النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ البُزَاقِ فِي المِسْجِدِ
٤٠١- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ البُزَاقِ في المسْجِدِ [ت٢٨٤، م٤٩]
[٥٧١] (٥٧١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ طَارِقٍ بْنِ عَبْدِ الله المُحَارِبِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا كُنْتَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْزُقْ عَنْ يَمِينِكَ، وَلَكِنْ خَلْفَكَ أَوْ تِلْقَاءَ
شِمَالِكَ،
لَكِ من صَلاتِكِ في حُجْرَتِكِ، وصَلاتُكِ في حُجْرَتِكِ خَيْرٌ من صَلاتِكِ في دارِكِ، وصَلاتُكِ
في دارِكِ خَيْرٌ من صَلاتِكِ في مَسْجِدٍ قَوْمِكِ، وصلاتُكِ في مَسْجِدٍ قَوْمِكِ خَيْرٌ من صَلاتِكِ في
مَسْجِدِ الجماعةِ))، وإسناد أحمد حسن. انتهى ما في ((الفتح)) مختصرًا.
٤٠١ - باب ما جاء في كراهيَةِ البزَاقِ في المَسْجِدِ
[٥٧١] قوله: (حدَّثنا يحيى بن سعيد) هو: القطان (عن سفيان) هو: الثوري (عن
منصور) هو: ابن المعتمر الكوفي ثقة ثبت.
(عن رِبْعِي) بكسر الراء، وسكون الموحدة (بن حراش) بكسر المهملة، وآخره معجمة،
الكوفي، ثقة عابد مخضرم.
قوله: (إذا كنت في الصلاة فلا تَبْزُقُ عن يمينك).
وفي حديث أبي هريرة عند البخاري(١) وغيره: ((إِذا قامَ أَحَدُكُمْ إلى الصَّلاةِ، فلا يَبْصُقْ
أَمَامَهُ، فإنَّما يُنَاجِي الله ما دامَ فِي مُصَلَّاهُ، ولا عن يَمِينِهِ، فإنَّ عن يَمِينِهِ مَلَكًا)).
(ولكن خلفك) أي: إذا لم يكن خلفك أحد يصلي.
(أو تلقاء شمالك) أي: جانب شمالك.
قال الخطابي: إن كان عن يساره أحد، فلا يبزق في واحد من الجهتين، لكن تحت قدمه
أو ثوبه.
قال الحافظ في ((الفتح)): وفي حديث طارق المحاربي عند أبي داود (٢) ما يرشد لذلك؛
فإنه قال فيه: (أَوْ تِلْقَاءَ شِمَالِكَ إِنْ كَانَ فَارغًا، وإلَّا فهكذا وبزق تحت رجله ودَلَكَ))،
(١) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤١٦).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٧٨).

٢٠٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ البُزَاقِ فِي المِسْجِدِ
أَوْ تَحْتَ قَدَمِكَ الْيُسْرَى)). [ن: ٧٢٥، د: ٤٧٨، جه: ١٠٢١، حم: ٢٦٦٨١].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
ولعبد الرزاق(١) من طريق عطاء، عن أبي هريرة نحوه، ولو كان تحت رجله مثلًا شيء
مَبْسُوط أو نحوه، تعين الثوب. انتهى.
(أو تحت قدمك اليسرى) وفي حديث أبي هريرة عند البخاري(٢): ((أو تَحْتَ قَدَمِهِ
فَيَدْفِنُهُ)).
قال النووي في ((الرياض)): المراد بدفنها: ما إذا كان المسجد ترابيًّا أو رمليًّا، وأما إذا
كان مبلطًا مثلًا، فدلكها عليه بشيء - مثلاً - فليس ذلك بِدَفْنٍ، بل زيادة في التقذير. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): لكن إذا لم يَبْقَ لها أثر البتة، فلا مانع، وعليه يحمل قوله في
حديث عبد الله بن الشخير: ((ثم دلكه بِنَعْلَيْهِ)). انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد، وابن عمر، وأنس، وأبي هريرة) .
أما حديث أبي سعيد: فأخرجه الشيخان(٣) عنه: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةِ رَأْى نُخَامَةً في جِدَار
المسجد، فتناول حَصَاةً فَحَتَّهَا)) وقال: ((إذا تَنَجَّمَ أَحَدُكُمْ، فَلا يَتَنَخَّمنَّ قِبَلَ وَجهِهِ، ولا عن
يَمِينِهِ، ولْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ، أو تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)).
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه البخاري (٤) عنه: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ رأى بُصَافًا فِي جِدَارٍ
القبلة فَحَكَّهُ، ثم أقبلَ على الناس فقال: ((إذا كان أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فلا يَبْصُقْ قِبلَ وَجْهِهِ،
فإِنَّ الله سُبْحَانَهُ قِبَلَ وَجْهِهِ إذا صَلَّى)).
وأما حديث أنس: فأخرجه الشيخان(٥) مرفوعًا: ((البُزَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفَّارَتُهَا
دَفْنُهَا)).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه أيضًا الشيخان(٦) مَرْفُوعًا: ((إذا قامَ أَحَدُكُمْ إلى الصَّلاةِ،
(١) عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٨٠).
(٢) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤١٦).
(٣) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٩)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٤٨).
(٤) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٦).
(٥) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤١٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٥٢).
(٦) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٩)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٤٨).

٢٠٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ البُزَاقِ فِي المسْجِدِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ طَارِقٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: لَمْ يَكْذِبْ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ
فِي الإِسْلَامِ كَذْبَةً. قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: أَثْبَتُ أَهْلِ الكُوفَةِ مَنْصُورُ بْنُ
المُعْتَمِرِ.
[٥٧٢] (٥٧٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ
فلا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فإنَّما يُنَاجِي الله ما دَامَ في مُصَلَّاهُ، ولا عن يَمِينِهِ، فإنَّ عن يَمِينِهِ مَلَكًا،
وليَبْصُقْ عن يَسَارِهِ أو تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنَهَا)).
قوله: (وحدیث طارق حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، وسكت عنه، ونقل
المنذري تصحيح الترمذي، وأقره، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن ماجه.
[٥٧٢] قوله: (البُزَاقُ في المسجد خطيئة).
قال النووي: اعلم أن الْبُزَاقَ فِي المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إلى الْبُزَاقِ أو لم يحتج،
بل يبزق في ثوبه، فإن بَزَقَ في المسجد، فقد ارتكب الخطيئة؛ وعليه أن يكفِّر هذه الخطيئة بِدَفْنِ
البزاق، هذا هو الصواب، أن البزاق خطيئة كما صرَّح به رسول الله وَّر، وقاله العلماء.
وللقاضي عياض فيه كلام باطل؛ حاصِلُه: أن البُزَاقَ ليس بخطيئة، إلا في حقٌّ من لم
يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة، واستدل له بأشياء باطلة؛ فقوله هذا غلط صريح
مخالف لنفس الحدیث. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): حاصل النزاع: أن ها هنا [عمومين] تعارضا؛ وهما قوله:
((البزاق في المسجد خطيئة))، وقوله: ((وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه))، فالنووي يجعل
الأول عامًّا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه، يجعل الثاني
عامًّا، ويخص الأول بمن لم يرد دفنها، وقد وافق القاضي جماعة منهم: ابن مكي في
((التنقيب))، والقرطبي في ((المفهم)) وغيرهما، ويشهد لهم ما رواه أحمد والطبراني(١) ؛ بإسناد
(١) أحمد. حديث (٢١٧٤٠)، والطبراني في «الكبير)) (٨٠٩١)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٨/٢): ورجال
أحمد موثقون.

٢٠٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ وَ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾
وَكَفَّارَتُها دَفْتُهَا)). [خ: ٤١٥، م: ٥٥٢، ن: ٧٢٢، د: ٤٧٥، حم: ١٣٠٢١، مي: ١٣٩٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٤٠٢- بَابٌ مَا جَاءَ في السَّجْدَةِ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾
وَ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [ت٢٨٥، م٥٠]
[٥٧٣] (٥٧٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ
مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
حسن من حديث أبي أمامة مرفوعًا قال: ((مَنْ تَنَخَّمَ في المَسْجِدِ فلم يَدْفِنْهُ فَسَيِّئَةٌ، وإنْ دَفَنَهُ
فَحَسَنَةٌ، فلم يَجْعَلْهُ سَيِّئَةٌ إِلَّا بِقَيْد عَدَمِ الدَّفْنِ.
ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم(١) مرفوعًا قال: ((وَجَدْتُ في مَسَاوِيٍ أَعْمَالِ أُمَّتِي
النُّخَامَةَ في المَسْجِدِ لا تُدْفَرُ)).
قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غير
مدفونة. انتهى.
قال: وتوسط بعضهم؛ فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر؛ كأن لم يتمكن من
الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسن. انتهى.
قوله: (وكفارتها دفنها) قال النووي: معناه: إن ارتكب هذه الخطيئة، فعليه تكفيرها؛ كما
أن الزنا والخمر وقتل الصيد في الإحرام محرمات وخطايا، وإذا ارتكبها؛ فعليه عقوبتها،
واختلف العلماء في المراد بدفنها؛ فالجمهور قالوا: المراد دفنها في تراب المسجد، ورمله
وحصاته، إن كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها، وإلا فيخرجها. انتهى.
تنبيه: كان للترمذي أن يورد باب: ((خروج النساء إلى المساجد))، وباب: ((كراهية البزاق
في المسجد)) قبل أبواب سجود القرآن أو بعدها، وأما إيرادهما في أثنائها؛ فليس مما ينبغي.
٤٠٢ - باب ما جاء في السَّجْدَةِ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ ... إلخ
[٥٧٣] قوله: (عن عطاء بن ميناء) بكسر الميم، وسكون التحتية، وبنون، ويمد ويقصر؛
كذا في ((المغني)).
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٥٣).

٢٠٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدةِ فِي (الَّجْمِ)
سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَه فِي ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ وَ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾. [م: ٥٧٨، ن: ٩٦٢،
د: ١٤٠٧، جه: ١٠٥٨، حم: ٩٦٢٢، مي: ١٤٧١].
[٥٧٤] (٥٧٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
◌َبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ، يَرَوْنَ السُّجُودَ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ الْشَقَّتْ﴾
وَ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾.
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
٤٠٣- بَابُ مَا جَاءَ في السَّجْدةِ في (النَّجْمِ) [ت٢٨٦، م٥١]
[٥٧٥] (٥٧٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله البَزَّازُ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ
عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي،
(سجدنا مع رسول الله وَّه في ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ آنشَقَّتْ﴾) هما من المفصّل،
فالحديث حجة على مالك رحمه الله.
[٥٧٤] قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري.
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يرون السجود في ﴿إِذَا السَّمَآءُ آنشَقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١] و﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) وهذا هو الحق والصواب، يدل عليه حديث الباب،
وحديث عمرو بن العاص المتقدم.
قوله: (وفي الحديث) أي: في إسناده (أربعة من التابعين) من يحيى بن سعيد إلى
أبي بكر بن عبد الرحمن.
٤٠٣ - باب ما جاء في السَّجْدَةِ في (النَّجْمِ)
[٥٧٥] قوله: (حدثنا هارون بن عبد الله البزاز) بالموحدة والزايين المنقوطتين: الحمال
أبو موسى، ثقة، من العاشرة.
(أخبرنا أبي) أي: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري. ثقة ثبت.

٢٠٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدةِ فِي (النَّجْمِ)
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِيهَا - يعْنِي
النَّجْمَ - وَالْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ. [خ: ١٠٧١].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ، يَرَوْنَ السُّجُودَ فِي سُورَةِ النَّجْم.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ: لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ
سَجْدَةٌ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَخُ.
وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قال الذهبي: أجمع المسلمون على الاحتجاج به.
(عن أيوب) هو: السختياني.
قوله: (سجد رسول الله وَلا ي فيها - يعني: النجم - والمسلمون والمشركون والجن
والإنس)(١) هذه اللامات في هذه الأربعة للعهد؛ أي: الذين كانوا عنده. وهذا كان بـ ((مكة))
في المسجد الحرام؛ كذا في ((المرقاة)) نقلًا عن ميرك.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): قال القاضي عياض رحمه الله: وكان سبب سجودهم
فيما قال ابن مسعود رضيالله: أنها أول سجدة نزلت.
قال القاضي: وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون؛ أن سبب ذلك: ما جرى على لسان
رَسُولِ اللهِ وَّ من الثناء على آلهة المشركين في سورة ((النَّجْم))؛ فباطل لا يصح فيه شيء؛ لا
(١) لم يذكر المصنف حديث أبي هريرة وابن مسعود؛ وقد أخرج حديث أبي هريرة البخاري في ((صحيحه))، كتاب
سجود القرآن. حديث (١٠٧٨)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٥٧٨).
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه البخاري، كتاب سجود القرآن. حديث (١٠٦٧)، ومسلم، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة. حديث (٥٧٦).

٢٠٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدةِ فِي (النَّجْمِ)
من جهة النقل، ولا من جهة العقل؛ لأن مَدْحَ إله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك
إلى لسان رسولِ الله ◌َّله، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على
ذلك. انتهى.
وقال الحافظ في ((فتح الباري)): قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها
أول سجدة نزلت؛ فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا
قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم. انتهى كلام الكرماني.
قال الحافظ: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها: لعياض.
والثاني: يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه: ((إن الذي استثناه منهم، أخذ كَفًّا من
حصى؛ فوضع جبهته عليه))؛ فإن ذلك ظاهر في القصد.
والثالث: أبعد؛ إذ المسلمون حينئذٍ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس.
انتهى كلام الحافظ.
قال الكرماني: وما قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله وَلقول لا
صحة له عقلًا ولا نقلًا. انتهى كلام الكرماني.
قال الحافظ: ومن تأمل ما أوردته من ذلك في تفسير سورة الحج، عرف وجه الصواب
في هذه المسألة بحَمْدِ الله تعالى. انتهى.
قلت: قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا
تَمََّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيَّ أُقْنِيَّتِهِ، فَيَفْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللّهُ عَلِمُ
لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَ الََّدِمِينَ
لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٣].
قال الإمام البخاري في ((صحيحه)) (١): قال ابن عباس: ((في أمنيته)) إذا حَدَّثَ ألقى
الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته. ويقال: أمنيَّته: قراءته، إلَّا
أماني یقرؤون ولا یکتبون.
قال الحافظ في ((الفتح)): وعلى تأويل ابن عباس هذا يحمل ما جاء عن سعيد بن جبير،
(١) البخاري، كتاب التفسير معلقًا قبل الحديث (٤٧٤١).

٢٠٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدةِ فِي (النَّجْمِ)
وقد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر(١) من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر عنه
وَمَنَوَةَ
١٩
قال: ((قرأ رسول الله وَله بـ((مكة)) ﴿وَالنَّجْرِ﴾ [النجم: ١] فلما بلغ ﴿أَفَرَّيُّ اللَّتَ وَالْعُزَّى
الثَِّئَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغَرَانِيقُ العُلَى وإنَّ شفاعتهن
لَتُرْتَجَى. فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بِخَيْرِ قبل اليوم. فسجد وسجدوا؛ فنزلت هذه
الآية)).
ثم ذكر الحافظ طرقًا عديدة لهذا الحديث، ثم قال: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير:
إما ضعيف، وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا. مع أن لها طريقين
آخرين مرسلين، رجالهما على شرط («الصحيحين»:
أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فذكر نحوه.
والثاني: ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة [فَرَّقَهُمَا](٢) عن
داود بن أبي هند، عن أبي العالية.
ثم رد الحافظ على مَنْ قال: إن هذه القصة لا أصل لها، وأن كل ما روي فيها فهو باطل.
ثم قال: إن الطرق إذا كثرت وتَبَايَنَتْ مخارجها، دلَّ ذلك على أن لها أصلاً.
قال: وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها
من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض.
قال: وإذا تقرر ذلك، تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر؛ وهو قوله: ((ألقى الشيطان
على لسانه: تلك الغَرَانِيقُ العُلَى، وإن شفاعتهن لترتجى))؛ فإن ذلك لا يجوز حمله على
ظاهره؛ لأنه يَسْتَحِيلُ عليه وَ﴿ أن يزيد في القرآن عَمْدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا إذا كان
مغايرًا؛ لما جاء به من التوحيد؛ لمكان عصمته.
ثم ذكر تأويلات للعلماء، ورد على كل واحد منها، إلا تأويلًا واحدًا؛ فأقره وجعله
أحسن الوجوه، فقال: وقد سلك العلماء في ذلك مسالك:
(١) ابن أبي حاتم (٤٤٢/٥ - (تفسير ابن كثير)))، وابن جرير في ((التفسير)) (٦٦٦/١٨)، وابن المنذر (كما في ((الدر
المنثور)) ٦٦/٦).
(٢) في نسخة: ((فرفعهما))؛ والتصويب من ((الفتح)).

٢٠٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدةِ فِي (النَّجْمِ)
فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سِنَةٌ: وهو لا يشعر، فلما علم ذلك أحكم الله
آياته .
قال: ورده عياض؛ بأنه لا يصح؛ لكونه لا يجوز على النبي وَل و ذلك، ولا ولاية
للشيطان عليه في النوم.
وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى
حكاية عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية.
قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك، لما بقي لأحد قوة في طاعة، وهكذا ذكر الحافظ
تأويلات أخر، وردّ عليها .
ثم قال: وقيل: كان ◌َ﴿ يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سَكْتَةٍ من السكتات، ونطق
بتلك الكلمات محاكيًا نغمته؛ بحيث سمعه من دَنَا إليه، فظنها من قوله وأشاعها. قال: وهذا
أحسن الوجوه. انتهى كلام الحافظ مُلَخَّصًا.
قلت: في هذا التأويل أيضًا كلام؛ كما لا يخفى على المتأمل.
وأما قوله: ((إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلَّ ذلك أن لها أصلًا)) ففيه: أن هذا
ليس قانونًا کلیًّا.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)): وكم من حديث كثرت رواته، وتعددت طرقه، وهو
حديث ضعيف؛ كحديث الطير، وحديث الحاجم والمحجوم، وحديث: ((من كُنْتُ مَوْلاهُ
فَعَلِيُّ مَوْلاهُ)) (١). بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفًا، انتهى كلام الزيلعي. فتأمل
وتفكر.
تنبيه: ((الغَرَانِيقُ)) بفتح الغين المعجمة: طيور الماء؛ شُبِّهتِ الأَصْنَامُ المعتقد فيها، أنها
تشفع لهم بالطيور، تعلو في السماء وترتفع.
وقال العيني في ((شرح البخاري)): وقد فسر الكلبي في روايته ((الغرانيق العلى)):
بالملائكة لا بآلهة المشركين، كما يقولون: إن الملائكة بنات الله. وكذبوا على الله، ورد الله
ذلك عليهم بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ﴾ [النجم: ٢١]؛ فعلى هذا فلعله كان قرآنًا، ثم نسخ؛
لتوهم المشركين بذلك مدح آلهتهم. انتهى. كلام العيني.
(١) الترمذي، كتاب المناقب. حديث (٣٧١٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٤٦٩).

٢١٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
٤٠٤- بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ [ت٢٨٧، ٥٢٢]
[٥٧٦] (٥٧٦) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ،
قلت: قوله: ((فعلى هذا، فلعله كان قرآنًا ثم نسخ)) فيه نظر؛ فإن الروايات المروية في
هذه القصة صريحة في أن هذه الكلمات ألقاها الشيطان على لسان النبي بَّر، ولو سلم أن
قوله تعالى: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِيَّ أُمْنِيَّتِهِ﴾
[الحج: ٥٢] نزل في هذه القصة؛ فقوله تعالى هذا أيضًا صريح في أن ملقي هذه الكلمات على
شيعة هو الشيطان.
لسان النبي :
قال العيني في ((شرح البخاري)): فأخبر الله في هذه الآية أن سُنَّتَهُ في رسله إذا قالوا
قولًا، زاد الشيطان فيه من قِبَلٍ نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي وَلّ لا أن
النبي ◌َّر قاله. انتهى كلام العيني. فكيف يصح أن يقال: إن هذه الكلمات أعني: ((تلك
الغرانيق العلى ... )) إلخ - كانت قرآنًا، ثم نسخت. فتأمل.
تنبيه آخر: قال صاحب ((العرف الشذي)): التحقيق: أن النبي ◌ّ تكلم بهذا اللفظ - يعني:
((تلك الغرانيق العلى ... )) إلخ - بطوعه، وأنه آية من القرآن نسخ تلاوتها.
قال: والمشار إليه بتلك الغرانيق: الملائكة.
قال: وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح.
انتھی کلامه.
قلت: كلامه هذا مردود عليه؛ فإنه لم يثبت برواية مرفوعة صحيحة؛ أن النبي وَلّ تكلم
بهذا اللفظ بطوعه، وأنه آية من القرآن نسخ تلاوتها .
وأما قوله: ((وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول
الصحيح)) فخطأ فاحش، ووهم قبيح؛ فإنه لم يأتِ العيني، ولا الحافظ برواية مرفوعة
صحيحة على هذا القول، فضلًا عن روايتين مرفوعتين صحيحتين.
٤٠٤ - باب ما جاء مَنْ لَمْ يَسْجُدُ فيه
أي: في النجم.
[٥٧٦] قوله: (عن ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب القرشي المدني ثقة فقيه فاضل.

٢١١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قُسَيْطِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَرَأْتُ
عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّرِ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [خ: ١٠٧٢، م: ٥٧٧، ن: ٩٥٩، د: ١٤٠٤،
حم: ٢١٠٨١، مي: ١٤٧٢].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ فَقَالَ: إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ وَّهِ السُّجُودَ لِأَنَّ
زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حِينَ قَرَأَ فَلَمْ يَسَّجُدْ، لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ ◌َهِ.
(عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطٍ) بقاف مضمومة، وسين مهملة مصغرًا، وآخره طاء
مهملة. ثقة، من الرابعة.
قوله: (قرأت على رسول الله وَ ﴿ النجم فلم يسجد فيها) احتج بهذا من قال: إن المفصل
ليس فيه سجدة؛ كالمالكية، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها؛ کأبي ثور.
قال الحافظ في ((الفتح)): ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقًا؛
لاحتمال أن يكون السبب. في الترك - إذ ذاك - إما لكونه كان بلا وضوء؛ أو لكون الوقت
كان وقت كراهة، أو لكون القارئ كان لم يسجد. أو ترك حينئذٍ لبيان الجواز؛ وهذا أرجح
الاحتمالات؛ وبه جزم الشافعي؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. انتهى
كلام الحافظ.
قوله: (حديث زيد بن ثابت حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
قوله: (وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما ترك النبي ◌ّ* السجود؛ لأن
زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد لم يسجد النبي (وَله) يعني: أن القارئ إمام للسامع؛ فلما لم
يسجد زيد لم يسجد النبي ◌َ ﴿ اتباعًا لزيد. ويدل على كون القارئ إمامًا للسامع؛ قول ابن
مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام، فقرأ عليه سجدة؛ فقال: ((اسجد فإنك إمامنا فيها)). ذكره
البخاري تعليقًا(١) .
قال الحافظ في ((الفتح)): وصله سعيد بن منصور من رواية مغيرة عن إبراهيم قال: قال
تميم بن حذلم: قرأت القرآن على عبد الله وأنا غلام، فمررت بسجدة؛ فقال عبد الله: ((أنت
إمامنا فيها)).
(١) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، تعليقًا، قبل الحديث (١٠٧٥).

٢١٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
وَقَالُوا: السَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا، وَلَمْ يُرَخِّصُوا فِي تَرْكِهَا.
وَقَالُوا: إِنْ سَمِعَ الرَّجُلُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ سَجَدَ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ. وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ.
وقد روي مرفوعًا؛ أخرجه ابن أبي شيبة (١) من رواية ابن عجلان، عن زيد بن أسلم: أن
غلامًا قرأ عند النبي ◌َّ السجدة. فانتظر الغلام النبي ◌ٍَّ أن يسجد، فلما لم يسجد قال:
يا رسول الله، أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: ((بَلَى، ولَكِنَّكَ كنتَ إِمَامَنَا فيها، ولو
سَجَدْتَ لَسَجْدَنا)). رجاله ثقات، إلا أنه مرسل.
وقد روي عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: بلغني ... فذكر نحوه. أخرجه
البيهقي(٢) من رواية ابن وهب، عن هشام بن سعد وحفص بن ميسرة؛ معًا عن زيد بن أسلم
به. انتهى كلام الحافظ.
(وقالوا: السجدة واجبة على مَنْ سمعها، ولم يرخصوا في تركها. وقالوا: إن سمع
الرجل وهو على غير وضوء، فإذا توضأ سجد؛ وهو قول سفيان الثوري، وأهل ((الكوفة)) وبه
يقول إسحاق) وبه قال أبو حنيفة. قال العيني في ((عمدة القاري)): استدل صاحب ((الهداية))
على الوجوب بقوله وَّهِ: ((السَّجْدَةُ على مَنْ سَمِعَهَا، السَّجْدَةُ على مَنْ تَلاها))(٣).
ثم قال: كلمة ((على)) للإيجاب، والحديث غير مقيَّد بالقصد.
قال العيني: هذا غريب لم يثبت، وإنما روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٤)، عن ابن عمر
◌َّه؛ أنه قال: ((السَّجْدَةُ على مَنْ سَمِعَها)). وفي البخاري(٥): قال عثمان: ((إنَّما السُّجُودُ
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا
على مَنِ اسْتَمَعَ)). قال: واستدل أيضًا بالآيات: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣)
يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١] ﴿فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾ [النجم: ٦٢] ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩].
وقالوا: الذم لا يتعلق إلا بترك واجب، والأمر في الآيتين للوجوب. انتهى كلام العيني.
واستدل أيضًا: بحديث أبي هريرة: (إذا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي.
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٣٦٣).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٢ / ٣٢٤).
(٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١/ ٣٦٨)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢/ ٣٢٤).
(٤) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٢٢٥).
(٥) البخاري، كتاب سجود القرآن. قبل الحديث (١٠٧٧)، وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٩٠٦).

٢١٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
يقولُ: يا وَيْلَهُ أُمِرَ ابن آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ؛ فله الجَنَّةُ، وأُمِرْتُ بالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ؛ فليَ النَّارُ))،
أخرجه مسلم (١) .
قلت: قول ابن عمر مظ له: ((السجدة على من سمعها))، وقول عثمان: ((إنما السجود على
من استمع))(٢)، لو سلم أنهما يدلان على وجوب سجدة التلاوة؛ فهو قولهما، وليس بمرفوع،
وقولهما هذا مخالف لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - كما ستقف عليه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، فمعناه: لا يسجدون
إباءً وإنكارًا؛ كما قال الشيطانُ: ((أُمِرْتُ بالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ))؛ فالذم متعلق بترك السجود إباءً
وإنکارًا .
قال ابن قدامة في ((المغني)): فأما الآية؛ فإنه ذمهم لترك السجود، غير معتقدين فضله
ولا مشروعيته. انتھی.
وأما الاستدلال على وجوب سجدة التلاوة بقوله تعالى: ﴿فَأَعْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُوا﴾ [النجم:
٦٢]، وقوله: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩] فموقوف على أن يكون الأمر فيهما للوجوب، وعلى
أن يكون المراد بالسجود: سجدة التلاوة؛ وهما ممنوعان.
قال الإمام البخاري في ((صحيحه)): باب: ((مَنْ رأى أن الله - عزّ وجلّ - لم يوجب
السجود)).
قال الحافظ في ((الفتح)): أي: وحمل الأمر في قوله: ((فاسْجُدُوا)) على الندب، أو على
أن المراد به: سجود الصلاة، أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب. وفي سجود التلاوة
على الندب على قاعدة الشافعي، ومن تابعه في حمل المشترك على معنييه.
ومن الأدلة على أن سجود التلاوة منها؛ ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر.
وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر؛ هل هي فيها سجود أو لا؟ وهي ثانية ((الحج))،
وخاتمة ((النجم)) و﴿اقْرأْ﴾، فلو كان سجود التلاوة واجبًا، لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن
يتفق على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر. انتهى.
(١) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (٨١).
(٢) البخاري، كتاب سجود القرآن، قبل الحديث (١٠٧٧).

٢١٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِهِ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا وَالتَمَسَ
فضْلَهَا، وَرَخَّصُوا فِي تَرِكِهَا. قَالُوا: إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ.
وَاحْتَجُوا بِالْحَدِيثِ المَرْفُوعِ، حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حَيْثُ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِىِّ
ونَ﴿ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا .
فَقَالُوا: لَوْ كَانَتِ السَّجْدَةُ وَاجِبَةً لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ◌َّهِ زَيْدَاً حَتَّى كَانَ يَسْجُدُ ويَسْجُدُ
النَّبِيُّ ◌َ.
وَاحْتَجُوا بِحَدِيثٍ عُمَرَ: أَنَّهُ قَرَّأَ سَجْدَةً عَلَى المِنْبَرِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي
الجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ، فَتَهَيََّ النَّاسُ لِلِسُّجُودِ، فَقَالَ: ((إِنَّهَا لم تُكْتَبْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ)). فَلَمْ
يَسْجُدْ وَلَمْ يَسْجُدُوا .
فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هذَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
(وقال بعض أهل العلم: إنما السجدة على مَنْ أراد أن يسجد فيها، والتمس فضلها.
ورخصوا في تركها، قالوا: إن أراد ذلك) ، وهو قول الشافعي ومالك في أحد قوليه، وأحمد
وإسحاق والأوزاعي وداود. قالوا: إنها سنة؛ وهو قول عمر وسلمان وابن عباس وعمران بن
حصين، وبه قال الليث؛ كذا في ((عمدة القاري)).
(واحتجوا بالحديث المرفوع؛ حديث زيد بن ثابت حيث قال: قرأت على النبي وَالفول
((النجم)) فلم يسجد فيها. فقالوا: لو كانت السجدة واجبة لم يترك النبي وَط قه زيدًا حتى كان
يسجد ويسجد النبي وَ﴿) .
أجاب العيني وغيره عن حديث زيد بن ثابت هذا: بأن معناه: أنه لم يسجد على الفَوْرِ،
ولا يلزم منه أنه ليس في النجم سجدة، ولا فيه نفي الوجوب. انتهى.
وقد عرفت في كلام الحافظ، أن في ترك السجود فيها في هذه الحالة احتمالات،
وأرجح الاحتمالات: أنه ترك حينئذٍ؛ لبيان الجواز.
(واحتجوا بحديث عمر؛ أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد، ثم قرأها في الجمعة
الثانية، فتهيأ الناس للسجود؛ فقال: إنها لم تكتب علينا، إلا أن نشاء. فلم يسجُد، ولم
يسجدوا)، أخرجه البخاري؛ بلفظ: ((قرأ يوم الجُمُعَةِ على المِنْبَر بسورة ((النحل))؛ حتى إذا

٢١٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
جاءت السجدة نزل فسجد، وسجد الناس. حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأ بها حتى إذا
جاءت السجدة قال: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا نَمُرُّ بالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فقد أَصَابَ، ومَنْ لم
يَسْجُدْ فلا إِثْمَ عليه)). ولم يسجد عمر.
وزاد نافع عن ابن عمر: ((أَنَّ الله لم يَفْرِضِ السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ)» (١). انتهى.
واستدل بقوله: ((لم يفرض)) على عدم وجوب سجود التلاوة.
وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب: بأن نفي الفرض
لا يستلزم نفي الوجوب.
وتعقب: بأنه اصطلاح لهم حادث، وما كان الصحابة يفرقون بينهما، ويغني عن هذا
قول عمر: ((ومَنْ لم يسجد فلا إثم عليه)). واستدل بقوله: ((إلا أن نشاء)) على أن المراد:
مخير في السجود؛ فیکون ليس بواجب.
وأجاب من أوجبه: بأن المعنى: إلا أن نشاء قراءتها فيجب. ولا يخفى بعده، ويرده
تصريح عمر بقوله: ((ومَنْ لم يسجد فلا إثم عليه)): بأن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختارًا
يدل على عدم وجوبه؛ كذا في «فتح الباري)).
تنبيه: قال العيني في ((شرح البخاري)): واحتجوا- أي: القائلون بعدم وجوب سجدة
التلاوة- بحديث عمر رُبه: ((أن الله لم يكتب علينا السجود، إلا أن نشاء))(٢). وهذا ينفي
الوجوب. قالوا: قال عمر هذا القَوْل والصحابة حاضرون، والإجماع السكوتي عندهم
حُجّة. انتهى كلام العيني.
فموقوف، وهو ليس بحجة عندهم.
وأجاب هو عن هذا: بأن ما روي عن عمر نظّ
انتھی.
قلت: العجب من العيني أنه لم يجِبْ عن الإجماع السكوتي، بل سكت عنه؛ وهو حجة
عنده، وعند أصحابه الحنفية.
قال - هو - في رد حديث القُلَّتَيْنِ ما لفظه: حديث القُلَّتَيْنِ خبر آحاد، وَرَدَ مخالفًا
لإجماع الصحابة؛ فيرد بيانه أن ابن عباس وابن الزبير أَقْتَيَا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح
(١) أخرجه البخاري، كتاب سجود القرآن. حديث (١٠٧٧).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب سجود القرآن. حديث (١٠٧٧).

٢١٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
الماء كله، ولم يظهر أثره. وكان الماء من قلتين؛ وذلك بمحضر من الصحابة حظوته، ولم ينكر
عليهما أحد منهم؛ فكان إجماعًا، وخبر الواحد إذا ورد مخالفًا للإجماع يرد. انتهى كلامه.
فللقائلين بعدم وجوب سجدة التلاوة أن يقولوا: نحن لا نحتج بمجرد قول عمر نظ رائه بل
؛ فإن عمر رَله قال هذا القَوْلَ بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه
بإجماع الصحابة
أحد منهم.
والحق: أن هذا الاحتجاج احتجاج صحيح ليس عند الحنفية جواب شَافٍ عن هذا
الاحتجاج.
وقد أنصف بعض الحنفية في تعليقاته على ((جامع الترمذي))؛ حيث قال: قوله:
((واحتجوا بحديث عمر ... )) إلخ ليس هذا مرفوعًا، بل أثر عمر. وهذا تَمَسُّكُ الحجازيين.
وأما الجواب من جانب الأحناف: بأنه موقوف، ومذهب عمر ظُله فلا يفيد؛ فإنه
بمحضر جماعة من الصحابة، فيمكن للشافعية قول: إنه إجماع جمهور الصحابة، فما أجاب
أحد جوابًا شافيًا. انتهى.
ثم قال هذا البعض رادًّا على العَيْنِيِّ ما لفظه: وقال العيني بحذف المستثنى المتصل؛
لأنه أصل؛ فيكون المعنى: أنها لم تكتب علينا، إلا أن نشاء مكتوبيتها .
وقال أيضًا: إن المشيئة تتعلق بالتلاوة لا بالسجدة.
وقال الحافظ: إنها تتعلق بالسجدة.
أقول: تأويل العيني فيه: أنا إذا قلنا: إن المستثنى منه الوجوب، والمستثنى هو التطوع؛
يكون الاستثناء أيضًا متصلًا. وليس حد المتصل والمنفصل ما هو مشهور على الألسنة، بل
تفصيله مذكور في ((قطر الندى))، وشرح الشيخ السيد محمود الآلوسي على ((المقدمة
الأندلسية)).
وأيضًا: يخالف قول العيني لفظ الباب: ((فلم يسجد ولم يسجدوا ... )) إلخ؛ فإنه تحقق
التلاوة في واقعة الباب.
وأما قول: إنه تأخير السجدة؛ لأن الأداء لا يجب في الفور فبعيد؛ لأنه لا عُذْرَ، ولا
نكتة لترك السجدة الآن؛ بخلاف ما مرَّ من واقعة النبي بَّ فلم أر جوابًا شافيًا. انتهى كلام
بعض الحنفية في تعليقه المسمى بـ ((العرف الشذي)).

٢١٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي ﴿ِصَّ﴾
٤٠٥- بَابُ مَا جَاءَ في السَّجْدَةِ في (ص﴾ [ت٢٨٨، م٥٣]
[٥٧٧] (٥٧٧) حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَسْجُدُ فِي ﴿صٍ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَيْسَتْ
مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ. (خ: ١٠٦٩، د: ١٤٠٩، حم: ٣٣٧٧، مي: ١٤٦٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قلت: قول عمر ظُه: ((ومن لم يسجد فلا إثم عليه))(١) دليل صريح على عدم وجوب
سجدة التلاوة؛ كما عرفت في كلام الحافظ.
وأما تأويل العيني: بأن معناه: من لم يسجد، فلا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع؛
فباطل مردود عليه؛ فإنه لا دليل على هذا التأويل.
٤٠٥ - باب ما جاء في السَّجْدَةِ في (ص)
[٥٧٧] قوله: (عن أيوب) هو: السختياني.
قوله: (رأيت رسول الله ◌َ﴿ يسجد في (صَّّ﴾) هذا دليل صريح على ثبوت السجدة في
(ص)) (قال ابن عباس: وليست من عزائم السجود) المراد بالعزائم: ما وردت العَزِيمَةُ على
فعله؛ كصيغة الأمر مثلًا؛ بناء على أن بعض المندوبات آكَدُ من بعض عند من لا يَقُولُ
بالوجوب.
وقد روى ابن المنذر(٢) وغيره، عن علي بن أبي طالب؛ بإسناد حسن: أن العزائم
) تَنزِلُ﴾، وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة
﴿حَم﴾، و﴿النَّجْم﴾، و﴿اقرأ﴾، و﴿الّمّ
الأخر.
وقيل: ﴿اَلْأَغْرَافِ﴾، و﴿سُبْحَنَ﴾، و﴿حم﴾، و﴿الّ﴾. أخرجه ابن أبي شيبة؛ كذا في
«فتح الباري)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
(١) البخاري، كتاب سجود القرآن. حديث (١٠٧٧).
(٢) ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢٧٧٠).

٢١٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي ﴿ِصَّ﴾
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ: فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وغيرهم أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا،
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثوري، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا تَوْبةُ نَبِيِّ، وَلَمْ يَرَوْا السُّجُودَ فِيهَا .
قوله: (فرأى بعض أهل العلم أن يسجد فيها؛ وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي
وأحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - وقد عد الترمذي الشافعي من القائلين
بسجود التلاوة في ((ص))، وقوله المشهور: إنه لا يسجد فيها في الصلاة، ويسجد خارج
الصلاة.
قال: السجدة فيها ليست سجدة تلاوة، بل سجدة شكر، وسجود الشاكر لا يشرع في
الصلاة.
قال العيني في ((شرح البخاري)): لا خلاف بين الحنفية والشافعية؛ في أن ﴿ص﴾ فيها
سجدة تفعل، وهو أيضًا مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق.
غير أن الخلاف في كونها من العزائم أم لا، فعند الشافعي: ليست من العزائم، وإنما
هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم في الصحيح؛ وهذا هو المنصوص عنده،
وبه قطع جمهور الشافعية.
وعند أبي حنيفة وأصحابه: هي من العزائم؛ وبه قال ابن شريح وأبو إسحاق المروزي،
وهو قول مالك أيضًا. وعن أحمد: كالمذهبين، والمشهور منهما: كقول الشافعي.
(وقال بعضهم: إنها توبة نبي، ولم يَرَوا السجود فيها).
قال العيني: قال داود عن ابن مسعود: لا سجود فيها. وقال: هي توبة نبي. وروي مثله
عن عطاء وعلقمة.
قال: واحتج الشافعي ومن معه بحديث ابن عباس هذا، يعني: المذكور في الباب.
ولابن عباس حديث آخر في سجوده في ((ص))، أخرجه النسائي(١) من رواية عمر بن أبي ذر،
عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن النبي بَّر سجد في: ((ص)) فقال: ((سَجَدَها
دَاوُدُ عليه السَّلامُ تَوْبَةً، ونَسْجُدُهَا شُكْرًا)).
وله: حديث آخر أخرجه البخاري والنسائي أيضًا في [الكبرى](٢) في ((التفسير)) ولفظه:
(١) النسائي، كتاب صفة الصلاة. حديث (٩٥٧).
(٢) في نسخة ((الكبير))، والصواب المثبت.

٢١٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي (الحَجِّ)
٤٠٦- بَابُ مَا جَاءَ في السَّجْدَةِ في (الحَجّ) [ت٢٨٩، ٥٤٢]
[٥٧٨] (٥٧٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ،
رَأيْتُ النبيِ نَّهِ يسجد في ﴿ص﴾ ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]. قال
العيني: هذا كله حجة لنا، والعمل بفعل النبي ◌َّ أولى من العَمَلِ بقول ابن عباس، وكونها
توبة لا ينافي كونها عزيمة، وسجدها داود تَوْبَةً، ونحن نسجدها شُكْرًا؛ لما أنعم الله على
داود - عليه السلام - بالغفران والوعد بالزُّلْفى وحُسْن مآب. ولهذا لا يسجد عندنا عقيب
قوله: ﴿وَأَنَابَ﴾ بل عَقيب قوله: ﴿وَحُسْنَ مَثَارٍ﴾ [ص: ٢٥]، وهذه نعمة عظيمة في حقنا،
فكانت سجدة تلاوة؛ لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها إلا التلاوة، وسبب وجوب
هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخْبَارُ عن هذه النعم على داود - عليه السلام -
وإطماعنا في نَّيْلِ مثله. انتهى كلام العيني.
قلت: لا مُنَافَاةَ بين العمل بفعل النبي ◌َّةِ، وبين العمل بقول ابن عباس ◌ُبه؛ فالأولى،
بل المتعين أن يسجد في ﴿ص﴾؛ اتباعًا للنبي ◌َّ في الصلاة، وخارج الصلاة. ويرى أن
هذه السجدة ليست من عزائم السجود؛ كما قال ابن عباس عًا، وقول ابن عباس هذا مقدم
على قَوْلِ أبي حنيفة ومن تبعه؛ أنها من عزائم السجود؛ هذا ما عندي، والله تعالى أعلم.
وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي هريرة.
أما حديث أبي سعيد: فأخرجه أبو داود(١) قال: ((قرأ رَسُولُ اللهِنَّهِ وهو على المِنْبَرِ
﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة، نَزَلَ فسَجَدَ)).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الطبراني في (الأوسط))(٢)؛ بلفظ: ((أن النبي نَّهُ سَجَدَ
في (ص))).
ورواه الدار قطني أيضًا .
٤٠٦ - باب ما جاء في السَّجْدَةِ في (الحَجّ)
[٥٧٨] قوله: (أخبرنا ابن لهيعة) هو: عبد الله بن لهيعة، ضعيف.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٤١٠).
(٢) الطبراني في ((الأوسط)) (٥١٩٤)، وأبو يعلى. حديث (٥٩١٩)، والدارقطني (٤٠٦/١) (١)، وقال الهيثمي في
«المجمع»: (٢٨٥/٢) وفيه محمد بن عمرو وفيه كلام وحديثه حسن.

٢٢٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي (الحَجِّ)
عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، عَنْ عُقبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، فُضِّلَتْ
سُورَةُ الحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأُهُمَا)).
[د بنحوه: ١٤٠٢].
(عن مشرح) كـ ((منبر)) (بن هَاعَان) بالهاء والعين، بينهما ألف، ثم ألف ونون؛ كذا في
نسخ الترمذي، وكذا في ((التقريب)) و((الخلاصة)).
وقال في ((القاموس)): ومشرح ... كـ ((منبر)): ابن [عاهان] التابعي. انتهى.
وكذلك في ((المغني)) لصاحب ((مجمع البحار)). فلعله يقال لوالد مشرح: عاهان؛ بتقديم
العين على الهاء أيضًا.
قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمته: مقبول.
وقال الذهبي في ((الميزان)): مشرح بن هاعان المصري، عن عقبة بن عامر، صدوق،
لیَّنه ابن حبان.
وقال عثمان بن سعيد عن ابن مَعين: ثقة.
قال ابن حبان: يُكَنَّى أبا مصعب، يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها؛ فالصواب ترك
ما انفرد به. انتھی.
قوله: (فضلت سورة الحج) بتقدير همزة الاستفهام.
(بأن فيها سجدتين) أولاهما: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، وهي
متفق عليها .
والثانية: عند قوله تعالى: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
(ومن لم يسجدهما) أي: السجدتين (فلا يقرأهما).
قال القاري في ((المرقاة)): أي: آيتي السجدة؛ حتى لا يأثم بترك السجدة، وهو يؤيد
وجوب سجدة التلاوة.
ووجه النهي: أن السجدة شرعت في حق التالي بتلاوته، والإتيان بها من حق التلاوة.
فإذا كان بصدد التضييع، فالأولى به تركها؛ لأنها إما واجبة؛ فيأثم بتركها، أو سنة؛ فيتضرر
بالتهاون بها؛ كذا ذكر الطيبيُّ.
قال ابن الهمام: والسجدة الثانية في ((الحج)) [للصلاة] عندنا؛ لأنها مقرونة بالأَمْر