النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَّةِ الفِظْرِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ صَاعاً، وَهُوَ قَوْلُ
الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ صَاعٌ إِلَّا
مِنَ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم مختصرًا، ومطولًا .
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شيء صاعًا) أي: من بُرِّ
كان، أو من غيره (وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) واستدلوا بأن النبي ◌َّ فرض
صدقة الفطر صاعًا من طعام، والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن غالبًا فيه؛ كما
تقدم. وتفسيره بغير البُرِّ إنما هو؛ لما تقدم من أنه لم يكن معهودًا عندهم، فلا يجزئ دون
الصاع منه؛ وإليه ذهب أبو سعيد ربه وأبو العالية، وأبو الشعثاء، والحسن البصري،
وجابر بن زيد، والشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق؛ كذا في ((النيل)).
واستدل لهم أيضًا: بأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد - لما كانت
متساوية في مقدار ما يخرج منها مع تخالفها في القيمة - دَلَّ على أن المراد: إخراج هذا
المقدار من أي جنس كان؛ فلا فرق بين الحنطة وغيرها .
قلت: قولهم هذا هو الأحوط عندي. والله تعالى أعلم.
تنبيه: اعلم أن الصاع صاعان: حجازي، وعراقي؛ فالصاع الحجازي: خمسة أرطال،
وثلث رطل. والعراقي: ثمانية أرطال. وإنما يقال له: العراقي؛ لأنه كان مستعملًا في بلاد
((العراق)) مثل ((الكوفة)) وغيرها. وهو الذي يقال له: الصاع الحجاجي؛ لأنه أبرزه الحجاج
الوالي. وأما الصاع الحجازي: فكان مستعملاً في بلاد الحجازِ، وهو الصَّاع الذي كانَ
مستعملًا في زمن النبي ◌ّ، وبه كانوا يخرجون صدقة الفطر في عهده بَّفي؛ وبه قال مالك،
والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، والجمهور؛ وهو الحق.
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله بالصاع العراقي، وكان أبو يوسف يقول بقوله، فلما
دخل ((المدينة))، وناظر الإمام مالكًا رجع عن قوله، وقال بقول الجمهور. وقد بسطنا الكلام
في هذا ((باب: صدقة الزرع، والتمر، والحبوب)).
قوله: (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي وق عليه وغيرهم: من كل شيء صاع إلا من

٤٠٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَّةِ الفِظْرِ
البُرِّ، فَإِنَّهُ يُجْزِيءُ نِصْفُ صَاعٍ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَهْل
الْكُوفَةِ، يَرَوْنَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٌّ.
البر؛ فإنه يجزئ نصف صاع؛ وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأهل الكوفة) وهو
قول جماعة من الصحابة
قال الحافظ في ((الدراية)): منهم أبو بكر ظُه عند عبد الرزاق(١) من طريق أبي قلابة،
عن أبي بكر؛ أنه أخرج زكاة الفطر مُدَّيْنٍ من حنطة؛ وهو منقطع. ومنهم عمر تَظُه عند
أبي داود، والنسائي من طريق عبد العزيز [بن أبي راوَّد](٢) ، عن نافع؛ وفيه: فلما كان
عمر، وكثرت الحنطة، جعل نصف صاع حنطة.
ومنهم عثمان، أخرجه الطحاوي؛ وفيه: نصف صاع بر.
ومنهم علي، ومنهم ابن الزبير، أخرجه عبد الرزاق؛ وفيه: مدان من قمح.
وعن ابن عباس، وجابر، وابن مسعود نحوه. وعن أبي هريرة نحوه، أخرجه عبد الرزاق
أيضًا. انتهى.
وقال في ((فتح الباري)): قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ◌َّل
يعتمد عليه، ولم يكن البر بـ ((المدينة)) في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير؛ فلما كثر في زمن
الصحابة، رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة؛ فغير جائز أن
يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم.
ثم أسند عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه
أسماء بنت أبي بكر، بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح.
انتھی.
واستدل لمن قال بنصف صاع من البر؛ بأحاديث كلها ضعيفة، ذكر الترمذي بعضًا منها،
وأشار إلى بعضها. قال الشوكاني في ((النيل)): ويمكن أن يقال: إن البر - على تسليم دخوله
تحت لفظ الطعام - مخصص بأحاديث نصف الصاع من البر؛ وهذه الأحاديث بمجموعها
تنتهض للتخصيص. انتهى محصلًا.
(١) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٧٧٦).
(٢) في نسخة: ((أبي داود))؛ والمثبت هو الصواب، انظر سنن أبي داود (١٦١٤/ ٣٤٠ - دار ابن حجر).

٤٠٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌َّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الفِظْرِ
[٦٧٤] (٦٧٤) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، عَنِ ابْنِ
جُرَيجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ بَعَثَ مُنادِياً فِي
فِجَاجٌ مَكَّةَ: (أَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِظْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ،
صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحِ أَوْ سِوَاهُ، صَاعٌ مِنْ طَعَامِ)). [فِيهِ ضعف، ابن جريج مدلس].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ هَارُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنٍ جُرَيْجٍ، وَقَالَ: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ
مِينَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ.
حَدَّثَنَا جَارُودُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ هَذَا الْحَدِيثَ.
[٦٧٤] قوله: (حدّثنا عقبة بن مكرم) بضم أوله، وسكون الكاف، وفتح المهملة:
العمي، أبو عبد الملك البصري الحافظ. قال أبو داود: ثقة. (حدثنا سالم بن نوح) صدوق،
له أوهام؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (في فجاج مكة) جمع: فج؛ وهو الطريق الواسع.
قوله: (مدان من قمح) أي: هي مدان من حنطة؛ فهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ
محذوف. (أو سواه) أي: سوى القمح، و((أو)) للتخيير، أو للتنويع. (من طعام) بيان لقوله:
«سواه)).
قوله: (هذا حديث غريب حسن) قال الزيلعي في ((نصب الراية)): وأعله ابن الجوزي في
((التحقيق)) بسالم بن نوح، قال: قال ابن معين: ليس بشيء. وتعقبه صاحب ((التنقيح))؛
فقال: هو صدوق، روی له مسلم في ((صحیحه)).
وقال أبو زرعة: صدوق، ثقة. ووثّقه ابن حبان.
وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: فيه شيء. وقال ابن عدي: عنده
غرائب، وأفراد، وأحاديثه مقاربة مختلفة. انتهى.
وقال الحافظ في ((الدراية)): ورواه الدارقطني من وجه آخر، عن عمرو بن شعيب. وقد
اختلف فيه على عمرو: فقيل: عنه عن النبي بَّهِ. وقيل: عنه بلغني أن النبي ◌َّرِ. انتهى.

٤٠٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الفِظْرِ
[٦٧٥] (٦٧٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ اللهِوَلَّهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالحُرِّ وَاَلْمَمْلُوكِ،
صَاعاً مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ، قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ إِلَى نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرِّ)). [خ: ١٥١١،
م: ٩٨٤، ن: ٢٤٩٩، د: ١٦١٥، جه مختصراً: ١٨٢٦، حم: ٤٤٧٢، طا مختصراً: ٦٢٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ،
[٦٧٥] قوله: (فرض رسول الله وَّا و صدقة الفطر) فيه: دليل على أن صدقة الفطر من
الفرائض. وقد نقل الحافظ ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن الحنفية يقولون
بالوجوب دون الفريضة على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب. قالوا: إذ لا دليل
قاطع تثبت به الفرضية.
قال الحافظ ابن حجر: وفي نقل الإجماع نظر؛ لأن إبراهيم بن علية، وأبا بكر بن
کیسان الأصم ؛ قالا: إن وجوبها نسخ.
ونقل المالكية عن أشهب: أنها سنة مؤكدة؛ وهو قول بعض أهل الظاهر، وابن اللبان
من الشافعية. انتهى.
وقال النووي: اختلف الناس في معنى ((فرض)) ها هنا: فقال جمهورهم من السلف،
والخلف: معناه: ألزم وأوجب؛ فزكاة الفطر فرض واجب عندهم؛ لدخولها في عموم قوله
تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ولقوله: ((فرض))، وهو غالب في استعمال الشرع.
وقال إسحاق بن راهويه: إيجاب زكاة الفطر كالإجماع. انتهى.
قوله: (قال: فعدل الناس إلى نصف صاع من بر) قيل: المراد من الناس الصحابة
فیکون إجماعًا .
قال الحافظ في ((الفتح)): لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك،
وكذلك ابن عمر؛ فلا إجماع في المسألة. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه الشيخان، وأخرجه الترمذي(١) في أول الباب.
(١) البخاري، كتاب الزكاة، حديث (١٥٠٦). ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (٩٨٥)، والترمذي، كتاب الزكاة.
حدیث (٦٧٣).

٤٠٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الفِظْرِ
وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَدِّ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، وثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ،
وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو.
[٦٧٦] (٦٧٦) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَرَضَ زَكَاةَ الفِظْرِ مِنْ رَمضانَ،
صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى
(وابن عباس) أخرجه أبو داود، والنسائي(١) عنه قال: ((في آخِرٍ رَمَضَانَ أَخْرِجُوا صَدَقَةً
صَوْمِكُم))، فرض رسول الله وَّر هذه الصدقة صاعًا من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح
على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير؛ وهو من رواية الحسن عن ابن عباس،
والحسن لم يسمع من ابن عباس، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، قد ذكرها الحافظ الزيلعي،
والحافظ ابن حجر في تخريجهما ((للهداية)).
(وجد الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب) لينظر من أخرجه (٢). (وثعلبة بن
أبي صُعير) بالتصغير، أخرج أبو داود(٣) عنه قال: قال رسول الله وَّهِ: (صَاعٌ من بُرِّ أو قَمْح
عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ، صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، حُرٍّ أو عَبْدٍ، ذَكَرٍ أو أُنْثَى. أمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ الله، وأمَّا فَقِيرُكُم
فَيَردُّ عليه أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ)). وفي سنده ومتنه اختلاف قد بسطه الحافظ الزيلعي في ((نصب
الراية». (وعبد الله بن عمرو) أخرجه الترمذي(٤) في هذا الباب.
[٦٧٦] قوله: (على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى) قال النووي: فيه: دليل على أنها على
أهل القرى والأمصار والبوادي في الشعاب، وكل مسلم حيث كان؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة
والشافعي وأحمد وجماهير العلماء.
وعن عطاء والزهري وربيعة والليث: أنها لا تجب إلا على أهل الأمصار والقرى دون
البوادي.
قال: وفيه دليل للشافعي، والجمهور في أنها تجب على من ملك فاضلًا عن قوته،
وقوت عياله يوم العيد.
. (١) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٢٢)، والنسائي، كتاب الزكاة. حديث (٢٥٠٨).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦١٩).
(٤) الترمذي، كتاب الزكاة. حديث (٦٧٤).

٤٠٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الفِظْرِ
مِنَ المُسْلِمِينَ. [خ: ١٥٠٤، م: ٩٨٤، ن: ٢٥٠٢، د: ١٦١١، جه: ١٨٢٦، حم: ٥٣١٧، طا: ٦٢٧،
مي: ١٦٦١].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ نَحْوَ حَدِيثٍ أَيُّوبَ، وَزَادَ
فِيهِ: ((مِنَ المُسْلِمِينَ)).
وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ نَافِعٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: (مِنَ المُسْلِمِينَ)).
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ للرَّجُلِ عَبِيدٌ غَيْرُ مُسْلِمِينَ لَمْ
يُؤَدِّ عَنْهُمْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
وقال أبو حنيفة: لا تجب على من يحل له أخذ الزكاة. وعندنا أنه لو ملك من الفطرة
المعجلة فاضلًا عن قوته ليلة العيد ويومه، لزمته الفطرة عن نفسه وعياله. وعن مالك
وأصحابه في ذلك خلاف.
قال: وفيه حجة للكوفيين في أنها تجب على الزوجة في نفسها، ويلزمها إخراجها من
مالها .
وعند مالك والشافعي والجمهور: يلزم الزوج فطرة زوجته؛ لأنها تابعة للنفقة. وأجابوا
عن الحديث بمثل ما أجيب لداود في فطرة العبد. انتهى كلام النووي.
قوله: (من المسلمين) قال النووي: هذا صريح في أنها لا تخرج إلا عن مسلم، ولا
يلزمه من عبده وزوجته وولده ووالده الكفار، وإن وجبت عليه نفقتهم؛ وهذا مذهب [مالك و]
الشافعي وجماهير العلماء. وقال الكوفيون وإسحاق وبعض السلف: تجب عن العبد الكافر،
وتأول الطحاوي على أن المراد بقوله: ((من المسلمين)): السادة دون العبيد؛ وهذا يرده ظاهر
الحدیث. انتھی.
قوله: (ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكر فيه: من المسلمين) قال النووي: قال
الترمذي وغيره: هذه اللفظة انفرد بها مالك دون سائر أصحاب نافع، وليس كما قالوا، ولم
ينفرد بها مالك، بل وافقه فيها ثقتان؛ وهما: الضحاك بن عثمان، وعمر بن نافع، أخبرنا
الضحاك، ذكره مسلم. وأما عمر: ففي البخاري. انتهى.
قوله: (وهو قول مالك والشافعي وأحمد) وهو قول الجمهور؛ كما قال الحافظ في ((فتح

٤٠٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْدِيمِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤَدِّي عَنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمينَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ
المُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ.
٣٦- بَابُ مَا جَاءَ في تَقْدِيمِهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ [ت٣٦، ٣٦٢]
[٦٧٧] (٦٧٧) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُسلِمٍ أَبُو عَمْرٍو الحَذَّاءُ المَدَنِيُّ،
حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ نَافِعِ الصَّائِغُ، عَنِ ابْنٍ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَر، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ كَانَ يَأْمُرُ بِإِخْرَاج الزَّكَاةِ قَبْلَ الْغُدُوِّ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ
الفِطْرِ. [خ: ١٥٠٩، ن: ٢٥٠٣، د: ١٦١٠، حم: ٥٣٢٣].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ،
الباري))، وحجتهم: قول: ((من المسلمين)) وهي زيادة صحيحة.
قوله: (وهو قول الثوري وابن المبارك وإسحاق) واستدلوا بعموم حديث: ((ليس على
المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةَ الفِظْرِ))(١).
وأجاب الآخرون بأن الخاص يقضي على العام، فعموم قوله: ((في عبده)) مخصوص
بقوله: ((من المسلمين))؛ كذا في ((الفتح)).
٣٦- باب ما جاء في تَقْدِيمِهَا قَبْلَ الصَّلاةِ
[٦٧٧] قوله: (عن ابن أبي الزناد) اسمه: عبد الرحمن المدني، مولی قریش، صدوق،
تغير حفظه لما قدم ((بغداد))، وكان فقيهًا، من السابعة. (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش
الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي، من الخامسة، لم يصح أن ابن مَعين
لینه .
(كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر) الغدو: المشي أول النهار؛ أي:
قبل خروج الناس للصلاة، وبعد صلاة الفجر.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم بلفظ: ((إِنَّ رسول الله
﴿الر أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وبعد صلاة الفجر)).
(١) أحمد. حديث (٩٤٣٦)، وابن خزيمة. حديث (٢٢٨٩).

٤٠٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
وهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ: أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ صَدَقَةَ الفِظْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الصَّلَاةِ.
٣٧- بَابُ مَا جَاءَ في تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ [ت٣٧، ٣٧٢]
[٦٧٨] (٦٧٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
قوله: (وهو الذي يستحبه أهل العلم ... إلخ) قال ابن عيينة في تفسيره: عن عمرو بن
دينار، عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته؛ فإن الله يقول: ﴿قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ تَزََّّى ® وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّ﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
ولابن خزيمة(١) من طريق كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله قال سئل
عن هذه الآية؛ فقال: ((نزلت في زكاة الفطر))، كذا في ((فتح الباري)).
وفي ((صحيح البخاري)): وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر
بيوم، أو يومين. قال البخاري: كانوا يعطون ليجمع لا للفقراء.
وفي ((موطأ))(٢) الإمام مالك عن نافع؛ أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي
يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قال الحافظ في ((الفتح)): وأخرجه الشافعي عنه.
وقال: هذا حسن، وأنا أستحبه، يعني تعجيلها قبل يوم الفطر. انتهى. ويدل على ذلك أيضًا
ما أخرجه البخاري(٣) في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله وَل بحفظ
زكاة رمضان ... الحديث. وفيه: أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال، وهو يأخذ من التمر؛ فدل
على أنهم كانوا يعجلونها. وعكسه الجوزقي؛ فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر؛
وهو محتمل للأمرین. انتهى.
قلت: أثر ابن عمر نظراته؛ إنما يدل على جواز إعطاء صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو
يومين ليجمع، لا للفقراء؛ كما قال البخاري رحمه الله. وكذلك حديث أبي هريرة. وأما
إعطاؤها قبل الفطر بيوم أو يومين للفقراء، فلم يقم عليه دليل. والله أعلم.
٣٧- باب ما جاء في تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
[٦٧٨] قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن بهرام السمرقندي أبو محمد
(١) ابن خزيمة. حديث (٢٤٢٠).
(٢) مالك (١/ ٢٨٥).
(٣) البخاري، كتاب الوكالة. حديث (٢٣١١).

٤٠٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيًّا، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ
الحَكْمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَن حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عَن عَلِيٍّ، أَنَّ العَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي
تَعْجِيلٍ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. [د: ١٦٢٤، جه: ١٧٩٥، حم: ٨٢٤،
مي: ١٦٣٦].
[٦٧٩] (٦٧٩) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارِ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَن
إِسْرَائِيل، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الحَكِمِ بْنِ جَحْلٍ،
الدارمي الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقة فاضل متقن، روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي
والبخاري في غير الصحيح، مات سنة خمس وخمسين ومئتين.
عن (سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني، نزيل ((مكة)) ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما
في كتابه؛ لشدة وثوقه به، كان حافظًا جوالًا، صنف السنن، جمع فيها ما لم يجمعه غيره،
مات سنة ٢٢٧ سبع وعشرين ومئتين.
(عن الحكم بن عتيبة) بالمثناة، ثم الموحدة مصغرًا الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلا
أنه ربما دلس، من الخامسة (عن حجية) بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم، وتشديد التحتانية
بوزن ((علية)) (ابن عدي) الكندي. قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يخطئ، من الثالثة.
وقال الذهبي في ((الميزان)): حجية بن عدي الكندي عن علي؛ قال أبو حاتم: شبه مجهول لا
يحتج به. قلت: روی عنه الحکم وسلمة بن کھیل وأبو إسحاق، وهو صدوق إن شاء الله، قد
قال فيه العجلي: ثقة. انتهى.
قوله: (قبل أن تحل) أي: قبل أن يجيء وقتها، من: حلول الأجل: مجيئه؛ كذا في
بعض الحواشي.
وقال في ((مجمع البحار)): قبل أن تحل بكسر الحاء، من: الحلال، أو من حلول
الدين؛ أي: يجب. وقال القاري في ((المرقاة)): ((قبل أن تحل)) بكسر الحاء؛ أي: تجب
الزكاة، وقيل: قبل أن تصير حالًا بمعنى: الحول. (فرخص له) أي: للعباس. وفيه: دليل
على جواز تعجيل الصدقة قبل الحول.
[٦٧٩] قوله: (عن الحكم بن جَحْل) بفتح الجيم، وسكون المهملة: الأزدي البصري

٤١٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
عَنْ حُجْرِ العَدَوِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ قَالَ لِعُمَرَ: ((إنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ
عَامَ الْأَوَّلِ لِلْعَامِ».
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثٍ إِسْرَائِيلَ، عَنِ
الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ إِلَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَحَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيًّا، عَنِ الحَجَّاجِ عِنْدِي أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ
الحَجَّاجِ بْنِ دِینَارٍ .
ثقة، من السادسة. (عن حجر العدوي) قال الحافظ في ((التقريب)): قيل: هو حجية بن
عدي، وإلا فمجهول، من الثالثة.
قوله: (إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام) المعنى: إنا قد أخذنا زكاته العام
الأول لهذا العام.
وروى أبو داود الطيالسي(١) من حديث أبي رافع بلفظ: أن النبي ◌َّ قال لعمر: «إنَّا كُنَّا
تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ مَالِ العَبَّاسِ رَظ ◌ُهُ عَامَ أَوَّل))؛ كذا في ((التلخيص)). وفيه أيضًا دليل على جواز
تعجيل الصدقة.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه الدارقطني(٢) عنه؛ أن النبي بَّ بعث عمر
ساعيًا، فأتى العباس، فأغلظ له، فأخبر النبي ◌َّهَ. فقال: ((إنَّ العَبَّاسَ قد أَسْلَفَنَا زَكَاةَ مَالِهِ
العَامَ والعَامَ الْمُقْبِلَ)). وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضًا هو والطبراني من حديث أبي رافع
نحو هذا، وإسناده ضعيف أيضًا. ومن حديث ابن مسعود(٣): أن النبي ◌ّ﴾ تعجل من
العباس صدقة سنتين، وفي سنده محمد بن ذكوان؛ وهو ضعيف.
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذه الروايات: وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل
صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق. والله أعلم. انتهى.
(١) ذكره عنه الحافظ في ((التلخيص)) (٢/ ١٦٣).
(٢) الدارقطني (١٢٤/٢) (٧).
(٣) البزار. حديث (١٤٨٢).

٤١١
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ مرسلًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحِلُّهَا، فَرَأَى طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ
أَلَّا يُعَجِّلَهَا، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ: أَحَبُّ إِلِيَّ أَلَّا يُعَجِّلَهَا.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنْ عَجَلَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ،
وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ.
قوله: (وقد روي هذا الحديث عن الحكم بن عتيبة عن النبي وَلي مرسلًا) أي: وهو
مرسل؛ ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم، ورجح رواية منصور، [عن الحكم]، عن
الحسن بن مسلم بن يناق، عن النبي وَليم مرسلًا؛ وكذا رجحه أبو داود؛ وكذا في
((التلخيص)).
قوله: (فرأى طائفة من أهل العلم أَلَّا يعجلها) وهو قول مالك. قال: الزكاة إسقاط
الواجب، ولا إسقاط قبل الوجوب، وصار كالصلاة قبل الوقت؛ بجامع أنه أداء قبل السبب،
إذ السبب هو النصاب الحولي، ولم يوجد.
قال ابن الهمام في جوابه: قلنا: لا نُسلِّم اعتبار الزائد على مجرد النصاب جزءًا من
السبب، بل هو النصاب فقط، والحول تأجيل في الأداء بعد أصل الوجوب؛ فهو كالدين
المؤجل، وتعجيل المؤجل صحيح؛ فالأداء بعد النصاب كالصلاة في أول الوقت لا قبله،
وكصوم المسافر رمضان؛ لأنه بعد السبب. ويدل على صحة هذا الاعتبار ما في أبي داود
والترمذي من حديث علي: أن العباس سأل النبي ◌َّلهم في تعجيل زكاته ... الحديث.
قوله: (وقال أكثر أهل العلم: إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه؛ وبه يقول الشافعي
وأحمد وإسحاق) وهو قول الحنفية؛ وهو الحق. واستدلوا بحديث الباب، وبحديث
أبي هريرة: بعث رسول الله ◌َي عمر على الصدقة. فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد،
وعباس عم النبي ◌َّطهر ... الحديث. وفيه: ((وأما العباس: فهي علي ومثلها معها)). رواه
مسلم(١) .
قال النووي قوله: ((فهي علي ومثلها معها)) معناه: أني تسلفت منه زكاة عامين.
وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة: معناه: أنا أؤديها عنه. قال أبو عبيد وغيره:
(١) مسلم، كتاب الزكاة. حديث (٩٨٣).

٤١٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّهْي عَنِ المَسْأَلَة
٣٨- بَابُ مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ المَسْأَلَة [ت٣٨، ٣٨٢]
[٦٨٠] (٦٨٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَن بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَن قَيْسِ بْنِ
أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُم
فَيَخْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا
أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ
معناه: أن النبي ◌َّي أخرها عن العباس إلى وقت يساره من أجل حاجته إليها، والصواب: أن
معناه: تعجلتها منه. وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم: ((إنَّا تَعَجَّلْنَا منه صَدَقَةَ عَامَيْنٍ)).
انتهى كلام النووي.
قلت: أشار النووي إلى ما رواه الطبراني(١) والبزار من حديث ابن مسعود: أنه وَله
تسلف من العباس صدقة عامين، وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف. ورواه البزار
من حديث موسى بن طلحة عن أبيه نحوه، وفي إسناده الحسن بن عمارة؛ وهو متروك.
ورواه الدارقطني(٢) من حديث ابن عباس، وفي إسناده مندل بن علي والعزرمي؛ وهما
ضعيفان، والصواب: أنه مرسل.
٣٨- باب ما جاء في النَّهْي عَنِ المَسْأَلَةِ
أي: السؤال.
[٦٨٠] قوله: (عن بيان بن بشر) الأَحْمَسي الكوفي أبي بشر الكوفي، ثقة ثبت، من
الخامسة. (عن قيس بن أبي حازم) البجلي الكوفي ثقة، من الثانية مخضرم. (لأن يَغْدُوَ
أحدكم) بفتح اللام، والغدو السير في أول النهار. وغالب الحطابين يخرجون كذلك، ويطلق
على مطلق السير إطلاقًا شائعًا؛ فيمكن حمله على الحقيقة، وعلى المجاز الشائع.
(فيحتطب) بالنصب عطف على ((يغدو)) أي: يجمع الحطب. (على ظهره) متعلق بمقدر
هو حال مقدرة؛ أي: حاملًا على ظهره؛ أي: مقدرًا حمله على ظهره؛ إذ لا حمل حال
الجمع بل بعده، وإنما حال الجمع تقدير الحمل. (فيتصدق منه، فيستغني به) عطف على
(١) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (١٠٠٠)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٩٧٥٠).
(٢) الدارقطني (١٢٤/٢) (٨).

٤١٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ المَسْأَلَة
فَإِنَّ الَيَدَ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)). [خ مختصراً: ١٤٧٠، م:
١٠٤٢، ن مختصراً: ٢٥٨٨، حم: ٧٢٧٥، طا مختصراً: ١٨٨٣].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَن حَكِيمٍ بْنِ حِزامٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ
العَوَّامِ، وَعَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عَبَّاس،
وَثَوْبَانَ، وَزِيَادِ بْنِ الحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، وَأَنَسٍ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَقَبِيصَةَ بْنِ
مُخَارِقٍ، وَسَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.
الفعل السابق، و((أن)) مع مدخولاتها مبتدأ، خبره قوله: ((خير))؛ أي: ما يلحقه مشقة الغدو
والاحتطاب، والتصدُّق، والاستغناء به خير من ذل السؤال؛ قاله أبو الطيب السندي.
(فإن اليد العليا خير من اليد السفلى) اليد العليا هي: المنفقة، والسفلى: هي السائلة؛
ففي ((الصحيحين)) عن ابن عمر ظلبه أن رسول الله لي قال وهو على المنبر وذكر الصدقة
والتعفف والمسألة: ((اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فاليَدُ العُلْيَا هي المُنْفِقَةُ، والسُّفْلَى هي
السَّائِلَةُ))(١) .
وذكر الحافظ في ((الفتح)) أحاديث في هذا، ثم قال: فهذه الأحاديث متضافرة على أن
اليد العليا هي [المنفقة المعطية] (٢)، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول
الجمهور. (وابدأ بمن تعول) خطاب للمنفق، أي: ابدأ في الإنفاق بمن تمون، ويلزمك نفقته
من عيالك، فإن فضل شيء فلغيرهم.
قوله: (وفي الباب عن حكيم بن حزام، وأبي سعيد الخدري، والزبير بن العوام، وعطية
السعدي، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن عمرو، وابن عباس، وثوبان، وزياد بن الحارث
الصدائي، وأنس، وحبشي بن جنادة، وقبيصة بن مخارق، وسمرة، وابن عمر) .
أما حديث حكيم بن حزام: فأخرجه البخاري ومسلم(٣).
وأما حديث أبي سعيد الخدري: فأخرجه أيضًا البخاري ومسلم(٤).
(١) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٢٩)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٣٣).
(٢) في نسخة: ((المنفعة معطية))؛ والتصويب من ((الفتح)).
(٣) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٢٧)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٣٤).
أَ
(٤) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٦٩)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٥٣).

٤١٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ المَسْأَلَة
قَالَ أَبُو عِيسَى:
وأما حديث الزبير بن العوام: فأخرجه البخاري(١).
وأما حديث عطية السعدي: فلينظر من أخرجه(٢).
وأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه الترمذي وأبو داود(٣) ، وعنه حديث آخر
أخرجه أبو يعلى، والغالب على روايته التوثيق. ورواه الحاكم وصحّح إسناده؛ كذا في
((الترغيب)).
وأما حديث مسعود بن عمرو: فأخرجه البيهقي(٤).
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أيضًا البيهقي(٥).
وأما حديث ثوبان: فأخرجه أحمد والبزار والطبراني(٦).
وأما حديث زياد بن الحارث: فلينظر من أخرجه (٧).
وأما حديث أنس: فأخرجه أبو داود والبيهقي مطولًا، والترمذي(٨) والنسائي مختصرًا.
وأما حديث حبشي بن جنادة: فأخرجه الترمذي(٩) .
وأما حديث قبيصة بن مخارق: فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي(١٠).
وأما حديث سمرة: فأخرجه الترمذي وأبو داود(١١).
(١) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٧١).
(٢) أحمد. حديث (١٧٥٢٢).
(٣) الترمذي، كتاب الزكاة. حديث (٦٥٠)، وأبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٢٦)، والحاكم. حديث
(١٤٧٩).
(٤) لم أجده.
(٥) البيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٣٥٢٦، ٣٥٢٧).
(٦) أحمد. حديث (٢١٩١٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٤٠٧).
(٧) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٣٠).
(٨) يأتي في الترمذي، كتاب البيوع. حديث (١٢١٨).
(٩) الترمذي، كتاب الزكاة. حديث (٦٥٣).
(١٠) مسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٤٤)، وأبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٤٠)، والنسائي، كتاب الزكاة.
حدیث (٢٥٧٩).
(١١) الترمذي، كتاب الزكاة. حديث (٦٨١).

٤١٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ المَسْأَلَةِ
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثٍ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ.
[٦٨١] (٦٨١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَلَه: ((إِنَّ المَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إِلَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَاناً، أَوْ فِي أَمْرِ
لَا بُدَّ مِنْهُ)). [ن: ٢٥٩٩، حم: ١٩٦٠٠].
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه البخاري ومسلم(١) .
وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في ((الترغيب والترهيب))، ومن شاء الوقوف
على ألفاظ هذه الأحاديث التي أشار إليها الترمذي، فليرجع إلى ((الترغيب)).
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم.
[٦٨١] قوله: (عن عبد الملك بن عمير) بن سويد اللخمي الكوفي، ثقة فقيه، تغير
حفظه، وربما دلَّس، من الثالثة. (عن زيد بن عقبة) الفزاري الكوفي، ثقة من الثالثة. (إن
المسألة كد يكد بها الرجل وجهه) قال في ((النهاية)): الكد: الإتعاب، يقال: كد يكد في
عمله إذا استعجل وتعب، وأراد بالوجه: ماءه ورونقه. انتهى.
وقال السيوطي في ((قوت المغتذي)): ((كَدّ بفتح الكاف، وتشديد الدال المهملة، وفي رواية
أبي داود: ((كُدُوح)) بضم الكاف والدال وحاء مهملة، وقد ذكر اللفظين معًا أبو موسى المديني
في ((ذيله)) على ((الغريبين)) وفسر الكدوح: بالخدوش في الوجه، والكد: بالتعب والنصب)».
قال العراقي: ويجوز أن يكون الكدح بمعنى: الكد من قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَاِےُ﴾
[الانشقاق: ٦] وهو السعي والحرص. انتهى ما في ((قوت المغتذي)).
(إلا أن يسأل الرجل سلطانًا) وفي رواية أبي داود(٢): ((إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ))
أي: ذا حكم وسلطنة بيده بيت المال؛ فيسأل حقه فيعطيه منه إن كان مستحقًّا.
قال الخطّابي: أي: ولو مع الغناء، فسأله حقه من بيت المال؛ لأن السؤال مع الحاجة
دخل في قوله: ((أو في أمر لا بد منه)). انتهى. (أو في أمر لا بد منه) ؛ كما في الحَمَالة،
والجائحة، والفاقة.
(١) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٧٤)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٤٠).
(٢) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٣٩).

٤١٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ المَسْأَلَة
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي، وسكت عنه أبو داود،
ونقل المنذري تصحیح الترمذي.

٤١٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ شَهْرِ رَمَضَانَ
(٦) كِتَابُ الصَّؤْمِ مَنْ رَسُولٍ
ـه
١- بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ شَهْرٍ رَمَضَانَ (ت١، ١٢]
[٦٨٢] (٦٨٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ بْنِ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّه:
(إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ
النَّارِ، فَلَمْ يُقْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ،
أَنْوَابُ الصَّؤْمِ تَمَنْ رَسُولِ اللّه
صَلى الله
وَعَليْلَ
١- باب ما جاء في فَضْلٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ
[٦٨٢] قوله: (صفدت) قال الحافظ في ((الفتح)): بالمهملة المضمومة، بعدها فاء ثقيلة
مكسورة، أي: شدت بالأصفاد، وهي: الأغلال، وهو بمعنى: سلسلت.
(الشياطين) وفي رواية النسائي(١) من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ. ((وتُغَلُّ فيه
مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ».
(ومردة الجن) جمع: مارد، كـ ((طلبة)) و((جهلة)) وهو المتجرد للشر. ومنه: الأمرد؛
لتجرده من الشّعر، وهو تخصيص بعد تعميم، أو عطف تفسير وبيان كالتتميم.
وقيل: الحكمة في تقييد الشياطين وتصفيدهم كيلا يوسوسوا في الصائمين. وأمارة ذلك
تنزه أكثر المنهمكين في الطغيان عن المعاصي، ورجوعهم بالتوبة إلى الله تعالى.
وأما ما يوجد خلاف ذلك في بعضهم: فإنها تأثيرات من تسويلات الشياطين أغرقت في
عمق تلك النفوس الشريرة، وباضت في رؤوسها .
وقيل: قد خص من عموم ((صفدت الشياطين)) زعيم زمرتهم، وصاحب دعوتهم لمكان
الإنظار الذي سأله من الله، فأجيب إليه، فيقع ما يقع من المعاصي بتسويله وإغوائه. ويمكن
أن يكون التقييد كناية عن ضعفهم في الإغواء والإضلال؛ كذا في ((المرقاة)).
(١) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢١٠٦).

٤١٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ شَهْرِ رَمَضَانَ
وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِل،
قال الحافظ في ((الفتح)). قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله
علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل
أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين.
قال: ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية عند مسلم(١): ((فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ)).
قال: ويحتمل أن يكون فتح [أبواب] الجنة: عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك
أسباب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار: عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة
بأصحابها إلى النار.
وتصفيد الشياطين: عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات.
قال الزين بن المنير: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره.
وأما الرواية التي فيها أبواب الرحمة وأبواب السماء، فمن تصرف الرواة. والأصل: أبواب
الجنة؛ بدليل ما يقابله؛ وهو غلق أبواب النار.
قال الحافظ: وقال القرطبي بعد أن رجَّح حمله على ظاهره: فإن قيل: كيف نرى الشرور
والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟
فالجواب: أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه،
أو المصفد بعض الشياطين؛ كما تقدم في بعض الروايات؛ يَعْنِي رواية الترمذي والنسائي؛
وهم المردة لا كلهم، أو المقصود تقليل الشرور فيه. وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه
أقل من غيره؛ إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم ألّا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير
الشياطين؛ كالنفوس الخبيئة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية. انتهى.
(وينادي مناد) قيل: يحتمل أنه ملك، أو المراد: أنه يلقي ذلك في قلوب من يريد الله
إقباله على الخير؛ كذا في ((قوت المغتذي)). (يا باغي الخير) أي: طالب العمل والثواب.
(أقبل) أي: إلى الله وطاعته بزيادة الاجتهاد في عبادته، وهو أمر من الإقبال؛ أي: تعالى،
فإن هذا أوانك، فإنك تعطى الثواب الجزيل بالعمل القليل. أو معناه: يا طالب الخير
المعرض عنا وعن طاعتنا أقبل إلينا وعلى عبادتنا؛ فإن الخير كله تحت قدرتنا وإرادتنا .
قال العراقي: ظن ابن العربي أن قوله في الشقين: ((يا باغي)) من البغي؛ فنقل عن أهل
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٧٩).

٤١٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ شَهْرِ رَمَضَانَ
وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلله عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)). [خ مختصراً: ١٨٩٨،
م مختصراً: ١٠٧٩، ن: ٢١٠٧، جه: ١٦٤٢، حم: ٧١٠٨، طا مختصراً: ٦٩١، مي مختصراً: ١٧٧٥].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَلْمَانَ.
العربية: أن أصل البغي في الشر، وأقله ما جاء في طلب الخير، ثم ذكر قوله تعالى: ﴿غَيّرَ
بَاغْ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] وقوله: ﴿وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢]، والذي وقع في
الآيتين هو بمعنى التعدي. وأما الذي في هذا الحديث: فمعناه الطلب، والمصدر منه: بغاء
وبغاية بضم الباء فيهما. قال الجوهري: بغيته أي طلبته. انتهى.
قلت: الأمر كما قال العراقي، وكذلك في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغْ﴾ [الكهف: ٦٤]
معناه: الطلب. (ويا باغي الشر أقصر) بفتح الهمزة، وكسر الصاد؛ أي: يا مريد المعاصي
أمسك عن المعاصي، وارجع إلى الله - تعالى - فهذا أوان قبول التوبة، وزمان استعداد
المغفرة، ولعل طاعة المطيعين، وتوبة المذنبين، ورجوع المقصرين في رمضان من أثر
النداءين، ونتيجة إقبال الله - تعالى - على الطالبين؛ ولهذا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى
الصغار والجواري، بل غالبهم الذين يتركون الصلاة يكونون حينئذٍ مصلين، مع أن الصوم
أصعب من الصلاة؛ وهو يوجب ضعف البدن الذي يقتضي الكسل عن العبادة، وكثرة النوم
عادة، ومع ذلك ترى المساجد معمورة، وبإحياء الليل مغمورة، والحمد لله ولا حول ولا قوة
إلا بالله، كذا في ((المرقاة)).
(ولله عتقاء من النار) أي: ولله عتقاء كثيرون من النار، فلعلك تكون منهم. (وذلك) قال
الطيبيُّ: أشار بقوله: ((ذلك)) إما للبعيد؛ وهو النداء، وإما للقريب؛ وهو لله عتقاء. (كل ليلة)
أي: في كل ليلة من ليالي رمضان.
قوله: (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف) أخرجه النسائي(١) ، وابن حبان. (وابن
مسعود) أخرجه البيهقي(٢). (وسلمان) أخرجه ابن حبان في ((الضعفاء)) والأربعة
والبيهقي(٣)؛ كذا في ((شرح سراج أحمد)).
(١) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٢٠٨)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٣٢٨).
(٢) البيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٣٦٠٦).
(٣) ابن حبان في ((الضعفاء)) (١/ ٢٤٧)، والطبراني في «الكبير)) (٦١٦١، ٦١٦٢)، والبيهقي في ((الكبرى))
(٣٩٥٥)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢٢٠/٢).

٤٢٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهـ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ شَهْرِ رَمَضَانَ
[٦٨٣] (٦٨٣) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَالمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيماناً
وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيماناً وَاحْتِساباً غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [خ: ١٩٠١، م: ٧٦٠، ن: ٢٢٠١، د: ١٣٧٢، جه مختصراً: ١٣٢٦، حم: ١٠١٥٩،
طا مختصراً: ٢٥١، مي مختصراً: ١٧٧٦].
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
لَا نَعْرِفُهُ مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرٍ .
[٦٨٣] قوله: (من صام رمضان وقامه إيمانًا) أي: تصديقًا بأنه فرض عليه حق، وأنه من
أركان الإسلام، ومما وعد الله عليه من الثواب والأجر؛ قاله السيوطي. وقال الطيبيُّ: نصب
على أنه مفعول له؛ أي: للإيمان؛ وهو التصديق بما جاء به النبي وَّه والاعتقاد بفريضة
الصوم. (واحتسابًا) أي: طلبًا للثواب منه تعالى، أو إخلاصًا؛ أي: باعثه على الصوم ما
ذكر، لا الخوف من الناس، ولا الاستحياء منهم، ولا قصد السمعة والرياء عنهم. (غفر له
ما تقدم من ذنبه) قال السيوطي: زاد أحمد في ((مسنده)): ((وما تأخر))، وهو محمول على
الصغائر دون الكبائر. انتهى.
قال النووي: إن المكفرات إن صادفت السيئات تمحوها إذا كانت صغائر، وتخففها إذا
كانت كبائر، وإلا تكون موجبة لرفع الدرجات في الجنات.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. (غريب لا نعرفه إلا من رواية
أبي بكر بن عياش ... إلخ) الحديث أخرجه ابن ماجه أيضًا.
قال الجزري: كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة؛ وهذا إسناد صحيح.
قال ميرك: وهذا لا يخلو عن تأمل؛ فإن أبا بكر بن عياش مختلف فيه. والأكثر على أنه
كثير الغلط، وهو ضعيف عن الأعمش؛ ولذا قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من رواية