل) الكوفي الهمداني، ثقة عابد مخضرم. (ومعنى لإربه
يعني: لنفسه) هذا بيان حاصل المعنى، وقد عرفت أصل معنى ((لإربه)).
(١) ما بين المعقوفتين غير موجود في ((النهاية)) (١/ ٧١). وفي ((لسان العرب)) و((تاج العروس)) كلام ابن الأثير هذا
من غير هذه الزيادة.

٤٩٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللَّيْلِ
٣٣- بَابٌ مَا جَاءَ لَ صِيَامَ لَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللَّيْلِ [ت٣٣، ٣٣٢]
[٧٣٠] (٧٣٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى
بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ
لَهُ)). [ن: ٢٣٣٠، د: ٢٤٥٤، جه بنحوه: ١٧٠٠، حم: ٢٥٩١٨، طا بنحوه: ٦٣٧، مي بنحوه: ١٦٩٨].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ حَفْصَةَ حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر قَوْلُهُ، وَهُوَ أَصَحُ.
٣٣- باب ما جاء لا صيامَ لَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللَّيْلِ
[٧٣٠] قوله: (من لم يجمع الصيام) قال في ((النهاية)): الإجماع: إحكام النية والعزيمة،
أجمعت الرأي، وأزمعته، وعزمت علیه بمعنی. انتهى.
والمعنى: من لم يصمم العزم على الصوم. (قبل الفجر) أي: قبل الصبح الصادق. (فلا
صيام له) ظاهره: أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل الفجر، فرضًا كان أو نفلًا، وإليه ذهب ابن
عمر وجابر بن زيد ومالك والمزني وداود.
وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية من النهار، وخصصوا هذا الحديث بما روي عن
عائشة؛ أنها قالت: كان النبي ◌َّل﴿ يأتيني فيقول: أَعِنْدَك غَدَاءٌ؟ فأقول: لا، فيقول: إِنِّي
صَائِمٌ (١).
وفي رواية: ((إِنِّي إذَنْ لَصَائِمٌ)). و((إِذَن)) للاستقبال، وهو جواب وجزاء؛ كذا في
((المرقاة)).
قلت: والظاهر الراجح هو ما ذهب إليه الباقون.
قوله: (حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع،
عن ابن عمر قوله، وهو أصح) قال في ((المنتقى)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه الخمسة.
وقال في ((النيل)): أخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان، وصحّحاه مرفوعًا، وأخرجه
أيضًا الدار قطني.
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٤)، والنسائي - واللفظ له - كتاب الصيام. حديث (٢٣٢٤).

٤٩٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ ر بَابُ مَا جَاءَ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللَّْلِ
وَهَكَذَا أَيْضًا رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عنِ الزُّهْرِيِّ مَوْقُوفاً، وَلَا نَعْلَمُ أَحَداً رَفَعَهُ إِلَّا
يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ
قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ فِي صِيَامٍ نَذْرٍ، إِذَا لَمْ يَنْوِهِ مِنَ
وقال الحافظ في ((التلخيص)): واختلف الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابن أبي حاتم عن
أبيه: لا أدري أيهما أصح؛ يعني: رواية يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن
الزهري، عن سالم، لكن الوقف أشبه، وقال أبو داود: لا يصح رفعه.
وقال الترمذي: الموقوف أصح.
ونقل في ((العلل)) عن البخاري أنه قال: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب.
والصحيح عن ابن عمر موقوف.
وقال النسائي: الصواب عندي موقوف، ولم يصح رفعه.
وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد.
وقال الحاكم في ((الأربعين)): صحيح على شرط الشيخين.
وقال في ((المستدرك)): صحيح على شرط البخاري. قال البخاري: رواته ثقات، إلا أنه
روي موقوفًا .
وقال الخطابي: أسنده عبد الله بن أبي بكر، والزيادة من الثقة مقبولة.
وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيده قوة.
وقال الدارقطني: كلهم ثقات. انتهى كلام الحافظ.
قال الشوكاني: وقد تقرر في الأصول: أن الرفع من الثقة زيادة مقبولة، وإنما قال ابن
حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة؛ لأن من رواه مرفوعًا فقد رواه موقوفًا باعتبار الطرق،
قال: وفي الباب عن عائشة عند الدارقطني، وفيه: عبد الله بن عباد؛ وهو مجهول، وقد ذكره
ابن حبان في ((الضعفاء)).
وعن ميمونة بنت سعد عند الدار قطني(١) أيضًا بلفظ: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((مَنْ
أَجْمَعَ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فليَصُمْ، ومَنْ أَصْبَحَ ولمْ يُجْمِعْهُ فلا يَصُمْ))، وفي إسناده الواقدي.
انتهى كلام الشوكاني.
(١) الدارقطني (١٧٣/٢) (٥).

٥٠٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللَّيْلِ
اللَّيْلِ لَمْ يُجْزِهِ. وَأَمَّا صِيَامُ التَّطَوُّعِ فَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَنْوِيَهُ بَعْدَ مَا أَصْبَحَ، وَهُوَ قَوْلُ
الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
قوله: (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) واستدلوا بحديث الباب، وبحديث عائشة
المذكور.
وتقرير الاستدلال: بأن قوله وَالر: ((لا صِيَامَ ... )) في حديث الباب نكرة في سياق
النفي، فيعم كل صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه إجماع الصيام
قبل الفجر، وقد قام الدليل على أن صيام التطوع لا يشترط فيه الإجماع قبل الفجر، وهو
حديث حفصة المذكور في الباب، والظاهر: أن النفي متوجه إلى الصحة؛ لأنها أقرب
المجازين إلى الذات، أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية. وقد عرفت ما ذهب إليه ابن عمر
وجابر بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - ومالك وغيرهم، ولعل حديث عائشة المذكور لم
يبلغهم.
وفي ((اللمعات)): والمذهب عندنا - يعني: الحنفية - أنه يجوز صوم رمضان والنفل والنذر
المعين بنية من نصف النهار الشرعي، وشرط للقضاء والكفارة والنذر المطلق أن يبيِّت النية؛
لأنها غير متعينة، فلا بد من التعيين في الابتداء، والدليل لنا في الفرض ما روي في السنن
الأربعة، عن ابن عباس قوله ◌َّله بعد ما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال. ((ألا مَنْ أَكَلَ فلا
يَأْكُلْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، و[مَنْ] لم يَأْكُلْ فِلَيَصُمْ)) (١) .
وأما حديث حفصة مع أنه قد اختلف في رفعه: فمحمول على نفي الكمال. انتهى ما في
((اللمعات)).
قلت: أجيب عن رواية ابن عباس: بأنه إنما صحت النية في النهار في صورة شهادة
الأعرابي برؤية الهلال؛ لأن الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورًا؛ فيخص
الجواز بمثل هذه الصورة؛ أعني: من انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان، وكمن
ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار؛ كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم.
وأما الاختلاف في رفع حديث حفصة: فأجيب عنه: بأن الرفع زيادة، والزيادة من الثقة
مقبولة.
(١) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٢١)، وابن حبان. حديث (٣٦١٩)، من حديث سلمة بن الأكوع،
وأحمد. حدیث (٢٠٥٨)، من حديث ابن عباس.