النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمِ
قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ
الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْله: ((إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ
شَهْرِ رَمَضَانَ ... ))، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ.
٢- بَابُ مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمٍ [ت٢، م٢]
[٦٨٤] (٦٨٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا
بِيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْماً كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُم،
أبي بكر. (وسألت محمد بن إسماعيل ... إلخ) لكن يفهم من كلام الشيخ ابن حجر
العسقلاني أن الحديث المرفوع أخرجه ابن خزيمة والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم(١)
وقال: واللفظ لابن خزيمة ونحوه للبيهقي (٢) من حديث ابن مسعود، وقال فيه: ((فُتِحَتْ
أَبْوَابُ الجَنَّةِ فلم يُغْلَقْ بابٌ منها الشَّهْرَ كُلَّهُ)). انتهى كلامه. ويقوي رفع الحديث أن مثل هذا
لا يقال بالرأي؛ فهو مرفوع حكمًا. والله أعلم. تم كلام ميرك. كذا نقل القاري في ((المرقاة)»
كلام الجزري، وكلام ميرك، ثم تعقب على ميرك بوجوه لا يخلو بعضها عن كلام.
٢ - باب ما جاء لا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمٍ
[٦٨٤] قوله: (لا تقدموا) بفتح التاء، وأصله: ((لا تتقدموا)) بالتاءين، حذفت إحداهما؛
كما في ﴿تَفَّى﴾ [الليل: ١٤]. قال السيوطي في ((قوت المغتذي)): ((إنما نهي عن فعل ذلك؛
لئلا يصوم احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون من رمضان، وهو معنى قول المصنف. ((لمعنى
رمضان)) وإنما ذكر اليومين؛ لأنه قد يحصل الشك في يومين بحصول الغيم، أو الظلمة في
شهرين، أو ثلاثة؛ فلذا عقب ذکر الیوم بالیومین.
والحكمة في النهي ألا يختلط صوم الفرض بصوم نَفْلٍ قبله ولا بعده؛ حذرًا مما صنعت
النصارى في الزيادة على ما افترض عليهم برأيهم الفاسد)). انتهى.
(١) لم أجده بهذا اللفظ عند هؤلاء.
(٢) البيهقي في ((الشعب)) (٣٦٠٦).

٤٢٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمِ
صُومُوا لِرُؤْيتِهِ، وَأَقْطِرُوا لِرُؤْيتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ، ثُمَّ أَفْطِرُوا)).
[ن: ٢١٢٧، د: ٢٣٢٧، حم: ٢٧٢١١].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ.
وقال الحافظ: في ((فتح الباري)): ((والحكمة فيه: التقوِّي بالفطر لرمضان؛ ليدخل فيه
بقوة ونشاط، وهذا فيه نظر؛ لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بثلاثة أيام أو أربعة جاز.
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا؛ لأنه يجوز لمن له
عادة، كما في الحديث.
وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية؛ فمن تقدمه بيوم أو بيومين، فقد حاول الطعن في ذلك
الحكم؛ وهذا هو المعتمد. ومعنى الاستثناء: أن من كان له ورد، فقد أذن له فيه؛ لأنه
اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلحق بذلك
القضاء والنذر لوجوبهما .
قال بعض العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما، فلا
يبطل القطعي بالظن، وفي الحديث رد على من يرى بتقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، ورد
على من قال بجواز صوم النفل المطلق)). انتهى.
قوله: (صوموا لرؤيته) أي: لأجل رؤية الهلال، فـ ((اللام)) للتعليل، والضمير للهلال
على حد ﴿تَوَاَرَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] اكتفاء بقرينة السياق.
(فإن غم عليكم) أي: غطى الهلال في ليلة الثلاثين. قال الجزري في ((النهاية)): ((يقال:
غم علينا الهلال إذا حال دون رؤيته غيم، أو نحوه من: غممت الشيء إذا غطيته، وفي ((غم))
ضمير الهلال، ويجوز أن يكون ((غم)) مسندًا إلى الظرف؛ أي: فإن كنتم مغمومًا عليكم،
فأكملوا العدة)). انتهى. (فعدوا ثلاثين) بصيغة الأمر من: العد، والمعنى: أكملوا عدة شعبان
ثلاثين يومًا .
قوله: (وفي الباب عن بعض أصحاب النبي (وَلاقو ... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)):
وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة (١) من طريق ربعي عن حذيفة مرفوعًا: ((لا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ
حَتَّى تَرَوا الهِلالَ، أو تُكْمِلُوا العِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلالَ، أو تُكْمِلُوا العِدَّة)).
(١) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٢٦)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢١٢٦)، وابن خزيمة. حديث
(١٩١١).

٤٢٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِزَ ر بَابُ مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمٍ
[أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
(وَّهِ، عَنِ النَّبِّ بَّهِ بِنَحْوِ هَذَا].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كَرِهُوا أَنْ يَتَعَبَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولٍ
شَهْرٍ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْماً فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذَلِّكَ فَلَا بَأْسَ
بِهِ عِنْدَهُمْ.
[٦٨٥] (٦٨٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَقَدَّمُوا
شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً
فَلْيَصُمْهُ)). [خ: ١٩١٤، م: ١٠٨٢، ن: ٢١٨٩، د: ٢٣٣٥، جه: ١٦٥٠، حم: ٧١٥٩، مي: ١٦٨٩].
وقيل: الصواب فيه عن ربعي، عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته. انتهى.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد.
قوله: (كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان) قال
السيوطي في ((قوت المغتذي)): قوله: ((لا تقدموا الشهر بيوم أو يومين)) إنما نُهِيَ عن فعل ذلك
احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون من رمضان، وهو معنى قول المصنف: ((لمعنى رمضان)). انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): ((قال العلماء: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على
نية الاحتياط لرمضان)) قال الترمذي لما أخرجه ... فذكر الحافظ كلام الترمذي هذا إلى
قوله: ((لمعنى رمضان)).
[٦٨٥] قوله: (لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله بيوم أو يومين) إنما اقتصر على يوم أو
يومين؛ لأنه الغالب فيمن يقصد ذلك، وقد قطع كثير من الشافعية بأن ابتداء المنع من أول
السادس عشر من شعبان بحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فلا تَصُومُوا)) أخرجه
أصحاب السنن، وصححه ابن حبان وغيره(١) .
(١) أبو داود، كتاب الصيام. حديث (٢٣٣٧)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٣٨)، والنسائي في الكبرى
(٢٩١١)، وابن ماجه، كتاب الصيام. حديث (١٦٥١)، وابن حبان. حديث (٣٥٨٩).

٤٢٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الشَّكِّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الشَّكِّ [ت٣، ٣٠]
[٦٨٦] (٦٨٦) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدِ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ
الْأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ المُلَائِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: كُنَّا
عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَأَتَى بِشَاةٍ
وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين؛ لحديث الباب، ويكره التقدم
من نصف شعبان؛ للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث
الوارد فيه.
وقال أحمد [وابن](١) مَعين: إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه
فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصحُّ من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاوي (٢)،
واستظهر بحديث ثابت بن أنس مرفوعًا: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَعْبَانُ)) لكن إسناده
ضعيف، وجمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يُضْعِفُه الصوم، وحديث
الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان.
قال الحافظ: وهو جمع حسن.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
٣- باب ما جاء في كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الشَّكِّ
[٦٨٦] قوله: (حدثنا أبو خالد الأحمر) اسمه: سليمان بن حيان الأزدي الكوفي،
صدوق، يخطئ، من الثامنة.
(عن صِلَةَ بن زفر) بكسر الصاد المهملة، وتخفيف اللام المفتوحة، وزفر بالزاي والفاء
على وزن: عمر كوفي عبسي، من كبار التابعين وفضلائهم.
قوله: (كنا عند عمار بن ياسر) صحابي جليل مشهور من السابقين الأولين بدري، قتل
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٠٨٣).

٤٢٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الشَّكِّ
مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ: كُلُوا، فَتَنَخَى بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ: إِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عمَّارٌ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ
الَّذِي شُكَّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِم ◌َظْهِ. [ن: ٢١٨٧، د: ٢٣٣٤، جه: ١٦٤٥، مي: ١٦٨٢].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَأَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَمَّاٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
مع علي بـ ((صفين)) سنة سبع وثلاثين. (مصلية) أي: مشوية. (فتنحى بعض القوم) أي:
اعتزل. (فقال) أي: بعض القوم الذي اعتزل، واحترز عن أكلها. (من صام اليوم الذي شك
فيه) وفي بعض النسخ ((يشك فيه))، وذكر البخاري هذا الحديث في ((صحيحه)) (١) تعليقًا بلفظ:
((من صام يوم الشك))، والمراد من اليوم الذي يشك فيه: يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير
الهلال في ليلته بغیم ساتر أو نحوه، فيجوز كونه من رمضان، وكونه من شعبان.
(فقد عصى أبا القاسم) هو كنية رسول الله وَلفر، قيل: فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية
الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانًا ومكانًا، وغير ذلك.
قال الحافظ في ((فتح الباري)): ((استدل به على تحريم يوم الشك؛ لأن الصحابي لا يقول
ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبيل المرفوع.
قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك. وخالفهم الجوهري المالكي
فقال: هو موقوف. والجواب: أنه موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا)). انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه البزار (٢)، بلفظ: نهى رسول الله وَ خلفه عن
صيام ستة أيام أحدها اليوم الذي يشك فيه، وفي إسناده عبد الله بن سعيد المقبري، عن
جده؛ وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا الدارقطني، وفي إسناده الواقدي. وأخرجه أيضًا البيهقي،
وفي إسناده عباد، وهو عبد الله بن سعيد المقبري المتقدم، وهو منكر الحديث؛ كما قال
أحمد بن حنبل؛ كذا في ((النيل)). (وأنس) لم أقف على من أخرجه(٣).
قوله: (حديث عمار حديث حسن صحيح) وأخرجه أيضًا ابن حبان، وابن خزيمة
وصححاه، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي.
(١) البخاري، كتاب الصوم، قبل الحديث (١٩٠٦) معلقًا، ووصله أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)،
والنسائي (٢١٩٠)، وابن ماجه (١٦٤٥).
(٢) البزار (٤٩٨/١- كشف). حديث (١٠٦٠٦)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٠٣/٣): وفيه عبد الله بن سعيد
المقبري وهو ضعيف من طرقه كلها .
(٣) لم أقف عليه.

٤٢٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الشَّكِّ
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ
التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ: كَرِهُوا أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ،
قال العراقي في ((شرح الترمذي)): جمع الصاغاني في تصنيف له ((الأحاديث الموضوعة))
فذكر فيه حديث عمار المذكور، وما أدري ما وجه الحكم عليه بالوضع، وليس في إسناده من
يتهم بالكذب، وكلهم ثقات؟! وقال: وقد كتبت على الكتاب المذكور كراسة في الرد عليه
في أحاديث منها هذا الحديث. قال: نعم، في اتصاله نظر، فقد ذكر المزي في ((الأطراف))
أنه روى عن أبي إسحاق السبيعي، أنه قال: حدثت عن صلة بن زفر، لكن جزم البخاري
بصحته إلى صلة؛ فقال في ((صحيحه)): وقال صلة، وهذا يقتضي صحته عنده، وقال البيهقي
في ((المعرفة)): إنه إسناد صحيح. انتهى.
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ... إلخ) قال في ((النيل)): وقد استدل بهذه
الأحاديث؛ أي: بحديث عمار بن ياسر المذكور في الباب، وما في معناه؛ كأحاديث الأمر
بالصوم لرؤية الهلال، وكأحاديث النهي عن استقبال رمضان بصوم على المنع من صوم يوم
الشك.
قال النووي: وبه قال مالك والشافعي والجمهور، وحكى الحافظ: في ((الفتح)) عن
مالك وأبي حنيفة: أنه لا يجوز صومه عن فرض رمضان، ويجوز عما سوى ذلك.
قال ابن الجوزي: ولأحمد في هذه المسألة؛ وهي إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو
غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال:
إحداها : يجب صومه على أنه من رمضان.
وثانيها: لا يجوز فرضًا ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاء وكفارة ونذرًا ونفلًا يوافق عادة.
وثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر.
وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه؛ منهم: علي وعائشة وعمر وابن عمر وأنس بن
مالك وأسماء بنت أبي بكر وأبي هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم؛ وجماعة من
التابعين.
واستدل المجوزون لصومه بأدلة، ثم ذكرها الشوكاني، وتكلم عليها، وليس فيها ما يفيد
مطلوبهم، ثم قال: قال ابن عبد البر: وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك: عمر بن

٤٢٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي إِحْصَاءِ هِلَالٍ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ
وَرَأَى أَكْثَرُهُمْ: إِنْ صَامَهُ فَكَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ يَوْماً مَكَانَهُ.
٤- بَابُ مَا جَاءَ في إِخْصَاءِ هِلَالِ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ [ت٤، ٤٢]
[٦٨٧] (٦٨٧) حَدَّثَنَا مُسْلمُ بْنُ حَجَّاجٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ)).
الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمار وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن
مالك. ثم قال: والحاصل أن الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على
أحد، والحجة ما جاءنا عن الشارع؛ وقد عرفته. قال: وقد استوفيت الكلام على هذه
المسألة في الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال. انتهى.
(ورأى أكثرهم إن صامه) أي: صوم يوم الشك. (فكان من شهر رمضان أن يقضي يومًا
مكانه) لأن الذي صام يوم الشك لم يصم صوم رمضان على اليقين، وإن ظهر بعد أنه كان
من رمضان، فلا بد له من أن يقضي يومًا مكانه.
٤- باب ما جاء في إِخْصَاءِ هِلالٍ شَعْبَان لِرَمَضَانَ
[٦٨٧] قوله: (حدثنا مسلم بن حجاج) هو صاحب ((الصحيح)).
قال العراقي: لم يرو المصنف في كتابه شيئًا عن مسلم صاحب ((الصحيح)) إلا هذا
الحديث؛ وهو من رواية الأقران؛ فإنهما اشتركا في كثير من شيوخهما. انتهى.
قوله: (أحصوا) بقطع الهمزة أمر من: الإحصاء، وهو في الأصل: العد بالحصا؛ أي:
عدوا. (هلال شعبان) أي: أيامه. (لرمضان) أي: لأجل رمضان، أو للمحافظة على صوم
رمضان.
وقال ابن الملك: أي: لتعلموا دخول رمضان.
قال الطيبيُّ: الإحصاء المبالغة في العد بأنواع الجهد، ولذلك كنى به عن الطاقة في قوله
عليه الصلاة والسلام: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا))(١) . انتهى.
وقال ابن حجر: أي: اجتهدوا في إحصائه وضبطه، بأن تتحروا مطالعه، وتتراءَوا
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٢٧٧)، وأحمد. حديث (٢٢٤٣٢).

٤٢٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي إِخْصَاءِ هِلَالٍ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ،
وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
حَ، قَالَ: ((لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ)).
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ
وَهُ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو اللَّيْئِيِّ.
منازله؛ لأجل أن تكونوا على بصيرة في إدراك هلال رمضان على حقيقته حتى لا يفوتكم منه
شيء، كذا في ((المرقاة)). قال السيوطي في ((قوت المغتذي)): هذا الحديث مختصر من
حديث، وقد رواه الدار قطني(١) بتمامه فزاد: ((ولا تَخْلِطُوا بِرَمَضَانَ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذلك صِيَامًا
كان يَصُومُهُ أحَدُكُم، وصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ نُمَّ عَلَيْكُم فإِنَّها لَيْسَتْ تُغمَّى عَلَيْكُمُ
العِدَّةُ)). انتھی.
قوله: (لا نعرفه مثل هذا) أي: بهذا اللفظ. (إلا من حديث معاوية) يعني: أنه قد تفرد
بهذا اللفظ، (والصحيح ما روي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ... إلخ). لقائل أن
يقول: إن حديث أبي معاوية عن محمد بن عمرو بلفظ: ((أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ))، وما
رُوِيَ عن محمد بن عمرو بلفظ: ((لا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ ولا يَوْمَيْنِ)) حديثان يدلان على
معنیین .
فالأول: يدل على إحصاء هلال شعبان والتحفظ به، وقد روى أبو داود عن عائشة
قالت: كان رسول الله وَّيه يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ... الحديث.
والحديث الآخر: يدل على النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فالظاهر: أن
محمد بن عمرو يروي هذين الحديثين عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ فروى عنه أبو معاوية
الحديث الأول، وروى عنه غيره الحديث الآخر؛ فعلى هذا يكون الحديثان صحیحین؛
فتفكر، والله تعالى أعلم.
(١) الدارقطني (١٦٢/٢) (٢٨).

٤٢٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِّر بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهِلَالِ وَالإِفْطَارَ لَهُ
٥- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهِلَالِ وَالإِفْطَارَ لَّهُ [ت٥٢،٥]
[٦٨٨] (٦٨٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ
وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ يَوْماً)). [ن: ٢١٢٩، د: ٢٣٢٧،
حم: ٢٣٣١، طا: ٦٣٥].
وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ
وَجْهِ.
٥- باب ما جاء أَنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهِلالِ ... إلخ
[٦٨٨] قوله: (صوموا لرؤيته) الضمير للهلال على حد ﴿تَوَارَتْ بِاَلِجَابٍ﴾ [ص: ٣٢] اكتفاء
بقرينة السياق.
قال الطيبيُّ: اللام للتوقيت، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
(دونه) أي دون الهلال. (غياية) بفتح الغين المعجمة، والياءين المثناتين من تحت، وهي:
السحاب ونحوها. قال القاري: هذا هو المشهور في ضبط هذا الحديث. وقال ابن العربي
يجوز أن يجعل بدل الياء الأخيرة باء موحدة من: الغيب؛ وتقديره: ما خفي عليك واستتر،
أو نونًا من: الغين؛ وهو: الحجاب؛ كذا في ((قوت المغتذي)).
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الشيخان(١) . (وأبي بكرة) أخرجه
الشيخان(٢). (وابن عمر) أخرجه الشيخان(٣).
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي.
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٠٩)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨١).
(٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩١٢)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٩).
(٣) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٠٦)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٠).

٤٣٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ
٦- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ [٦٥، م٦]
[٦٨٩] (٦٨٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ،
أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ دِينَار، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ، قَالَ: مَا صُمْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ تِسْعاً وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ.
[د: ٢٣٢٢، جه: ١٦٥٨، حم: ٤١٩٧].
٦ - باب ما جاء أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وعِشْرِينَ
أي: قد یکون تسعًا وعشرين.
[٦٨٩] قوله: (عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار) بكسر المعجمة، صحابي قليل
الحديث، وهو أخو جويرية أم المؤمنين؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (ما صمت مع النبي ◌َّلفي ... إلخ) وفي رواية أبي داود: لما صمنا مع النبي
وير ... إلخ. قال أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)): كلمة ((ما)) تحتمل أن تكون
مصدرية في الموضعين؛ أي: صومي ((تسعًا وعشرين)) أكثر من صومي ثلاثين، وتحتمل أن
تكون في الموضعين موصولة، والعائد محذوف، والتقدير: ما صمته حال كونه تسعًا وعشرين
أكثر مما صمناه حال كونه ثلاثين، فيكون تسعًا وعشرين، وكذلك ((ثلاثين)) حال من ضمير
المفعول المحذوف الراجع إلى رمضان المراد بالموصول، وعلى التقديرين قوله: ((أكثر))
مرفوع على الخبرية. والحاصل: أن الأشهر الناقصة أكثر من الوافية.
وأما القول بأن كلمة ((ما)) الأولى نافية، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ((أكثر)) منصوبًا،
ويكون الحاصل: أن الناقص ما كان غالبًا على الوافي فبعيد، ويؤيد هذا البعد ما قال الشيخ
ابن حجر: قال بعض الحفاظ: صام ويل تسع رمضانات منها رمضانان فقط ثلاثون.
وقال النووي: وقد يقع النقص متواليًا في شهرين وثلاثة وأربعة، ولا يقع أكثر من أربعة.
انتهى كلام أبي الطيب باختصار. وحديث ابن مسعود هذا أخرجه أبو داود أيضًا، وسكت هو
والمنذري عنه، وذكره الحافظ في ((الفتح))، وسكت عنه هو أيضًا، وقال: ومثله عن عائشة
عند أحمد بإسناد جید. انتهى.
قلت: والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن.

٤٣١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهََِّ ر بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،
وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َل
قَالَ: ((الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ)).
[٦٩٠] (٦٩٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ
أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَلَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ نِسَائِهِ شَهْراً، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعاً وَعِشْرِينَ
قوله: (وفي الباب عن عمر وأبي هريرة ... إلخ) أما حديث عمر عظته فأخرجه
الشيخان(١).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه أيضًا الشيخان(٢).
وأما حديث عائشة: فأخرجه أحمد(٣).
وأما حديث سعد بن أبي وقَّاص: فأخرجه مسلم (٤) .
وأما حديث ابن عمر(٥) وأنس(٦) وجابر(٧) وأم سلمة(٨): فأخرجه مسلم وغيره.
وأما حديث ابن عباس(٩) وأبي بكرة (١٠) : فلينظر من أخرجه.
[٦٩٠] قوله: (آلى رسول الله وَل﴿ من نسائه) أي: حلف ألَّ يدخل عليهن، وليس المراد
بالإيلاء في هذا الحديث: الإيلاء الشرعي، بل المراد: الإيلاء اللغوي، وهو الحلف.
(فأقام في مَشْرُبَةٍ) بضم الراء وفتحها؛ أي: غرفة.
قال الجزري في ((النهاية)): المشربة بالضم والفتح: الغرفة. وفي ((القاموس)): المشربة:
(١) البخاري، كتاب المظالم. حديث (٢٤٦٨)، ومسلم، كتاب الطلاق. حديث (١٤٧٩)
(٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٠٩)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨١).
(٣) أحمد. حديث (٢٤٠٧٦).
(٤) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٦).
(٥) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٠).
(٦) البخاري، كتاب الأيمان والنذور. حديث (٦٦٨٤).
(٧) أحمد. حديث (١٤١١٧).
(٨) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٥).
(٩) البخاري، كتاب المظالم والغصب. حديث (٢٤٦٨).
(١٠) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩١٢)، ومسلم، كتاب الصوم. حديث (١٠٨٩).

٤٣٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ
يَوْماً، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْراً؟ فَقَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)).
[خ: ١٩١٠، م: ١٠٨٤، ن: ٣٤٥٦، حم: ٤٨٥١].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٧- بَابُ مَا جَاءَ في الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ [ت٧، ٧٢]
[٦٩١] (٦٩١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا
الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
الغرفة أو العلية. انتهى. والغرفة بالضم، والعلية بالضم والتشديد معناهما بالفارسية: برواره؛
كذا في ((الصراح))، وبرواره على وزن: همواره، معناه بالفارسية: بالإخانة وحجرة بالاء
حجرة. (الشهر تسع وعشرون) أي: هذا الشهر تسع وعشرون، أو المعنى: الشهر قد يكون
كذلك.
قال الحافظ في ((الفتح)): ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه،
بل قد يكون ثلاثين. والجواب: أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين، أو اللام للعهد،
والمراد: شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب؛ كقول ابن مسعود: ما صمنا مع
النبي ◌َّ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين. ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة: إن
الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا .
وقال ابن العربي: معناه: حصره من جهة أحد طرفيه؛ أي: أنه يكون تسعًا وعشرين؛
وهو أقله، ويكون ثلاثين؛ وهو أكثره؛ فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا
تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
٧- باب ما جاء في الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ
[٦٩١] (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري رحمه الله. (حدثنا محمد بن
الصباح) الدولابي أبو جعفر البغدادي ثقة حافظ، من العاشرة.
(حدثنا الوليد بن أبي ثور) هو: الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمداني الكوفي، وقد
ينسب بجده، ضعيف، من الثامنة؛ كذا في ((التقريب)).

٤٣٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ
جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ وَِّفَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلَالَ، قَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ؟
أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((يَا بِلَالُ، أَذْنْ فِي النَّاسِ أَنْ
يَصُومُوا غَداً)). [ضعيف: ن: ٢١١٢، د: ٢٣٤٠، جه: ١٦٥٢، مي: ١٦٩٢، الوليد ضعيف، ورواية سماك
عن عكرمة مضطربة].
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ،
نَحْوَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ اخْتِلافٌ، وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ،
عنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَلِ مُرْسَلًا، وَأَكْثَرُ أَصْحَابٍ سِمَاكٍ
رَوَوْا عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّلَ مُرْسَلًا. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ
أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الصِّيَامِ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ الْكُوفِةِ،
(جاء أعرابي) أي: واحد من الأعراب؛ وهم سكان البادية. (إني رأيت الهلال) يعني:
هلال رمضان، كما في رواية؛ يعني: وكان غيمًا، وفيه دليل على أن الإخبارَ كافٍ، ولا
يحتاج إلى لفظ الشهادة، ولا إلى الدعوى.
(قال: أتشهد أن لا إله إلا الله ... إلخ) قال ابن الملك: دل على أن الإسلام شرط في
الشهادة. (أذن في الناس) أمر من: التأذين، أي: نادٍ فيهم، وأعْلِمْهُم.
قوله: (وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك ... عن النبي ◌َ 98 مرسلًا) وقال النسائي:
إنه أولى بالصواب، وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة؛ كذا [قال] الحافظ في
((التلخيص)).
وقال في ((بلوغ المرام)): رواه الخمسة، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان، ورجّح النسائي
إرساله. انتهى.
قوله: (وبه يقول ابن المبارك والشافعي) أي: في أحد قوليه. قال النووي: وهو
الأصح. (وأحمد) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهو قول الجمهور، كما صرح به الحافظ
في ((الفتح))، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث ابن عمر ◌ُه قال: تراءى الناس الهلال،

٤٣٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ
قَالَ إِسْحَاقُ: لَا يُصَامُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ العِلْمِ فِي الْإِنْطَارِ أَنَّهُ لَا
يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ .
فأخبرت النبي ولو أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داود، وصحَّحه ابن حبان
والحاكم(١) .
(قال إسحاق: لا يصام إلا بشهادة رجلين) وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري
والشافعي في أحد قوليه، واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب؛ أنه خطب في
اليوم الذي شك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله وَّ وسألتهم [و](٢) إنهم
حدثوني؛ أن رسول الله ربَّله قال: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَقْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وانْسكُوا لها، فإنْ غُمَّ عليكُم
فَأَتِمُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا، فإنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ فَصُومُوا وأَفْطِرُوا)). رواه أحمد والنسائي(٣)،
ولم يقل فيه: ((مسلمان))، قال الشوكاني في ((النيل)): ذكره الحافظ في ((التلخيص)) ولم يذكر
فيه قدحًا، وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه. انتهى.
واستدلوا أيضًا بحديث أمير ((مكة)) الحارث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله وَالقر أن
ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل، نسكنا بشهادتهما، رواه أبو داود والدارقطني،
وقال: هذا إسناد متصل صحيح.
وأجاب من قال بقبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين: بأن التصريح بالاثنين
غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عباس وحديث ابن عمر المذكورين
يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح.
(ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين) قال النووي في
((شرح مسلم)): لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور؛
فجوزه بعدل. انتهى.
واحتجوا بما رواه الدارقطني والطبراني في «الأوسط)» (٤) من طريق طاوس قال: شهدت
(١) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٤٢)، وابن حبان. حديث (٣٤٤٧)، والحاكم. حديث (١٥٤١)، وقال:
صحيح على شرط مسلم.
(٢) زيادة يقتضيها السياق. وهي ثابتة في مسند أحمد وكبرى النسائي.
(٣) أحمد. حديث (١٨٤١٦)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢١١٦).
(٤) الدارقطني (١٥٦/٢) (٣)، والطبراني ((الأوسط)) (٥٣٥٣).

٤٣٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ ر بَابُ مَا جَاءَ: شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
٨- بَابُ مَا جَاءَ: شَهْرًا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ [ت٨، ٨٢]
[٦٩٢] (٦٩٢) حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
المُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ)). [خ: ١٩١٢، م: ١٠٨٩،
د: ٢٣٢٣، جه: ١٦٥٩، حم: ١٩٨٨٦].
قَالَ أَبُو عِيسَى:
(المدينة)) وبها ابن عمر وابن عباس، فجاء رجل [إلى واليها] (١) ، وشهد عنده على رؤية
هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه؛ وقالا: إن
رسول الله* أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا
بشهادة رجلين، قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي؛ وهو ضعيف.
فإن قلت: هذا الحديث ضعيف؛ فكيف يصح الاحتجاج به على عدم جواز شهادة رجل
واحد في الإفطار.
قلت: أصل الاحتجاج بحديث عبد الرحمن بن زيد، وحديث الحارث بن حاطب
المذكورين، فإن قوله وَجِ: ((فإنْ شَهِدَ شاهِدانِ مُسْلِمانِ فَصُومُوا وأَفْطِرُوا))(٢) في حديث
عبد الرَّحمن بن زيد، وقوله: (فإنْ لمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهادَتِهِمَا)) في حديث
الحارث يدلان بمفهومهما على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار، ولا يعارضه
منطوق؛ بل منطوق حديث ابن عمر وابن عباس وإن كان ضعيفًا يؤيدهما.
٨- باب ما جاء: شَهْرًا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ
[٦٩٢) قوله: (رمضان وذو الحجة) بدلان وبیانان. أطلق على رمضان أنه شهر عيد؛
لقربه من العيد، ونظير قوله وَله: ((المَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ)). أخرجه الترمذي(٣) من حديث ابن
عمر، وصلاة المغرب ليلية جهرية، وأطلق كونها وتر النهار؛ لقربها منه؛ قاله الحافظ.
(١) في نسخة: ((إليَّ وإليها))، وهو تصحيف.
(٢) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢١١٦)، وأحمد. حديث (١٨٩١٥).
(٣) الترمذي، أبواب السفر. حديث (٥٥٢).

٤٣٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ: شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ مُرْسَلًا.
قَالَ أَحْمَدُ: مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: ((شَهْرًا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ))، يَقُولُ: لَا يَنْقُصَانِ مَعاً
فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ شَهْرُ رَمَضَانَ وَذُو الحِجَّةِ، إِنْ نقَصَ أَحَدُهُمَا تَمَّ الآخَرُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: مَعْنَاهُ: ((لَا يَنْقُصَانِ))، يَقُولُ: وَإِنْ كَانَ تِسعاً وَعِشْرِينَ فَهُوَ تَمَامٌ
غَيْرُ نُقْصَانٍ.
وَعَلَى مَذْهَبٍ إِسْحَاقَ يَكُونُ يَنْقُصُ الشَّهْرَانِ مَعاً فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
قوله: (حديث أبي بَكْرة حديث حسن) وأخرجه الشيخان؛ فالظاهر أنه صحيح. (قال
أحمد) أي: ابن حنبل رحمه الله. (إن نقص أحدهما، تم الآخر) أي: إن جاء أحدهما تسعًا
وعشرين جاء الآخر ثلاثين. (وقال إسحاق) أي: ابن راهويه رحمه الله، وإن كان تسعًا
وعشرين فهو تمام غير نقصان؛ أي: فهو تام في الفضيلة غير ناقص. (وعلى مذهب إسحاق
يكون ينقص الشهران معًا في سنة واحدة) أي: على مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معًا في
سنة واحدة.
وفي ((صحيح البخاري)): وقال أبو الحسن: كان إسحاق بن راهويه يقول: لا ينقصان في
الفضيلة إن كان تسعة وعشرين أو ثلاثين. انتهى.
وذکر ابن حبان لهذا الحدیث معنیین:
أحدهما: ما قال إسحاق.
والآخر: أنهما في الفضل سواء؛ لقوله في الحديث الآخر: ((ما من أَيَّامِ العَمَلُ فيها
أَفْضَلُ من عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ))(١). وقيل: معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال
فيه وَّهِ تلك المقالة.
وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي، وقبله الطحاوي، فقال:
معنى ((لا ينقصان)) أَنَّ الأحكام فيهما - وإن كانا تسعة وعشرين - متكاملة غير ناقصة عن
حکمهما إذا كانا ثلاثين.
(١) الطبراني في ((الأوسط)) (٦٦٩٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٤/ ٢٨٤)، وأصله في البخاري بنحوه، كتاب
العيدين. حديث (٩٦٩).

٤٣٧
كِتَّابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َ / بَابُ مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْلٍ بَلَدِ رُؤْيَتُهُمْ
٩- بَابُ مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْلٍ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ [ت٩، ٩٢]
[٦٩٣] (٦٩٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنِ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، أَنَّ أُمَّ الفَضْلِ بِنْتَ الحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ
بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا
بِالشَّامِ، فَوَ أَيْنَا الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي ابْنُ
وقيل: معناه: لا ينقصان في نفس الأمر، لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، وهذا
أشار إليه ابن حبان أيضًا، ولا يخفى بعده.
وقيل: معناه: لا ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب، وإن ندر وقوع
ذلك، وهذا أعدل مما تقدم؛ لأنه ربما وجد وقوعهما، ووقوع كل منهما تسعة وعشرين. هذا
تلخيص ما قاله الحافظ في ((فتح الباري)).
وقال النووي في ((شرح مسلم)): الأصح أن معناه: لا ينقص أجرهما، والثواب المرتب
علیهما؛ وإن نقص عددهما .
وقيل: معناه: لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة غالبًا.
وقيل: لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان؛ لأن فيه المناسك؛ حكاه
الخطابي، وهو ضعيف. والأول هو الصواب المعتمد. ومعناه: أن قوله وَّهِ: ((مَنْ صَامَ
رَمَضَانَ إِيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ»(١). وقوله: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمانًا
واحْتِسابًا))(٢)، وغير ذلك؛ فكل هذه الفضائل تحصل، سواء تم عدد رمضان أم نقص.
انتھی.
قلت: الظاهر: هو ما قاله النووي. والله تعالى أعلم.
٩- باب مَا جاء لِكُلُّ أَهْلٍ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُم
[٦٩٣] قوله: (بعثته) أي: كريبًا. (واستهل علي رمضان) بضم التاء، من: استهل؛
قاله النووي؛ يعني: بصيغة المجهول. (فرأينا الهلال) وفي رواية مسلم: ((فرأيت الهلال))
(١) البخاري، كتاب الإيمان. حديث (٣٨)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٧٦٠).
(٢) البخاري، كتاب الإيمان. حديث (٣٧)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٧٥٩).

٤٣٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدِ رُؤْيَتُهُمْ
عَبَّاسِ، ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ:
أَأَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ فَقُلْتُ: رَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنْ رَأَيْنَاهُ
لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْماً أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤيَةِ
مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنا رَسُولُ اللهِ وَارِ. [م: ١٠٨٧، ن: ٢١١٠، د: ٢٣٣٢،
حم: ٢٧٨٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ.
(فقال: أأنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلت: رآه الناس فصاموا وصام معاوية) وفي رواية مسلم:
فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. (فقال: لكن رأيناه) أي:
فقال ابن عباس: لكن رأيناه. (حتى نكمل) من: الإكمال أو التكميل. (فقلت: ألا تكتفي
برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا ... إلخ) هذا بظاهره يدل على أن لكل أهل بلد رؤيتهم،
ولا تكفي رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر.
قال النووي في ((شرح مسلم)): والصحيح عند أصحابنا: أن الرؤية لا تعم الناس؛ بل
تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
وقيل: إن اتفق المطلع لزمهم؛ وإن اتفق الإقليم، وإلا فلا.
وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما
لم يعمل ابن عباس بخبر كريب؛ لأنه شهادة فلا تثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه: أنه لم يرده
لهذا، وإنما رده؛ لأن الرؤية لا يثبت حكمها في حق البعيد. انتهى.
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
قوله: (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم) ظاهر كلام
الترمذي هذا: أنه ليس في هذا اختلاف بين أهل العلم، والأمر ليس كذلك.
قال الحافظ في ((الفتح)): قد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
أحدها: لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عباس ما يشهد له،
وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم، ولم
یحك سواه، وحكى الماوردي وجهًا للشافعية.

٤٣٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدِ رُؤْيَتُهُمْ
ثانيها: مقابله إذا رؤي ببلدة، لزم أهل البلاد كلها؛ وهو المشهور عند المالكية، لكن
حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه. وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد
من البلاد كـ ((خراسان))، و((الأندلس)).
قال القرطبي: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى
غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم.
وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن
يثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد، إذ حكمه
نافذ في الجميع.
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان لا
يجب عند الأكثر. واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي عن الشافعي. وفي
ضبطه البعد أوجه:
أحدها: اختلاف المطالع؛ قطع به العراقيون والصيدلاني، وصححه النووي في
((الروضة)) و((شرح المهذب)).
ثانيها: مسافة القصر؛ قطع به الإمام البغوي، وصححه الرافعي في ((الصغير))، والنووي
في ((شرح مسلم)).
ثالثها: اختلاف الأقاليم.
رابعها: حكاه السرخسي، فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون
غيرهم.
خامسها: قول ابن ماجشون المتقدم. انتهى كلام الحافظ.
قلت: حديث ابن عباس الذي يشهد للقول الأول أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن
ماجه(١) عن كريب؛ أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بـ ((الشام)) فقال: فقدمت ((الشام)) فقضيت
حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بـ ((الشام)) فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت ((المدينة))
في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال. فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت:
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٧)، وأبو داود، كتاب الصيام. حديث (٢٣٣٢)، والنسائي، كتاب
الصيام. حديث (٢١١١).

٤٤٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ر بَابُ مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْلٍ بَلَدِ رُؤْيَتُهُمْ
رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية.
فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي
برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله وَله .
قال الشوكاني في ((النيل)) بعد ذكر الأقوال التي ذكرها الحافظ ما لفظه: وحجة أهل هذه
الأقوال: حديث كريب هذا، ووجه الاحتجاج به: أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل
((الشام)). وقال في آخر الحديث: هكذا أمرنا رسول الله وَّله؛ فدل ذلك على أنه قد حفظ من
رسول الله وَ لي أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر.
واعلم: أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس، لا في اجتهاده الذي فهم
عنه الناس، والمشار إليه بقوله: ((هكذا أمرنا رسول الله (وَل﴾) هو قوله: ((فلا نَزَالُ نصوم حتى
نكمل ثلاثين)). والأمر الكائن من رسول الله وَ ﴿ هو ما أخرجه الشيخان(١) وغيرهما بلفظ:
((لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عليكم، فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ)).
وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من
المسلمين؛ فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال
به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون؛ فيلزم غيرهم ما لزمهم.
ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر،
لكان عدم اللزوم مقيدًا بدليل العقل؛ وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه
اختلاف المطالع.
وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل ((الشام)) مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف؛
عمل بالاجتهاد، وليس بحجة، ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل، فلا يشك [عالم] أن الأدلة
قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض، وشهادته في جميع الأحكام الشرعية
والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا ،
فلا يقبل التخصيص إلا بدلیل.
ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص، فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص
إن كان النص معلومًا، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلومًا لوروده على خلاف القياس.
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٠٦)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٠).