النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
[٥٨٩] (٥٨٩) حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمِ الْبَصْرِيُّ أبو حاتم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
بْنُ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قَالَ:
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ،
فَإِنَّ الالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ،
الباب، وحديث عائشة ﴿ّا أخرجه الشيخان(١) أيضًا.
وفي الباب أحاديث كثيرة، ذكرها الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)).
وقال الحافظ في ((الفتح)): ورد في كراهية الالتفات صريحًا على غير شرط البخاري عدة
أحاديث منها: عند أحمد وابن خزيمة(٢) من حديث أبي ذر رفعه: ((لا يَزَالُ الله مُقْبِلًا على
العَبْدِ في صَلاتِهِ ما لم يَلْتَفِتْ، فإذا صَرَفَ وَجْهَهُ عنه انْصَرَفَ)).
ومن حديث الحارث الأشعري نحوه، وزاد: ((فإذا صَلَّيْتُمْ فلا تَلْتَفِتُوا))(٣).
وأخرج الأول أيضًا أبو داود والنسائي. قال: والمراد بالالتفات المذكور: ما لم يستدبر
القبلة بصدره؛ أو عنقه کله.
وسبب كراهة الالتفات: يحتمل أن يكون لنقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة ببعض
البَدَن. انتهى.
[٥٨٩] قوله: (يا بني، إياك والالتفات في الصلاة) أي: بتحويل الوجه.
(فإن الالتفات في الصلاة هَلَكَةٌ) بفتحتين؛ أي: هلاك؛ لأنه طاعة الشيطان، وهو سبب الهلاك.
قال ميرك: الهلاك على ثلاثة أوجه:
افتقاد الشيء عندك، وهو عند غيرك موجود؛ كقوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّى سُلْطَنِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩].
وهلاك الشيء باستحالته.
والثالث: الموت؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ أَمْرُوَأْ هَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وقال الطيبيُّ: الهلكة:
الهلاك؛ وهو استحالة الشيء وفساده؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]،
والصلاة بالالتفات تستحيل من الكمال إلى الاختلاسِ المذكور في حديث عائشة.
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٥١). ولم يخرجه مسلم كما ذكر المصنف.
(٢) أحمد. حديث (٢٠٩٩٧)، وابن خزيمة. حديث (٤٨٢).
(٣) الترمذي، كتاب الأمثال. حديث (٢٨٦٣).

٢٤٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ، لَا فِي الفَرِيضَةِ)). [ضعيف، علي بن زيد ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[٥٩٠] (٥٩٠) حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ
أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَّلِ عَنِ
الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: ((هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ)).
[خ: ٧٥١، ن: ١١٩٥، د: ٩١٠، حم: ٢٤٢٢٥].
(فإن كان لا بد) أي: من الالتفات (ففي التطوع لا في الفريضة) لأن مبنى التطوع على
المساهلة؛ ألا ترى أنه يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام.
وفيه: الإذن بالالتفات للحاجة في التطوع، والمنع من ذلك في صلاة الفرض.
قوله: (هذا حديث غريب حسن) ذكر الحافظ ابن تيمية هذا الحديث في ((المنتقى))،
وقال: رواه الترمذي وصحَّحه.
[٥٩٠] قوله: (قال: هو اختلاس) افتعال من: الخلس، وهو السَّلْب؛ أي: استلاب
وأخذ بسرعة. وقيل: شيء يختلس به.
(يختلسه الشيطان) أي: يحمله على هذا الفعل.
وأحاديث الباب تدل على كراهة الالتفات في الصلاة؛ وهو قول الأكثر والجمهور،
وأنها كراهة تنزيه ما لم يبلغ إلى حد استدبار القبلة.
والحكمة في التنفير عنه: ما فيه من [نَقْضٍ] (١) الخشوع والإعراض عن الله تعالى وعدم
التصميم على مخالفة وَسْوَسَةِ الشيطان.
واعلم: أن الحافظ الحازمي قد استدل على نسخ الالتفات: بحديث رواه بإسناده إلى
ابن سيرين قال: ((كان رَسُولُ الله ◌َّهِ إذا قام في الصَّلاةِ، نظر هكذا وهكذا. فلما نزل: ﴿قَدْ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] نظر هكذا)).
أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (®
قال ابن شهاب: ببصَرِه نحوَ الأرض، قال: وهذا وإن كان مرسلًا فله شواهد.
واستدل أيضًا بقول أبي هريرة: أن رَسُولَ اللهِ وَّهِ كان إذا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السماء،
فنزل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِمْ خَشِعُونَ﴾(٢) [المؤمنون: ٢].
(١) في نسخة: ((نقص)).
(٢) الحاكم. حديث (٣٤٨٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد فقد قيل
عنه مرسلًا ولم يخرجاه، وقال الذهبي: الصحيح مرسل، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢/ ٢٨٣).

٢٤٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
٤١٤- بَابُ مَا ذُكِرَ في الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ
وَهُوَ سَاجِدٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ [ت٢٩٧، م٦١]
[٥٩١] (٥٩١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، عَنِ
الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ
مُرَّةَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ
الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْلَمُ أَحَداً أَسْئَدَهُ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا
قلت: في هذا الاستدلال كلام؛ كما لا يخفى على المتأمل.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود.
٤١٤ - باب ما ذُكِرَ في الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإمامَ وهو سَاجِدٌ كيف يَصْنَعُ؟
[٥٩١] قوله: (حدثنا هشام بن يونس الكوفي) اللؤلؤي، أبو القاسم، ثقة، روى عن ابن
عيينة وغيره، وعنه: الترمذي، وثَّقه النسائي.
(حدَّثنا المحاربي) هو: عبد الرحمن بن زياد الكوفي ثقة.
(عن أبي إسحاق) اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي. ثقة، عابد، اختلط بآخره.
(عن هُبيرة) بضم الهاء، وفتح الموحدة (ابن يَريم) على وزن عظيم، الكوفي، (عن علي)
وعنه: أبو إسحاق السبيعي. وثّقه ابن حبان؛ كذا في ((الخلاصة)). وقال في ((التقريب)): لا
بأس به، وقد عیب بالتشيع.
(وعن عمرو بن مرة) عطف على قوله: ((عن هبيرة))، فإن هبيرة وعمرو بن مرة؛ كليهما
من شيوخ أبي إسحاق.
قوله: (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حَالٍ) أي: من قيام، أو ركوع، أو سجود،
أو قعود (فليصنع كما يصنع الإمام) أي: فليوافق الإمام فيما هو فيه من: القیام، أو الركوع،
أو غير ذلك؛ أي: فلا ينتظر الإمام إلى القيام؛ كما يفعله العَوَامُّ.
قوله: (هذا حديث غريب ... إلخ) قال الحافظ في ((التلخيص)): فيه ضعف، وانقطاع.

٢٤٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
الْوَجْهِ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
قَالُوا: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ، وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، إِذَا فَاتَّهُ
الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ.
وَاخْتَارَ عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ الْإِمَامِ.
وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ.
انتهى. وقال الشوكاني في ((النيل)) صفحة ٣٤٣١: والحديث - وإن كان فيه ضعف - لكنه
يشهد له ما عند أحمد وأبي داود(١) ؛ من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ قال: ((أحيلت
الصَّلاةُ ثلاثة أحوال ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((فَجاء معاذ، فقال: لا أَجِدُهُ على حَالٍ أبدًا
إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني)).
قال: فجاء، وقد سبقه النبي وسه ببعضها. قال: فقمت معه، فلما قضى النبي وَل
صلاته، قام يقضي، فقال رسول الله وَ له: ((قد سَنَّ لكم مُعَاذٌ؛ فهكذا فاصْنَعُوا)).
يوابن أبي ليلى - وإن لم يسمع من معاذ - فقد رواه أبو داود(٢) من وجه آخر، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحابنا ((أن رسول الله وَالر ... )) فذكر الحديث،
وفيهُ: ((فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها ... )) الحديث.
ويشهد له أيضًا ما رواه ابن أبي شَيْبَةً(٣) عن رَجُلٍ من الأنصار مرفوعًا: (مَنْ وَجَدَنِي
راكعًا أو قائمًا أو سَاجِدًا، فَلْيَكُنْ مَعِي على حَالَتِي الَّتِي أَنَا عليها)).
وما أخرجه سعيد بن منصور، عن أناس من أهل ((المدينة)) مثل لفظ ابن أبي شيبة.
قال الشوكاني: والظاهر: أنه يدخل معه في الحال التي أدركه عليها مكبرًا معتدًّا بذلك
التكبير، وإن لم يعتد بما أدركه من الركعة، كمن يدرك الإمام في حال سجوده، أو قعوده.
انتهى كلام الشوكاني.
قوله: (ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام) .
وأما إذا أدرك الركوع مع الإمام: فتجزؤه تلك الركعة؛ وهذا هو مذهب الجمهور؛
(١) أحمد. حديث (٢١٦١٨)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٧).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٤).
(٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٠١).

٢٤٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
فقالوا: إن مَنْ أدرك الإمام راكعًا دخل معه، واعتد بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئًا من
القراءة.
وقال بعض أهل العلم: لا تجزئه تلك الركعة، إذا فاته القيام وقراءة فاتحة الكتاب، وإن
أدرك الركوع مع الإمام.
وقد ذهب إلى هذا: أهل الظاهر، وابن خزيمة، وأبو بكر الضبعي، روى ذلك ابن سيد
الناس في ((شرح الترمذي))، وذكر فيه حاكيًا عمن روى عن ابن خزيمة، أنه احتج لذلك بما
روي عن أبي هريرة، أنه وَّرِ قال: ((مَنْ أَدْرَكَ الإمامَ في الرُّكُوعِ، فَلْيَرْكَعْ معه، ولْيُعِدِ الرَّكْعَةَ)).
وقد رواه البخاري(١) في ((القراءة خلف الإمام)) من حديث أبي هريرة؛ أنه قال: ((إن
أدركت القوم رُكُوعًا لم يعتد بتلك الركعة)).
فقال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفًا .
وأما المرفوع: فلا أصل له.
وقال الرافعي تبعًا للإِمام: إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج به، وقد
حكى هذا المذهب البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) عن كُلِّ مَنْ ذَهَبَ إلى وجوب القراءة
خلف الإمام، وحكاه الحافظ في ((الفتح)) عن جماعة من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين
السبكي وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي.
قال: وقد بحثت هذه المسألة، وأَحَطْتُهَا في جميع بَحْثِي فقهًا وحديثًا، فلم أحصل منها
على غير ما ذكرت، يعني: من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط.
واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه: بحديث أبي هريرة: ((مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مِنَ الرَّكْعَةِ
الأَخِيرَةِ فِي صَلاتِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَلْيُضِفْ إليها رَكْعَةً أُخْرَى)). رواه الدارقطني(٢) من طريق
ياسِين بن معاذ، وهو متروك.
وأخرجه الدار قطني، بلفظ: ((إذا أَدْرَكَ أَحَدُكُم الرَّكْعَتَيْنِ يومَ الجُمُعَةِ فقد أَدْرَكَ، وإِذا أَدْرَكَ
رَكْعَةً فَلْيَرْكَعْ إليها أُخْرَى)).
(١) البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) (١٧٣) وفيه ((إذا)) بدل ((إن))، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو وإن كان
ثقة، لكنه مدلس ولم يصرح بالسماع.
(٢) الدارقطني (١١/٢) (٨).

٢٤٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني(١)، ومن طريق صالح بن أبي الأخضر(٢)،
وسليمان متروك، وصالح ضعيف.
على أن التقييد بالجمعة - في كلا الروايتين - مشعر بأن غير الجمعة بخلافها، وكذا
بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدعي؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها
على الركوع وما بعده مجاز، لا يصار إليه إلا لقرينة كما وقع عند مسلم (٣) من حديث البراء،
بلفظ: ((فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته))، فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال
والسجود؛ قرينة تدلُّ على أن المراد بها: الركوع.
وقد ورد حديث: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً من صَلاةِ الجُمُعَةِ)) بألفاظ لا تخلو طرقها من مَقَالٍ،
حتى قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه: لا أَصْلَ لهذا الحديث، إنما المتن: ((مَنْ أَدْرَكَ
مِنَ الصَّلاةِ رَكْعَةً، فقد أَدْرَكَها)).
وكذا قال الدَّارقطني والعقيلي.
وأخرجه ابن خزيمة(٤) عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ، فقد
أَدْرَكَها قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ»، وليس في ذلك دليل لمطلوبهم، لما عرفت من أن مسمى
الركعة: جميع أركانها وأذكارها، حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية، كما تقرر
في الأصول؛ فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي.
فإن قلت: فأي فائدة على هذا في التقييد بقوله: ((قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ))؟
قلت: دفع تَوَهُّمِ أن مَنْ دخل مع الإمام، ثم قرأ الفاتحة، وركع الإمام قبل فراغه منها
غير مدرك.
وأما استدلال الجمهور: بحديث أبي بكرة؛ حيث صلى خَلْفَ الصف؛ مخافة أن تفوته
الركعة. فقال ◌َله: ((زَادَكَ الله حِرْصًا وَلا تَعُدْ))، ولم يأمر بإعادة الركعة، فليس فيه ما يَدُلُّ
على ما ذهبوا إليه؛ لأنه كما لم يأمر بالإعادة، فلم ينقل إلينا أنه اعتدّ بها.
(١) الدارقطني (١٢/٢) (٩، ١٠).
(٢) الدارقطني (١١/٢) (٦).
(٣) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٧١).
(٤) ابن خزيمة. حديث (١٥٩٥).

٢٤٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإِمَامَ وَهُمْ قِيَامٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
٤١٥- بَابُ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإِمَامَ
وَهُمْ قِيَامٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ [ت٢٩٨، ٦٢٢]
[٥٩٢] (٥٩٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ
والدعاء بالحِرْصِ لا يستلزم الاعتداد بها؛ لأن الكون مع الإمام مأمور به؛ سواء كان
الشيء الذي يدركه المؤتم معتدًّا به، أم لا، كما في حديثه: ((إذا جِئْتُمْ إلى الصَّلاةِ ونحن
سُجُودٌ فاسْجُدُوا، وَلا تَعُدُّوهَا شَيْئًا)) رواه أبو داود(١) وغيره، على أن النبي ◌ِّرِ قد نهى
أبا بكرة عن العَوْدِ إلى مثل ذلك، والاستدلال بشيء قد نهي عنه لا يصح؛ كذا ذكر الشوكاني
في ((النيل)).
قلت: واستدل من ذهب إلى أن مُدْرِكَ الركوع لا يكون مدركًا للركعة، إذا فاته القيام
وقراءة فاتحة الكتاب، بحديث: ((لا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقْرَأُ بفاتِحَةِ الكِتَابِ)) وما في معناه،
وبحديث: ((ما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فَاتَكُم فَأَتِمُّوا))(٢).
قال الحافظ في ((الفتح)): قد استدل به على أن: ((مَنْ أَدْرَكَ الإمام راكعًا لم يحتسب له
تلك الركعة، للأمر بإتمامه ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه))، ثم قال: حجة الجمهور
حديث أبي بكرة. انتهى.
قلت: القول الراجح عندي قَوْلُ من قال: إنَّ مَنْ أدرك الإمام راكعًا، لم يحتسب له تلك
الركعة، وأما حديث أبي بكرة فواقعة عين، فتفكر؛ هذا ما عندي، والله تعالى أعلم.
٤١٥ - باب كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإمامَ وهُمْ قِيَامٌ عند افْتِتَاحِ الصَّلاةِ
[٥٩٢] قوله: (حدثنا أحمد بن محمد) بن موسى أبو العباس السمسار المعروف بـ
((مردويه))، ثقة حافظ.
قوله: (إذا أقيمت الصلاة) أي: إذا ذكر ألفاظ الإقامة.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٩٣).
(٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٥٦)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٤).

٢٤٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإِمَامَ وَهُمْ قِيَامٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ)). [خ: ٦٣٧، م: ٦٠٤، ن: ٦٨٦، د: ٥٣٩، حم: ٢٢٠٢٧،
مي: ١٢٦١].
(فَلا تقوموا حتى تروني خرجت) أي: من الحجرة الشريفة فقوموا.
قال الحافظ في ((الفتح)): قال مالك في ((الموطأ)): لم أسمع في قيام الناس حين تقام
الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس؛ فإن منهم الثقيل والخفيف.
وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة.
وعن أنس: أنه كان يَقُوم إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة))، رواه ابن المنذر(١)
وغيره؛ وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق، عن أصحاب عبد الله، وعن
سعيد بن المسيب قال: إذا قال المؤذن: (الله أكبر)) وَجَبَ القيام، وإذا قال: ((حَيَّ على
الصلاة)) عدلت الصفوف، وإذا قال: ((لا إله إلَّا الله)) كَبَّر الإمام.
وعن أبي حنيفة: يقومون إذا قال: ((حي على الفلاح))، فإذا قال: ((قد قامت الصلاة)) كَبَّر الإمام.
وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد: فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه،
وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحنا، وحديث الباب حجة عليهم. وفيه: جواز
الإقامة، والإمام في منزله إذا لم يسمعها، وتقدم إذنه في ذلك.
قال القرطبي: ظاهر الحديث: أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ◌ُّ من بيته،
وهو معارض لحديث جابر بن سمرة: ((أنَّ بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي ◌َّ-)»، ويجمع
بينهما: بأن بلالًا كان يراقب خروج النبي ◌َّر، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يروه،
ثم إذا رأوه قاموا؛ فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
وأما ما رواه أبو داود (٢) وغيره من حديث أبي هريرة: ((أن الصلاة كانت تقام لرسول الله
﴿ ﴿ يأخذ الناس مقامهم قبل أن يَجِيءَ النبي ◌ِّر)»، فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة: بأن
ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك
في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي ◌َّر،
فنهاهم عن ذلك؛ لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره.
انتھی کلام الحافظ باختصار.
(١) ابن المنذر في ((الأوسط)) (١٩٢٢).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٤١).

٢٤٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإِمَامَ وَهُمْ قِيَامٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَنَسٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ، أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ
الإِمَامَ وَهُمْ قِيَامٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ الإِمَامُ فِي المَسْجِدِ وَأُقِيمَتِ الصَّلَّةُ فَإِنَّمَا يَقُومُونَ إِذَا قَالَ
المُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المُبَارَكِ.
قوله: (وفي الباب عن أنس) لم أقف على مَنْ أخرجه(١).
وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة: أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صل ) فيأخذ الناس
مَصَافَّهُم قبل أن يأخذ النبي ◌َّهِ مقامه. أخرجه مسلم وأبو داود(٢).
وعنه أيضًا قال: ((أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا قبل أن يخرج إلينا النبي ◌َّ
فخرج إلينا ... )) الحديث أخرجه الشيخان(٣).
قوله: (حديث أبي قتادة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة، إلا ابن ماجه، ولم
يذكر البخاري فيه: ((قد خرجت)).
قوله: (وقال بعضهم: إذا كان الإمام في المسجد، وأقيمت الصلاة؛ فإنما يقومون إذا
قال المؤذن: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة؛ وهو قول ابن المبارك) لم أر في هذا
حديثًا مرفوعًا صحيحًا، نعم فيه أثر أنس؛ أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة)).
وقد تقدم في عبارة الحافظ.
وفيه حديث مرفوع ضعيف رواه الطبراني في «الكبير)) من طريق حجاج بن فروخ، عن
عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله وَّ﴿ إذا قال بلال: ((قد قَامَتِ الصلاة)) نَهَضَ
فكبّر(٤) ؛ ذكره الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد))، وقال: حَجَّاجُ بْنُ فَرُّوخ ضعيف جدًّا.
(١) ابن المنذر في ((الأوسط)) (١٩٢٧)؛ وانظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢١٢٠).
(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٠٥)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٤١).
(٣) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٧٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٠٥).
(٤) البزار، حديث (٢٨٦١ - زخار)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢١٣٠).

٢٥٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الله وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّنَّهِ قَبْلَ الدُّعَاءِ
٤١٦- بَابُ مَا ذُكِرَ في الثَّنَاءِ عَلَى الله
وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَبْلَ الدُّعَاءِ [ت٢٩٩، ٦٣٢]
[٥٩٣] (٥٩٣) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِم، عَن زِرِّ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّ وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ وَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَهِ، ثُمَّ
دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ)). [حم: ٣٦٥٤].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ .
٤١٦ - باب ما ذُكِرَ في الثَّنَاءِ على الله والصَّلاةِ على النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَبْلَ الدُّعَاءِ
[٥٩٣] قوله: (حدَّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا، ثقة حافظ فاضل، من
كبار التاسعة، مات سنة ٢٠٣ ثلاث ومئتين.
(حدَّثنا أبو بكر بن عياش) الأسدي الكوفي مختلف في اسمه، والصحيح: أنه لا اسم له
إلا كنيته. ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح من السابعة؛ قاله الحافظ في
مقدمة ((الفتح)) و((التقریب)).
(عن عاصم) بن بهدلة صدوق، له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في ((الصحيحين))
مقرون.
(عَن زِرّ) بكسر الزاي المعجمة، وتشديد الراء المهملة: ابن حُبَيْشٍ؛ بمهملة وموحدة،
ومعجمة مصغرًا، ثقة جليل مخضرم.
(عن عبد الله) هو ابن مسعود.
قوله: (كنت أصلي) أي: الصلاة ذات الأركان، بدليل قوله الآتي: ((فلما جلست)).
(والنبي وَّ) أي: حاضر، أو جالس ونحوه، قاله الطيبيُّ.
(وأبو بكر وعمر معه) جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى، وهي حال من فاعل ((أصلي)).
(سل تعطه) الهاء إما للسكت؛ كقوله: ﴿حِسَابَةِ﴾ [الحاقة: ٢٠]، وإما ضمير للمسؤول عنه؛
لدلالة ((سَلْ)) عليه.
قوله: (وفي الباب عن فضالة بن عبيد) قال: بينما رَسُولُ اللهِوَّ قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ

٢٥١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي تَظْيِيبِ المَسَاجِدِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ مُخْتَصَراً.
٤١٧- بَابُ مَا ذُكِرَ في تَطْبِيبِ المَسَاجِدِ [ت٣٠٠، م٦٤]
[٥٩٤] (٥٩٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ المُؤَدِّبُ الْبَغْدَادِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ
صَالِحِ الزُّبَيْرِيُّ - هُوَ مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْرِ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ،
فصلى. فقال: اللَّهِمَّ اغْفِرْ لي، وارحمني: فقال رسول الله وَّهِ: ((عَجَّلْتَ أَيُّهَا المُصَلِّي، إذا
صَلَّيْتَ، فَقَعَدْتَ، فاحْمدِ الله بما هو أَهْلُهُ، وصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادْعُهْ)) قال: ثم صلى رجل آخر
بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبيِ وَّه، فقال له النبي ◌ٍَّ: ((أَيُّهَا المُصَلِّي، ادْع تُجَبْ))
رواه الترمذي، وروى أبو داود والنسائي(١) نحوه؛ كذا في ((المشكاة)).
قوله: (حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه.
٤١٧ - باب ما ذُكِرَ في تَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ
[٥٩٤] قوله: (حدثنا محمد بن حاتم البغدادي) الذمي أبو جعفر الخراساني، ثم
البغدادي ثقة، روى عنه الترمذي والنسائي، ووثَّقه.
(حدَّثنا عامر بن صالح الزبيري) قال في ((التقريب)): عامر بن صالح بن عبد الله بن
عروة بن الزبير القرشي الزبيري المدني نزل ((بغداد))، متروك الحديث، أفرط فيه ابن مَعين،
فكذَّبه. وكان عالمًا بالأخبار، من الثامنة.
قوله: (أمر النبي ◌َّهِ ببناء المساجد في الدور) فَسَّرَ سفيان بن عيينة الدور: بالقبائل؛ كما
في الرواية الآتية.
وقال في ((المرقاة)): هو جمع: دار، وهو اسم جامع للبناء والعَرْصَةِ والمَحِلَّةِ، والمراد:
المحلات؛ فإنهم كانوا يسمون المَحِلَّةَ التي اجتمعت فيها قبيلة دارًا، أو محمول على اتخاذ بيت في
الدار للصلاة، كالمسجد يصلي فيه أهل البيت؛ قاله ابن الملك. والأول هو المعوَّل وعليه العمل.
(١) الترمذي، كتاب الدعوات. حديث (٣٤٧٦)، وأبو داود، كتاب فضائل القرآن. حديث (١٤٨١) والنسائي،
کتاب السهو. حديث (١٢٨٤).

٢٥٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي تَظِْبِ المَسَاجِدِ
وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ. [ر: ٤٥٥، جه: ٧٥٨، حم: ٢٥٨٥٤].
[٥٩٥] (٥٩٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَوَكِيعُ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيِهِ،
أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَمَرَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا
وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها: أنه قد يتعذر، أو يشق على أهل محلة
الذهاب للأخرى؛ فيحرمون أجر المسجد، وفضل إقامة الجماعة فيه، فأمروا بذلك؛ ليتيسر
لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مَشَقَّةٍ تلحقهم.
وقال البغوي: قال عطاء: لما فتح الله تعالى على عمر ظ ◌ُبهِ الأَمْصَارَ أمر المسلمين ببناء
المساجد، وأمرهم أن لا يبنوا مسجدين يُضَارُّ أحدهما الآخر، ومن المضارة فعل تفريق
الجماعة إذا كان هناك مسجد يسعهم، فإن ضاق سُنَّ توسعته، أو اتخاذ مسجد يَسَعُهُمْ. انتهى
ما في ((المرقاة)).
(وأن تنظف) بالتاء والياء، بصيغة المجهول، أي: تطهّر؛ كما في رواية ابن ماجه،
والمراد: تنظيفها من الوسخ والدَّنَس والنتن والتراب.
(وتطيب) بالتاء والياء، أي بالرش أو العطر. ويجوز أن يحمل التطبيب على التجمير في
المسجد.
قال القاري في ((المرقاة)): قال ابن حجر: وبه يعلم أنه يستحب تَجْمِيرُ المسجد بالبخور،
خلافًا لمالك، حيث كرهه، فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر نظريته على المنبر.
واستحب بعض السلف التَّخْلِيقَ بالزَّعْفَرانِ والطيب. وروي عنه عليه السلام فعله.
وقال الشعبي: هو سنة.
وأخرج ابن أبي شيبة(١) أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك.
وأنه يستحب أيضًا كنس المسجد وتنظيفه، وقد روى ابن أبي شيبة (٢) أنه عليه السلام كان
يتتبع غبار المسجد بجريدة. انتهى ما في ((المرقاة)).
[٥٩٥] قوله: (وهذا) أي: هذا الحديث المرسل بغير ذكر عائشة.
(١) ابن أبي شيبة في (المصنف)) (٧٤٤٣).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٠١٩).

٢٥٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى
أَصَحُ مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ.
[٥٩٦] (٥٩٦) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيِّ بَّهِ أَمَرَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَالَ سُفْيَانُ: قَوْلُهُ: بِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّوْرِ. يعني: القَبَائِلَ.
٤١٨- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى [ت٣٠١، ٦٥٠]
[٥٩٧] (٥٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، قَالَ:
((صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)). [ن: ١٦٦٥، ٥: ١٢٩٥، جه: ١٣٢٢، حم: ٤٧٧٦، مي: ١٤٥٨].
قَالَ أَبُو عِيسَى: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ
وَأَوْقَفَهُ بَعْضُهُمْ.
(أصح من الحديث الأول) لأن في سنده(١) : عامر بن صالح؛ وهو ضعيف، وقد تفرد
بروايته مرفوعًا .
والحديث أخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه)).
[٥٩٦]
٤١٨ - باب ما جاء أَنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى
[٥٩٧] قوله: (عن علي الأزدي) هو: ابن عبد الله البارقي، صدوق، ربما أخطأ، من
الثالثة.
(قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) قد فسّر ابن عمر طلبه راوي الحديث معنى ((مثنى
مثنى))، فعند مسلم من طريق عقبة بن حريث قلت لابن عمر: ما معنى ((مَثْنَى مَثْنى))؟ قال:
تسلّم من كل ركعتين. وفيه: رد على مَنْ زعم من الحنفية أن معنى ((مثنى مثنى)): أن يتشهد
بين كل ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسَّره به هو المتبادر إلى الفهم؛
لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا أنها ((مثنى مثنى)).
(١) أي: سند الحديث الذي قبله.

٢٥٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله العُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ نَحْوِ هَذَا.
وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى
مَثْنَى)). [خ: ٩٩١، م: ٧٤٩، ن: ١٦٦٧، د: ١٢٩٦، جه: ١٣١٩، حم: ٤٨٣٣، طا: ٢٦٩].
وَرَوَى الثِّقَاتُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ صَلَاةَ
النَّهَارِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ مَثْنَى
مَثْنَى، وَبِالنَّهَارِ أَرْبَعاً .
قوله: (وروي عن عبد الله العمري) هو: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب المدني، ضعيف، عابد.
(عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي وَّ﴿ نحو هذا) أي: نحو حديث علي الأزدي
المذكور.
(والصحيح ما روي عن ابن عمر، عن النبي وَّفي أنه قال: صلاة الليل مثنى مثنى) أي:
بغير ذكر النهار، وكذا هو في ((الصحيحين)).
(وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي ◌َّر، ولم يذكروا فيه صلاة النهار) قال
الحافظ في ((الفتح)): إن أكثر الأئمة أَعلَّوا هذه الزيادة؛ وهي قوله: ((والنهار)) بأن الحفّاظ من
أصحاب ابن عمر رَبُّه لم يذكروها عنه، وحكَمَ النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها.
وقال يحيى بن معين: مَنْ علي الأزدي حتى أقبل منه؟ انتهى.
(وقد روي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى،
وبالنهار أربعًا) أخرج الطحاوي(١) بإسناده عن جبلة بن سحيم، عن عبد الله بن عمر؛ أنه كان
يصلي قبل الجمعة أربعًا، لا يفصل بينهن بسلام، ثم بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا.
قال الطحاوي: فاستحال أن يكون ابن عمر يروي عن النبي ميليو ما روى عنه البارقي، ثم
يفعل خلاف ذلك. انتهى.
وقال الحافظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) بإسناده عن ابن معين: أنه قال: صلاة النهار
أربع، لا تفصل بينهن، فقيل له: إن ابن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى؟ فقال:
(١) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٨١٦).

٢٥٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى
مَثْنَى، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَرَأَوْا صَلَاةَ التَّطَوُّعِ بِالنَّهَارِ أَرْبَعاً، مِثْلَ
الأَرْبَعِ قَبْلَ الُّهْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنٍ
المُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ.
بأي حديث؟ فقيل له: بحديث الأزدي عن ابن عمر: فقال: وَمَنْ علي الأزدي حتى أقبل هذا
منه، وأدع يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يَتَطَوَّعُ بالنهار أربعًا
لا يفصل بينهن؟ لو كان حديث الأزدي صحيحًا لم يخالفه ابن عمر. انتهى.
وقال الحافظ: روى ابن وهب بإسناد قوي، عن ابن عمر قال: ((صلاة الليل والنهار مَثْنَى
مَثْنَى)) موقوفًا؛ أخرجه ابن عبد البر(١) من طريقه، فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف
بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة مَنْ يشترط في الصحيح أن لا يكون
شاذًّا. انتهى.
قوله: (وقد اختلف أهل العلم في ذلك: فرأى بعضهم صلاة الليل والنهار مثنى مثنى،
وهو قول الشافعي وأحمد) وهو مذهب الجمهور.
قال الحافظ في ((الفتح)): اختار الجمهور التسليم من كل ركعتين في صلاة الليل والنهار.
وقال الأثرم عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإن صلى بالنهار أربعًا،
فلا بأس. انتهى كلام الحافظ.
واستدلَّ الجمهور بحديث علي الأزدي المذكور في الباب؛ وقد عرفت ما فيه.
(وقال بعضهم: صلاة الليل مثنى مثنى، ورأوا صلاة التطوع بالنهار أربعًا مثل الأربع قبل
الظهر وغيرها من صلاة التطوع؛ وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق) استدلوا
على ذلك بمفهوم حديث ابن عمر: ((صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى)) قالوا: إنه يدل بمفهومه على أَنَّ
الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا.
وتعقب: بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ به؛ فليس
بمنحصر بأربع، وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن صلاة الليل؛ فقيّد الجواب بذلك مطابقة للسؤال.
(١) ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٤٧/١٣).

٢٥٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى
واستدلوا أيضًا: بحديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبي ◌ِِّ قال: ((أَرْبَعٌ قَبْلَ الُهْرِ ليس
فيهنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لهنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)) رواه أبو داود في ((سننه))، والترمذي في ((الشمائل))(١).
وفيه أن هذا الحديث ضعيف؛ فإنَّ في سنده: عبيدة بن معتب؛ وهو ضعيف.
قال أبو داود بعد روايته ما لفظه: بلغني عن يحيى بن سعيد القطان قال: لو حدثت عن
عبيدة بشيء، لحدثت عنه بهذا الحديث.
قال أبو داود: عبيدة ضعيف. انتهى.
وقال المنذري: عبيدة هذا هو: ابن معتب الضبي الكوفي، لا يحتج بحديثه. انتهى.
فإن قلت: عبيدة لم يتفرد برواية هذا الحديث، بل تابعه بكير بن عامر البَجَلي عن
إبراهيم، والشعبي عن أبي أيوب الأنصاري عن محمد بن الحسن في ((الموطأ)).
قلت: نعم، لكن بكير بن عامر البجلي أيضًا ضعيف.
قال الحافظ في ((التقريب)): بكير بن عامر البجلي أبو إسماعيل الكوفي ضعيف، من
السادسة. انتهى.
واستدلوا أيضًا: بأثر إبراهيم النَّخَعي قال: ((كانوا لا يَفْصِلُونَ بين أربع قبل الظهر بتسليم
إلا بالتشهد، ولا أربع قبل الجمعة ولا أربع بعدها))، رواه محمد بن الحسن في ((الحجج)).
وفيه: أن إبراهيم النخعي لم يَلْقَ أحدًا من الصحابة إلَّ عائشة، ولم يسمع منها، وأدرك
أنسًا، ولم يسمع منه؛ قاله أبو حاتم. فالذين كانوا لا يفصلون بين أربع هم التابعون، فلا
حجة في هذا الأثر.
وقال أبو حنيفة: صلاة الليل والنهار أربع أربع، واستدلَّ له بحديث عائشة: ((ما كان
يزيد في رمضان، ولا في غيره على إِحْدَى عَشْرَةَ ركعة، يصلي أربعًا؛ فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ
وطولهنَّ، ثم أربعًا؛ فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ ... )) الحديث(٢).
قال ابن الهُمام: فهذا الفصل يفيد المراد، وإلا لقالت: ((ثَمانيًا، فلا تسأل عن حسنهنَّ
وطولهنَّ».
قلت: اختلاف الأئمة في هذه المسألة، إنما هو في الأولوية، والأولى عندي أن تكون
صلاة الليل مثنى مثنى.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٧٠)، والترمذي في ((الشمائل)) (٢٩٤).
(٢) البخاري، كتاب فضل ليلة القدر. حديث (٢٠١٣).

٢٥٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ كَيْفَ كَانَ تَطَوُّعُ النَِّّلَهِ بِالنَّهَارِ
٤١٩- بَابٌ كَيْفَ كَانَ تَطَوُّعُ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ بِالنَّهَارِ (ت٣٠٢، ٦٦٢]
[٥٩٨] (٥٩٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِم بْنٍ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَه
مِنَ النَّهَارِ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَ ذَلِكَ. فَقُلْنَا: مَنْ أَطَاقَ ذَلِكَ مِنَّا، فَقَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَهِنَا عِنْدَ الْعَصْرِ صَلَّى رَكْعَتَّيْنِ،
وأما صلاة النهار: فإن شاء صلى أربعًا بسلام واحد، أو بسلامين.
أما الأول؛ فلِما قال محمد بن نصر في ((قيام الليل)) ما لفظه: وقد صَحَّ عن النبي وَله
أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرها. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على الوصل، إلا
أنا نختار أن يسلم من ركعتين؛ لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت، وأكثر
طرقًا. انتهى.
وأما الثاني: فلحديث علي الأزدي المذكور، ولحديث أبي أيوب المذكور، وفيهما كلام
كما عرفت، هذا ما عندي. والله تعالى أعلم.
٤١٩ - باب كيف كان تَطَوّعُ النَّبِيِّ ◌َ﴿ بالنَّهَارِ
[٥٩٨] قوله: (عن عاصم بن ضمرة) السلولي الكوفي، صدوق؛ قاله الحافظ.
قوله: (فقال: إنكم لا تطيقون ذلك) أي: الدوام والمواظبة على ذلك.
وعند ابن ماجه في آخر هذا الحديث: ((وقَلَّ مَنْ يُدَاوِمُ عليها))(١).
(فقلنا: من أطاق ذلك منا) خبره محذوف؛ أي: أخذه وفعله.
وفي رواية ابن ماجه: ((فقلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما استطعنا)).
(إذا كانت الشمس من ها هنا) زاد في رواية ابن ماجه: ((يعني من قبل المشرق)).
(كهيئتها من ها هنا) يعني: من قبل المغرب؛ كما في رواية ابن ماجه.
(عند العصر صلى ركعتين) والحاصل: أنه إذا ارتفعت الشمس من جانب المشرق مقدار
ارتفاعها من جانب المغرب وَقْتَ العصر صَلَّى ركعتين، وهي صلاة الضحى.
وقيل: هي صلاة الإشراق.
(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (١١٦١).

٢٥٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ كَيْفَ كَانَ تَطَوُّعُ النَِّّ ◌َّهُ بِالنَّهَارِ
وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الُهْرِ صَلَّى أَرْبَعاً، وَصَلَّى أَرْبَعاً
قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً يَفْصِلُ بَيْن كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى
المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَالنَّبِّينَ وَالمُرْسَلِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ. [ن: ٨٧٣،
جه: ١١٦١، حم: ٦٥١].
واستدل به لأبي حنيفة: على أن وَقْتَ العصر بعد المثلين.
قلت: إن كان المراد من صلاة الإشراق: الصلاة التي كان يصليها النبي وَّ بعدما
طلعت الشمس؛ فظاهر أن هذه الصلاة غير صلاة الإشراق، وإن كان المراد من صلاة
الإشراق: غيرها فلا يصح الاستدلال؛ فتفكر.
وقد سمى صاحب ((إنجاح الحاجة))(١) هذه الصلاة: ((الضَّحْوَةَ الصغرى))، والصلاة الثانية
الآتية في الحديث: ((الضحوة الكبرى))، حيث قال: هذه الصلاة هي الضحوة الصغرى، وهو
وقت الإشراق، وهذا الوقت هو أَوْسَطُ وقت الإشراق وأعلاها .
وأما دخول وقته: فبعد طلوع الشمس وارتفاعها مِقْدَارَ رُمْحٍ أو رمحين حين تصير الشمس
بَازِغَةً، ويزول وقت الكراهة.
وأما الصلاة الثانية: فهي الضحوة الكبرى. انتهى.
(وإذا كانت الشمس من ها هنا) أي: من جانب المشرق (كهيئتها من ها هنا) أي: من
جانب المغرب.
(عند الظهر صلى أربعًا) وهي الضحوة الكبرى (يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على
الملائكة المقربين، والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين) قال العراقي:
حمل بعضهم هذا على أن المراد بالفضل: بالتسليم والتشهد؛ لأن فيه السَّلامَ على النبي ◌َّ
وعلى عِبَاد الله الصالحين؛ قاله إسحاق بن إبراهيم؛ فإنه كان يرى صلاة النهار أربعًا، قال:
وفيما أوَّله عليه بُعْدٌ. انتهى كلام. العراقي.
قلت: قد ذكر الترمذي هذا الحديث مختصرًا في باب: ((ما جاء في الأَرْبَعِ قبل
العصر))، وذكر هناك قولَ إسحاق بن إبراهيم: ولا بُعْدَ عندي فيما أَوَّلَهُ عليه، بل هو الظاهر
(١) هو عبد الغني بن أبي سعيد العمري الدهلوي الهندي، نزيل المدينة المنورة، والمتوفى بها سنة (١٢٧٣ هـ)،
صنف ((إنجاح الحاجة على سنن ابن ماجه)). انظر: ((هدية العارفين)) (١ / ٣١٧).

٢٥٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ كَيْفَ كَانَ تَطَوُّعُ النَِّّ وَهِ بِالنَّهَارِ
[٥٩٩] (٥٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَحْسَنُ شَيءٍ رُوِيَ فِي تَطَوُّعِ النَّبِيِّ بَّهِ فِي النَّهَارِ هَذَا.
القريب، بل هو المتعيَّن؛ إذ النبيون والمرسلون لا يحضرون الصلاة حتى ينويهم المصلي
بقوله: ((السلام عليكم))؛ فكيف يراد بالتسليم: تسليم التحلل من الصلاة؛ هذا ما عندي،
والله تعالى أعلم.
قال في ((المرقاة)): قال البغوي: المراد بالتسليم: التشهد دون السلام؛ أي: وسمي
تسليمًا على مَنْ ذكر؛ لاشتماله عليه؛ وكذا قاله ابن الملك.
قال الطيبيُّ: ويؤيده: حديث عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا، قلنا: السلام على الله
قبل عباده، السلام على جبرائيل. وكان ذلك في التشهد. انتهى ما في ((المرقاة)).
وأما قول ابن حجرٍ المكي: لفظ الحديث يَأْبَى ذلك، وإنما المراد بالتسليم فيه: للتحلل
من الصلاة، فيسَنُّ للمسلم منها أن ينوي بقوله: السلام عليكم: مَنْ على يمينه وعلى يساره
وخلفه مِنَ الملائكة، ومؤمني الإنس والجن. انتهى.
ففيه: أنه يلزم على هذا التقدير مَسْنُونًا للمصلي أن ينوي النبيين والمرسلين أيضًا بقوله:
السلام عليكم، والحال أن النبيين والمرسلين لا يَحْضُرُونَ الصلاة، ولا يكونون على يمين
المصلي، ولا على يساره وخلفه؛ فتأمل.
[٥٩٩] قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجه والنسائي.
قوله: (قال إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي أبو محمد بن راهويه المروزي، ثقة
حافظ مجتهد، قرین أحمد بن حنبل.
(أحسن شيء روي في تطوع النبي ( 18 بالنهار هذا) أي: هذا الحديث، لعله أراد بكونه
أحسن شيء في تطوعه وَّل# بالنهار؛ باعتبار أنه مشتمل على ست عشرة ركعة دون غيره من
الأحاديث. والله تعالى أعلم.
زاد ابن ماجه بعد رواية هذا الحديث: قال وكيع: زاد فيه أبي: فقال حبيب بن
أبي ثابت: يا أبا إسحاق، ما أحب أن لي بحديثك هذا ملء مسجدك هذا ذهبًا. انتهى.

٢٦٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ كَيْفَ كَانَ تَطَوُّعُ النَّبِّلَهُ بِالنَّهَارِ
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُ هَذَا الحَدِيثَ، وَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ عِنْدَنَا
- وَالله أَعْلَمُ - لأَنَّهُ لَا يُرْوَى مِثْلُ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَاصِمٍ بْنِ
ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ.
وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ: قَالَ سُفْيَانُ: كُنَّا نَعْرِفُ فَضْلَ
حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةً عَلَى حَدِيثِ الحَارِثِ.
(وروي عن ابن المبارك: أنه كان يضعف هذا الحديث) الظاهر: أن تضعيفه إنما هو من
جهة عاصم بن ضمرة؛ فإنه مختلف فيه في روايته عن علي رعظ اته؛ كما ستعرف.
(وإنما ضعفه عندنا - والله أعلم - لأنه لا يُؤْوى مثل هذا عن النبي وَيفيه إلا من هذا الوجه
عن عاصم بن ضمرة، عن علي؛ وعاصم بن ضمرة هو ثقة عند بعض أهل العلم ... إلخ)
قال الذهبي في ((الميزان)): عاصم بن ضمرة صاحب علي، وثّقه ابن مَعين وابن المديني.
وقال أحمد: هو أعلى من الحارث الأعور، وهو عندي حُجَّة.
وقال النسائي : ليس به بأس.
وأما ابن عدي: فقال يتفرَّد عن عليٍّ بأحاديث، والبلية منه.
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت مغيرة يقول: لم يصدق في الحديث على عَلِيٍّ إلا
أصحاب ابن مسعود.
وقال ابن حبان: روى عنه أبو إسحاق والحكم، رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يرفع عن
علي قوله كثيرًا(١)؛ فاستحق الترك على أنه أَحْسَنُ حالًا من [الحَارِث](٢).
وقال الجَوْزَ جَانِيُّ: روى عنه أبو إسحاق تَطَوُّعَ النبي ◌َّهِ بست عشرة ركعة: ركعتين عند
[التالية](٣) من النهار، ثم أربعًا قبل الزوال، ثم أربعًا بعده، ثم ركعتين بعد الظهر، ثم أربعًا
قبل العصر، فيا عباد الله، أما كان الصحابة وأمهات المؤمنين يَحْكُونَ هذا؛ إذ هم معه في
(١) في المجروحين (١٢٦/٧٢٠/٢ - وعي) زيادة: ((فلما فحش ذلك في روايته استحق .... )).
(٢) في كل مطبوعات التحفة: ((الحارس))، وهو غلط؛ والصواب ما أثبته، كما في ((المجروحين)) لابن حبان
(١٢٦/٧٢٠/٢)، و((الميزان)).
(٣) وفي نسخة: ((الثالثة))، وما أثبتناه موافق لما في ((الميزان)).