النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي (الحَجِّ)
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ الْقَوِيِّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا:
فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ. [طا: ٤٧٩].
بالركوع، والمعهود في مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو رُكْنُ الصلاة بالاستقراء نحو:
﴿وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الرَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. انتهى ما في ((المرقاة)).
قلت: حديث الباب هذا ضعيف، لكنه معتضد بحديث عمرو بن العاص؛ وقد تقدم
تخريجه، وبرواية مرسلة، وبآثار الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - كما ستعرف؛ فهو مقدم
على الاستقراء الذي ذكره ابن الهمام؛ فالقول الراجح المُعَوَّلُ عليه أن في سورة ((الحج))
سجدتين. والله تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي) وأخرجه أحمد وأبو داود.
قال ميرك: يريد: أن في إسناده: عبد الله بن لهيعة، ومشرح بن هاعان؛ وفيهما كلام.
لكن الحديث صحيح أخرجه الحاكم في (مستدركه)) من غير طريقهما؛ يعني: من غير طريق
أبي داود والترمذي.
وأقره الذهبي على تصحيحه؛ قاله الشيخ الجزري؛ كذا في ((المرقاة)).
وقال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر حديث الباب ما لفظه: وفيه ابن لهيعة؛ وهو ضعيف.
وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به، وأكده الحاكم؛ بأن الرواية صحت فیه من قول عمر، وابنه، وابن
مسعود، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعمار. ثم ساقها موقوفة عنهم.
وأكده البيهقي بما رواه في ((المعرفة)) من طريق خالد بن معدان مرسلًا. انتهى.
قلت: وفي الباب عن عمرو بن العاص، وقد تقدم تخريجه.
قوله: (واختلف أهل العلم في هذا: فروي عن عمر بن الخطاب وابن عمر؛ أنهما قالا:
فضلت سورة الحج؛ بأن فيها سجدتين) .
أخرج مالك في ((الموطأ))(١)، عن نافع مولى ابن عمر: ((أن رَجُلًا من أهل مِصْرَ أخبره
أن عمر بن الخطاب قرأ سورة ((الحج))؛ فسجد فيها سجدتين. ثم قال: إن هذه السورة
فُضِّلَتْ بسجدتین)).
(١) مالك (٤٧٩).

٢٢٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي (الحَجِّ)
وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَرَأَى بَعْضُهُمْ فِيهَا سَجْدَةً. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ.
وأخرج(١) عن عبد الله بن دينار؛ أنه قال: ((رأيت عبدَ الله بْنَ عمر سجد في سورة
((الحج)) سجدتین)).
وروى الطحاوي، عن أبي الدرداء(٢) وأبي موسى الأشعري(٣): ((أنهما سجدا في الحج
سجدتین) .
وروى الحاكم(٤) على ما ذكره الحافظ في ((التلخيص))، والزيلعي في ((نصب الراية)) عن
هؤلاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وعمار بن ياسر: أنهم سجدوا فيه سجدتين.
(وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) قال بعض العلماء الحنفية في تعليقه
على ((الموطأ)) للإمام محمد: والحق في هذا الباب: هو ما ذهب إليه عمر رَظُه وابن عمر
ڕۆژله. انتهى.
قلت: الأمر كما قال.
(ورأى بعضهم فيها سجدة) أي: واحدة؛ وهي السجدة الأولى. قال الإمام محمد في
(الموطأ)): وكان ابن عباس لا يرى في ((الحَجِّ)) إلا سجدة واحدة الأولى. انتهى.
قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(٥) بعد رواية أثر ابن عباس هذا: فبقول ابن عباس
نأخذ. انتهى.
قلت: روى ابن أبي شيبة، عن علي(٦)، وأبي الدرداء(٧) ، وابن عباس؛ أنهم سجدوا فيه
سجدتين؛ كذا في ((المحلى)). وقد تقدم أن الحاكم روى عن ابن عباس أنه سجد فيه سجدتين.
(وهو قول سفيان الثوري، ومالك، وأهل الكوفة) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
(١) مالك (٤٨٠).
(٢) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٧٧).
(٣) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٧٥).
(٤) الحاكم (٣٤٧٤).
(٥) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٧٨).
(٦) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٢٩١).
(٧) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٢٨٩).

٢٢٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ
٤٠٧- بَابُ مَا يَقُولُ في سُجُودِ الْقُرْآنِ [ت٢٩٠، ٥٥٢]
[٥٧٩] (٥٧٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ
مُحَمَّدٍ بْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا حَسَنُ، أَخْبَرَنِي
عُبَيْدُ الله بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَلِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ
الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْراً، وَضَعْ عَنِّي
بِهَا وِزْراً، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي
٤٠٧ - باب ما يَقُولُ في سُجُودِ القُرْآنِ
[٥٧٩] قوله: (حدَّثنا محمد بن يزيد بن خُنَيْسٍ) بضم الخاء المعجمة مصغرًا.
قال في ((التقريب)): مقبول.
وقال في ((الخلاصة)): قال أبو حاتم: شيخ.
وقال في هامش ((الخلاصة)): زاد في ((التهذيب)): ((صالح، كتبنا عنه بمكة)).
وذكره ابن حبان في ((الثقات))؛ قال: كان من خيار الناس، ربما أخطأ، يجب أن يعتبر
بحديثه إذا بَيَّنَ السماع في خبره. انتهى.
(حدَّثنا الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد) قال في ((التقريب)): مقبول.
وقال في ((الخلاصة)): قال العقيلي: لا يتابع عليه؛ وكذا في ((الميزان))، وزاد فيه: وقال
غيره: فيه جهالة، ما روى عنه سوی ابن خلیس.
(أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد) المكي، ثقة، كثير الحديث.
قوله: (جاء رجل) قال ميرك: هو: أبو سعيد الخدري؛ كما جاء مصرحًا به في روايته.
وقد أبعد من قال: إنه مَلَكٌّ من الملائكة؛ قاله الشيخ الجزري في ((تصحيح المصابيح))؛ كذا
في ((المرقاة)). (فسجدت) يحتمل أن تكون السجدة صلاتية، والأظهر أنها سجدة تلاوة، وأن
الآية آية ((ص)).
(اللَّهم اكتب لي) أي: أَثْبِتْ لي بها؛ أي: بسبب هذه السجدة.
(وضع) أي: حُظّ (وزرًا) أي: ذنبًا (واجعلها لي عندك ذخرًا) أي: كنزًا.

٢٢٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ
كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ، قَالَ الحَسَنُ: قَالَ لِي ابْنُ جُرَيْجَ: قَالَ لِي جَدُّكَ: قَالَ
ابْنُ عَبَّاس: فَقَرَأَ النَّبِيُّ نَّهِ سَجْدَةٌ، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ
يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ. [جه: ١٠٥٣].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَن أَبِي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا
الْوَجْهِ.
قيل: ذخرًا بمعنى: أجرًا. وكرر؛ لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب.
وقيل: الأول طَلَبُ كتابة الأجر، وهذا طَلَبُ بقائه سالمًا من مُخْبِطٍ أو مبطل.
قال القاري: هذا هو الأظهر.
(كما تقبلتها من عبدك داود) فيه: إيماء إلى أن سجدة ((ص)) للتلاوة.
قال السيوطي في ((قوت المغتذي)): قال القاضي أبو بكر بن العربي: عسر عَلَيَّ في هذا الحديث
أن يقول أحد ذلك؛ فإن فيه طَلَبَ قَبُول مثل ذلك القبول، وأين ذلك اللسان؟ وأين تلك النية؟.
قلت: ليس المراد: المماثلة من كل وجه، بل في مطلق القبول، وقد ورد في دعاء
الأضحية: ((وَتَقَبل مِنِّي؛ كما تَقَبَّلْتَ من إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ، ومُحَمَّدٍ نَبِّكَ))(١) .
وأين المقام من المقام. ما أُرِيدَ بهذا إلا مطلق القبول.
وفيه: إيماء إلى الإيمان بهؤلاء الأنبياء، وإذا ورد الحديث بشيء اتبع، ولا إشكال.
انتهى كلام السيوطي.
قوله: (قال لي جدك) هو: عبيد الله بن أبي يزيد.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه البيهقي (٢).
واختلف في وصله وإرساله: وصوَّب الدارقطني في ((العلل)) رواية حماد، عن حميد، عن
بكر: أن أبا سعيد رأى فيما يرى النائم ... وذكر الحديث؛ كذا في ((النيل))، و((التلخيص)).
قوله: (هذا حديث غريب ... إلخ) وأخرجه ابن ماجه(٣)؛ ولفظه: «اللَّهُمَّ اخْطُطْ عَنِّي
بها وِزْرًا، وأكُتْب لي بها أَجْرًا، واجْعَلْهَا لي عِنْدَكَ ذُخْرًا)).
(١) البيهقي في ((الشعب)) (٧٣٢٨).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٣٥٦٨).
(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (١٠٥٣).

٢٢٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ
[٥٨٠] (٥٨٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ
الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يَقُولُ فِي سُجُودٍ
القُرْآنِ باللَّيْلِ: ((سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ».
[د: ١٤١٤، ن: ١١٢٨، حم: ٢٥٢٩٣].
ورواه ابن حبان في (صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه) (١)، وأقرَّه الذهبيّ على
تصحيحه؛ كذا في ((المرقاة)).
وقال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر حديث الباب ما لفظه: رواه الترمذي والحاكم
وابن حبان وابن ماجه وفيه قصة. وضعَّفه العقيلي بالحَسَنِ بن محمد بن عبيد الله بن أبي یزید؛
فقال: فيه جهالة. انتهى.
[٥٨٠] قوله: (يقول في سجود القرآن بالليل) حكاية للواقع، لا للتقييد به.
(سَجَدَ وَجْهِي) بفتح الياء وسكونها .
(للذي خلقه وَشَقَّ سمعه وبصره) تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما، وأعطاهما
الإدراك، وأثبت لهما الإِمْدَادَ بعد الإيجاد.
قال القاري في ((المرقاة)): قال ابن الهمام: ويقول في السجدة ما يقول في سجدة الصلاة
على الأصح.
واسْتَحَبَّ بعضهم ﴿سُبْحَنَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]؛ لأنه تعالى أخبر عن أوليائه،
وقال: ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (٨٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْئًا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨].
قال القاري: وينبغي أن لا يكون ما صحح على عمومه؛ فإن كانت السجدة في الصلاة؛
فيقول فيها ما يقال فيها، فإن كانت فريضة، قال: سبحان ربي الأعلى، أو نفلًا قال ما شاء
مما ورد كـ ((سجد وَجْهِي))، وكقول: ((اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي .. إلخ)). قال: وإن كان خارج
الصلاة، قال كل ما أُثِرَ من ذلك. انتهى كلام القاري.
قلت: إن كانت السجدة في الصلاة المكتوبة يقول فيهما أيضًا ما شاء؛ مما ورد بإسناد
صحيح كـ ((سجد وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ ... إلخ)) لا مانع من قول ذلك فيها؛ هذا ما عندي،
والله تعالى أعلم.
(١) ابن حبان. حديث (٢٧٦٨)، والحاكم. حديث (٧٩٩).

٢٢٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه أحمد، وأصحاب السنن، والدارقطني
والحاكم والبيهقي، وصححه ابن السَّكَن(١). وقال في آخره ((ثلاثًا)). زاد الحاكم في آخره:
﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ اْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وزاد البيهقي: ((وصَوَّرَهُ)) بعد قوله: ((خَلَقَهُ)).
وللنسائي من حديث جابر مثله في سجود الصلاة، ولمسلم من حديث علي كذلك؛ كذا
في ((التلخيص))، و((النيل)).
فائدة: قال ابن قدامة في ((المغني)): يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة؛ من
الطهارتين من: الحَدَثِ، والنَّجَسِ، وستر العَوْرَةِ، واستقبال القبلة، والنية. ولا نعلم فيه
خلافًا، إلا ما روي عن عثمان بن عفان ظُّه في الحائض تسمع السجدة؛ تومئ برأسها؛ وبه
قال سعيد بن المسيب قال: ويقول: ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ))(٢).
وعن الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وُضُوءٍ: ((يسجد، حيث كان وجهه))(٣).
ولنا قول النبي ◌ِّرِ: ((لا يَقْبَلُ الله صَلاةَ بِغَيْرِ ظُهُورٍ))؛ فيدخل في عمومه السجود؛ ولأنه
صلاة، فيشترط له ذلك؛ کذات الركوع. انتهى.
وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير في ((سبل السلام)): والأصل: أنه لا يشترط
الطهارة إلا بدليل، وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة، والسجدة لا تُسَمَّى صَلاة؛ فالدليل
على من شرط ذلك. انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)) ما ملخصه: ليس في أحاديث سجود التلاوة: ما يدل على
اعتبار أن يكون الساجد مُتَوَضِّئًا؛ وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب
والمكان.
وأما ستر العورة، واستقبال القبلة مع الإمكان: فقيل: إنه معتبر اتفاقًا .
قال في ((الفتح)): لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء، إلا الشعبي.
أخرجه ابن أبي شيبة (٤) عنه بسند صحيح.
(١) الدارقطني (١/ ٤٠٦)، والحاكم (٨٠٠)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢/ ٣٢٥).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٣٢١).
(٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٣٢٥).
(٤) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٣٢٥).

٢٢٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِيمَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ بِالنَّهَارِ
٤٠٨- بَابُ مَا ذُكِرَ فِيمَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ بِالنَّهَارِ [ت٢٩١، م٥٦]
[٥٨١] (٥٨١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ
شِهَابِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَعُبَيْدَ الله بْنَ عَبْدِ الله بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ
أَخْبَرَاهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ
وأخرج أيضًا (١) عن أبي عبد الرحمن السلمي؛ أنه كان يقرأ السجدة، ثم يسجد؛ وهو
على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يُومِئُ إيماء. انتهى كلام الشوكاني.
قلت: الاحتياط للعمل فيما قال ابن قُدَامَةَ في ((المغني))، وعليه عملنا؛ هذا ما عندنا.
والله تعالى أعلم.
٤٠٨ - باب ما ذُكِرَ فِيمنْ فاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فقَضَاهُ بالنَّهَارِ
قال الجزري في ((النهاية)): الحزب: ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة؛
کالورد. انتهى.
[٥٨١] قوله: (عن يونس) هو: ابن يزيد.
(أن السائب بن يزيد وعبيد الله أخبراه) الضمير المنصوب يرجع إلى: ابن شهاب،
وعبيد الله هذا هو: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري. ثقة، ثبت.
(عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري) قال الحافظ في ((التقريب)): عبد الرحمن بن عبد بغير
إضافة إلى ((القاري))، يقال: له رؤية، وذكره العجلي في ((ثقات التابعين)). واختلف قول
الواقدي فيه: قال تارة: له صحبة، وتارة: تابعي.
و(القَارِيّ) بتشديد الياء: منسوب إلى: ((القارة)) قبيلة مشهورة بجودة الرمي.
قوله: (من نام عن حِزْبِهِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي، وبالموحدة؛ أي: عن
وِزْدِهِ؛ يعني: عن تمامه.
وفي رواية ابن ماجه(٢): ((عَنْ جُزْئِهِ)) بجيم مضمومة، وبالهمزة مكان الموحدة.
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٣٢٨).
(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (١٣٤٣) وليس فيه اللفظة التي ذكرها المصنف.

٢٢٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِيمَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ بِالنَّهَارِ
أَوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ».
[م: ٧٤٧، ن: ١٧٨٩، د: ١٣١٣، جه: ١٣٤٣، حم بنحوه: ٢٢٠، طا بنحوه: ٤٧٠، مي: ١٤٧٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَأَبُوِ صَفْوَانَ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدِ المَكِيُّ، وَرَوَى عَنْهُ: الحُمَيْدِيُّ،
وَكِبَارُ النَّاسِ.
وفي رواية النسائي(١) : من نام عن حِزْبِهِ، أو قال: جزْئِهِ. وهو شك من بعض الرواة.
قال العراقي: وهل المراد به: صلاة الليل، أو قراءة القرآن في صلاة أو غير صلاة؟
يحتمل كُلَّا من الأمرین. انتهى.
(أو عن شيء منه) أي: من حزبه، يعني: عن بعض ورده (كتب له) جواب الشرط
(كأنما قرأه من الليل) [صِفَةُ](٢) مصدر محذوف، أي: أثبت أجره في صحيفة عمله إثباتًا مثل
إثباته حين قرأه من الليل؛ قاله القاري.
والحديث يدلُّ على مشروعية اتخاذ وِرْدٍ في الليل، وعلى مشروعية قضائه إذا فات؛ لنوم
أو لعذر من الأعذار، وأن من فعله ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كان كمن فعله في
اللیل.
وقد ثبت من حديث عائشة عند مسلم، والترمذي وغيرهما؛ ((أن النبي ◌َّ كان إذا منعه
من قيام الليل نَوْمٌ أو وجع، صَلَّى من النهار ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري.
قوله: (وأبو صفوان اسمه: عبد الله بن سعيد المكي ... إلخ) قال في ((التقريب)):
عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان أبو صفوان الأموي الدمشقي نزيل ((مكة)). ثقة، من
التاسعة، مات على رأس المئتين.
(روى عنه الحميدي وكبار الناس) كأحمد وابن المديني.
(١) النسائي، كتاب قيام الليل. حديث (١٧٩١).
(٢) ساقطة في بعض النسخ.

٢٢٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ
٤٠٩- بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ في الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ [ت٢٩٢، م٥٦]
[٥٨٢] (٥٨٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِیَادٍ - وَهُوَ
أَبُو الحَارِثِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ - عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ وَِّ: ((أَمَا يَخْشَى الَّذِي
يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحوِّلَ الله رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ)). [خ: ٦٩١، م: ٤٢٧، ن: ٨٢٧،
د: ٦٢٣، جه: ٩٦١، حم: ٧٤٨١، مي: ١٣١٦].
٤٠٩ - باب ما جاء مِنَ التَّشْدِيدِ في الَّذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمامِ
[٥٨٢] قوله: (عن محمد بن زياد) الجمحي مولاهم
(وهو أبو الحَارِثِ البصري ثقة) ثبت ربما أرسل، من رجال الستة.
قوله: (أما يخشى) ((الهمزة)) للاستفهام، و((ما)) نافية.
(الذي يرفع رأسه قبل الإمام) أي: من السجود، أو الركوع.
(أن يحول الله رأسه رأس حمار) اختلف في معنى هذا الوعيد؛ فقيل: يحتمل أن يرجع
إلى أمر معنوي؛ فإن الحمار موصوف بالبلادَةِ؛ فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه
من فَرْضِ الصلاة، ومتابعة الإمام. ويرجح لهذا المجاز أن التحويل لم يَقَعْ مع كثرة
الفاعلين، لكن ليس في الحديث أن ذلك يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضًا
لذلك، وكون فعله ممكنًا؛ لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك
الشيء.
قال ابن دقيق العيد: وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل: المَسْجُ، أو تحويل
الهيئة الحِسِّيَّةِ أو المعنوية أو هما معًا.
وحمله آخرون: على ظاهره؛ إذ لا مانع من وقوع ذلك، بل يدل على جواز وقوع المَسْخِ
في هذه الأمة حَدِيثُ أبي مالك الأشعري؛ فإن فيه ذِكْرَ الخَسْفِ، وفي آخره: ((يَمْسَخُ آخَرِينَ
قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ»(١) ..
ويقوي حمله على ظاهره: أن في رواية ابن حبان(٢) من وجه آخر عن محمد بن زياد:
(١) البخاري، كتاب الأشربة. حديث (٥٥٩٠).
(٢) ابن حبان. حديث (٢٢٨٣).

٢٣٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ
قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادُ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ: وَإِنَّمَا قَالَ: ((أَمَا يَخْشَى)).
(أَنْ يُحَوِّلَ اللهِ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ)). فهذا يبعد المجاز؛ [لانتفاء](١) المناسبة التي ذكروها من
بَلَادَةِ الحِمَارِ.
ومما يبعده أيضًا: إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدال على تغيير الهيئة
الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحِمَارِ؛ لأجل البلادة؛ لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار. وإنما
قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة - وهي البلادة - حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور؛
فلا يحسن أن يقال له: يُخْشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نَشَأَ
من البلادَةِ؛ كذا في ((فتح الباري)).
قلت: القول الظاهر الراجح: هو حمله على الظاهر، ولا حاجة إلى التأويل، مع ما فيه
مما ذكره الحافظ.
ويؤيد حمله على الظاهر: ما حكي عن بعض المحدثين؛ أنه رَحَلَ إلى (دمشق)) لأخذ
الحديث عن شَيْخ مشهور بها، فقرأ جملة، لكنه كان يجعل بينه وبينه حِجَابًا ولم ير وجهه.
فلما طالت ملازمته له، ورأى حرصه على الحديث، كَشَفَ له الستر؛ فرأى وجهه وجه
حمار. فقال له: احذر يا بني أن تسبق الإمام؛ فإني لما مر بي الحديث، استبعدت وقوعه،
فسبقت الإمام؛ فصار وجهي كما ترى. والله تعالى أعلم.
قوله: (قال لي محمد بن زياد: إنما قال: أما يخشى) في ((حاشية النسخة الأحمدية)):
غرضه من هذا القول دفع تَوَهُّم مَنْ قال: إنا نشاهد من الناس الرفع قبل الإمام، ولا يحوّل
رأسه. فقال محمد: إن قوله: ((أَمَا يَخْشَى)) ورد ألبتة، لكن المراد منه: إما التهديد، أو يكون
في البرزخ، أو في النار. انتهى ما في الحاشية.
قلت: روى شعبة هذا الحديث عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة؛ بلفظ: ((أما يَخْشَى
أَحَدُكُمْ، أو ألا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)). كما في ((صحيح البخاري))(٢)؛
فوقع الشك لشعبة في أن محمد بن زياد حدثه عن أبي هريرة؛ بلفظ: ((أما يَخْشَى أو ألا
يَخْشَى)). فالظاهر: أن حماد بن زيد سأل محمد بن زياد عن أن أبا هريرة حدثك بلفظ: ((أمَا
يَخْشَى أو ألا يَخْشَى))؛ فأجابه محمد بن زياد بقوله: إنما قال؛ أي: أبو هريرة: ((أَمَا
يَخْشَى)). والله تعالى أعلم.
(١) في نسخة: ((لانتقاء))؛ والمثبت من ((فتح الباري)) (٢/ ١٨٤).
(٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٦٩١).

٢٣١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بَعْدَ مَا صَلَّى
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ هُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، وَيُكْنَى: أَبَا الحَارِثِ.
٤١٠- بَابُ مَا جَاءَ في الَّذِي يُصَلِّيِ الفَرِيضَةَ
ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بَعْدَ مَا صَلَّى [ت٢٩٣، ٥٧٢]
[٥٨٣] (٥٨٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَرْجِعُ
إِلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ. [خ: ٧٠٠، م: ٤٦٥، ن: ٨٣٤، د: ٦٠٠، حم: ١٣٨٩٥، مي: ١٢٩٦].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) . وأخرجه الشيخان وأبو داود.
٤١٠ - باب ما جاء في الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بعد ما صَلَّى
[٥٨٣] قوله: (كان يصلي مع رسول الله وَليفي المغرب).
وفي رواية مسلم من طريق منصور عن عمر: ((وعِشَاءَ الآخِرَةِ)).
(ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم) في رواية من الطريق المذكورة: ((فُيُصَلِّي بهم تلكَ الصَّلاة)).
وللبخاري في ((الأدب))(١): ((فيصلِّي بهم الصلاة))؛ أي: المذكورة.
وفي هذا ردّ على مَنْ زعم أن المراد: أن الصلاة التي كان يصلِّيها مع النبيِ وَّ غيرَ
الصلاة التي كان يصليها بقومه.
وفي رواية البخاري(٢) من طريق شعبة عن عمرو: ((ثم يَرْجِعُ فيؤمٌ قومَه فيصلِّي العشاء)»
قال الحافظ في ((الفتح)): كذا في معظم الروايات.
ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي: ((صَلَّى بأصحابه المغربَ))(٣). فإن حمل على
التعدد، أو على أن المراد بالمغرب: العشاء، وإلا فما في الصحيح أصح. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
(١) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٦١٠٦).
(٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٠١).
(٣) انظر ((فتح الباري)) (٢/ ١٩٣).

٢٣٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بَعْدَ مَا صَلَّى
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنا: الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
قَالُوا: إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فِي المَكْتُوبَةِ، وَقَدْ كَانَ صَلَّاهَا قَبْلَ ذَلِكَ: أَنَّ صَلَاةَ
مَنِ اثْتَمَّ بِهِ جَائِزَةٌ.
وَاحْتَجُوا بِحَدِيثٍ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ،
قوله: (والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعي وأحمد وإسحاق) فيه: دليل على أن
المراد من قول الترمذي: ((أصحابنا)) أصحاب الحديث؛ كالإمام أحمد والإمام الشافعي
وغيرهما. وقد مر ما يتعلق به في المقدمة.
(قالوا: إذا أمَّ الرجلُ القومَ في المكتوبة وقد كان صلَّاها قبل ذلك، أن صلاة من ائتم به
جائزة. واحتجوا: بحديث جابر في قصة معاذ) قال الحافظ في ((الفتح)): استدل بهذا
الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل؛ بناء على أن معاذًا كان يَنْوِي بالأولى الفَرْضَ،
وبالثانية النفل. ويدل عليه: ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدار قطني(١) وغيرهم
من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر في حديث الباب. زاد: ((هي له تَطَوُّعٌ،
ولهم فَرِيضَةٌ)). وهو حديث صحيح.
وقد صرَّح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه منه، فانتفت تهمة تدليسه؛ فقول ابن
الجوزي: إنه لا يصح؛ مردود، وتعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أَتَمَّ من
سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة - ليس بِقَادِحٍ في صحته؛ لأن ابن جريج أسن وأجل
من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه. ولو لمّ يكن كذلك، فهي زيادة من ثقة حافظ
ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه؛ ولا أكثر عددًا؛ فلا مانع في الحكم بصحتها .
وأما ردّ الطحاوي لها: باحتمال أن تكون مدرجة؛ فجوابه: أن الأصل عدم الإدراج
حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث، فهو منه؛ ولا سيما إذا روى من
وجهين، والأمر هنا كذلك؛ فإن الشافعي أخرجها متابعًا لعمرو بن دينار عنه.
وقول الطحاوي: ((هو ظنّ من جابر)) مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلي مع معاذ؛ فهو
محمول على أنه سمع ذلك منه. ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد، إلا
بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه.
(١) الشافعي (٢٤٤)، والدارقطني (٢٧٤/١) (١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٩١)، والبيهقي في
((الکبری)) (٤٨٨٤).

٢٣٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بَعْدَ مَا صَلَّى
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابٍِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ المَسْجِدَ، وَالْقَوْمُ فِي صَلَاةِ
وأما قول الطحاوي: ((لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبي وَاقٍ، ولا تقريره)) فجوابه:
أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك؛ فإن
الذين كان يصلي بهم كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبيًّا، وأربعون بدريًّا؛ قاله ابن حزم.
قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر وابن
عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم. انتھی.
فإن قلت: روى أحمد والطحاوي(١) ، عن معاذ بن رفاعة، عن سليم - رجل من بني
سلمة - أنه أتى النبي ( 18 فقال: يا رسول الله! إن معاذ بن جبل يأتينا ... الحديث. وفي
آخره: ((يا مُعَاذُ لا تكنْ فَتَّانًا، إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ معي، وإمَّا أَنْ تُخَفِّفَ على قَوْمِكَ)). فهذه الرواية
تدل على عدم صحة اقتداء المفترض بالمتنفل؛ فإن قوله: ((إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ معي، وإِمَّا أَنْ
تُخَفِّفَ على قَوْمِكَ)) قال الطحاوي: معناه: ((إما أن تصلي معي ولا تصلي بقومك، وإما أن
تخفف بقومك)». أي: ولا تصلي معي.
قلت: في صحة هذه الرواية كلام.
قال الشوكاني في ((النيل)): قد أعلَّها ابن حزم بالانقطاع؛ لأن معاذ بن رفاعة لم يدرك
النبي وَ ﴿، ولا أدرك الذي شَكًا إليه؛ لأن هذا الشاكي مات قبل ((أحد)). انتهى.
ثم في صحة ما ذكره الطحاوي في معنى قوله: («إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ معيَ، وإمَّا أَنْ تُخَفِّفَ على
قَوْمِكَ)) كلام أيضًا .
قال الحافظ في ((الفتح)): وأما دعوى الطحاوي أن معناه: ((إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ معيَ ولا تُصَلِّ
بِقَوْمِكَ، وإِمَّا أنْ تخفّفَ بقومك، ولا تُصَلِّ معي)) ففيه نظر؛ لأن المخالفة أن يقول: بل التقدير:
إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي؛ وهو أولى من
تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه. انتهى.
قوله: (وهو حديث صحيح) .
قوله: (وروي عن أبي الدرداء؛ أنه سئل عن رجل دخل المسجد، والقوم في صلاة
(١) أحمد. حديث (٢٠١٧٦)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٩٢).

٢٣٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بَعْدَ مَا صَلَّى
الْعَصْرِ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهَا صَلَاةُ الَّهْرِ فَائْتَمَّ بِهِمْ؟ قَالَ: صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِن أَهْلِ الكُوفَةِ: إِذَا الْتَمَّ قَوْمٌ بِإِمَامٍ وَهُوَ يُصَلِّ الْعَصْرَ وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّهَا الظُّهْرُ، فَصَلَّى بِهِمْ وَاقْتَدْوا بِهِ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي فَاسِدَةٌ، إِذَا اخْتَلَفَتْ
نِيَّةُ الإِمامِ وَيَّةُ المَأْمُومِ.
العصر، وهو يحسب أنها صلاة الظهر؛ فائتم بهم. قال: صلاته جائزة) لم أقف على مَنْ
أخرجه، ولم أَرَ في جوازها حديثًا مرفوعًا.
وأما القياس على قصة معاذ: فقياس مع الفارق؛ كما لا يخفى على المتأمل. والله تعالى
أعلم.
وفتوى أبي الدرداء هذه: فيما إذا حسب الداخل أنها صلاة الظهر، وأما إذا علم أنها
صلاة العصر، ومع علمه بذلك قد ائتم بهم بنية الظهر، فالظاهر: أن صلاته ليست بجائزة،
يدل عليه: حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا صَلاةَ إلَّ الَّتِي
أُقِيمَتْ))(١).
قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد» بعد ذكر هذا الحديث بهذا اللفظ ما لفظه:
قلت: له في الصحيح: ((فلا صَلاةَ إلَّا المَكْتُوبَة)). ومقتضى هذا: أنه لو لم يصل الظهر،
وأقيمت صلاة العصر؛ فلا يصلي إلا العصر؛ لأنه قال: ((فلا صلاةَ إلَّا التي أقيمت)). رواه
أحمد والطبراني في ((الأوسط))(٢). وفيه: ابن لهيعة، وفيه كلام. انتهى كلام الهيثمي.
(وقد قال قوم من أهل ((الكوفة)): إذا ائتم قوم بإمام وهو يصلي العصر، وهم يحسبون
أنها الظهر، فصلى بهم واقتدوا به. فإن صلاة المقتدي فاسدة، إذا اختلفت نية الإمام ونية
المأموم) وهو قول الحنفية. واحتجوا: بأن المُقتَدِينَ قد اخْتَلَفُوا على إمامهم، وقد قال
رسولُ اللهِ وَّلِ: ((إنَّمَا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فلا تَخْتَلِفُوا عليه ... )) الحديث. أخرجه
الشيخان(٣) عن أبي هريرة.
وأجيب عنه: بأن الاختلاف المَنْهِيَّ عنه مبيَّن في الحديث بقوله: «فإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ... ))
إلخ. وفيه شيء؛ فتأمل.
(١) أحمد. حديث (٨٤٠٩)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٦٥٤).
(٢) أحمد. حديث (٨٤٠٩)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٦٥٤).
(٣) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٢٢)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤١٤).

٢٣٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي الحَرِّ وَالبَرْدِ
٤١١- بَابُ مَا ذُكِرَ مِنَ الرُّخْصَةِ في السُّجُودِ
عَلَى الثَّوْبٍ في الحَرِّ وَالبَرْدِ [ت٢٩٤، ٥٨٢]
[٥٨٤] (٥٨٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرٍ بن عَبْدِ الله المُزنِيِّ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ نَّهِ بِالَّهَائِرِ، سَجَدْنا عَلَى ثِيَابِنَا
اتِّقَاءَ الحَرِّ. [خ: ٥٤٢، م بنحوه: ٦٢٠، ن: ١١١٥، د بنحوه: ٦٦٠، جه بنحوه: ١٠٣٣، حم بنحوه:
١١٥٥٩، مي بنحوه: ١٣٣٧].
٤١١ - باب ما ذُكِرَ مِنَ الرُّخْصَةِ في السُّجُودِ على الثَّوْبِ في الحَرِّ والبَزْدِ
[٥٨٤] قوله: (حدثنا أحمد بن محمد) بن موسى المروزي أبو العباس السمسار مردويه
الحافظ، وقد تقدم.
(أخبرنا خالد بن عبد الرحمن) السلمي أبو أمية البصري.
قال أبو حاتم: صدوق، له في البخاري فرد حديث.
(وحدثني غالب القطان) هو: غالب بن خطاف أبو سليمان بن أبي غيلان البصري، وثَّقه
أحمد وابن معين.
قوله: (بالظهائر) جمع: ((ظهيرة)): وهي شدة الحر نصف النهار. ولا يقال في الشتاء:
ظهيرة (سجدنا على ثيابنا) الثياب، جمع: الثوب، والثوب في اللغة: يطلق على غير
المَخِيط، وقد يطلق على المَخِيط مجازًا؛ قاله الحافظ.
(اتقاء الحر) بالنصب على العلية؛ أي: لاتقاء الحر.
ولفظ أبي داود(١): ((كنا نُصَلِّي مع رَسُولِ اللهِ وَِّ في شدة الحَرِّ، فإذا لم يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا
أن يمكن وَجْهَهُ من الأرض، بسط ثوبه، فَسَجَد علیه)).
وفي الحديث: جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها في الحَيْلُولَةِ بين المصلي وبين
الأرض؛ لاتقاء حرها، وكذا بردها.
واستدل به على إجازة السجود على الثوب المُتَّصِلِ بالمصلي.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٦٦٠).

٢٣٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي السُّجُودِ عَلَى الَّوْبِ فِي الحَرِّ وَالبَرْدِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَابْنِ عَّاسٍ.
وَقَدْ رَوَى وَكِيعُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قال النووي: وبه قال أبو حنيفة والجمهور.
وحمله الشافعي: على الثوب المنفصل. انتهى.
وأيد البيهقي هذا الحمل: بما رواه الإسماعيلي من هذا الوجه؛ بلفظ: ((فيأخذ أَحَدُنَا
الحَصَى في يده، فإذا بَرِدَ وضعه وسَجَدَ عليه))(١). قال: فلو جاز السجود على شيء مُتَّصِلٍ
به، لما احتاجوا إلى تَبِرِيدِ الحَصَى مع طُولِ الأَمْرِ فیه.
وتعقب: باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحَصَى لم يكن في ثوبه فَضْلَةٌ يسجد عليها،
مع بقاء سترته له؛ كذا في ((فتح الباري)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن
ماجه .
قوله: (وفي الباب عن جابر بن عبد الله، وابن عباس) .
أما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه ابن عدي(٢)، وفي سنده: عمرو بن شمر، وجابر
الجعفي؛ وهما ضعيفان. وفي حديث جابر هذا: أنه وَِّ ((كان يسجد على كُورٍ عِمَامَتِهِ)).
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه ابن أبي شيبة(٣)؛ بلفظ: ((أن النبي ◌َّ صَلَّى في ثَوْبٍ
يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ الأرض وبَرْدَها)). وأخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في ((الأوسط))
و((الكبير)) (٤) .
قال في ((مجمع الزوائد)): ورجال أحمد رجال الصحيح؛ كذا في ((النيل)).
(١) أبو يعلى (٤١٥٦)، والبيهقي بنحوه في ((الكبرى)) (٢/ ١٠٥).
(٢) ابن عدي في ((الكامل)) (١٣٠/٥).
(٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٧٧٠).
(٤) أحمد. حديث (٢٣١٦، ٢٩٣٢، ٣٣١٧)، وأبو يعلى. حديث (٢٥٧٦)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٦٨١)
وفي ((الكبير)) (١١٥٢١).

٢٣٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ ذِكْرٍ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَظْلُعَ الشَّمْسُ
٤١٢- بَابُ ذِكْرٍ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الجُلُوسِ في المَسْجِدِ
بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ [ت٢٩٥، م٥٩]
[٥٨٥] (٥٨٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ فَعَدَ فِي مُصَلَّهُ حَتَّى تَظْلُعَ
الشَّمْسُ. [م: ٦٧٠، ن: ١٣٥٦، د بنحوه: ١٢٩٤، حم: ٢٠٤٠٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٥٨٦] (٥٨٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ
مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَنْ صَلَّى
الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
٤١٢ - باب ذِكْرِ ما يُسْتَحَبُّ مِنَ الجُلُوسِ في المَسْجِدِ
بعدَ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
[٥٨٥] قوله: (إذا صلى الفجر قعد في مصلاه) أي: يذكر الله تعالى كما في رواية
الطبراني (حتى تطلع الشمس [حسنًا])، كذا هو ثابت في ((مسلم))، وأسقطه في رواية أخرى.
وفي الحديث نَذْبُ القعود في المصلَّى بعد صلاة الصبح إلى طُلُوعِ الشمس.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
[٥٨٦] قوله: (حدثنا عبد الله بن معاوية الجُمَحِيُّ) بضم الجيم، وفتح الميم، وكسر
الحاء المهملة: منسوب إلى: جمح بن عمر. ثقة؛ معمر، من العاشرة.
قال في ((الخلاصة)): وثَّقه الترمذي وابن حبان.
(حدَّثنا عبد العزيز بن مسلم) القَسْمَلِيُّ أبو زيد المروزي، ثم البصري. ثقة عابد، ربما وَهِمَ.
(حدَّثنا أبو ظِلالٍ) بكسر المعجمة، وتخفيف اللام. وقد بين الترمذي اسمه فيما بعد،
ويجيء هناك ترجمته.
قوله: (ثم صلى ركعتين) أي: بعد طلوع الشمس.
قال الطيبيُّ: أي: ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رُمْحٍ حتى يخرج وقت الكراهة.
وهذه الصلاة تسمى صَلاةَ الإِشْرَاقِ؛ وهي أول صلاة الضحى.

٢٣٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ ذِكْرٍ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرةٍ)) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَله: ((تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
قلت: وقع في حديث معاذ: ((حتى يسبح ركعتي الضحى)). وكذا وقع في حديث
أبي أمامة وعتبة بن عبد.
(كانت) أي: المثوبة (قال) أي: أنس (قال رسول الله وَلفيه: تامة تامة تامة) صفة لـ
(حجة)) و((عمرة))، كررها ثلاثًا؛ للتأكيد.
وقيل: أعاد القول؛ لئلا يتوهم أن التأكيد بالتمام وتكراره من قول أنس.
قال الطيبيُّ: هذا التشبيه من باب إِلْحَاقِ الناقص بالكامل؛ ترغيبًا، أو شَبَّهَ استيفاء أجر
المصلي تامًّا بالنسبة إليه باستيفاء أَجْر الحاج تامًّا بالنسبة إليه.
وأما وصف الحج والعمرة بالتمام؛ إِشَارَةً إلى المبالغة؛ كذا في ((المرقاة)).
(هذا حديث حسن غريب) حسنه الترمذي، وفي إسناده: أبو ظلالٍ؛ وهو متكلم فيه،
لكن له شواهد: فمنها: حديث أبي أمامة. قال: قال رسول الله وَّهَ: (مَنْ صَلَّى صَلاةَ الغَدَاةِ
فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ يَذْكُرُ الله حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قامَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ؛ انْقَلَبَ بِأَجْرِ حَجَّةٍ
وعُمْرَةٍ)). أخرجه الطبراني(١).
قال المنذري في ((الترغیب)): إسناده جيد.
ومنها: حديث أبي أمامة وعتبة بن عبد مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ
ثَبَتَ حَتَّى يُسَبِّحَ لله سُبْحَةَ الضُّحَى؛ كان له كأَجْرِ حاجٌّ ومُعْتَمِرٍ تَامًّا له حَجّة وعُمْرة)). أخرجه
(٢)
الطبراني (٢).
قال المنذري: وبعض رواته مختلف فيه.
قال: وللحدیث شواهد كثيرة. انتهى.
وفي الباب أحاديث عديدة، ذكرها المنذري في ((الترغيب)).
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٧٧٤١)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠٤/١٠): وإسناده جيد.
(٢) الطبراني في ((الكبير)) (١٢٩/١٧) (٣١٧)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠٤/١٠): وفيه الأحوص بن حكيم؛
وثقه العجلي وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف لا يضر.

٢٣٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَن أَبِي ظِلَالٍ؟ فَقَالَ: هُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ،
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاسْمُهُ: هِلَالٌ.
٤١٣- بَابُ مَا ذُكِرَ في الالْتِفَاتِ في الصَّلاَةِ [ت٢٩٦، م٦٠]
[٥٨٧] (٥٨٧) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ
مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِهِ كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِيناً وَشِمَالًا
(وسألت محمد بن إسماعيل عن أبي ظلال. فقال: هو مقارب الحديث) وهو من ألفاظ
التعديل، وقد تقدم تحقيقه في المقدمة.
(قال محمد) يعني: البخاري.
(واسمه: هلال) قال الحافظ في ((التقريب)): أبو ظِلالٍ: بكسر المعجمة، وتخفيف
اللام. اسمه: هلال بن أبي هلال، أو ابن أبي مالك، وهو: ابن ميمون. وقيل غير ذلك في
اسم أبيه. القسملي البصري، ضعيف، مشهور بکنیته. انتهى.
وقال الذهبي في ((الميزان): هلال بن ميمون، وهو: هلال بن أبي سويد أبو ظلال
القسملي، صاحب أنس.
قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء.
وقال النسائي والأزدي: ضعيف.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه.
وقال ابن حبان: مغفل، لا يجوز الاحتجاج به بحال.
وقال البخاري: عنده مناکیر. انتهى.
وقال في ((الكنى)): وَاوِ بمرة.
٤١٣ - باب ما ذُكِر في الالْتِفَاتِ في الصَّلاةِ
[٥٨٧] قوله: (كان يَلْحَظُ في الصلاة) بفتح الحاء المهملة، وبالظاء؛ أي: ينظر بمؤخر
عينيه، واللحظ هو: النظر بِطَرْفِ العين الذي يلي الصُّدْغَ.
(يمينًا وشمالًا) أي: تارة إلى جهة اليمين، وتارة إلى جهة الشمال.

٢٤٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. [ن: ١٢٠٠، حم: ٢٤٨١].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ خَالَفَ وَكِيعُ الفَضْلَ بْنَ مُوسَى فِي رِوَايَتِهِ.
[٥٨٨] (٥٨٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي مِنْدٍ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابٍ عِكْرِمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ يَلحَظُ فِي الصَّلَاةِ. فَذَكرَ نَحْوَهُ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَنَسٍ، وَعَائِشَةَ.
(ولا يلوي عنقه) أي: لا يصرف، ولا يميل عنقه.
(خلف ظهره) أي: إلى جهته. قال الطيبيُّ: اللي: فَتْلُ الحبل؛ يقال: لويته ألويه لَيًّا،
ولوى رأسه وبرأسه: أماله.
ولعل هذا الالتفات كان منه في التطوع؛ فإنه أسهل لما في حديث أنس؛ أي: الآتي.
وقال ابن الملك: قيل: التفاته - عليه الصلاة والسلام - مرة، أو مرارًا قليلة؛ لبيان أنه
غير مُبْطِلٍ أو كان لشيء ضروري، فإن كان أحد يلوي عنقه خلف ظهره؛ أي: يحول صدره
عن القبلة، فهو مبطل للصلاة؛ كذا في ((المرقاة)).
وقد أخرج الحازمي حديث ابن عباس هذا في كتاب ((الاعتبار))؛ بلفظ: ((كان رَسُولُ الله
وَ﴿ يَلْتَفِتُ في صَلاتِهِ ... )) إلخ. ثم قال: هذا حديث غريب، تفرد به الفَضْلُ بن موسى عن
عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلًا، وأرسله غيره عن عكرمة. انتهى.
قوله: (هذا حديث غريب) قال ميرك: ورواه الحاكم، وقال: على شرط البخاري؛ وأقره
الذهبي .
وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وقال النووي: إسناده صحيح، وروي مرسلًا؛ كذا في ((المرقاة)).
قلت: وقع في النسخ الموجودة عندنا: ((هذا حديث غريب)) ليس في واحد منها ((حسن غريب)).
قوله: (وقد خالف وكيع الفضل بن موسى في روايته) فإنه رواه عن عبد الله بن سعيد
مرسلًا؛ كما ذكره الترمذي بقوله: ((حدثنا محمود بن غيلان ... )) إلخ.
[٥٨٨] قوله: (وفي الباب عن أنس(١) وعائشة(٢)) أخرج حديثهما الترمذي في هذا
(١) الترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٥٨٩).
(٢) الترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٥٩٠).