النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَنَحْواً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرةِ سِرًّا إِنْ
كَانَ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلًا نَحْواً مِنْ قِرَاءَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ بَتَكْبِيرٍ وَثَبَتَ قَائِماً
كَمَا هُوَ، وَقَرَأَ أَيْضًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَنَحْواً مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلًا نَحْواً مِنْ
قِرَاءَتِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ،
وَيُقِيمُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ نَحْواً مِمَّا أَقَامَ فِي رُكُوعِهِ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ وَنَحْواً مِنْ
سُورَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلًا نَحْواً مِنْ قِرَاءَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ بِتَكْبِيرٍ وَثَبَتَ
قَائِماً، ثُمَّ قَرَأَ نَحْواً مِنْ سُورَةِ المَائِدَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلًا نَحْواً مِنْ قِرَاءَتِهِ، ثُمَّ
رَفَعَ فَقَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ.
خاطب بذلك أهل ((البصرة))، وقد كان ابن عباس علَّمهم أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان؛
كما روى ذلك الشافعي وابن أبي شيبة وغيرهما(١) .
ويؤيد ذلك: رواية أبي بكرة من طريق عبد الوارث، عن يونس في ((صحيح البخاري))(٢)
في أواخر الكسوف؛ أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النبي ◌َّر، وقد ثبت في حديث جابر
عند مسلم(٣) مثله؛ وقال فيه: ((إن في كل ركعة ركوعين)). فدل ذلك على اتحاد القصة،
وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة، وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع، والأخذ بها
أولی.
ووقع في أكثر الطرق وعن عائشة أيضًا: ((أن في كل ركعة ركوعين)). وعند ابن خزيمة(٤)
من حديثها أيضًا: أن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام؛ كذا في ((فتح الباري)).
واستدلوا أيضًا: بحديث النعمان بن بشير، وقد تقدم تخريجه. وفيه: ((فجعل يصلي
رکعتین)).
ورواه النسائي(٥) بلفظ: ((فصلُّوا كَأَحْدَثِ صلاة صَلَّيْتُمُوها)).
(١) البيهقي في ((الكبرى)) (٣/ ٣٢٧)، وانظر ((فتح الباري)) (٢/ ٥٢٧).
(٢) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٦٣).
(٣) مسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠٤).
(٤) ابن خزيمة. حديث (١٣٨١).
(٥) النسائي، کتاب الکسوف. حدیث (١٤٨٥).

١٨٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ
٣٩٧- بَابُ مَا جَاءَ في صِفَةِ الْقِرَاءَةِ في الكُسُوفِ [ت٢٨٠، ٤٥٠]
[٥٦٢] (٥٦٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْن عِبَادٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْن جُنْدُبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ◌َه
فِي كُسُوفٍ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتاً. [ن مطولاً: ١٤٨٣، د مطولاً: ١١٨٤، جه: ١٢٦٤].
والجواب: أن هذا الحديث مطلق، وفي رواية جابر وغيره زيادة بيان في صفة الركوع؛
فالأخذ بها هو أولى كما عرفت.
٣٩٧ - باب ما جاء في صِفَةِ القِرَاءَةِ في الكُسُوفِ
أي: بالجهر أو بالسر.
[٥٦٢] قوله: (عن الأسود بن قيس) العبدي، ويقال: العجلي الكوفي، يكنى: أبا قيس
ثقة من الرابعة.
(عن ثعلبة بن عِبَاد) بكسر العين المهملة، وتخفيف الموحدة: العبدي البصري، مقبول؛
كذا في ((التقريب)).
وقال الذهبي في ((الميزان)): تابعي سمع سمرة، وعنه: الأسود بن قيس فقط بحديث
الاستسقاء(١) الطويل.
قال ابن المديني: الأسود يروي عن مجاهيل.
وقال ابن حزم: ثعلبة مجهول. انتهى.
قوله: (لا نسمع له صوتًا) قال القاري في ((المرقاة)): هذا يدل على أن الإمام لا يجهر
بالقراءة في صلاة الكسوف؛ وبه قال أبو حنيفة، وتبعه الشافعي وغيره.
قال ابن الهمام: ويدل عليه أيضًا حديث ابن عباس؛ روى أحمد وأبو يعلى في
((مسندهما))(٢) عنه: ((صليت مع النبي ◌َّر، فلم أسمع منه حرفًا من القراءة».
(١) في نسخة: ((الكسوف))، والمثبت هو الموافق لما في ((الميزان)). والله أعلم.
(٢) أحمد. حديث (٢٦٦٨)، وأبو يعلى. حديث (٢٧٤٥) قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٠٧/٢): وفيه ابن لهيعة
وفيه كلام.

١٨٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورواه أبو نُعيم في ((الحلية))(١) عن ابن عباس قال: ((صليت إلى جنب رسول الله وَّاه يوم
كُسِفَتِ الشمسُ فلم أسمع له قراءة).
قال: ولهما رواية عن عائشة في ((الصحيحين))(٢) قالت: ((جهرَ النبيُّ ◌َّ في صلاة
الخسوف بقراءته)). وللبخاري(٣) من حديث أسماء: ((جهر - عليه الصلاة والسلام - في
صلاة الكسوف)). ورواه أبو داود والترمذي(٤)، وحسَّنه وصحَّحه؛ ولفظه: ((صلى صلاة
الكسوف، فجهر فيها بالقراءة)). ثم قال: وإذا حصل التعارض وجب الترجيح بأن الأصل في
صلاة النهار الإخفاء. انتهى ما في ((المرقاة)).
قلت: أحاديث الجهر نصوص صريحة في الجهر، وأما حديث الباب -أعني: حديث
سمرة - فهو ليس بنص في السر ونفي الجهر.
قال الحافظ ابن تيمية في ((المنتقى)): وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده؛ لأن في رواية
مبسوطة له: ((أتينا والمسجد قد امتلأ)). انتهى.
وأما حديث ابن عباس؛ بلفظ: ((صليت إلى جنب رسول الله وَلهو ... إلخ)). فهو لا
يوازي أحاديث الجهر في الصحة؛ فلا شك في أن أحاديث الجهر مقدمة على حديث سمرة،
وحديث ابن عباس المذكورين. والله تعالى أعلم.
قوله: (وفي الباب عن عائشة) أخرجه أبو داود(٥)؛ وفيه: ((فصلى بالناس، فَحَزَرْتُ قراءته؛
فرأيت أنه قرأ سورة البقرة ... )) الحديث. وفي سنده: محمد بن إسحاق، وقد تفرد هو بهذا اللفظ.
قوله: (حديث سمرة بن جندب حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن
ماجه بعضهم مطولًا، وبعضهم مختصرًا، وقد صحَّحه ابن حبان والحاكم أيضًا.
(١) الطبراني في ((الكبير)) (١١٦١٢)، ولم ينسبه الزيلعي وابن حجر لأبي نعيم كما ذكر المصنف. ونسباه للطبراني
فقط. انظر ((نصب الراية)) (٢/ ١٥٨)، و((التلخيص الحبير)) (٢/ ٩٢).
(٢) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٦٥)، ومسلم، كتاب الكسوف. حديث (٩٠١).
(٣) لم أجده عند البخاري من حديث أسماء، وإنما هو من حديث عائشة. والله أعلم.
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٨٨)، والترمذي. حديث (٥٦٣)، كلاهما من حديث عائشة وليس من
حديث أسماء كما ذكر صاحب ((المرقاة)).
(٥) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٨٧).

١٨٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
[٥٦٣] (٥٦٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَدَقَةَ، عَنْ
سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى صَلَاةَ
الگُسُوفِ،
قال الحافظ في ((التلخيص)): وأعلَّه ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد راويه عن سمرة، وقد
قال ابن المديني: إنه مجهول، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، مع أنه لا راوي له إلا
الأسود بن قیس. انتھی.
قوله: (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا) أي: إلى الإسرار بالقراءة في صلاة
الكسوف. (وهو قول الشافعي) وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - ومالك - رحمه الله - قال
النووي في ((شرح مسلم)): إن مذهبنا، ومذهب مالك وأبي حنيفة رحمه الله والليث بن سعد
وجمهور الفقهاء: أنه يسر في كسوف الشمس، ويجهر في خسوف القمر. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال الأئمة الثلاثة؛ يعني مالكًا والشافعي وأبا حنيفة: يسر في
الشمس، ويجهر في القمر. انتهى.
وقد عد الترمذي مالكًا من القائلين بالجهر بالقراءة في صلاة الكسوف؛ فلعل من الإمام
مالك روايتين. والله تعالى أعلم.
قال الحافظ في ((الفتح)): واحتج الشافعي بقول ابن عباس: ((قرأ نحوًا من سورة البقرة))؛
لأنه لو جھر لم يحتج إلی تقدیر.
وتعقب: باحتمال أن يكون بعيدًا منه.
لكن ذكر الشافعي تعليقًا عن ابن عباس؛ أنه صلى بجنب النبي ◌َّ في الكسوف؛ فلم
يسمع منه حرفًا. ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية.
وعلى تقدير ثبوتها، فمثبت الجهر معه قدر زائد؛ فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد؛
فيكون فعل ذلك لبيان الجواز. وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة والترمذي
((لم يسمع له صوتًا)) أنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر.
[٥٦٣] قوله: (حدَّثنا إبراهيم بن صدقة) البصري صدوق.

١٨٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ
وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا. [خ: ١٠٦٥، م: ٩٠١].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ نَحْوَهُ.
وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
قوله: (وجهر بالقراءة فيها) هذا نص صريح في الجهر بالقراءة في صلاة كسوف
الشمس. وفي رواية ابن حبان(١): ((كسفت الشمس؛ فصلى بهم أربع ركعات في ركعتين
وأربع سجدات، وجهر بالقراءة)). وبهذه الرواية بطل ما قال النووي؛ من أن رواية الجهر في
خسوف القمر، ورواية الإسرار في كسوف الشمس.
وقد روى البخاري في ((صحيحه) (٢) من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: ((جهر النبي
(* في صلاة الكسوف».
قال الحافظ في ((الفتح)): وقد ورد الجهر فيها عن عليٍّ مرفوعًا وموقوفًا، أخرجه ابن
خزيمة وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة، وأحمد وإسحاق، وابن خزيمة وابن المنذر
وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربي من المالكية. وقال الطبري: يخير بين الجهر
والإسرار. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الطحاوي.
فإن قلت: روى هذا الحديث سفيان بن حسين، عن الزهري، وهو ثقة في غير الزهري؛
فكيف يكون حديثه هذا بلفظ: ((وجهر بالقراءة فيها))، حسنًا صحيحًا؟!
قلت: لم يتفرد هو برواية هذا الحديث بهذا اللفظ عن الزهري، بل تابعه على ذلك
سليمان بن كثير عند أحمد، وعقيل عند الطحاوي، وإسحاق بن راشد عند الدارقطني.
قال الحافظ: وهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، يفيد مجموعها الجزم بذلك؛ فلا معنى
لتعليل مَنْ أعله بتضعيف سفيان بن حسين وغيره. انتهى.
قوله: (وبهذا الحديث يقول مالك وأحمد وإسحاق) وهذا القول هو الراجح المعول
عليه.
(١) ابن حبان. حدیث (٢٨٥٠).
(٢) البخاري، كتاب الكسوف. حديث (١٠٦٥)، من حديث عائشة وليس من حديث أسماء كما ذكر المصنف.

١٨٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
٣٩٨- بَابُ مَا جَاءَ في صَلَاةِ الخَوْفِ [ت٢٨١، م٤٦]
[٥٦٤] (٥٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَبْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى صَلَاةً
الخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا
فَقَامُوا فِي مَقَامٍ أُولَئِكَ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ
هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ، وَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ. [خ: ٤١٣٤، م: ٨٣٩، ن: ١٥٣٧،
د: ١٢٤٣، جه بنحوه: ١٢٥٨، حم بنحوه: ٦٣٤١، طا بنحوه: ٤٤٢، مي بنحوه: ١٥٢١].
٣٩٨ - بابُ ما جاء في صَلاةِ الخَوْفِ
أي: أحكام الصلاة عند الخوف من الكفار.
وأجمعوا على أن صلاة الخوف ثابتة الحكم بعد موت النبي ◌َّ.
وعن أبي يوسف: أنها مختصة برسول الله وَّله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
وأجيب: بأنه قيد واقعي نحو قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمُ﴾ [النساء: ١٠١] في صلاة المسافر.
ثم اتفقوا على أن جميع الصفات المروية عن النبي ◌َّ في صلاة الخوف مُعْتَدٌّ بها،
وإنما الخلاف بينهم في الترجيح، وما أحسن قول أحمد: لا حرج على مَنْ صلى بواحدة مما
صَحَّ عنه عليه الصلاة والسلام ؛ كذا في ((المرقاة)).
وذكر الحافظ ابن تيمية في ((منهاج السنة)) وغيره: أن الاختلاف الوارد فيه ليس اختلاف
تضاد، بل اختلاف سعة وتخيير. انتهى.
[٥٦٤] قوله: (عن سالم عن أبيه) أي: عبد الله بن عمر.
قوله: (والطائفة الأخرى مواجهة العدو) وفي رواية البخاري(١): ((فقامَتْ طائفةٌ معه،
وأقبلَتْ طائفةٌ على العَدُو))
(ثم انصرفوا) أي: الطائفة الأولى التي صلت معه واله.
(فقاموا في مقام أولئك) أي: في مقام الطائفة الثانية التي لم تصل.
(ثم سلم) أي: النبي ◌َّر. (عليهم) أي: على الطائفة الثانية. (فقام هؤلاء فقضوا
ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم) .
(١) البخاري، كتاب صلاة الخوف. حديث (٩٤٢).

١٨٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ: مِثْلَ هَذَا.
وفي رواية البخاري(١): ((فقامَ كُلُّ واحدٍ منهم؛ فرَكَعَ لنفسه ركعة، وسجد سَجْدَتَيْنِ)).
قال الحافظ: في ((فتح الباري)): لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، [وَظاهِره](٢)
أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب؛ وهو الراجح من
حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده.
ويرجحه: ما رواه أبو داود(٣) من حديث ابن مسعود ولفظه: ((ثم سلم فقام هؤلاء - أي:
الطائفة الثانية - فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا. ورجع أولئك إلى مقامهم؛
فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا. انتهى.
وظاهره: أن الطائفة الثانية وَالَتْ بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها.
ووقع في الرافعي تبعًا لغيره من كتب الفقه: أن في حديث ابن عمر هذا: ((أن الطائفة
الثانية تأخرت، وجاءت الأولى إلى مكانهم، وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا، وذهبوا إلى
وَجْهِ العدو. وجاءت الطائفة الأولى؛ فأتموا ركعة، ثم تأخروا، وعادت الطائفة الثانية،
فأتموا)).
ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق؟ وبهذه الكيفية أخذ الحنفية، واختار في حديث
ابن مسعود أشهب والأوزاعي؛ وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حَثْمَةَ من رواية مالك عن
يحيى بن سعيد. انتهى كلام الحافظ.
قال القاري في ((المرقاة)) في شرح قوله: ((فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة،
وسجد سجدتين)). تفصيله: أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وَجْه العدو، وجاءت الأولى إلى
مكانهم وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو. وجاءت الطائفة الثانية،
وأتموا منفردين، وسلموا، كما ذكره بعض الشراح من علمائنا .
قال ابن الملك: كذا قيل؛ وبهذا أخذ أبو حنيفة، لكن الحديث لم يشعر بذلك. انتهى.
وهو كذلك.
(١) البخاري، كتاب صلاة الخوف. حديث (٩٤٢).
(٢) في الأصل: ((وظاهر))، وكذا في كل نسخ ((التحفة))، والمثبت من ((الفتح)).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٤٤).

١٨٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ جَابِرٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي
هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَأَبِي عِيَّاشِ الزُّرَقِيِّ - وَاسْمُهُ: زَيْدُ بْنُ
صَامِتٍ - وَأَبِي بَكْرَةَ.
لكن قال ابن الهمام: ولا يخفى أن هذا الحديث إنما يدل على بعض ما ذهب إليه
أبو حنيفة، وهو مشي الطائفة الأولى، وإتمام الطائفة الثانية في مكانها من خلف الإمام، وهو
أقل تغییرًا .
وقد دلَّ على تمام ما ذهب إليه: ما هو موقوف على ابن عباس من رواية أبي حنيفة؛
ذكره محمد في كتاب ((الآثار))، وساق إسناد الإمام، ولا يخفى، أن ذلك مما لا مجال للرأي
فيه؛ فالموقوف فيه كالمرفوع. انتهى ما في ((المرقاة)).
قلت: قال محمد في كتاب ((الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم في
صلاة الخوف قال: إذا صلى الإمام بأصحابه، فلتقم طائفة منهم مع الإمام، وطائفة بإزاء
العدو، فيصلي الإمام بالطائفة الذين معه ركعة، ثم تنصرف الطائفة الذين صلوا مع الإمام؛
من غير أن يتكلموا؛ حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأولى حتى يصلوا ركعة
وحدانًا، ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم وتأتي الطائفة الأخرى؛ حتى يقضوا الركعة
التي بقيت عليهم وحدانًا. قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، حدثنا الحارث، عن عبد الرحمن،
عن ابن عباس مثل ذلك، قال محمد: وبهذا كله نأخذ. انتهى ما في كتاب ((الآثار)).
قلت: الحارث هذا إن كان: هو الأعور؛ فقد كذَّبه الشعبي وابن المديني، وإن كان
غيره؛ فلا أدري من هو.
قوله: (وفي الباب عن جابر، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن
مسعود، وسهل بن أبي حثمة، وأبي عياش الزرقي - واسمه: زيد بن صامت - وأبي بكرة) .
أما حديث جابر: فأخرجه الشيخان(١).
وأما حديث حذيفة: فأخرجه أبو داود والنسائي(٢).
وأما حديث زيد بن ثابت: فأخرجه النسائي(٣).
(١) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤١٣٦)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٣٤).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٤٦)، والنسائي، كتاب صلاة الخسوف. حديث (١٥٢٩).
(٣) النسائي، كتاب صلاة الخوف. حديث (١٥٣٠).

١٨٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ إِلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ
أَبِي حَثْمَةَ.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه النسائي(١).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي(٢).
وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه أبو داود(٣).
وأما حديث سهل بن أبي حثمة: فأخرجه الشيخان(٤).
وأما حديث أبي عياش الزرقي: فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي(٥).
وأما حديث أبي بكرة: فأخرجه أحمد وأبو داود النسائي(٦)
قلت: وفي الباب أيضًا عن علي، وعائشة، وخوات بن جبير، وأبي موسى الأشعري.
أما حديث علي، فأخرجه البزار (٧). وأما حديث عائشة: فأخرجه أبو داود(٨). وأما
حديث خوات بن جبير(٩) فأخرجه ابن منده في ((معرفة الصحابة)).
وأما حديث أبي موسى: فأخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد))(١٠).
قوله: (وقد ذهب مالك بن أنس في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حثمة)
الآتي، وفي هذا الباب قال مالك في ((الموطأ)): وحديث القاسم بن محمد، عن صالح بن
خوات أَحَبُّ ما سمعت إليَّ في صلاة الخوف. انتهى.
(١) النسائي، كتاب صلاة الخوف. حديث (١٥٣٤).
(٢) أحمد. حديث (٨٠٦١)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٤٠)، والنسائي، كتاب صلاة الخوف.
حدیث (١٥٤٣).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٤٤).
(٤) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤١٣١)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٨٤١).
(٥) أحمد. حديث (١٦١٤٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٣٦)، والنسائي، كتاب صلاة الخوف.
حدیث (١٥٥٠).
(٦) أحمد. حديث (٢٠٤٩٧)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٤٨)، والنسائي، كتاب صلاة الخوف.
حدیث (١٥٥١).
(٧) البزار. حديث (٧٨٠ - زخار)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٩٦/٢) وفيه الحارث وهو ضعيف.
(٨) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٤٢).
(٩) ابن خزيمة. حديث (١٣٦٠).
(١٠) ابن عبد البر في ((التمهيد» (٢٦٠/١٥).

١٩٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَلّهِ صَلَاةُ الخَوْفِ عَلَى أَوْجُهٍ، وَمَا أَعْلَمُ فِي
هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثاً صَحِيحاً، وَأَخْتَارُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَثْمَةَ.
وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَبَتَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ فِي صَلَاةِ
الخَوْفِ، وَرَأَى أَنَّ كُلَّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذَا
عَلَى قَدْرِ الخَوْفِ.
والمراد بحديث القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات: هو حديث سهل بن أبي حثمة.
(وهو قول الشافعي ... إلخ).
قال الحافظ في ((الفتح)): قد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجح ابن
عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها؛ لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول في
أن المأموم لا یتم صلاته قبل سلام إمامه.
وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة، أيها فعل المرء جاز،
ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ، وكذا رجحه الشافعي.
ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء؛ وبه قال الطبري وغير واحد؛ منهم: ابن المنذر،
وسرد ثمانية أوجه؛ وكذا ابن حبان في ((صحيحه)) وزاد تاسعًا.
وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهًا، وبينها في جزء مفرد.
وقال ابن العربي في ((القبس)): جاء فيها روايات كثيرة، أصحها: ستة عشر رواية مختلفة
ولم يبينها .
وقال النووي في ((شرح مسلم)) ولم يبينها أيضًا: وقد بينها شيخنا أبو الفضل في ((شرح
الترمذي))، وزاد وجهًا آخر، فصارت سبعة عشر وجهًا لكن يمكن أن تتداخل.
قال صاحب ((الهدي)): أصولها ست صفات، بلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا
اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وَجْهًا من فعل النبي ◌ََّ، وإنما هو من اختلاف الرواة.
انتهى. وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا بقوله: يمكن تداخلها. انتهى ما في ((الفتح)).
(وما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا).

١٩١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
قَالَ إِسْحَاقُ: وَلَسْنَا نَخْتَارُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ.
وَحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ نَحْوَهُ.
[٥٦٥] (٥٦٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ مُبَيْرٍ،
عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِيَ صَلَاةِ الخَوْفِ، قَالَ: يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ
القِبْلَةِ، وَتَقُومُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ قِبَلِ العَدُوِّ، وَوُجُوهُهُمْ إِلَى العَدُوِّ، فَيَرْكَعُ
بِهِمْ رَكْعَةً، وَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، وَيَسْجُدُونَ لِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ فِي مَكَانِهِمْ، ثُمَّ
يَذْهَبُونَ إِلَى مَقَامٍ أُولَئِكَ، وَيَجِيءُ أُولَئِكَ فَرْكَعُ بِهِمْ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِهِمْ سَجْدَتَيْنٍ، فَهِيَ
لَهُ ثِنْتَانِ
قال الحافظ في ((التلخيص)): ونقل ابن الجوزي عن أحمد؛ أنه قال: ما أعلم في هذا
الباب حديثًا إلا صحيحًا.
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) أخرجه الأئمة الستة.
[٥٦٥] قوله: (عن صالح بن خَوَّاتٍ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو، وبالتاء
الفوقانية، أنصاري مدني تابعي مشهور، غزير الحديث، سمع أباه وسهل بن أبي حثمة.
(عن سهل بن أبي حَثْمَةَ) الأنصاري الخزرجي المدني، صحابي صغير، ولد سنة ثلاث
من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية.
قوله: (فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم ركعة، ويسجدون لأنفسهم سجدتين في
مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك) .
وفي رواية مالك في ((الموطأ))(١): ((فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذي معه ثم يقوم، فإذا
استوى قائمًا ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلُّمون وينصرفون والإمام قائم؛
فیکونون وجاه العدو».
(ويجيء أولئك؛ فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين) أي: ثم يسلم وحده. (فهي)
أي: فهذه الصلاة. (له) بَّرِ (ثنتان) ، أي: ركعتان.
(١) مالك في ((الموطأ)) (١/ ١٨٣).

١٩٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
وَلَهُمْ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَرْكَعُونَ رَكْعَةً وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنٍ. [خ: ٣١٤١، م: ٨٤١، ن: ١٥٥٢،
د: ١٢٣٦، جه: ١٢٥٩، حم: ١٥٢٨٣، طا: ٤٤٠، مي: ١٥٢٢].
[٥٦٦] (٥٦٦) قَالَ أَبُو عِيسَى: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ
هَذَا الحَدِيثِ؟ فَحَدَّثَنِي عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ لِي يَحْيَى: اكتُبْهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَلَسْتُ أَحْفَظُ الحَدِيثَ، وَلَكِنَّهُ
مِثْلُ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ.
(ولهم) أي: لكل واحد من الطائفتين. (واحدة) أي: ركعة واحدة. (ثم يركعون ركعة،
ويسجدون سجدتين) أي: ثم يسلمون.
وفي رواية مالك في ((الموطأ)): ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا؛ فيكبرون وراء الإمام،
فيركع بهم ويسجد بهم ثم يسلم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية ثم يسلمون.
[٥٦٦] قوله: (قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد) أي: القطان (عن هذا
الحديث) أي: هل بلغك هذا الحديث مرفوعًا أم لا؟
(فحدثني) أي: يحيى القطان (بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري) المذكور الموقوف
(وقال لي يَحْيَى: اكتبه إلى جنبه) هذا مقول محمد بن بشار؛ أي: وقال لي يحيى بن سعيد
القطان: اكتب الحديث الذي رويته عن شعبة مرفوعًا إلى جَنْبٍ الحدیث الذي رویته عن
يَحْيَى بن سعيد الأنصاري موقوفًا .
(ولست أحفظ الحديث) أي: قال يحيى القطان: لست أحفظ لَفْظَ الحديث الذي رَوَيته
عن شعبة مرفوعًا .
(لكنه) أي: لكن الحديث المرفوع. (مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري) الموقوف
المذكور.
تنبيه: اعلم أن بعض العلماء الحنفية قد فسر قوله: ((وقال لي: اكتبه ... )) إلخ هكذا
قوله: ((وقال لي: اكتبه)) مقولة يحيى؛ أي: قال لي شعبة: اكتب هذا الحديث الذي رويت
لك إلى جَنْبِ الحديث الذي رويت عن يحيى بن سعيد الأنصاري. انتهى. وفي هذا نظر؛
كما لا يخفى على المتأمل؛ فتأمل.

١٩٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
لَمْ يَرْفَعْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ مَوْقُوفاً، وَرَفَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ بْنِ
مُحَمَّدٍ .
[٥٦٧] (٥٦٧) وَرَوَى مَالِكُ بْن أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ صَلَاةَ الخَوْفِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةٌ رَكْعَةً، فَكَانَتْ
لِلنَّبِّ وَّهِ رَكْعَتَانِ وَلَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: أَبُو عِيَّاشِ الزُّرَقِيُّ اسْمُهُ: زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أي: هذا الحديث الموقوف الذي رواه يحيى بن سعيد
الأنصاري حسن صحيح، وأخرجه مالك في ((الموطأ))، و((البخاري)) و((مسلم)) أيضًا.
[٥٦٧] قوله: (وبه) أي: بحديث سهل بن أبي حَثْمَةَ (يقول مالك والشافعي وأحمد
وإسحاق) وأخذ أبو حنيفة بحديث عبد الله بن عمر المذكور، كما تقدم بيان ذلك.
(وروي عن غير واحد؛ أن النبي ◌َّ صلى بإحدى الطائفتين ركعة ركعة ... إلخ) أَخرَج
روايات هؤلاء أبو داود في ((سننه)) من شاء الاطلاع عليه فليرجع إليه.
وأخرج الشيخان(١) عن جابر قال: ((أقبلنا مع رسول الله وَل﴿ حتى إذا كنا بذات
الرِّفَاع ... )) الحديث. وفيه: ((فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى
ركعتين قال: فكانت لرسول الله ( ﴿ أربع ركعات، وللقوم ركعتان)) ولا اختلاف بين هذا وبين
ما روي أنه وله صلى بإحدى الطائفتين ركعة ركعة، لاختلاف القصتين.
(١) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤١٣٦)، ومسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٤٣).

١٩٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ
٣٩٩- بَابٌ مَا جَاءَ في سُجُودِ القُرْآنِ [ت٢٨٢، ٤٧٢]
[٥٦٨] (٥٦٨) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمرِو بْنِ
الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُمَرَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ
أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سَجَدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً مِنْهَا الَّتِي فِي
النَّجْم. [ضعيف، جه: ١٠٥٥، عمر الدمشقي مجهول].
٣٩٩ - بابُ ما جاء في سُجُودِ القُرْآنِ
أي: سجدة التلاوة؛ وهي أربع عشرة، سجدات معروفة عند أبي حنيفة والشافعي، غير
أن الشافعي عَدَّ منها السجدة الثانية من سورة ((الحج)) دون سجدة ((ص))، وقال أبو حنيفة
بالعكس. هذا هو المشهور.
وقال الترمذي: رأى بعض أهل العلم أن يسجد في ((ص))، وهو قول سفيان وابن
المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. انتهى.
فعلى هذا يكون عند الشافعي وأحمد خمس عشرة سجدة، وهو رواية عن مالك؛ كذا في
((المحلى شرح الموطأ)) للشيخ سلام الله.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): قد أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة، وهو عندنا
وعند الجمهور سنة ليس بواجب.
وعند أبي حنيفة ظُه: واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب
والفرض.
وهو سنة للقارئ والمستمع، ويستحب أيضًا للسامع الذي لا يسمع، لكن لا يتأكد في
حقه تأكده في حق المستمع، المصغي. انتهى كلام النووي.
وقال القاري في ((المرقاة)): هي سجدة منفردة مَنْوِيَّة، محفوفة بين تكبيرتين، مشروط فيها
ما شرط للصلاة من غير رَفْع يَدٍ وقيام وتشهد وتسليم. وتجب على القارئ والسامع، ولو لم
يكن مستمعًا عند أبي حنيفة وأصحابه. انتهى كلام القاري.
[٥٦٨] قوله: (عن عمر الدمشقي) هو: ابن حيان الدمشقي؛ وهو مجهول؛ كما صرح به
الحافظ في ((التقريب)).
قوله: (سجدت مع رسول الله (وَ﴿ إحدى عشرة سجدة ... إلخ) هذا لا ينافي الزيادة،

١٩٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ
غايته، أن أبا الدَّرْدَاءَ سجد معه إحدى عشرة سجدة، ولم يحضر في غيرها؛ قاله صاحب
((إنجاح الحاجة)).
قلت: ومع هذا فهو حديث ضعيف، فإن في سنده عمر الدمشقي؛ وهو مجهول كما
عرفت، وفي طريقه الثاني الآتي قال عمر الدمشقي: سمعت مخبرًا يخبرني، فهذا المخبر
أيضًا مجهول. وقد صرح أبو داود بتضعيفه، حيث قال في ((سننه)): روي عن أبي الدرداء،
عن النبي ◌ُّر إحدى عشرة سجدة، وإسناده وَاهٍ. انتهى كلام أبي داود.
وروى أبو داود وابن ماجه(١)، عن عمرو بن العاص: ((أَنَّ النَّبِي ◌َّهِ أَقْرَأَه خَمْسَ عَشْرَةَ
سَجْدَةً في القرآن، منها ثَلاثٌ في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان))، والحديث سكت عنه
أبو داود والمنذري.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): حسَّنه المنذري والنووي، وضعفه عبد الحق وابن القطان،
وفيه: عبد الله بن منين؛ وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي، وهو لا يعرف
أيضًا.
وقال ابن ماكولا: ليس له غير هذا الحديث. انتهى كلام الحافظ.
قلت: قال الحافظ في ((التقريب)): عبد الله بن منين بنون مصغرًا: اليحصبي المصري،
وثقه يعقوب بن سفيان. انتھی.
وقال في ترجمة الحارث بن سعيد العتقي: إنه مقبول، فالظاهر أن هذا الحدیث حسن،
وفيه: دليل على أن مواضع السجود خمسة عشر موضعًا، وإليه ذهب أحمد والليث وإسحاق
وابن وهب، وطائفة من أهل العلم.
قال الطيبيُّ: واختلفوا في عدة سجدات القرآن: فقال أحمد: خمس عشرة؛ أخذًا بظاهر
حديث عمرو بن العاص؛ فأدخل سجدة ((ص)) فيها. وقال الشافعي: أربع عشرة سجدة؛ منها
ثنتان في ((الحج))، وثلاث في المفصل، وليست سجدة ((ص)) منهن، بل هي سجدة شكر.
وقال أبو حنيفة: أربع عشرة؛ فأسقط الثانية من ((الحج))، وأثبت سجدة ((ص)).
وقال مالك: إحدى عشرة؛ فأسقط سجدة ((ص))، وسجدات المفصل. انتهى كلام
الطيِّي.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٤٠١)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٠٥٧).

١٩٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ
ثَابِتٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
قلت: الظاهر: هو ما ذهب إليه الإمام أحمد؛ وهو مذهب الشافعي أيضًا على ما حكى
الترمذي، وهو رواية عن مالك، وهو مذهب الليث وغيره، كما عرفت.
فائدة: اعلم أن أول مواضع السجود: خاتمة ((الأعراف)).
وثانيها: عند قوله في ((الرعد)): ﴿بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].
وثالثها: عند قوله في ((النحل)): ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].
ورابعها: عند قوله في بني إسرائيل: ﴿وَيَزِيدُهُْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
وخامسها: عند قوله في مريم: ﴿خَرُواْ سُجَّدًا وَبِّكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
وسادسها: عند قوله في ((الحج)): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
وسابعها: عند قوله في ((الفرقان)): ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠].
وثامنها: عند قوله في ((النمل)): ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦].
وتاسعها: عند قوله في ((آلم تنزيل)): ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
وعاشرها: عند قوله في ((ص)): ﴿وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
والحادي عشر: عند قوله في ((حم السجدة)): ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
والثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر: سجدات المفصل.
والخامس عشر: السجدة الثانية في ((الحج))؛ كذا في ((النيل)).
قوله: (وفي الباب عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت،
وعمرو بن العاص) .
أما حديث علي: فأخرجه الطبراني في ((الأوسط))(١)، وسنده ضعيف: ((أن النبي ◌َّل
سجد في صلاة الصبح في ((تنزيل السجدة))، وأخرج البيهقي (٢) عنه؛ بلفظ عزائم السجود
(١) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٣٦٢٣)، و((الصغير). حديث (٤٧٣). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٩/٢):
وفيه الحارث وهو ضعيف.
(٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٣٥٣١).

١٩٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُمَرَ الدِّمَشْقِيِّ.
[٥٦٩] (٥٦٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحِ،
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُمَرَ - وَهُوَ
ابْنُ حَيَّانَ الدِّمَشْقيُّ - قَالَ: سَمِعْتُ مُخْبِراً يُخْبِرُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ،
عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ نَحْوَهُ بِلَفْظِهِ. [ضعيف، عمر الدمشقي مجهول].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ وَهْبٍ.
أربع: ﴿ الــ
◌َزِلُ﴾ ((السجدة))، و((حم السجدة))، و﴿أَقْرَأْ بِأَسِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَالنَّجْرِ﴾؛ كذا في
(شرح السراج)).
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري والترمذي(١).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه مسلم والترمذي(٢).
وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه الشيخان(٣).
وأما حديث زيد بن ثابت: فأخرجه أيضًا الشيخان(٤).
وأما حديث عمرو بن العاص: فأخرجه أبو داود وابن ماجه(٥) ؛ وتقدم لفظه.
قوله: (حديث أبي الدرداء حديث غريب) وهو ضعيف كما عرفت.
(لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال عن عمر الدمشقي) وهو مجهول، كما عرفت.
وقال الحافظ في ترجمة سعيد بن أبي هلال: صدوق، لم أر لابن حزم في تضعيفه
سلفًا. إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط.
[٥٦٩] قوله: (وهذا أصح من حدیث سفيان بن و کیع) أي: حديث عبد الله بن عبد الرحمن
أرجح من حديث سفيان بن وكيع، وضعفه أقل من ضعفه؛ فإن سفيان بن وكيع متكلم فيه.
(١) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٠٧١)، والترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٥٧٥).
(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٧٨)، والترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٥٧٣).
(٣) البخاري، كتاب سجود القرآن. حديث (١٠٦٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٧٦).
(٤) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٠٧٢)، ومسلم، كتاب المساجد. حديث (٥٧٧).
(٥) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٤٠١)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٠٥٧).

١٩٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المَسَاجِدِ
٤٠٠- بَابُ مَا جَاءَ في خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المسَاجِدِ [ت٢٨٣، ٤٨٢]
[٥٧٠] (٥٧٠) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((ايذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى
المسَاجِدِ)). فَقَالَ ابْنُهُ: وَالله لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، فَقَالَ: فَعَلَ الله بِكَ وَفَعَلَ،
أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ، وَتَقُولُ: لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ؟ [خ المرفوع منه: ٨٩٩، م: ٤٤٢، د بنحوه:
٥٦٨، جه بنحوه: ١٦، حم: ٥٠٨٢، مي بنحوه: ٤٤٢].
قال الحافظ في ((التقريب)): كان صدوقًا، إلا أنه ابتلي بِوَرَّاقِهِ، فأدخل عليه ما ليس من
حديثه فنصح فلم يقبل؛ فسقط حديثه. انتهى.
وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): قال البخاري: يتكلمون فيه.
٤٠٠ - باب ما جاء في خُرُوجِ النِّسَاءِ إلى المَسَاجِدِ
[٥٧٠] قوله: (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السَّبِيعِيُّ، بفتح المهملة، وكسر
الموحدة: أخو إسرائيل، كوفي نزل ((الشام)) مُرَابَطًا، ثقة مأمون.
قوله: (ايذنوا) بصيغة الأمر من الإذن وكأنه أصله ائذنوا، فأبدلت الهمزة الثانية بالياء
(بالليل) خص الليل بالذكر؛ لما فيه من الستر بالظلمة.
(فقال ابنه) أي: بلال، أو واقد.
قال المنذري: وابن عبد الله بن عمر هذا هو: بلال بن عبد الله بن عمر، جاء مبينًا في
((صحيح مسلم)) وغيره.
وقيل: هو ابنه: واقد بن عبد الله بن عمر، ذكره مسلم في ((صحيحه)) أيضًا.
وقد حقق الحافظ في ((الفتح)) أن الراجح أن صاحب القصة بلال.
(والله لا نأذن لهن) أي: للخروج إلى المساجد (يتخذنه دغلًا) بفتح المهملة، ثم المعجمة،
وأصله الشجر الملتف، ثم استعمل في المخادعة؛ لكون المخادع يلف في ضميره أمرًا، ويظهر
غيره، وكأنه قال ذلك؛ لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الغيرة.
(فقال) أي: ابن عمر (فعل الله بك وفعل) وفي رواية بلال عند مسلم(١): ((فأقبل عليه
عبد الله؛ فسبَّه سَبًّا سيئًا ما سمعته يسبه مثله قط)).
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٤٢).

١٩٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المَسَاجِدِ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْنَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ
خالِدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفسَّر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني(١) السَّبَّ المذكور: باللعن ثلاث مرات.
وفي رواية زائدة، عن الأعمش: ((فانتهره، وقال: أف لك))، وإنما أنكر عليه ابن عمر؛
بمخالفة الحديث.
وأخذ منه: تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بِهَوَاهُ، وتأديب الرجل ولده
وإنْ كان كبيرًا إذا تكلّم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهُجْرَانِ.
فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد عند أحمد(٢): ((فما كلَّمه عبد الله حتى
ماتَ)). وهذا إن كان محفوظًا يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة؛ كذا في
((الفتح)).
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود، وزيد بن خالد) .
أما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد، وأبو داود (٣) مرفوعًا بلفظ: ((لا تَمْنَعُوا إماءَ الله
مَسَاجِدَ الله، ولْيَخْرُجْنَ تَفِلات)) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة.
وأما حديث زينب: فأخرجه مسلم(٤)؛ بلفظ: ((إذا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ المَسْجِدَ فلا تَمَسَّ
طِيبًا)).
وأما حديث زيد بن خالد: فأخرجه ابن حبان(٥) بمثل حديث أبي هريرة.
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري مختصرًا ومسلم مطوّلًا .
فائدة: اعلم: أن صلاة المرأة في بيتها أَفْضَلُ من صلاتها في المسجد، ومع هذا لو
استأذنت للصلاة إلى المسجد لا تمنع، بل تؤذن، لكن لا مطلقًا، بل بشروط قد وردت في
الأحاديث.
(١) الطبراني في ((الأوسط)) (١٢٠).
(٢) أحمد. حديث (٤٩٣٣).
(٣) أحمد. حديث (٩٧٩٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٦٥)، وابن خزيمة. حديث (١٦٧٩).
(٤) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٤٣).
(٥) ابن حبان. حديث (٢٢١١).

٢٠٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المَسَاجِدِ
قال النووي في ((شرح مسلم)): قوله ◌َله: ((لا تَمْنَعُوا إماءَ الله مَسَاجِدَ الله)) هذا وشبهه من
أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء، مأخوذة من
الأحاديث: وهي أن لا تكون متطيبة ولا متزينة، ولا ذات خَلاخِلَ يسمع صوتها، ولا ثياب
فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما
يخاف به مفسدة ونحوها .
وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمولٌ على التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو
سيد، ووجدت الشروط المذكورة؛ فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حرم المنع إذا وجدت
الشروط. انتهى كلام النووي.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عامّ في النساء، إلا أن
الفقهاء خصوه بشروط: منها أن لا تطيب، وهو في بعض الروايات: ((ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ))؛
أي: غير متطيبات.
ولمسلم(١) من حديث زينب امرأة ابن مسعود: ((إذا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ المَسْجِدَ فلا تَمَسَّ
طِيبًا))، قال: ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تَحْرِيكِ داعية
الشهوة، كحسن الملبس والحلي الذي يظهر، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال.
وفرَّق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها؛ وفيه نظر، إلا إن أخذ
الخوف عليها من جهتها؛ لأنها إذا عَرِيَتْ مما ذكر، وكانت مستترة، حصل الأمن عليها؛ ولا
سیما إذا كان ذلك بالليل.
وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره: ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها
أَفْضَلُ من صلاتها في المسجد، فعند أبي داود(٢) عن ابن عمر: ((لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ
المَسَاجِدَ، وبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ)) وصححه ابن خزيمة.
وعند أحمد والطبراني(٣)، عن أم حميد الساعدية؛ أنها جاءت إلى رسول الله وَله
فقالت: يا رسول الله؛ إِنِّي أُحبُّ الصلاة معك. قال: ((قد عَلِمْتُ. وصَلاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٤٣).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٦٧)، وابن خزيمة. حديث (١٦٧٨).
(٣) أحمد. حديث (٢٦٥٥٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٤٨/٢٥). حديث (٣٥٦).