النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا
١٤- بَابُ مَا جَاءَ في الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بِالأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا [ت١٤، ١٤٢]
[٦٣٩] (٦٣٩) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ
المَدِينِيُّ، حَدَّثَنَا الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ
وَيُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ
وَالْعُيُونُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ)). [جه: ١٨١٦].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ .
١٤ - باب ما جاء في الصَّدَقَةِ فيما يُسْقَى بالأنْهَارِ وغيْرِهَا
[٦٣٩] قوله: (المديني) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مديني. (أخبرنا الحارث بن
عبد الرحمن بن أبي ذباب) بضم المعجمة، وبموحدتين، صدوق يهم، من الخامسة.
(وبسر بن سعيد) بضم أوله، ثم مهملة ساكنة، ثقة، جليل، من الثانية.
قوله: (فيما سقت السماء) أي: المطر من باب ذكر المحل، وإرادة الحال. وليس
المراد خصوص المطر، بل السيل والأنهار كذلك.
(والعيون) أي: الجارية على وجه الأرض التي لا يتكلف في رفع مائها لآلة، ولا
لحمل. (العشر) مبتدأ وخبره (فيما سقت السماء) ، أي: العشر واجب فيما سقت السماء،
(وفيما سقي بالنضح) بفتح النون، وسكون المعجمة بعدها مهملة؛ أي: بالسانية؛ وهي رواية
مسلم، والمراد بها: الإبل التي يستقى عليها. وذكر الإبل كالمثال، وإلا فالبقر وغيرها كذلك
في الحكم؛ كذا في (الفتح)). والنَّضْحُ في الأصل: مصدر بمعنى: السقي، قال الجزري في
((النهاية)): النواضح: هي الإبل التي يستقى عليها، والواحد: الناضح. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أنس بن مالك، وابن عمر، وجابر) أما حديث أنس: فأخرجه ابن
النجار(١) ، عن أبان، عن أنس.
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه البخاري، وأصحاب السنن(٢).
(١) كما في ((كنز العمال)) للمتقي الهندي (١٥٨٧٧)، ولفظه: ((في كل شيء أخرجت الأرض العشر أو نصف العشر)).
(٢) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٨٣)، وأبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٥٩٦)، والترمذي، كتاب الزكاة.
حديث (٦٤٠)، والنسائي، كتاب الزكاة. حديث (٢٤٨٨)، وابن ماجه، كتاب الزكاة. حديث (١٨١٧).

٣٤٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَديثُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الأَشَجِّ، وَعَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ مُرْسَلًا، وَكَأَنَّ هَذَا أَصَحُّ.
وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ عَامَّةٍ
الفُقَهَاءِ .
وأما حديث جابر: فأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبو داود (١).
قوله: (وعليه العمل عند عامة الفقهاء) قال النووي في ((شرح مسلم)) في شرح حديث
جابر: فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشر ما لفظه: في هذا
الحديث وجوب العشر فيما سقي بماء السماء، والأنهار، ونحوها مما ليس فيه مؤنة كثيرة.
ونصف العشر فيما سقي بالنواضح وغيرها مما فيه مؤنة كثيرة، وهذا متفق عليه، ولكن
اختلف العلماء في أنه هل تجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار، والزروع،
والرياحين، وغيرها، إلا الحشيش، والحطب ونحوها أم يختص؟
فعمم أبو حنيفة، وخصص الجمهور على اختلاف لهم فيما يختص به. انتهى.
قلت: قد تقدم الكلام في هذا في الباب السابق.
وقال الحافظ في ((الفتح)): دل الحديث على التفرقة في القدر المخرج الذي يسقى بنضح،
أو بغير نضح؛ فإن وجد ما يسقي بهما، فظاهره أنه يجب فيه ثلاثة أرباع العشر إذا تساوى
ذلك، وهو قول أهل العلم.
قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا .
وإن كان أحدهما أكثر، كان حكم الأقل تبعًا للأكثر، نص عليه أحمد؛ وهو قول
الثوري، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
والثاني: يُؤْخَذُ بالقسط، ويحتمل أن يقال: إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ
بحسابه .
وعن ابن القاسم صاحب مالك: العبرة بما تم به الزرع وانتهى، ولو كان أقل. انتهى.
(١) أحمد. حديث (١٤٢٥٦)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (٩٨١)، وأبو داود، كتاب الزكاة. حديث
(١٥٩٧)، والنسائي، كتاب الزكاة. حديث (٢٤٨٩).

٣٤٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَّةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا
[٦٤٠] (٦٤٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ الله
وَلَّهِ: ((أَنَّهُ سَنَّ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ
نِصْفُ العُشْرِ)). [خ: ١٤٨٣، ن: ٢٤٨٨، د: ١٥٩٦، جه: ١٨١٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٦٤٠] قوله: (عن أبيه) أي: عبد الله بن عمر رَُّته. (أنه سن) أي: شرع وقرر. (أو
كان عَثْرِيًّا) بفتح المهملة، والمثلثة، وكسر الراء، وتشديد التحتانية.
قال في ((النهاية)): هو من النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة.
وقيل: هو العِذْقُ الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.
قال القاضي: والأول ها هنا أولى؛ لئلا يلزم التكرار، وعطف الشيء على نفسه.
وقيل: ما يزرع في الأرض تكون رطبة أبدًا، لقربها من الماء؛ كذا في ((المرقاة)).
((العشور)) قال النووي: ضبطناه بضم العين جمع: ((عشر)). وقال القاضي عياض:
ضبطناه من عامة شيوخنا بفتح العين. وقال: هو اسم: للمخرج من ذلك.
وقال صاحب ((المطالع)): أكثر الشيوخ يقولونه بالضم، وصوابه الفتح.
قال النووي: وهذا الذي ادعاه من الصواب ليس بصحيح، وقد اعترف بأن أكثر الرواة
رووه بالضم، وهو الصواب، جمع: ((عشر)). وقد اتفقوا على قولهم: عشور أهل الذمة
بالضم، ولا فرق بين اللفظين. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، وغيره.
تنبيه: مذهب جمهور أهل العلم، والأئمة الأربعة: وجوب العشر في جميع الحبوب من
الحِنْطَةِ، والشعير، والعَدَسِ، والحمّص، والأرز، ونحو ذلك.
قال الإمام مالك في ((موطئه)) (١): والحبوب التي فيها الزكاة: الحنطة، والشعير
والسُّلْت، والذُّرَةِ، والدُّخْن، والأرز، والعدس، والجُلْبَان، واللُّبِيَا، والجُلْجُلان، وما أشبه
ذلك من الحبوب التي تصير طعامًا؛ فالزكاة تؤخذ منها كلها بعد أن تحصد، وتصير حبًّا.
انتھی.
(١) مالك (١/ ٢٧٢).

٣٤٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا
وتمسكوا بعموم أحاديث الباب، ويعموم الآيات التي تدل على وجوب العشر.
وذهب الحسن البصري، والحسن بن صالح، والثوري، والشعبي، وابن سيرين؛ إلى أنه
لا يجب الزكاة إلا في الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر؛ فوجوب العشر عند هؤلاء
منحصر في هذه الأربعة.
واحتجوا بما روى الطبراني، والحاكم؛ والدارقطني(١)، عن أبي موسى الأشعري،
ومعاذ؛ أن النبيِ وَّ قال لهما: ((لا تَأْخُذَا الصَّدَقَةَ إلَّ من هذه الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعير،
والحِنْطَةِ، والزَّبِيبِ، والتَّمْرِ)).
قال صاحب ((سبل السلام)): قال البيهقي: رواته ثقات، وهو متصل، وروى الطبراني من
حديث موسى بن طلحة، عن عمر: إنما سنَّ رسولُ الله وَّله الزكاة في هذه الأربعة، فذكرها .
قال أبو زرعة: إنه مرسل، ورجح هذا المذهب حيث قال: فالأوضح دليلًا مع الحاصرين
للوجوب في هذه الأربعة. انتهى. وكذا رجح الشوكاني في ((النيل)) هذا المذهب؛ حيث
قال: فالحق أن الزكاة لا تجب إلا في البر، والشعير، والتمر، والزبيب لا فيما عدا الأربعة
مما أخرجت الأرض.
قال: وأما زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب، فقد عرفت أن في إسنادها متروكًا،
لكنها معتضدة بمرسل مجاهد، والحسن. انتهى.
قلت: في سند حديث أبي موسى، ومعاذ المذكور: طلحة بن يحيى، وهو مختلف فيه.
قال الحافظ في ((الدراية)): وروى الحاكم من طريق أبي بردة، عن أبي موسى، ومعاذ حين
بعثهما النبي ◌َ﴿ إلى ((اليمن)): ((لا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّ من هذِهِ الأَرْبَعَةِ)) فذكرها. ورواه
البيهقي (٢) عنهما موقوفًا. وفي الإسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه؛ وهو أمثل مما في الباب.
انتهى كلام الحافظ.
ثم الحصر فيه ليس حصرًا حقيقيًّا، وإلا يلزم أَلَّا تجب الزكاة في صنف غير هذه
الأصناف الأربعة، واللازم باطل؛ فالملزوم مثله، بل الحصر فيه إضافي.
قال القاري في ((المرقاة)) في شرح هذا الحديث: والحصر فيه إضافي. انتهى.
(١) الدار قطني (٩٨/٢) (١٥)، والحاكم. حديث (١٤٥٩).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٧٢٤٢).

٣٤٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَّةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا
والدليل على كون هذا الحصر إضافيًّا ما رواه الحاكم في ((المستدرك))(١) عن معاذ رضُّته
أن رسول الله وَّ قال: ((فيما سَقَتِ السَّمَاءُ والبَعْلُ والسَّيْلُ العُشْرُ))، ((وفيما سُقِيَ بِالنَّصْحِ
نَصْفُ العُشْرِ، وإنَّما يَكُونُ ذلكَ في الثَّمْرِ والحِنْطَةِ والحُبُوبِ)).
وأما القِنَّاء، والبِطّيخ، والرمان، والقصب: فقد عفى عنه رسول الله وَّر. قال الحاكم:
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
فالحق عندي ما ذهب إليه الجمهور. والله تعالى أعلم.
تنبيه آخر: قال الحنفية: إن العشر، والخراج لا يجتمعان على مسلم، ويستدلون
بحديث: ((لا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وخَرَاجُ في أَرْضٍ مُسْلِمٍ)).
قلت: لم يقم دليل صحيح على قولهم هذا، وأما هذا الحديث الذي يستدلون به، فباطل
لا أصل له.
قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)): الحديث الثالث: قال عليه السلام: ((لا يَجْتَمِعُ
عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضٍ مُسْلِمٍ)) قلت: رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢) عن يحيى بن عنبسة،
حدثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال
رسول الله وَله: ((لا يَجْتَمِعُ على مُسْلِمٍ خَرَاجٌ وعُشْرٌ)). انتهى.
قال ابن عدي: يحيى بن عنبسة منكر الحديث، وإنما يُرْوَى هذا من قول إبراهيم، وقد
رواه أبو حنيفة عن حماد، عن إبراهيم قولَه فجاء يحيى بن عنبسة فأبطل فيه، ووصله إلى
النبي ◌َّلقر، ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في ضعفه لروايته عن الثقات الموضوعات.
انتھی.
وقال ابن حبان: ليس هذا من كلام رسول الله وَطير، ويحيى بن عنبسة دجال، يضع
الحديث، لا يحل الرواية عنه. انتهى.
وقال الدارقطني: يحيى هذا دجال، يضع الحديث، وهو كذب على أبي حنيفة، ومن
بعده إلى رسول الله وير. وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)).
وقال البيهقي: هو حديث باطل؛ ويحيى هذا متهم بالوضع. انتهى ما في ((نصب الراية)).
(١) الحاكم. حديث (١٤٥٨) وقال: صحيح الإسناد.
(٢) ابن عدي في ((الكامل)) (٢٥٤/٧).

٣٤٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا
قلت: وأحاديث الباب بعمومها تدل على الجمع بين الخراج والعشر.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)): استدل ابن الجوزي في ((التحقيق)) للشافعي في الجمع
بين العشر والخراج بعموم الحديث عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر: أنه سن في ما سقت السماء
والعيون، أو كان عَثْرِيًّا العشور وفيما سقي بالنَّضْحِ نصف العشر. تفرد به البخاري(١) قال:
وهذا عام في الأرض الخراجية، وغيرها. انتهى.
وقال الزيلعي في ذلك الكتاب: استدل الشيخ تقي الدين في ((الإمام)) للشافعي بما
أخرجه البيهقي (٢) عن يحيى بن آدم، حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن ميمون بن مهران،
قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن المسلم يكون في يده أرض الخراج، فيسأل الزكاة؛
فيقول: إنما علي الخراج، فقال: الخراج على الأرض، والعشر على الحب. انتهى.
قلت: إسناده صحيح.
قال الحافظ في ((الدراية)) وقد صح عن عمر بن عبد العزيز؛ أنه قال لمن قال: إنما علي
الخراج: ((الخراج على الأرض، والعشر على الحب)). أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن
آدم في الخراج له. وفيها عن الزهري: لم يزل المسلمون على عهد رسول الله وَطله وبعده
يعاملون على الأرض، [ويستكرونها](٣)، ويؤدون الزكاة عما يخرج منها.
وفي الباب: حديث ابن عمر: ((فيما سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ))، متفق عليه، ويستدل بعمومه.
انتهى ما في ((الدراية)).
والحاصل: أنه لم يقم دليل صحيح على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل
حديث ابن عمر، وما في معناه بعمومه يدل على الجمع، وأثر عمر بن عبد العزيز، وأثر
الزهري ؛ يدلان على أن العمل كان على ذلك في عهد رسول الله وَّله وبعده.
تنبيه آخر: قال صاحب ((الهداية)): لم يجمع أحد من أئمة العدل والجور بينهما، يعني:
بين الخراج والعشر، وكفى بإجماعهم حجة. انتهى.
قلت: دعوى الإجماع باطلة جدًّا.
(١) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٨٣).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٧٢٨٨).
(٣) في نسخة: ((ويستنكرونها))، والمثبت هو الموافق لما في ((الدراية)).

٣٤٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ مَالِ الْيَتِيمِ
١٥- بَابُ مَا جَاءَ في زَكَاةِ مَالِ اليَتيمِ [ت١٥، ١٥٢]
[٦٤١] (٦٤١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ المُثَنَّى بْنِ الصَّبَّحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: ((أَلَاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيماً لَهُ مَالٌ فَلَيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكُهُ
حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ)). [ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ،
لأنَّ المُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ يُضَعَّفُ فِي هَذَا الحَدِيثِ.
قال الحافظ في ((الدراية)) رادًّا على صاحب ((الهداية)): ولا إجماع مع خلاف عمر بن
عبد العزيز والزهري، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما. انتهى.
١٥ - باب ما جاء في زَكَاةِ مَالِ اليَتِيمِ
[٦٤١] قوله: (حدّثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري. (حدَّثنا إبراهيم بن
موسى) بن يزيد بن زاذان التميمي أبو إسحاق الرازي الفراء، المعروف بالصغير، روى عن
هشام بن يوسف الصنعاني، والوليد بن مسلم، وغيرهما. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
وروى الباقون عنه بواسطة. ثقة، حافظ؛ كذا في ((تهذيب التهذيب))، و((التقريب)).
قوله: (ألا) للتنبيه . (من ولي) بفتح الواو وكسر اللام. قال القاري في ((المرقاة)): وفي
نسخة - أي: من ((المشكاة)) - بضم الواو، وتشديد اللام المكسورة؛ أي: صارَ وَلِيَّ يتيمٍ.
(له مال) صفة لـ ((يتيم))؛ أي: من صار وليًّا ليتيم ذي مال. (فليتجر) بتشديد الفوقية؛
أي: بالبيع والشراء. (فيه) أي: في مال اليتيم. (ولا يتركه) بالنهي. وقيل: بالنفي. (حتى
تأكله الصدقة) أي: تُنْقصه وتُفْنيه؛ لأن الأكل سبب الفناء. قال ابن الملك: أي: يأخذ
الزكاة منها، فينقص شيئًا فشيئًا، وهذا يدل على وجوب الزكاة في مال الصبي؛ وبه قال
الشافعي، وأحمد، ومالك.
وعند أبي حنيفة: لا زکاة فیه. انتهى.
قوله: (وفي إسناده مقال .. إلخ) قال الحافظ في ((بلوغ المرام)): وله شاهد مرسل عند
الشافعي. انتھی.
وقال في ((التلخيص)): ورواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق الشيباني أيضًا عن

٣٤٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ مَالِ الْيَتيم
وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، فَذَكَرَ
هَذَا الحَدِيثَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَرَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َُّ
فِي مَالِ اليَتِيمِ زَكَاةً، مِنْهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيٍّ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ عُمَرَ.
عمرو بن شعيب، لكن راويه عنه مَنْدِل بن علي؛ وهو ضعيف. ومن حديث العرزمي، عن
عمرو؛ والعرزمي ضعيف متروك. ورواه ابن عدي من طريق عبد الله بن علي؛ وهو
الإفريقي؛ وهو ضعيف.
قال الحافظ: وروى الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن يوسف
ابن ماهك مرسلًا، أن النبي بَّه قال: ((ابْتَغُوا في أَمْوَالِ اليَتَامَى لا تَأْكُلُها الزَّكَاةُ))(١). ولكن
أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة.
وفي الباب عن أنس مرفوعًا: ((انَّجِرُوا في مَالِ اليَتَامَى لا تَأْكُلُها الزَّكَاةُ))؛ رواه الطبراني
في ((الأوسط))(٢) في ترجمة علي بن سعد. انتهى.
قوله: (وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب؛ أن عمر بن الخطاب ... ؛
فذكر هذا الحديث) قال الدارقطني في ((العلل)): رواه حسين المعلم عن مكحول، عن
عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. ورواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن عمرو بن شعيب، عن عمر، لم يذكر ابن المسيب؛ وهو أصح، وإياه عنى الترمذي.
انتهى؛ كذا في ((التلخيص)).
قوله: (منهم عمر، وعلي، وعائشة، وابن عمر) روى مالك في ((الموطأ)) (٣) عن عمر بن
الخطاب قال: ((انَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ اليَتَامى لا تَأْكُلُها الزَّكَاةُ)).
ورواه البيهقي(٤)، وقال: إسناده صحيح، قاله الحافظ في ((التلخيص)). وقال فيه: وروى
الشافعي عن ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا. قال: وروى
الدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر ذلك من طرق عن علي بن أبي طالب، وهو مشهور
(١) أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٧١٣٠) من طريق الشافعي.
(٢) الطبراني في «الأوسط)) (٩٩٨).
(٣) مالك في ((الموطأ)) (١/ ٢٥١).
(٤) البيهقي في ((الكبرى)) (٤ / ١٠٧).

٣٤٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ مَالِ الْيَتيمِ
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّانِيُّ، وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ
فِي مَالِ اليَتِيمِ زَكَاةٌ، وَبِهِ يَقُولُ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ.
عنه. انتهى. وروى مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: كانت عائشة تليني
وأخّا لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة.
قوله: (وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) واستدلوا بأحاديث الباب؛ وهي
وبعموم الأحاديث الواردة في
وإن كانت ضعيفة، لكنها يؤيدها آثار صحيحة عن الصحابة
إيجاب الزكاة.
قوله: (وقالت طائفة من أهل العلم: ليس في مال اليتيم زكاة؛ وبه يقول سفيان الثوري،
وعبد الله بن المبارك) وبه يقول أبو حنيفة. واستدل هؤلاء بحديث عائشة، وعلي، وغيرهما
٤؛ أن رسول الله وَّه قال: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وعَنِ المُبْتَلى
حَتَّى يَبْرَأَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ))(١). قال ابن الهمام في ((فتح القدير)): وأما ما روي عن
عمر، وابنه، وعائشة يه من القول بالوجوب في مال الصبي والمجنون، لا يستلزم كونه عن
سماع؛ إذ يمكن الرأي فيه؛ فيجوز كونه بناء عليه؛ فحاصله قول صحابي عن اجتهاد عارضه
رأي صحابي آخر.
قال محمد بن الحسن في كتاب ((الآثار)): أنبأنا أبو حنيفة، حدّثنا ليث بن أبي سليم، عن
مجاهد، عن ابن مسعود، قال: ليس في مال اليتيم زكاة، وليث كان أحد العلماء العباد.
وقيل: اختلط في آخر عمره، ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب؛ فيأخذ عنه حال اختلاطه،
ويرويه؛ وهو الذي شدد أمر الرواية ما لم يشدده غيره. ورُوي مثل قول ابن مسعود عن ابن
عباس، تفرد به ابن لهيعة. انتهى.
قلت: لم يثبت عن أحد من الصحابة يه بسند صحيح عدم القول بوجوب الزكاة في
مال الصبي.
وأما أثر ابن مسعود: فهو ضعيف من وجهين:
الأول: أنه منقطع.
والثاني: أن في إسناده لیث بن أبي سليم.
قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه.
(١) سيأتي تخريجه عند الحديث رقم: ١٤٢٣.

٣٥٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ مَالِ البَتِيمِ
وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَشُعَيْبٌ قَدْ
سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو،
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): قال البيهقي: وهذا أثر ضعيف؛ فإن مجاهدًا لم يلق
ابن مسعود؛ فهو منقطع، وليث بن أبي سليم ضعيف عند أهل الحديث. انتهى.
وأجاب ابن الهمام عن الوجه الأول، ولم يجب عن الوجه الثاني، وفيما أجاب عن
الوجه الأول كلام؛ فتفكر.
وأما أثر ابن عباس: فقد تفرد به ابن لَهيعة؛ كما صرح به ابن الهمام؛ وهو ضعيف عند
أهل الحديث؛ قاله الترمذي في باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول.
وقال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)): يُرْوى حديثه في المتابعات؛ ولا يُحتج به. انتهى.
وأما حديث عائشة، وعلي المذكور: ففي الاستدلال به على عدم وجوب الزكاة في مال
الصبي نظر، كيف وقد رواه عائشة، وعلي - رضي الله تعالى عنهما - وهما قائلان بوجوب
الزكاة في مال الصبي.
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): قال ابن الجوزي: والجواب: أن المراد قلم الإثم، أو
قلم الأذى. انتھی.
وقال القاضي ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): وزعم أبو حنيفة أن الزكاة أوجبت شكر
نعمة المال، كما أن الصلاة أوجبت شكر نعمة البدن، ولم يتعين بعد على الصبي شكر.
قلنا: محل الصلاة يضعف عن شكر النعمة فيه، ومحل الزكاة - وهو المال - كَامِلٌ لشكر
النعمة. فإن قيل: لا يصح منه القربة. قلنا: يؤدَّى عنه؛ كما يؤدى عن المُغْمَى عليه. وعن
الممتنع جبرًا، وكما يؤدى عنه العشر والفطرة؛ وهو دين يُقْضَى عنه لمستَحِقُّه، وإن لم يعمل
به؛ لأن الناظر له حكم به. انتھی.
قوله: (وشعيب قد سمع من جده: عبد الله بن عمرو) وأما قول ابن حبان: لم يصح
سماع شعيب من جده عبد الله: فقال الدارقطني: هو خطأ .
وقد روى عبيد الله بن عمر العمري؛ وهو من الأئمة العدول، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، قال: كنت جالسًا عند عبد الله بن عمرو، فجاء رجل؛ فاستفتاه في مسألة؛ فقال:
يا شعيب امْض معه إلى ابن عباس، فقد صح بهذا سماع شعيب من جده عبد الله، وقد أثبت
سماعه منه أحمد بن حنبل وغيره؛ كذا في ((نصب الراية)) (ص٣٧٨) ((تخريج الهداية)).

٣٥١
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ مَالِ الْيَتيم
وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَقَالَ: هُوَ عِنْدَنَا وَاهٍ، وَمَنْ
ضَعَّفَهُ فَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ مِن قِبَلِ أَنَّهُ يُحدِّثُ مِنْ صَحِيفَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فَيَحْتَجُونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيُثْبِتُونَهُ، مِنْهُمْ:
أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَغَيْرُهُمَا .
.· قلت: وقد أسند ذلك الدارقطني في ((السنن)) (١)، قال: حدّثنا أبو بكر بن زياد
النيسابوري، حدّثنا محمد بن يحيى الذهلي وغيره؛ قالوا: حدّثنا محمد بن عبيد، حدّثنا
عبيد الله بن عمرو، ورواه الحاكم أيضًا من هذا الوجه؛ ذكره الحافظ في ((تهذيب التهذيب))،
وقال فيه: وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن، وصح سماعه؛ كما تقدم. وكما
روى حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن شعيب قال: سمعت عبد الله بن عمرو؛ فذكر
حديثًا أخرجه أبو داود من هذا الوجه. انتهى.
قلت: وقد سمع عمرو من أبيه شعيب، ففي ((تهذيب التهذيب)) قال محمد بن علي
الجوزجاني: قلت لأحمد: عمرو سمع من أبيه شيئًا؟ قال: يقول: حدّثني أبي. انتهى.
(وقد تكلم يحيى بن سعيد) هو القطان. (في حديث عمرو بن شعيب وقال: هو عندنا
وَاوٍ) أي: ضعيف. وكذلك تكلم فيه غير واحد من أئمة الحديث، ولكن أكثرهم على أنه
صحیح قابل للاحتجاج؛ کما صرح به الترمذي.
(ومن ضعفه فإنما ضعفه من قبل أنه يحدث من صحيفة جده عبد الله بن عمرو) يعني:
تضعيف من ضعفه ليس إلا من جهة أنه يحدث من صحيفة جده. قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)): قال الساجي: قال ابن معين: هو ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه عن جده لا حجة
فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل، وجد شعيب كُتب عبد الله بن عمرو؛
فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو، غير أنه لم يسمعها. قال
الحافظ: فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح، غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها،
فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة، وهو أحد وجوه التحمل. والله تعالى أعلم. انتهى.
قوله: (وأما أكثر أهل الحديث؛ فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب، فيُْبتونَه منهم:
أحمد، وإسحاق، وغيرهما) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٥١/٢) ترجمة عمرو
قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض. انتهى.
(١) الدارقطني (٥٠/٣) (٢٠٩).

٣٥٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ العَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
١٦- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ العَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَفي الرِّكَازِ الخُمُسُ [ت١٦، م١٦]
[٦٤٢] (٦٤٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((العَجْمَاءُ
جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ،
وفي شرح ((ألفية العراقي)) للمصنف: وقد اختلف في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب؛
عن أبيه، عن جده، وأصح الأقوال: أنها حجة مطلقًا إذا صح السند إليه.
قال ابن الصلاح: وهو قول أكثر أهل الحديث؛ حملًا للجد عند الإطلاق على الصحابي
عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد والد شعيب؛ لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك؛ فقد قال
البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيدة،
وأبا خيثمة، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه
أحد منهم، وثبتوه، فمن الناس بعدهم؟
وقول ابن حبان: هي منقطعة؛ لأن شعيبًا لم يلق عبد الله مردود؛ فقد صح سماع شعيب
من جده: عبد الله بن عمرو؛ كما صرح به البخاري في ((التاريخ))، وأحمد؛ وكما رواه
الدارقطني، والبيهقي في ((السنن)) بإسناد صحيح. انتهى.
١٦ - باب ما جاء أَنَّ العَجْمَاءَ جُرِحُهَا جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ
[٦٤٢] قوله: (العجماء) أي: البهيمة؛ وهي في الأصل تأنيث: ((الأعجم))؛ وهو: الذي
لا يقدر على الكلام، سمي بذلك؛ لأنه لا يتكلم.
(جُرْحُهَا) بضم الجيم، وفتحها، والمفهوم من ((النهاية)) نقلًا عن الأزهري: أنه بالفتح لا
غير؛ لأنَّه مصدر، وبالضم الجراحة.
(جبار) بضم الجيم، أي: هدر؛ أي: إذا أتلفت البهيمة شيئًا، ولم يكن معها قائد، ولا
سائق، وكان نهارًا؛ فلا ضمان؛ وإن كان معها أحد، فهو ضامن؛ لأن الإتلاف حصل
بتقصيره، وكذا إذا كان ليلًا؛ لأن المالك قصر في ربطها، إذ العادة أن تربط الدواب ليلًا،
وتسرح نهارًا؛ كذا ذكره الطيبيُّ، وابن الملك.
(والمعدن) بفتح الميم، وكسر الدال: مكان يخرج منه شيء من الجواهر، والأجساد
المعدنية؛ من الذهب والفضة، والنحاس، وغير ذلك من: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به.

٣٥٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ العَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
وَالبِتْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمْسُ)). [خ: ٦٩١٢، م: ١٧١٠، ن: ٢٤٩٦، د: ٤٥٩٣، جه: ٢٥٠٩
و ٢٦٧٣، حم: ٧٤٠٧، طا: ١٦٢٢، مي: ١٦٦٨].
(والبئر) بهمز ويبدل (جبار) أي: إذا استأجر حافرًا لحفر البئر، أو استخراج المعدن،
فانهار عليه لا ضمان، وكذا إذا وقع فيه إنسان فهلك، إن لم يكن الحفر عدوانًا. وإن كان
ففيه خلاف.
(وفي الركاز) بكسر الراء (الخمس) اعلم أن مالكًا رحمه الله، والشافعي رحمه الله،
والجمهور حملوا الركاز على كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وقالوا: لا خمس في
المعدن، بل فيه الزكاة إذا بلغ قدر النصاب، وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز، وصله
أبو عبيد في كتاب ((الأموال))، وعلقه البخاري في ((صحيحه)(١).
وأما الحنفية: فقالوا: الركاز يعم المعدن، والكنز؛ ففي كل ذلك الخمس. وما ذهب
إليه الجمهور من التفرقة بين الركاز والمعدن هو الظاهر؛ لأن النبي وَّ قال: ((المَعْدِنُ جُبَارٌ
وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ)). عطف ((الركاز)) على ((المعدن))، وفرق بينهما في الحكم؛ فعلم منه أن
المعدن ليس بركاز عند النبي ◌َّته، بل هما شيئان متغايران، ولو كان المعدن ركازًا عنده؛
لقال: المعدن جبار، وفيه الخمس، ولما لم يقل ذلك، ظهر أنه غيره؛ لأن العطف يدل على
المغايرة.
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري): والحجة للجمهور التفرقة من النبي وَلفيه بين
المعدن والركاز بواو العطف؛ فصح أنه غيره. انتهى.
ولأن الركاز في لغة أهل ((الحجاز)) هو: ما ذهب إليه الجمهور، ولا شك في أن النبي
الحجازي سي تكلم بلغة أهل ((الحجاز))، وأراد به ما يريدون منه. قال ابن الأثير في
((النهاية)): الركاز عند أهل الحجاز: [كنوز](٢) الجاهلية المدفونة في الأرض. وعند أهل
((العراق)): المعادن، والقولان تحتملهما اللغة؛ لأن كلَّ منهما مركوز في الأرض؛ أي:
ثابت، يقال: ركزه يركزه ركزًا، إذا دفنه. وأركز الرجل إذا وجد الركاز. والحديث إنما جاء
في التفسير الأول؛ وهو الكنز الجاهلي، وإنما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه، وسهولة أخذه.
انتھی.
(١) البخاري، كتاب الزكاة، قبل الحديث (١٤٩٩) معلقًا. ووصله أبو عبيد في ((الأموال)) (٨٧٠).
(٢) زيادة ضرورية من ((النهاية)) لابن الأثير.

٣٥٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِّ ر بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ العَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفِ المُزنِيِّ ، وَجَابِرٍ .
وفي ((المرقاة)) لعلي القاري: وأما ما روي عن أبي هريرة؛ أنه قال: قال رسول الله وَلٍّ:
((فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ))، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: ((الذهَبُ الَّذِي خَلَقَهُ الله في
الأَرْضِ يومَ خُلِقَتِ الأَرْضُ)). رواه البيهقي(١)، وذكره في ((الإمام))، فهو وإن سكت عنه في
((الإمام)) مضعف بعبد الله بن [سعيد بن] أبي سعيد المقبري. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت،
وعمرو بن عوف المزني، وجابر) وفي الباب أيضًا: عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن
عباس، وزيد بن أرقم، وأبي ثعلبة الخشني، وسراء بنت نبهان الغنوية.
فحديث أنس: عند أحمد (٢)، والبزار مطولًا، وفيه: ((هذا رِكَازٌ وفيه الخُمُسُ)).
وحديث عبد الله بن عمرو: عند الشافعي(٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده؛ أن النبيِ وَّ﴿ قال في كنز وجده رجل في خربة الجاهلية: ((إِنْ وَجَدْتَهُ في قَرْيَةٍ غيرِ
مَسْكُونَةٍ ففيه وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ)).
وحديث عبادة بن الصامت: رواه ابن ماجه (٤) من رواية إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن
عبادة بن الصامت قال: قضى رسول الله وَله: ((إِنَّ المَعْدِنَ جُبَارٌ وَجُرْحُهَا جُبَارٌ)). وهذا
منقطع؛ لأن إسحاق لم يدرك عبادة.
وحديث عمرو بن عوف المزني: رواه ابن ماجه(٥) أيضًا.
وحديث جابر: رواه أحمد(٦)، والبزار من رواية مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال:
قال رسول الله وَ ◌ّه: ((السَّائِبة ... ))، الحديث، وفيه: ((في الرِّكَازِ الخُمُسُ))؛ كذا في ((عمدة
القاري)) .
(١) انظر (معرفة السنن والآثار)) (٢٣٨٧).
(٢) أحمد. حديث (١١٨٨٩)، والبيهقي في (الكبرى)) (٧٤٣٨). قال الهيثمي (٧٧/٣): وفيه عبد الرحمن بن زيد
بن أسلم وهو ضعيف.
(٣) الشافعي في ((مسنده)) (ص ٩٦).
(٤) ابن ماجه، كتاب الديات. حديث (٢٦٧٥)، وأخرجه أحمد. حديث (٢٢٢٧٢).
(٥) ابن ماجه، كتاب الديات. حديث (٢٦٧٤).
(٦) أحمد. حديث (١٤٣٩٦)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٠٣/٦): وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط.

٣٥٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِ الخَّرْصِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٧- بَابُ مَا جَاءَ في الخَرْصِ [ت١٧، م١٧]
[٦٤٣] (٦٤٣) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، أَخْبَرَنَا
شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِ خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ
يَقُولُ: جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ إِلَى مَجْلِسنَا، فَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ كَانَ يَقُولُ:
(إِذَا خَرَضْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ)). [د: ١٦٠٥،
ن: ٢٤٩٠، حم: ١٥٢٨٦، مي: ٢٦١٩].
وتخريج أحاديث عبد الله بن مسعود(١) وغيره(٢) مذكور فيه أيضًا، من شاء الوقوف عليه،
فلیرجع إليه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
١٧ - باب ما جاء في الخَرْصِ
الخرص في اللغة هو: الحزر والتخمين. وسيجيء بيان ما هو المراد منه من المؤلف.
[٦٤٣] قوله: (أخبرني خبيب بن عبد الرحمن) أبو الحارث المدني، ثقة، من الرابعة.
(قال: سمعت عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَارٍ) بكسر النون، وبالتحتانية الأنصاري
المدني، مقبول، من الرابعة.
(جاء سَهْلُ بن أبي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة، وسكون المثلثة، صحابي صغير.
(إذا خرصتم) أي: حزرتم، وخمنتم أيها السعاة. (فخذوا) أي: زكاة المخروص.
(ودعوا الثلث) أي: اتركوه. قال الطيبيُّ: (فخذوا) جواب الشرط، (ودعوا) عطف
(١) الطبراني في ((الكبير)) (١٠٠٣٩)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٧٨/٣): وفيه عبد الله بن بزيع وهو ضعيف.
(٢) منهم ابن عباس؛ أخرجه أحمد. حديث (٢٨٦٦)، وابن ماجه، كتاب الأحكام. حديث (٢٤٨٥). والسراء بنت
نبهان؛ أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٠٨/٢٤) (٧٧٨)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٧٨/٣): وفيه أحمد بن
الحارث الغساني وهو ضعيف. ومن حديث أبي ثعلبة الخشني؛ أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢٧/٢٢)
(٥٩٨)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٧٨/٣): وفيه يزيد بن سنان وفيه كلام وقد وثق. وزيد بن أرقم؛ أخرجه
الطبراني في «الكبير» (٤٩٩٣)، وقال الهيثمي (٣/ ٧٨): وفيه راو لم يسم. والحسن البصري؛ أخرجه أحمد.
حديث (١٠٠٢٢) مرسلًا وإسناده حسن إلى الحسن. والشعبي؛ أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٧٤٤٤) مرسلاً.

٣٥٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَيِّ بَابُ مَا جَاءَ فِي الخَرْصِ
عليه؛ أي: ((إذا خرصتم)) فبينوا مقدار الزكاة، ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار، واتركوا الثلث
لصاحب المال حتی یتصدق به. انتهى.
وقال القاضي: الخطاب مع المصدقين، أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه،
أو ربعه؛ توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه، ومن يمر به ويطلب منه؛ فلا يحتاج
إلى أن يغرم ذلك من ماله؛ وهذا قول قديم للشافعي، وعامة أهل الحديث.
وعند أصحاب الرأي: لا عبرة بالخرص؛ لإفضائه إلى الربا، وزعموا أن الأحاديث
الواردة فيه كانت قبل تحريم الربا، ويرده حديث عتاب بن أسيد، فإنه أسلم يوم الفتح،
وتحريم الربا کان مقدمًا. انتهى.
قال القاري بعد نقل كلام القاضي هذا: وحديث جابر الطويل في الصحيح صريح؛ فإن
تحريم الربا كان في حجة الوداع. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): قال الخطّابي: أنكر أصحاب الرأي الخرص،
وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفًا للمزارعين؛ لئلا يخونوا ليلزم به الحكم؛ لأنه تخمين
وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار.
وتعقبه الخطّابي بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي ◌َلـ
حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر؛ فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تركه
[إلا](١) عن الشعبي؛ قال: وأمَّا قولهم: إنه تخمين وغرور؛ فليس كذلك، بل هو اجتهاد في
معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. قال: واعتل الطحاوي بأنه
يجوز أن يحصل للثمرة آفة، فتتلفها؛ فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذًا بدلًا مما يسلم له.
وأجيب بأن القائلين به لا يُضَمِّنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص.
قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل
الجذاذ، فلا ضمان. انتهى.
قال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): المثال التاسع والأربعون: رد السنة
الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة، والعرايا، وغيرها إذا بدا
صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص، ثم قال: فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إِنََّا الَْتُرُ
(١) سقطت من بعض النسخ، واستدركت من ((الفتح)).

٣٥٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الخَرْصِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ، وَعَتَّبٍ بْنِ أَسِيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ فِي
الخَرصِ، وَبِحَديثِ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَالخَرْصُ إِذَا
أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ مِنَ الرُّطَبِ وَالعِنَبِ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ، بَعَثَ السُّلْطَانُ خَارِصاً يَخْرُصُ
عَليهِمْ، وَالخَرْصُ أَنْ يَنْظُرَ مَنْ يُبْصِرُ ذَلِكَ، فيَقُولُ: يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الزَّبِيبِ كَذَا
[المائدة: ٩٠] قالوا: والخرص من باب
وَالْمَيْسِرُ وَاَلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَنِ
القمار والميسر؛ فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار. وهذا من أبطل الباطل؛ فإن الفرق بين
القمار والميسر؛ والخرص المشروع؛ كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمذكى؛ وقد نزَّه الله
رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار، وعن شرعه، وإدخاله في الدين، ويا لله العَجب! أكان
المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم
انقضى عصر الصحابة، وعصر التابعين على القمار، ولا يعرفون أن الخرص قمار، حتى بينه
بعض فقهاء ((الكوفة))؟! هذا والله الباطل حقًّا. والله الموفق. انتهى كلام ابن القيم.
قوله: (وفي الباب عن عائشة) أخرجه أبو داود(١) (وعَنَّب) بفتح العين المهملة، وتشديد
المثناة الفوقانية. (بن أسيد) بفتح الهمزة، وكسر المهملة. وحديثه أخرجه أبو داود،
والترمذي.
قوله: (وبحديث سهل بن أبي حثمة يقول إسحاق، وأحمد) قال الحافظ في ((فتح الباري)
بعد ذكر حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ: قال بظاهره الليث، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. وفهم
منه أبو عبيد في كتاب ((الأموال)): أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه؛ فقال: يترك
قدر احتياجهم.
وقال مالك، وسفيان: لا يترك لهم شيء؛ وهو المشهور عن الشافعي.
قال ابن العربي: والمتحصل من صحيح النظر: أن يعمل بالحديث؛ وهو قدر المؤنة،
ولقد جربناه، فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رطبًا. انتهى.
قوله: (والخوص إذا أدركت الثمار ... إلخ) من: إدراك الشيء: بلغ وقته؛ كذا [في]
((القاموس)).
(١) أبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٠٦).

٣٥٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الخَرْصِ
وَكَذَا، وَمِنَ الثَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَيُحْصِي عَلَيْهِمْ، وَيَنْظُرُ مَبلَغَ العُشْرِ مِنْ ذَلِكَ، فَيُثْبِتُ
عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثِّمَارِ فَيَصْنَعُونَ مَا أَحَبُّوا، فَإِذَا أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ أُخِذَ
مِنْهُمُ العُشْرُ، هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ،
وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ.
[٦٤٤] (٦٤٤) حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو مُسْلِمُ بْنُ عَمْرِو الحَذَّاءُ المَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نَافِعِ الصَّائِغُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ الثَّمَّارِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ،
عَنْ عَتَّابٍ بْنِ أَسِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ
وَثِمَارَهُمْ.
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَالَ فِي زَكَاةِ الكُرُومِ: ((إِنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ
النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيباً كَمَا تُؤَدَّى زَكَاة النَّخَلِ تَمْراً)). [ن: ٢٦١٧
[ن: ٢٦١٧، د: ١٦٠٣،
جه: ١٨١٩].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجِ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
قال الحافظ ابن حجر: وفائدة الخرص: التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها،
والبيع من زهوها، وإيثار الأهل، والجيران، والفقراء؛ لأن في منعهم منها تضييقًا لا يخفى.
انتھی.
[٦٤٤] قوله: (عن محمد بن صالح التمار) بفتح المثناة الفوقانية، وتشديد الميم،
صدوق، يخطئ، من السابعة.
(كُرُومَهُم) بضمتين جمع: الكرم؛ وهو شجر العنب.
قال ابن حجر: ولا ينافي تسمية العنب كرمًا خبر الشيخين: ((لا تُسَمُّوا العِنبَ كَرْمًا؛ فإِنَّ
الكَرْمَ هو المُسْلِمُ))؛ وفي رواية: ((فإنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)) (١) لأنه نهي تنزيه، على أن تلك
التسمية من لفظ الراوي؛ فلعله لم يبلغه النهي، أو خاطب به من لا يعرفه إلا به. انتهى.
(زبيبًا) هو: اليابس من العنب.
(١) البخاري، كتاب الأدب. حديث ٦١٨٣، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب. حديث (٢٢٤٧).

٣٥٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي العَامِلِ عَلَى الصَّدَقَّةِ بِالحَقِّ
وَسَأَلْتُ مُحَمَّداً عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ غَيْرُ مَحْفُوظِ،
وَحَدِيثُ سَعِيد بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَنَّابٍ بْنِ أَسِيدٍ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ.
١٨- بَابٌ مَا جَاءَ في العَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالحَقِّ [ت١٨، ١٨٢]
[٦٤٥] (٦٤٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ
عِيَاضٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، حَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ
لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((العَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ
بِالحَقِّ، كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ الله حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ)). [د: ٢٩٣٦، جه: ١٨٠٩،
حم: ١٥٣٩٩].
١٨ - باب ما جاء في العَامِلِ على الصَّدَقَةِ بالحَقِّ
[٦٤٥] قوله: (العامل على الصدقة بالحق) متعلق بـ ((العامل)) أي: عملًا بالصدق،
والصواب، أو بالإخلاص، والاحتساب.
(كالغازي في سبيل الله) أي: في تحصيل بيت المال، واستحقاق الثواب في تمشية أمر
الدارين؛ قاله القاري.
(حتى يرجع) أي: العامل. قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): وذلك أن الله ذو الفضل
العظيم، قال: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا غَزَا، ومَنْ خَلَفَهُ في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فقدْ غَزَا))(١)، والعامل على
الصدقة خليفة الغازي؛ لأنه يجمع مال سبيل الله، فهو غَازٍ بعمله، وهو غاز بنيته. وقال عليه
السلام: ((إِنَّ بالمَدِينَةِ قَوْمًا ما سَلَكْتُمْ وَادِيًا، ولا قَطَعْتُمْ شِعْبًا، إلَّا وهُم معكم؛ حَبَسَهُمُ
العُذْر))(٢). فكيفَ بِمَن حبسه العمل للغازي، وخلافته، وجمع ماله الذي ينفقه في سبيل الله.
وكما لا بد من الغزو، فلا بد من جمع المال الذي يغزو به؛ فهما شريكان في النية، شريكان
في العمل؛ فوجب أن يشتركا في الأجر. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨٤٣)، ومسلم كتاب الإمارة. حديث (١٨٩٥).
(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨٣٩).

٣٦٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَصَحُ.
١٩- بَابُ مَا جَاءَ في الْمُعْتَدِي في الصَّدَقَةِ [ت١٩، ١٩٢]
[٦٤٦] (٦٤٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ
گَمَانِعِهَا». [د: ١٥٨٥، جه: ١٨٠٨].
(حدیث رافع بن خديج حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود.
قوله: (ويزيد بن عياض ضعيف عند أهل الحديث) قال الحافظ في ((التقريب)): كذبه
مالك، وغيره.
قوله: (وحديث محمد بن إسحاق أصح) ومحمد بن إسحاق ثقة، قد اعترف به العلماء:
المالكية، والحنفية أيضًا .
قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): محمد بن إسحاق ثقة، إمام. انتهى. قلت: وقد
وثقه العلامة ابن الهمام في ((فتح القدير)). وقال العيني في ((شرح البخاري)) (٧٠١/٣): ابن
إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور. انتهى.
١٩ - باب في الْمُقْتَدِي في الصَّدَقَةِ
[٦٤٦] قوله: (المعتدي في الصدقة كمانعها) الاعتداء: مجاوزة الحد؛ فيحتمل أن يكون
المراد به: المزكي الذي يعتدي بإعطاء الزكاة غير مستحقيها، ولا على وجهها، أو العامل.
قال التوربشتي: إن العامل المعتدي في أخذ الصدقة عن المقدار الواجب؛ هو في الوِزْرِ
كالذي يمنع عن أداء ما وجب عليه؛ كذا في ((اللمعات)).
وقال في ((شرح السنة)): معنى الحديث: أن على المعتدي في الصدقة من الإثم ما على
المانع؛ فلا يحل لرب المال كتمان المال، وإن اعتدى عليه الساعي. انتهى.
وقيل: المعتدي في الصدقة: هو الذي يجاوز الحد في الصدقة؛ بحيث لا يبقي لعياله
شيئًا .
وقيل: هو الذي يعطي، ويمن، ويؤذي، فالإعطاء مع المن والأذى كالمنع عن أداء ما
وجب عليه؛ قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ بَتْبَعُهَا أَذَىْ﴾ [البقرة: ٢٦٣].