النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الْإِقْطَارُ
١٠- بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ (ت١٠، ١٠٢]
[٦٩٤] (٦٩٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَله: (مَنْ وَجَدَ تَمْراً فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءِ
ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي 18َّ ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما
جاءنا بصيغة مجملة، أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل ((المدينة)) برؤية أهل ((الشام)) على
تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصًا لذلك العموم؛
فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس، وعدم الإلحاق به؛ فلا
يجب على أهل ((المدينة)) العمل برؤية أهل ((الشام)) دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك
حكمة لا نعقلها .
ولو نسلم صحة الإلحاق، وتخصيص العموم به؛ فغايته: أن يكون في المحلات التي
بينها من البعد ما بين ((المدينة)) و((الشام)) أو أكثر. وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر،
فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل
بالرؤية؟
والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية [وجماعة من الزيدية واختاره المهدي
منهما، وحكاه القرطبي عن شيوخه؛ أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها، ولا يلتفت إلى
ما قاله ابن عبد البر من أن هذا القول خلاف الإجماع. قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا
تراعى الرؤية فيما بعد من البلد كـ (خراسان)) و((الأندلس))؛ وذلك لأن الإجماع لا يتم
والمخالف مثل هؤلاء الجماعة. انتهى كلام الشوكاني؛ فتفكر، وتأمل.
١٠- باب ما جاء ما يُسْتَحَبُّ عليه الإِفْطَارُ
[٦٩٤] قوله: (من وجد تمرًا فليفطر عليه) الأمر للندب.
قال البخاري في ((صحيحه))(١): ((باب: يفطر بما تيسر بالماء وغيره)). ثم ذكر حديث
عبد الله بن أوفى قال: سرنا مع رسول الله وَّه وهو صائم، فلما غربت الشمس قال: ((انْزِلْ
فَاجْدَعْ لنا ... إلخ)). قال الحافظ في ((الفتح)): لعل البخاري أشار إلى أن الأمر في قوله:
(١) البخاري، كتاب الصيام. حديث (١٩٥٦).

٤٤٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ ر بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ
فَإِنَّ المَاءَ طَهُورٌ)). [ضعيف: حم: ١٥٨٠٩].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسِ لَا نَعْلَمُ أَحَداً رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَ هَذَا غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ
عَامِرٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ أَضْلاً مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ
صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَد رَوَى أصْحابُ شُعْبَةَ هَذَا الحَدِيثَ عَن شُعْبَةَ، عَن عَاصِمٍ
الْأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ
وَلَهُ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عامِرٍ، وَهَكَذَا رَوَوْا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ،
عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شُعْبَةُ عَنِ الرَّبَابِ،
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ عَاصِمِ الْأَخْوَلِ،
عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عامِرٍ .
(مَنْ وَجَدَ تَمْرًا فليُفطِرْ عليه، ومَنْ لا فلْيُفْطِرْ على المَاءِ)) ليس على الوجوب. وقد شذ ابن
حزم؛ فأوجب الفطر على التمر، وإلا فعلى الماء. انتهى.
(فإن الماء طهور) أي: بالغ في الطهارة، فيبتدأ به؛ تفاؤلًا بطهارة الظاهر والباطن.
قال الطيبيُّ: لأنه مزيل المانع من أداء العبادة؛ ولذا منَّ الله تعالى على عباده: ﴿وَأَنْزَلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (وفي الباب عن سلمان بن عامر) أخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن
ماجه، والدارمي(١).
قوله: (وهو حديث غير محفوظ) فإنه تفرد به سعيد بن عامر بروايته، عن شعبة، عن
عبد العزيز بن صهيب، عن أنس. وخالفه أصحاب شعبة، فرووه عن شعبة، عن عاصم
الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر. وكذلك رواه أصحاب عاصم
الأحول؛ كسفيان الثوري، وابن عيينة وغيرهما .
(١) أحمد. حديث (١٥٧٩٢)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٦٩٥)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث
(٢٣٥٥)، وابن ماجه، كتاب الحدود. حديث (١٦٩٩)، والدارمي. حديث (١٧٠١).

٤٤٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ رَ بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ
وَابْنُ عَوْنٍ يَقُولُ: عَنْ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، وَالرَّبَابُ
هِيَ: أُمُ الرَّائِحِ.
[٦٩٥] (٦٩٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَاصِمِ الْأَحْوَلِ، ح وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمُ الْأَحْوَلِ، وَحَدَّثَنَا
قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ، عَنْ خَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ،
عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرِ الضَّبِّيِّ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ
فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرِ)).
زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ((فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ)). [ضعيف،
الرباب لا تعرف إِلَّا برواية حفصة عنها، د: ٢٣٥٥، جه: ١٦٩٩، حم: ١٥٧٩٢، مي: ١٧٠١].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قوله: (وابن عون يقول: عن أم الرائح بنت صليع ... إلخ) يعني: أن ابن عون وهو
عبد الله بن عون بن أرطبان البصري يقول في روايته: عن أم الرائح بنت صليع مكان ((عن
الرباب)) والرباب ليست غير أم الرائح، بل هما واحدة. قال في ((التقريب)): الرباب بفتح
أولها، وتخفيف الموحدة، وآخرها موحدة: بنت صليع بمهملتين مصغرة الضبية المصرية،
مقبولة، من الثالثة.
وقال في ((الخلاصة)): الرَّباب بنت صُليع أم الرائح عن عمها سلمان بن عامر، وعنها
حفصة بنت سیرین.
[٦٩٥] قوله: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر) فيه: دليل على مشروعية الإفطار
بالتمر، فإن عدم فبالماء، ولكن حديث أنس الآتي يدل على أن الرطب أولى من اليابس،
فیقدم عليه إن وجد.
وإنما شرع الإفطار بالتمر؛ لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم،
وهذا أحسن ما قيل في المناسبة. وقيل: لأن الحلو يوافق الإيمان، ويرق القلب، وإذا كانت
العلة كونه حلوًا والحلو له ذلك التأثير، فيلحق به الحلويات كلها؛ قاله الشوكاني وغيره.
وقال ابن الملك: الأولى أن تحال علته إلى الشارع. انتهى. قلت: لا شك في كونه
أولی.

٤٤٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ رَ بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ
[٦٩٦] (٦٩٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ
عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ، حَسَا حَسَواتٍ
مِنْ مَاءِ.
[د: ٢٣٥٦، حم: ١٢٢٦٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يُفْطِرُ فِي الشِّتَاءِ عَلَى تَمَرَاتٍ وَفِي
الصَّيْفِ عَلَى المَاءِ.
[٦٩٦] قوله: (يفطر قبل أن يصلي) أي: المغرب، وفيه إشارة إلى كمال المبالغة في
استحباب تعجيل الفطر. وأما ما صح أن عمر وعثمان ما كانا برمضان يصليان المغرب
حتى ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة؛ فهو لبيان جواز التأخير؛ لئلا يظن
وجوب التعجيل، ويمكن أن يكون وجهه أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يفطر في بيته، ثم
يخرج إلى صلاة المغرب، وأنهما كانا في المسجد، ولم يكن عندهما تمر ولا ماء، أو كانا
غير معتكفين، ورأيا الأكل والشراب لغير المعتكف مكروهين. لكن إطلاق الأحاديث ظاهر
في استثناء حال الإفطار؛ كذا في ((المرقاة)).
(فإن لم تكن رطبات) بالرفع. (فتميرات) بالتصغير مجرور ومرفوع، وقد وقع في بعض
الروايات: ((ثَلاثُ رُظْبَاتٍ وَثَلاثُ تُمَيْرَاتٍ))؛ قاله الشيخ عبد الحق في ((اللمعات)). (حسا
حسوات) بفتحتين أي: شرب ثلاث مرات. قال في ((النهاية)): الحُسْوَةٌ بالضم: الجرعة من
الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة، وبالفتح المرة. والحديث دليل على استحباب الإفطار
بالرطب، فإن عدم فبالتمر، فإن عدم فبالماء.
قال القاري في ((المرقاة)): وقول من قال: السنة بـ ((مكة)) تقديم ماء زمزم على التمر، أو
خلطه به فمردود بأنه خلاف الاتباع، وبأنه وَ ليه صام عام الفتح أيامًا كثيرة، ولم ينقل عنه أنه
خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء، ولو كان لنقل. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وصحَّحه الدار قطني. قال ميرك: ورواه أبو يعلى(١) ،
ولفظه: كان رسول الله ويله يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار.
(١) أبو يعلى. حديث (٣٣٠٥)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٥/٣): وفيه عبد الواحد بن ثابت، وهو ضعيف.

٤٤٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ تَصُومُونَ
١١- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ تَصُومُونَ،
وَأن الفِطْرَ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَخُّونَ [ت١١، ١١٢]
[٦٩٧] (٦٩٧) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ
الْأَخْنَسِيِّ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((الصَّوْمُ يَوْمَ
تَصُومُونَ، وَالفِظْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْم تُضَخُونَ)). [٥: ٢٣٢٤، جه: ١٦٦٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ، وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ،
فَقَالَ: إِنَّما مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الصَّوْمَ وَالفِظْرَ مَعَ الجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ.
١١- باب ما جاءَ أَنَّ الصَّوْمِ يَوْمَ تَصُومُونَ ... إلخ
[٦٩٧] قوله: (الصوم يوم تصومون ... إلخ) هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه
أيضًا إلا أنهما لم يذكرا الصوم يوم تصومون. وفي الباب عن عائشة رضيها بلفظ: قالت: قال
رسول الله رَّةٍ: ((الفِطْرُ يَوْمَ يَقطر النَّاسُ والأضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ)). أخرجه الترمذي(١)
وصحَّحه، وأخرجه الدار قطني أيضًا وقال: وقفه عليها هو الصواب.
قوله: (هذا حديث غريب حسن) وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقال الشوكاني في
((النيل)): رجال إسناده ثقات. انتهى.
قوله: (وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع
الجماعة، وعِظَمِ الناس) بكسر العين وفتح الظاء، أي: كثرة الناس.
وقال الخطابي في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد،
فلو أن قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد ثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم
ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين؛ فإن صومهم وفطرهم مَاضٍ لا شيء عليهم من وِزْرٍ
أو عَيْبٍ؛ وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته.
وقال المنذري في ((تلخيص السنن)): وقيل: فيه الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام
احتياطًا، وإنما يصوم يوم يصوم الناس.
(١) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٨٠٢)، والدارقطني (٢٢٥/٢) (٣٧).

٤٤٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ فَقَدْ أَقْطَرَ الصَّائِمُ
١٢ - بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ [ت١٢، ١٢٢]
[٦٩٨] (٦٩٨) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمسُ
وقيل: فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل، جاز له
أن يصوم به ويفطر، دون من لم يعلم، وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال، ولم يحكم
القاضي بشهادته أن هذا لا يكون صومًا له، كما لم يكن للناس. انتهى.
قال الشوكاني في ((النيل)) بعد نقل كلام المنذري: وقد ذهب إلى الأخير محمد بن
الحسن الشيباني قال: إنه يتعين على المنفرد برؤية هلال الشهر حكم الناس في الصوم
والحج، وإن خالف ما تيقنه، وروي مثل ذلك عن عطاء والحسن. والخلاف في ذلك
للجمهور؛ فقالوا: يتعين عليه حكم نفسه فيما تيقنه، وفسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي.
وقيل في معنى الحديث: إنه إخبار بأن الناس يتحزبون أحزابًا، ويخالفون الهدي النبوي؛
فطائفة تعمل بالحساب، وعليه أمة من الناس، وطائفة يقدمون الصوم والوقوف بـ ((عرفة))،
وجعلوا ذلك شعارًا وهم الباطنية، وبقي على الهدي النبوي الفرقة التي لا تزال ظاهرة على
الحق؛ فهي المرادة بلفظ: ((الناس)) في الحديث؛ وهي السواد الأعظم، ولو كانت قليلة
العدد؛ كذا في ((النيل)).
١٢ - باب ما جاء إذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وأَدْبَرَ النَّهَارُ ... إلخ
[٦٩٨] قوله: (إذا أقبل الليل) أي: ظلامه من جهة المشرق. (وأدبر النهار) أي: ضياؤه
من جانب المغرب (وغابت الشمس) أي: غابت كلها .
قال الطيبيُّ: وإنما قال: ((وغربت الشمس)) مع الاستغناء عنه؛ لبيان كمال الغروب؛ كيلا
يظن أنه يجوز الإفطار لغروب بعضها. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور؛ لأنها وإن كانت متلازمة في
الأصل، لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق، ولا
يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار؛ فمن ثم قيد
بقوله: ((وغربت الشمس)) إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار، وأنهما بواسطة غروب
الشمس، لا بسبب آخر. انتهى.

٤٤٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ
فَقَدْ أَفْطَرْتَ)). [خ: ١٩٥٤، م: ١١٠٠، د: ٢٣٥١، حم: ٢٣٢، مي: ١٧٠٠].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(فقد أفطرت) وفي رواية الشيخين: ((فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)).
قال الحافظ: أي: دخل في وقت الفطر، كما يقال: أنجد إذا أقام بـ ((نجد))، وأتهم إذا
أقام بـ ((تهامة))، ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا في الحكم، لكون الليل ليس ظرفًا
للصيام الشرعي. وقد رد هذا الاحتمال ابن خزيمة، وأومأ إلى ترجيح الأول؛ فقال: قوله:
((فقد أفطر الصائم)) لفظ خبر، ومعناه الأمر؛ أي: فليفطر الصائم. ورجح الحافظ الاحتمال
الأول برواية شعبة بلفظ: ((فَقَدْ حَلَّ الإِفْطَارُ)).
وقال الطيبيُّ: ويمكن أن يحمل الإخبار على الإنشاء إظهارًا للحرص على وقوع المأمور
به. انتھی.
قوله: (وفي الباب عن ابن أبي أوفى، وأبي سعيد) .
أما حديث ابن أبي أوفى: فأخرجه البخاري ومسلم(١).
وأما حديث أبي سعيد: فلم أقف عليه، وذكر البخاري في ((صحيحه))(٢) تعليقًا من فعله
بلفظ: وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس.
قال الحافظ في ((الفتح)): وصله سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة من طريق عبد الواحد بن
أيمن، عن أبيه قال: ((دخلنا على أبي سعيد، فأفطر، ونحن نرى أن الشمس لم تغرب)).
قوله: (حديث عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم.
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٥٧)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٠١).
(٢) البخاري، تعليقًا، كتاب الصوم، باب: متى يحل فطر الصائم، ووصله ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨٩٤٩).

٤٤٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ
١٣- بَابُ مَا جَاءَ في تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ [ت١٣، ١٣٢]
[٦٩٩] (٦٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ،ح قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ قِرَاءَةً عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ
أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا
عَجَّلُوا الفِطْرَ)). [خ: ١٩٥٧، م: ١٠٩٨، جه: ١٦٩٧، حم: ٢٢٢٩٨، طا: ٦٣٨، مي: ١٦٩٩].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
١٣ - باب ما جاء في تَعْجِيلِ الإِقْطَارِ
[٦٩٩] قوله: (لا يزال الناس بخير) في حديث أبي هريرة: ((لا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا».
وظهور الدين مستلزم لدوام الخير. (ما عجلوا الفطر) أي: ما داموا على هذه السُّنَّةِ. زاد
أبو ذر في حديثه: ((وَأَخَّرُوا السُّحُورَ)). أخرجه أحمد(١).
((وما)) ظرفية؛ أي: مدة فعلهم ذلك؛ امتثالًا للسنة، واقفين عند حدها، غير متنطعين
بعقولهم ما يغير قواعدها. زاد أبو هريرة [في حديثه]: ((لأَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ)).
أخرجه أبو داود(٢) وغيره.
واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بإخبار عدلين،
وكذا عدل واحد في الأرجح؛ قاله الحافظ في ((الفتح)).
قال القاري: قال بعض علمائنا: ولو أخر لتأديب النفس، ومواصلة العشاءين بالنقل غير
معتقد وجوب التأخير ؛ لم يضره ذلك.
أقول: بل يضره؛ حيث يُفوّتُه السُّنَّةَ، وتعجيل الإفطار بشربة ماء لا ينافي التأديب
والمواصلة، مع أن في التعجيل إظهار العجز المناسب للعبودية، ومبادرة إلى قبول الرخصة
في الحضرة الربوبية. انتهى كلام القاري.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه(٣) مرفوعًا بلفظ:
((لا يَزَالُ هذا الدِّينُ ظاهِرًا ما عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ؛ لأنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى يُؤَخِرُونَ)).
(١) أحمد. حديث (٢١٣٥٠).
(٢) أبو داود، كتاب الصيام. حديث (٢٣٥٣).
(٣) أبو داود، كتاب الصيام. حديث (٢٣٥٣)، والنسائي في ((الكبرى)). حديث (٣٣١٣)، وابن ماجه، كتاب
الحدود. حديث (١٦٩٨).

٤٤٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْإِقْطَارِ
وابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ
أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرُهُمْ، اسْتَحَبُّوا تَعْجِيلَ الفِطْرِ، وَبِهِ يَقُولُ
الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ.
[٧٠٠] (٧٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ
الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي ◌َّرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهَ: ((قَالَ الله تعالى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِظْراً)).
[ضعيف، قرّة ضعيف، حم: ٧٢٠٠].
(وابن عباس) أخرجه الطيالسي(١) بلفظ: قال: قال رسول اللهِ وَله: ((إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ
أُمِرْنا أَنْ نُعَجِّلَ إِفْطَارَنَا، ونُؤَخِّرَ سُحُورَنا، وَنَضَعَ أَيْمَانَنا على شَمَائِلِنَا في الصَّلاةِ»؛ كذا في
(سراج السرهندي)).
(وعائشة ﴿ّا) أخرجه الترمذي(٢). (وأنس بن مالك) أخرجه الحاكم وابن عساكر(٣)
بلفظ: ((من فِقْهِ الرَّجُلِ في دِينِهِ تَعْجِيلُ فِظْرِهِ، وتأْخِيرُ سُحُورِهِ. وتَسَخَّرُوا؛ فَإِنَّهُ الغِذَاءُ
المُبَارَكُ).
قوله: (حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: (وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّار ... إلخ) أخرجه
عبد الرزاق (٤) وغيره بإسناده؛ قال الحافظ: صحيح، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان
أصحاب محمد بَّه أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا. انتهى.
[٧٠٠] قوله: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا) أي: أكثرهم تعجيلًا في الإفطار.
قال الطيبيُّ: ولعل السبب في هذه المحبة المتابعة للسنة، والمباعدة عن البدعة،
والمخالفة لأهل الكتاب. انتهى.
(١) الطيالسي في ((المسند)). حديث (٢٦٥٤).
(٢) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٠٢).
(٣) ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٨/٥٢).
(٤) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٥٩١).

٤٥٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْإِقْطَارِ
[٧٠١] (٧٠١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم وَأَبُو المُغِيرَةِ،
عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. [ضعيف: انظر ما قبله].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[٧٠٢] (٧٠٢) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْروقٌ عَلَى عَائِشَة، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ
المُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّةِ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِقْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ،
وَالآخَرُ يُؤْخِّرُ الْإِقْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُما يُعَجِّلُ الْإِقْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟
قُلْنَا: عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ.
وَالآخرُ: أَبُو مُوسَى. [م: ١٠٩٩، ن: ٢١٥٨، د: ٢٣٥٤، حم: ٢٣٦٩٢].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقال القاري: وفيه إيماء إلى أفضلية هذه الأمة؛ لأن متابعة الحديث توجب محبة الله
تعالى: ﴿قُلْ إِنََّا أَنَأْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللَّهُ﴾ [ص: ٦٥]، وإليه الإشارة بحديث: ((لا يَزَالُ الدِّينُ
ظَاهِرًا ما عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ؛ لأَنَّ الَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ))(١). انتهى.
[٧٠١] قوله: (هذا حديث حسن غريب) ورواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما))(٢)، نقله ميرك؛ كذا في ((المرقاة)).
[٧٠٢] قوله: (ويعجل الصلاة) الظاهر: أن المراد: صلاة المغرب، ويمكن حملها على
العموم، وتكون المغرب من جملتها؛ قاله أبو الطيب السندي.
(والآخر أبو موسى) قال الطيبيُّ: الأول: عمل بالعزيمة والسنة، والثاني: بالرخصة. انتهى.
قال القاري: وهذا إنما يصح لو كان الاختلاف في الفعل فقط، أما إذا كان الاختلاف
قوليًّا، فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في التعجيل، وأبو موسى اختار عدم
المبالغة فيه، وإلا فالرخصة متفق عليها عند الكل، والأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على
السنة، وعمل أبي موسى على بيان الجواز. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
(١) تقدم قبل قليل.
(٢) ابن خزيمة. حديث (٢٠٥٩)، وابن حبان. حديث (٣٥٠٢).

٤٥١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهَ بَابُ مَا جَاءَّ فِي تَأْخِيرِ السُّحُورِ
وَأَبُو عَطِيَّةَ اسْمُهُ: مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرِ الهَمْدَانِيُّ، وَيقَال: ابْنُ عَامِرِ الهَمْدَانِيُّ،
وَابْنُ عَامِرٍ أَصَحُ.
١٤- بَابُ مَا جَاءَ في تَأْخِيرِ السُّحُورِ [ت١٤، م١٤]
[٧٠٣] (٧٠٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ
الدَّسْتَوَائِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: تَسَخَّرْنَا مَعَ
النَّبِيِّ وَّةِ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ
آيةً. [خ: ٥٧٥، م: ١٠٩٧، ن: ٢١٥٤، حم: ٢١٠٧٥].
[٧٠٤] (٧٠٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَام، بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((قَدْرُ
قِرَاءَةٍ خَمْسِينَ آيَةً)). [جه: ١٦٩٤، حم: ٢١١٠٦، مي: ١٦٩٥].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ حُذَيْفَةً.
١٤ - باب ما جاء في تَأْخِيرِ السُّحُورِ
بفتح السين، وهو: ما يتسحر به من الطعام، وبالضم مصدر.
[٧٠٣] قوله: (قال: قلت) أي: قال أنس: قلت لزيد بن ثابت. (كم كان قدر ذاك؟)
وفي رواية البخاري: كم كان بين الأذان والسحور. (قال) أي: زيد بن ثابت. (قدر خمسين
آية) أي: متوسطة لا طويلة ولا قصيرة، ولا سريعة ولا بطيئة. و((قدر)) بالرفع على أنه خبر
المبتدأ، ويجوز النصب على أنه خبر ((كان)) المقدرة في جواب زيد؛ قاله الحافظ.
[٧٠٤] قوله: (وفي الباب عن حذيفة) أخرجه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (١) من رواية
زر بن حبيش قال: تسحرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة، فدخلت عليه،
فأمر بلقحة فحلبت، وبقدر فسخنت. ثم قال: كُلْ. قلت: إني أريد الصوم. قال: وأنا أريد
الصوم، قال: فأكلنا ثم شربنا، ثم أتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، قال: هكذا فعل بي
رسول الله ﴾، أو صنعت مع رسول الله وَطاهر. قلت: بعد الصبح؟ قال: بعد الصبح، غير أن
الشمس لم تطلع. وأخرجه النسائي وأحمد(٢).
(١) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٩٢١)، وأخرجه الطبري في تفسيره)) (٣٠١٤).
(٢) أحمد. حديث (٢٢٨٥٢)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢١٥٣).

٤٥٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ََّ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيَانِ الفَجْرِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ،
وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ، اسْتَحَبُّوا تَأْخِيرَ السُّحُورِ.
١٥- بَابُ مَا جَاءَ في بَيَانِ الفَجْرِ [ت١٥، ١٥٢]
[٧٠٥] (٧٠٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُلازِمُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ
النُّعْمَانِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي أَبِي طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه
تنبيه: قال العيني في ((عمدة القاري)): فإن قلت: حديث حذيفة يدل على أن تسحرهم
كان بعد الصبح، غير أن الشمس لم تطلع، وحديث زيد بن ثابت يدل على أن الفراغ من
السحور كان قبل الفجر بمقدار قراءة خمسين آية.
قلت: أجاب بعضهم بأن لا معارضة، بل يحمل على اختلاف الحال؛ فليس في رواية
واحد منهما ما يشعر بالمواظبة. انتهى.
قلت: هذا الجواب لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل؛ بل الجواب القاطع ما ذكره الحافظ
أبو جعفر الطحاوي بقوله بعد أن روى حديث حذيفة: وقد جاء عن رسول الله رجلا خلاف ما روي
عن حذيفة، فذكر الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان وغيرهما. وقال أيضًا: ويحتمل أن يكون
حديث حذيفة قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. انتهى كلام العيني.
قلت: أراد العيني بقوله: ((بعضهم)) الحافظ ابن حجر، ولم ينقل جوابه بتمامه، بل ترك
الجملة الأخيرة من جوابه، وهي: فتكون قصة حذيفة سابقة، فجواب الحافظ شَافٍ للعليل،
ومُرْوٍ للغليل، واعتراض العيني مما لا يلتفت إليه.
قوله: (حديث زيد بن ثابت حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
١٥ - باب ما جاء في بَيَانِ الفَجْرِ
[٧٠٥] قوله: (أخبرنا ملازم بن عمرو) بن عبد الله بن بدر أبو عمرو اليمامي، صدوق
من الثامنة؛ كذا في ((التقريب)).
قلت: روى عن عبد الله بن نعمان وغيره، وعنه هناد وغيره.
وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة.
(قال: حدثني عبد الله بن النعمان) السحيمي اليمامي، مقبول، من السادسة، كذا في
((التقريب)).

٤٥٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيَانِ الفَجْرِ
قَالَ: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ المُصْعِدُ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ
لَكُمُ الْأَحْمَرُ)). [د: ٢٣٤٨].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَبِي ذَرُّ، وَسَمُّرَةَ.
وقال في ((الخلاصة)): وثقه ابن حبان.
(ولا يهِيدنَّكم) بفتح أوله، وبالدال. من هاده يهيده هيدًا، وهو: الزجر. (الساطع
المصْعِد) بصيغة المفعول من: الإصعاد؛ أي: المرتفع، قال في ((المجمع)): أي: لا تنزعجوا
للفجر المستطيل، فتمتنعوا به عن السحور؛ فإنه الصبح الكاذب. وأصل الهيد: الحركة.
انتھی.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((لا یھیدنكم)) بكسر الهاء؛ أي: لا يزعجنكم، فتمتنعوا
به عن السحور؛ فإنه الفجر الكاذب. يقال: هدته أهیده إذا أزعجته.
ولابن أبي شيبة(١) عن ثوبان مرفوعًا: ((الفَجْرُ فَجْرَانٍ: فَأَمَّا الَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ،
فإنَّهُ لا يُحِلُّ شَيْئًا، ولا يُحَرِّمُهُ ولكن المُسْتَطِيرُ)) أي: هو الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ويُحِلُّ الصَّلاةَ.
وهذا موافق للآية الماضية، يعني: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (حتى يعترض لكم الأحمر) أي: الفجر الأحمر المعترض والمراد به
الصبح الصادق.
وفي ((عمدة القاري)): قوله: ((الساطع المصعد)) قال الخطابي: سطوعه: ارتفاعه مصعدًا
قبل أن يعترض. قال: ومعنى الأحمر ها هنا: أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة.
انتهى ما في ((العمدة)).
قوله: (وفي الباب عن عدي بن حاتم، وأبي ذر، وسمرة) ..
أما حديث عدي بن حاتم: فأخرجه الشيخان، وأخرجه أيضًا الترمذي(٢) في كتاب
((التفسير)).
وأما حديث أبي ذر: فأخرجه الطحاوي في (شرح الآثار))(٣) بلفظ: قال رسول الله وَّ﴾
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٠٧١).
(٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩١٦)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٩٠)، والترمذي، كتاب تفسير
القرآن. حدیث (٢٩٧٠).
(٣) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٧٩١).

٤٥٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيَّانِ الفَجْرِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ طَلْقِ بْنِ عَلِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ حَتَّى
يَكُونَ الفَجْرُ الْأَحْمَرُ المُعْتَرِضُ، وَبِهِ يَقُولُ عَامَّةُ أَهْلِ العِلْمِ .
لبلال: ((إِنَّكَ تُؤَذِّنُ إذا كان الفَجْرُ سَاطِعًا، وليس ذلكَ الصُّبْحَ، إنَّما الصُّبْحُ هكذا مُعْتَرِضًا))؛
كذا في ((نصب الراية)).
وأما حديث سمرة: فأخرجه مسلم (١) مرفوعًا بلفظ: ((لا يَغُرَّنَّكُمْ من سُحُورِكُمْ أَذَان بِلالٍ
ولا بَيَاضُ الأُفقِ المُسْتَطِيلِ هكذا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هكذا)) يعني: معترضًا، وفي رواية: ((ولا هذا
البَيَاضُ حَتَّى يَسْتَطِيرَ))، وأخرجه: الترمذي في هذا الباب.
قوله: (حديث طلق بن علي حديث حسن غريب من هذا الوجه) ذكر الحافظ هذا
الحدیث في «فتح الباري» وسكت عنه.
قوله: (وبه يقول عامة أهل العلم) من أصحاب النبي ويلقي والتابعين وغيرهم، وعليه تدل
الأحاديث المرفوعة الصحيحة.
وذهب معمر وسليمان الأعمش وأبو مجلز والحكم بن عتيبة: إلى جواز التسحر ما لم
تطلع الشمس، واحتجوا في ذلك: بحديث حذيفة الذي أشار إليه الترمذي؛ وذكرنا لفظه.
وقال ابن حزم عن الحسن: كُلْ ما امتريت.
وعن ابن جريج، قلت لعطاء: أيكره أن أشرب، وأنا في البيت لا أدري لعلي أصبحت؟
قال: لا بأس بذلك هو شك.
وقال ابن أبي شيبة(٢): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم قال: لم يكونوا
يعدون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
وعن معمر: أنه كان يؤخر السحور جدًّا حتى يقول الجاهل: لا صوم له.
وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق
الباب حتى لا يرى الفجر.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح، عن علي ربه أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن حين
يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٩٤)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٠٦).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٠٧٥).

٤٥٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّشْدِيدِ فِي الضِبَةِ لِلصَّائِم
[٧٠٦] (٧٠٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
أَبِي هِلَالٍ، عَنْ سَوَادَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ - هُوَ القُشَيْرِيُّ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ
الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الْأَفَقِ)). [م بنحوه: ١٠٩٤، ن بنحوه: ٢١٧٠، د: ٢٣٤٦، حم: ١٩٦٤٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
١٦ - بَابُ مَا جَاءَ في التَّشْدِيدِ في الغِيبَةِ لِلصَّائِمِ [ت١٦، م١٦]
[٧٠٧] (٧٠٧) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَن سعيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َد
قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ
وقال ابن المنذر: ذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيين بياض النهار من سواد الليل: أن
ينتشر البياض من الطرق والسكك والبيوت.
وروي بإسناد صحيح، عن سالم بن عبيد الأشجعي، وله صحبة؛ أن أبا بكر ◌َُّبه قال
له: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت ثم أتيته، فقلت: قد ابيض وسطع، ثم قال:
اخرج فانظر هل طلع؟ فنظرت فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي، وروي من
طريق وكيع، عن الأعمش؛ أنه قال: لولا الشهرة، لصليت الغداة، ثم تسحرت؛ كذا في
((عمدة القاري))، و((فتح الباري)).
قلت: تقدم الجواب عن حديث حذيفة، وأما الآثار فهي لا تقاوم الأحاديث المرفوعة
الصحيحة.
١٦ - باب ما جاء في التَّشْدِيدِ في الغِيبَةِ لِلصَّائِمِ
[٧٠٧] قوله: (من لم يدع) أي: لم يترك. (قول الزور) زاد البخاري في رواية:
((والجَهْل)). قال الحافظ في (الفتح)): المراد بقول الزور: الكذب. انتهى.
وقال القاري: المراد به: الباطل، وهو ما فيه إثم، والإضافة بيانية.
وقال الطيبيُّ: الزور: الكذب والبهتان؛ أي: من لم يترك القول الباطل من قول الكفر،
وشهادة الزور، والافتراء والغيبة والبهتان والقذف والشتم واللعن وأمثالها مما يجب على
الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها .

٤٥٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَرَ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الغِبَةِ لِلصَّائِمِ
وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)). [خ: ١٩٠٣، د: ٢٣٦٢، جه: ١٦٨٩،
حم: ٩٥٢٩].
(والعمل) بالنصب. و(به) أي: بالزور؛ يعني: الفواحش من الأعمال؛ لأنها في الإثم
کالزور.
وقال الطيبيُّ: هو العمل بمقتضاه من الفواحش، وما نهى الله عنه. (فليس لله حاجة)
أي: التفات ومبالاة، وهو مجاز عن عدم القبول بنفي السبب وإرادة نفي المسبب.
(بأن يدع طعامه وشرابه) فإنهما مباحان في الجملة، فإذا تركهما وارتكب أمرًا حرامًا من
أصله، استحق المقت وعدم قبول طاعته.
قال القاضي: المقصود من الصوم: كسر الشهوة وتطويع الأمارة، فإذا لم يحصل منه
ذلك، لم يبال بصومه، ولم ينظر إليه نظر عناية؛ فعدم الحاجة عبارة عن عدم الالتفات
والقبول، وكيف يلتفت إليه والحال أنه ترك ما يباح من غير زمان الصوم من الأكل والشرب،
وارتکب ما يحرم عليه في كل زمان. انتهى.
قال ابن بطال: ليس معناه: أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه: التحذير من قول
الزور، وما ذكر معه؛ وهو مثل قوله: ((مَنْ بَاعَ الخَمْرَ فَلْيُشَقِّص الخَنَازِيرَ))(١) أي: يذبحها،
ولم يأمره بذبحها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر.
وأما قوله: ((فليس لله حاجة)) فلا مفهوم له؛ فإن الله لا يحتاج إلى شيء. انتهى. قال
الحافظ في ((الفتح)): قال شيخنا؛ يعني: العراقي في ((شرح الترمذي)): لما أخرج الترمذي
هذا الحديث، ترجم ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم، وهو مشكل؛ لأن الغيبة ليست
قول الزور، ولا العمل به؛ لأنها: أن يذكُّرَ غيرَهُ بِما يكرَهُ، وقول الزور هو الكذب، وقد
وافق الترمذي بقية أصحاب السنن، فترجموا بالغيبة، وذكروا هذا الحديث، وكأنهم فهموا
من ذكر قول الزور والعمل به الأمر بحفظ النطق، ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى الزيادة التي
وردت في بعض طرقه؛ وهي الجهل؛ فإنه يصح إطلاقه على جميع المعاصي.
وأما قوله: (والعمل به) ، فيعود على الزور، ويحتمل أن يعود أيضًا على الجهل؛ أي:
والعمل بكل منهما. انتهى.
(١) أبو داود، كتاب الإجارة. حديث (٣٤٨٩)، وأحمد. حديث (١٨٢٣٩).

٤٥٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ََّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ السُّحُورِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٧- بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ السُّحُورِ [ت١٧، م١٧]
[٧٠٨] (٧٠٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ
صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)).
[خ: ١٩٢٣، م: ١٠٩٥، ن: ٢١٤٥، جه: ١٦٩٢، حم: ١١٥٣٩، مي: ١٦٩٦].
قوله: (وفي الباب عن أنس) أخرجه الطبراني في ((الأوسط))(١) بلفظ: ((مَنْ لَمْ يَدَعِ الخَنَا
وَالْكَذِبَ)). ورجاله ثقات؛ قاله الحافظ في ((الفتح)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة، إلا مسلمًا والنسائي.
١٧ - باب ما جاء في فَضْلِ السُّحُورِ
بالفتح هو: اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبألضم: المصدر والفعل نفسه؛
كذا في ((النهاية)).
[٧٠٨] قوله: (تسحروا) أمر ندب؛ كما أجمعوا عليه؛ أي: تناولوا شيئًا ما وقت السحر،
الحديث: (تَسَخَّرُوا وَلَوْ بِجِرْعَةٍ مَاءٍ)) وقد صحَّحه ابن حبان (٢)، وقيل: إنه ضعيف. انتهى.
قلت: قال الحافظ في ((فتح الباري)): يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول
ومشروب. وقد أخرج أحمد(٣) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((السُّجُورُ بَرَكَةٌ، فلا
تَدَعُوهُ ولو أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُم جَرْعَةً من مَاءٍ، فإنَّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلَّونَ على المُتَسَخِّرِينَ)).
ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: (تَسَخَّرُوا ولوٍ بِلُقْمَةٍ). انتهى.
(فإن في السحور بركة) قال القاري: الرواية المحفوظة عند المحدثين: فتح السين، وهو
ما يتسحر به من الطعام والشراب. انتهى.
(١) الطبراني في ((الأوسط)) (٣٦٢٢)، و((الصغير)) (٤٧٢)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٧١/٣): وفيه من لم
أعرفه.
(٢) ابن حبان. حديث (٣٤٧٦).
(٣) أحمد. حديث (١٠٧٠٢).

٤٥٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ السُّحُورِ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله،
وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَالعِربَاضِ بْنِ سَارِيَةً، وَعُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي
الدَّرْدَاءِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقال الجزري في ((النهاية)): أكثر ما يروى بالفتح، وقيل: إن الصواب بالضم؛ لأنه
المصدر والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام. انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): وهو
بفتح السين وبضمها؛ لأن المراد بالبركة: الأجر والثواب، فيتناسب الضم؛ لأنه مصدر
بمعنى التسحر أو البركة؛ لكونه يقوي على الصوم، وينشط له، ويخفف المشقة فيه، فيناسب
الفتح؛ لأنه ما يتسحر به.
وقيل: البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر. والأولى أن البركة في
السحور تحصل بجهات متعددة؛ وهي اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوي به على
العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على
من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك
نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن
عباس، وعمرو بن العاص، والعرباض بن سارية، وعتبة بن عبد الله، وأبي الدرداء) .
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه أبو داود وابن حبان(١) عنه مرفوعًا: ((نِعْمَ سَحُورُ
المُؤْمِنِ الَّمْرُ)).
وأما حديث عبد الله بن مسعود(٢) ، وحديث جابر(٣) : فلينظر من أخرجهما.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البزار والطبراني في ((الكبير)) (٤) عنه أن النبي ◌َّ- قال:
(ثَلاثَةٌ ليس عليهم حِسَابٌ فيما طَعِمُوا إِنْ شَاءَ الله تعالى إذا كان حَلالًا: الصَّائِمُ، والمُتَسَخِّرُ،
والمُرَابِطُ في سَبِيلِ الله)).
(١) أبو داود، كتاب الصوم، حديث (٢٣٤٥)، وابن حبان. حديث (٣٤٧٥).
(٢) أبو يعلى. حديث (٥٠٧٣)، وابن خزيمة. حديث (١٩٣٦)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)). حديث (٦٧٦).
(٣) أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٠/٧)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١١١/٣).
(٤) البزار (٤٦٣/١- كشف). حديث (٩٧٥)، والطبراني في «الكبير» (١٢٠١٢)، وقال الهيثمي في ((المجمع))
(١٥١/٣): وفيه عبد الله بن عصمة عن أبي الصياح، وهما مجهولان.

٤٥٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِلَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ السُّحُورِ
وَرُوِي عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنا وَصِيَامٍ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ
السَّحَرِ)).
وأما حديث عمرو بن العاص: فأخرجه الترمذي(١) في هذا الباب.
وأما حديث العرباض بن سارية: فأخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في
((صحیحیهما))(٢).
قال المنذري: رووه كلهم عن الحارث بن زياد، عن أبي رهم، عن العرباض، والحارث
لم يرو عنه غير يونس بن سيف. وقال أبو عمر النمري: مجهول يروي عن أبي رهم، حديثه
منکر. انتھی.
وأما حديث عتبة بن عبد: فلينظر من أخرجه(٣).
وأما حديث أبي الدرداء: فأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))(٤) عنه قال: قال رسول الله
وَلَى: (هُوَ الغِذَاءُ الْمُبَارَكُ))؛ يعني: السحور.
قوله: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب) ((ما)) زائدة أضيف إليها الفصل؛
بمعنى: الفرق. (أكلة السحر) قال النووي: بفتح الهمزة، هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه
الجمهور، وهو المشهور في روايات بلادنا، وهي عبارة: عن المرة الواحدة من الأكل؛
ک«الغدوة» والعشوة، وإن کثر المأکول فيها .
وأما الأكلة بالضم، فهي: اللقمة الواحدة. وادعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضم،
ولعله أراد رواية بلادهم فيها بالضم، قال: والصواب الفتح؛ لأنه المقصود هنا. انتهى كلام
النووي.
قال التوربشتي: والمعنى: أن السحور هو الفارق بين صيامنا، وصيام أهل الكتاب؛
لأن الله تعالى أباحه لنا إلى الصبح بعدما كان حرامًا علينا أيضًا في بدء الإسلام، وحرمه
(١) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٠٩).
(٢) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٤٤)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢١٦٣)، وابن خزيمة. حديث
(١٩٣٨)، وابن حبان. حديث (٣٤٦٥).
(٣) الطبراني في ((الكبير)) (١٣١/١٧) (٣٢٢)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٥١/٣): وفيه جبارة بن مغلس وهو
ضعيف.
(٤) ابن حبان. حديث (٣٤٦٤).

٤٦٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّومِ فِي السَّفَرِ
[٧٠٩] (٧٠٩) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ بِذَلِكَ.
[م: ١٠٩٦، ن: ٢١٦٥، د: ٢٣٤٣، حم: ١٧٣٠٨، مي: ١٦٩٧].
قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ: مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، وَأَهْلُ العِرَاقِ يَقُولُونَ: مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ،
وَهُوَ: مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحِ اللَّحْمِيُّ.
١٨- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصَّومِ في السَّفَرِ [ت١٨، م١٨]
[٧١٠] (٧١٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ، فَصَامَ
حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ
الصِّيَامُ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحِ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ،
عليهم بعد أن يناموا أو مطلقًا، ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة؛ فقول ابن
الهمام: إنه من سنن المرسلين غير صحيح؛ كذا في ((المرقاة)).
[٧٠٩] قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) أخرجه مسلم.
قوله: (وأهل مصر يقولون: موسى بن علي) بفتح العين وكسر اللام. (وأهل العراق
يقولون: موسى بن عُلي) بضم العين مصغرًا. (وهو موسى بن عُلي بن رباح اللخمي)
أبو عبد الرحمن البصري، صدوق ربما أخطأ، من السابعة؛ كذا في ((التقريب)).
١٨ - باب ما جاء في كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ
[٧١٠] قوله: (عام الفتح) أي: فتح ((مكة)).
(حتى بلغ كُرَاع الغميم) بضم الكاف، والغميم بفتح المعجمة؛ وهو: اسم واد أمام
((عسفان))؛ قاله الحافظ.
(فدعا بقدح من ماء) زاد في رواية مسلم: ((فَرَفَعهُ)).