النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الجُلُوسِ بَيْنَ الخُطْبَيْنِ
٣٦٣- بَابُ مَا جَاءَ في الجُلُوسِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ (ت٢٤٦، ١١٢]
[٥٠٦] (٥٠٦) حَدَّثَنَا حُمَيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ
الجُمُعَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، قَالَ: مِثْلَ مَا تَفْعَلُونَ الْيَوْمَ. [خ: ٩٢٠، م: ٨٦١،
ن بنحوه: ١٤١٥، د بنحوه: ١٠٩٢، جه بنحوه: ١١٠٣، مي بنحوه: ١٥٥٨].
٣٦٣ - بابٌ ما جاءَ في الْجُلُوسِ بين الخُطْبَتَیْنِ
[٥٠٦] قوله: (حدثنا حُمَيْدُ بن مَسْعَدَةٍ) بضم الحاء المهملة، بصري صدوق، من
العاشرة.
قوله: (كان يخطب يوم الجمعة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب) فيه مشروعية الجلوس
بين الخُطْبَتَيْن، واختلف في وجوبه، فقال الشافعي: إنه واجب، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى
أنه سنة وليس بواجب؛ كجلسة الاستراحة في الصلاة عند من يقول باستحبابها .
وقال ابن عبد البر: ذهب مالك والعراقيون وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي إلى أن
الجلوس بين الخطبتين سنةٌ، لا شيء على من تركها؛ كذا في ((عمدة القاري)». واستدلَ
الشافعي على وجوبه؛ لمواظبته بَّر على ذلك من قوله: ((صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)).
قال ابن دقيق العيد: يتوقف ذلك على ثبوت أن إقامة الخُطْبَتَيْنِ داخلٌ تحت كيفية
الصلاة، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل؛ كذا في ((فتح الباري)). وروى هذا الحديث
أبو داود(١) بلفظ: ((يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فلا يَتَكَلّمَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ)).
واستفيد من هذا: أن حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه.
قال الحافظ ابن حجر: لكن ليس فيه نفي أن يذكر الله أو يدعوه سرًّا. انتهى.
اعلم أنه لم يرِدْ تصريح مقدار الجلوس بين الخطبتين في حديث الباب، وما رأيته في
حديث غيره.
وذكر ابن التين أن مقداره كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم.
وجزم الرافعي وغيره: أن يكون بقدر سورة («الإخلاصِ».
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٠٩٢).

٤٢
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِصَرِ الخُطْبَةِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الَّذِيِ رَآهُ أَهْلُ العِلْمِ، أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الخُطْبَيْنِ بِجُلُوسٍ.
٣٦٤- بَابُ مَا جَاءَ في قِصَرِ الخُطْبَةِ (ت٢٤٧، ١٢٢]
[٥٠٧] (٥٠٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَهَنَّادٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ
حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ◌َيه
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني(١) من
رواية الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ((كان يَخْطُبُ
قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَخْطُبُ))؛ كذا في ((عمدة القاري)).
(وجابر بن عبد الله) أخرجه البخاري. (وجابر بن سمرة) رواه الجماعة(٢) إلا البخاري
والترمذي.
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) أخرجه أبو داود من طريق [العمري](٣)،
عن نافع، عن ابن عمر.
قال المنذريُّ: في إسناده: العمري، وهو: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن
عمر بن الخطاب رضيُبه، وفيه مقال. انتهى.
قلت: وفي إسناد الترمذي عبيد الله بن عمر مصغرًا، وهو ثقة.
٣٦٤ - باب ما جاء في قِصَرِ الخُطْبَةِ
بكسر القاف وفتح الصاد، قال في ((القاموس)): القِصر كـ ((عِنَبِ)) خلاف الطُولِ.
[٥٠٧] قوله: (حدثنا أبو الأحوص) هو: سلام بن سليم الكوفي.
قال ابن مَعين: ثقة مُتْقِنٌ.
(١) أحمد. حديث (٢٣١٨)، وأبو يعلى. حديث (٢٤٩٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٠٩١)؛ وأخرجه ابن
أبي شيبة في ((المصنف)) (٥١٨٩).
(٢) مسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٦٢)، والترمذي (٥٠٧)، والنسائي (١٤١٥)، وأبو داود (١١٠١)، وابن
ماجه (١١٠٥).
(٣) في النسخ المطبوعة (النمري) بدل العمري. انظر: ((سنن أبي داود)) (١٠٩٢).

٤٣
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِصَرِ الخُطْبَةِ
فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدَاً، وَخُطْبَتُهُ قَصْداً. [م: ٨٦٦، ن: ١٥٨١، د مطولاً: ١١٠١، جه مطولاً:
١١٠٦، حم: ٢٠٣٧٢، مي: ١٥٥٧].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسٍِ، وَابْنٍ أَبِي أَوْفَى.
قوله: (فكانت صلاته قَصْدًا) أي: متوسطة بين الإفراط والتفريط من التقصير والتطويل.
فإن قلت: حديث جابر هذا ينافي حديث عمار مرفوعًا: ((إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ، وقِصَر
خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِن فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ، وأَقْصِرُوا الخُطْبَةَ)). رواه مسلم(١).
قلت: قال القاري في ((المرقاة)): لا تنافي بينهما؛ فإن الأول: دلَّ على الاقتصاد فيهما،
والثاني: على اختيار المزيَّة في الثانية منهما. انتهى.
وقال النوويُّ في ((شرح مسلم)): لا مخالفة؛ لأن المراد بحديث عمار: أن الصلاة تكون
طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يشقُّ على المأمومين، وهي حينئذٍ قَصْدٌ، أي: معتدلة،
والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها. انتهى.
وقال العراقيُّ في ((شرح الترمذي)): أو حيث احتيج إلى التطويل لإدراك بعض من
تخلف. قال: وعلى تقدير تعذّر الجمع بين الحديثين يكون الأخذ في حقنا بقوله؛ لأنه أول
بفعله لاحتمال التخصيص. انتهى.
قوله: (وخطبته قصدًا) فإن قلت: هذا ينافي حديث أبي زيد قال: ((صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله
وَّهِ الفَجْرَ، وصَعَدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعَدَ المِنْبَر،
فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعَدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ،
فَأَخْبَرَنَا بما كان، وبما هو كَائِنٌ)) رواه مسلم(٢).
قلت: لا تنافي بينهما؛ لورود ما في حديث أبي زيد نادرًا، اقتضاه الوقت؛ ولكونه بيانًا
للجواز، وكأنه كان واعظًا، والكلام في الخطب المتعارفة؛ قاله القاري.
قوله: (وفي الباب عن عمار بن ياسر) أخرجه مسلم(٣)، وتقدم لفظه.
(وابن أبي أوفى) أخرجه النسائي(٤)، بلفظ: ((كان رَسُولُ اللهِنَّهِ يُطِيلُ الصَّلاةَ، ويَقْصُرُ
الخُطْبَةَ)) قال العراقي في ((شرح الترمذي)): إسناده صحيح.
(١) مسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٦٩).
(٢) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٨٩٢).
(٣) مسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٦٩).
(٤) النسائي، كتاب الجمعة. حديث (١٤١٤).

٤٤
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ عَلَى المِنْبَرِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣٦٥- بَابُ مَا جَاءَ في القِرَاءَةِ عَلَى المِنْبَرِ [ت٢٤٨، م١٣]
[٥٠٨] (٥٠٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أَمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقْرَأُ عَلَى
المِثْبَرِ: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. [خ: ٣٢٣٠، م: ٨٧١، د: ٣٩٩٢].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
قوله: (حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري وأبا
داود؛ كذا في ((المنتقى)).
٣٦٥ - باب ما جاء في القِرَاءَةِ على المِنْبَرِ
[٥٠٨] قوله: (يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ﴾) أي: يقول الكفار لمالك خازن النار:
﴿يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌّ﴾ [الزخرف: ٧٧]: أي: بالموت، والمعنى: سَلْ ربَّك أن يقضي علينا،
يقولون هذا؛ لشدة ما بهم، فيجابون بقوله: ﴿إِنَّكُم مََّكِّثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]: أي: خالدون.
واستدل به على مشروعية القراءة في الخطبة، وسيجيء ذكر الاختلاف في وجوبها .
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه البزار(١)، بلفظ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ وَّهِ يَوْمَ جُمُعَةٍ
فَذَكَرَ ((سورة)). وله حديث آخر عند ابن عدي في ((الكامل))(٢): خَطَبَ النَّبِيُّ وَِّ النَّاسَ على
المِنْبَرِ يقرأ آياتٍ من سورة البقرة.
(وجابر بن سمرة)(٣) : أخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي، وفيه: ((ويقرأ آياتٍ
ویذگّر الناس)).
(١) البزار (٣٠٨/١ - كشف). حديث (٦٤٣)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٦/١٩)، وقال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (١٨٥/٢): وفيه محمد بن عمرو وقد حسن الترمذي حدیثه وفيه اختلاف.
(٢) ابن عدي في ((الكامل)) (٤٦/٥) ووقع عنده ((التوبة)) بدل ((البقرة)).
(٣) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (٨٦٢)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٠٩٣)، والنسائي، كتاب
الجمعة. حديث (١٤١٥)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١١٠٥).

٤٥
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ عَلَى المِنْبَرِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ حَدِيثُ
ابْنِ عُيَيْنَةَ.
وَقَدِ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَقْرَأَ الإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ آياً منَ القُرْآنِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا خَطَبَ الإِمَامُ فَلَمْ يَقْرَأُ فِي خُطْبَتِهِ شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ أَعَادَ
الخُطْبَةَ.
قوله: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن صحيح غريب) أخرجه الشيخان وأبو داود
والنسائي.
قوله: (آيًا من القرآن) بمد الهمزة، جمع: آية.
قوله: (أعاد الخطبة) قال الشوكاني في ((النيل)): ذهب الشافعي إلى وجوب الوعظ،
وقراءة آية.
وذهب الجمهور: إلى عدم الوجوب، وهو الحق.
قال: وقد اختلف في محل القراءة على أربعة أقوال:
الأول: في إحداهما لا بعينها؛ وإليه ذهب الشافعي؛ وهو ظاهر إطلاق الأحاديث.
والثاني: في الأُولى؛ وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي؛ واستدلوا بما رواه ابن
أبي شيبة(١)، عن الشعبي مرسلًا، قال: ((كان رَسُولُ اللهِوَّهِ إذا صَعَدَ المِنْبَرِ يومَ الجُمُعَةِ
اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ))، ويَحْمَدُ الله تعالى ويُثْنِي عليه، ويَقْرَأُ سُورَةً،
ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَنْزِلُ. وكان أَبُو بَكْرٍ وعمر يَفْعَلَانه)).
والثالث: أن القراءة مشروعة فيهما جميعًا؛ وإلى ذلك ذهب العراقيون من أصحاب
الشافعي.
والرابع: في الخطبة الثانية دون الأولى، ويدل له ما رواه النسائي (٢) ، عن جابر بن
سمرة قال: ((كان رَسُولُ اللهِ وَلِهِ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثم يقومُ ويقرأُ آيَاتٍ ويَذْكُرُ الله عَزَّ
وَجَلَّ).
قال العراقي: إسناده صحيح.
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥١٩٥).
(٢) النسائي، كتاب الجمعة. حديث (١٤١٨).

٤٦
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ إِذَا خَطَبَ
٣٦٦- بَابٌ مَا جَاءَ في اسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ إِذَا خَطَبَ [ت٢٤٩، ١٤٢]
[٥٠٩] (٥٠٩) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ
عَطِيَّةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا اسْتَوَى عَلَى المِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا.
قَالَ أَبُو عِيسَى:
وأجيب عنه: بأن قوله: ((ويقرأ آيات، ويذكر الله)) معطوف على قوله: ((يخطب)) لا على
قوله: ((یقوم)).
والظاهر من أحاديث الباب: أن النبي ◌َّ كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في
الخطبة، بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه، ومرة هذه الآية ومرة هذه. انتهى.
٣٦٦ - بابُ ما جاء في اسْتِقْبَالِ الإمَامِ إذا خَطَبَ
[٥٠٩] قوله: (حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي) الرواجني صدوق رافضي، حديثه في
البخاري مقرون، بالغ ابن حبان؛ فقال: يستحق الترك.
(حدثنا محمد بن الفضل بن عطية) الكوفي نزيل ((بخارى))، كذّبوه، من الثامنة، مات سنة
(١٨٠) ثمانين ومئة؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (استقبلناه بوجوهنا) قال ابن الملك: أي: توجهناه، فالسُّنَّة أن يتوجه القوم
الخطيب، والخطيب القوم. انتهى.
قال أبو الطيب المدني في ((شرح الترمذي)): أي: لا بالتحلق حول المنبر؛ لما سبق من
المنع عنه يوم الجمعة، بل بالتوجه إليه في الصفوف.
ويؤيِّده ما رواه البخاري(١)، عن أبي سعيد الخدري رَُّله في خطبة العيد، ولفظه:
((فَأَوَّلُ شَيءٍ يبدأ به الصَّلاةُ، ثم يَنْصَرِفُ فيقوم مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ على صُفُوفهم)).
وأما حديث أبي سعيد الخدري: ((أن النبي ◌َُّ جلسَ يَوْمًا على المِنْبَرِ وجَلَسْنَا حَوْلَهُ)»،
رواه البخاري(٢)، فيمكن حمله على غير الجمعة والعِيدِ.
(١) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (٩٥٦).
(٢) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (٩٢٢).

٤٧
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ الله وَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ إِذَا خَطَبَ
وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَحَدِيثُ مَنْصُورٍ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الحَدِيثِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا .
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَغَيْرِهِمْ، يَسْتَحِبُّونَ
اسْتِقْبَالَ الْإِمَامِ إِذَا خَطَبَ.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي في ((سنته))(١)
بلفظ قال: ((كان النبي ◌َّ﴿ إذا دَنَا من مِنْبَرِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلَّمَ على مَنْ عِنْدَهُ، فإذا صَعَدَهُ
اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ»، لفظ البيهقي، وضعَّفه.
وقال الطبراني: ((فإذا صَعد المِنْبَرَ تَوَجَّهَ إلى الناس، وسَلَّم عليهم))؛ كذا في ((عمدة
القاري)).
وفي الباب حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده قال: ((كان النَّبِيُّ وَّ إذا قام على
المِنْبَرِ اسْتَقْبَلَهُ أصحابه بِوُجُوهِهِم)) أخرجه ابن ماجه(٢).
وقال ابن ماجه: أرجو أن يكون مثَّصلًا قال: والد عدي لا صحبة له، إلا أن يراد بأبيه،
جده أبو أبيه، فله صحبة على رأي بعض الحفاظ من المتأخرين؛ كذا في ((النيل)).
قوله: (ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف ذاهب الحديث) قال الطيبيُّ: أي: ذاهب
حديثه، غير حافظ للحديث، وهو عطف بيان لقوله: ((ضعيف)).
(عند أصحابنا) أي: عند أصحاب الحديث؛ فحديث ابن مسعود المذكور ضعيف،
وذكره الحافظ في ((بلوغ المرام))، وقال: وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة.
قوله: (وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول الحنفية.
قال القاري في ((المرقاة)): في شرح المنية: يستحب للقوم أن يستقبلوا الإمام عند
الخطبة، لكن الرَّسْمَ الآن أنهم يستقبلون الْقِبْلَةَ؛ لِلْحَرَجِ في تَسْوِيَةِ الصفوف؛ لكثرة الزحام.
(١) الطبراني في ((الأوسط)) (٦٦٧٧)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٥٥٣٣).
(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١١٣٦).

٤٨
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخُْبُ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ شَيءٌ .
٣٦٧- بَابُ مَا جَاءَ في الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطَبُ (ت٢٥٠، ١٥٢]
[٥١٠] (٥١٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ◌َهِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ
مَ: ((أَصَلَّيْتَ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((قُمْ فَارْكَعْ)). [خ: ٩٣٠، م: ٨٧٥، ن: ١٤٠٨، د: ١١١٥،
جه بنحوه: ١١١٢، حم: ١٣٨٩٧، مي: ١٥٥٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، أَصَحُّ شَيءٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
قال القاري: لا يلزم من استقبالهم الإمام ترك استقبال القبلة، على ما يشهد عليه
الحديث الآتي في أول باب العيد: ((فيقوم مُقَابِلَ النَّاسِ، والناسُ جُلُوسٌ على صُفُوفِهِمْ))
نعم، الجمع بينهما متعذر في غير جهة الإمام في المسجد الحرام. انتهى ما في ((المرقاة)).
قوله: (ولا يصح في هذا الباب عن النبي (وَّر شيء) قال الحافظ في ((فتح الباري)) بعد
نقل كلام الترمذي هذا: يعني: صريحًا، وقد استنبط المصنف - يعني: البخاري - من
حديث أبي سعيد: أن النبي ◌ِّهِ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ على المِنْبَرِ وجَلَسْنَا حَوْلَهُ اسْتِقْبَالَ النَّاسِ
الإمَامَ.
ووجه الدلالة منه: أن جلوسهم حوله لسماع كلامه، يقتضي نظرهم إليه غالبًا، ولا يعگِّر
على ذلك ما تقدم من القيام في الخطبة؛ لأن هذا محمول على أنه كان يتحدث وهو جالس
على مكان عَالٍ، وهم جلوس أسفل منه. وإذا كان ذلك في غير حال الخطبة؛ كان حال
الخطبة أولى؛ لورود الأمر بالاستماع لها والإنْصَاتِ عندها. انتهى كلام الحافظ.
٣٦٧ - باب في الزَّكْعَتَيْنِ إذا جاء الرَّجُلُ والِإِمَامُ يَخْطُبُ
[٥١٠] قوله: (إذ جاء رجل) هو: سليك - بمهملة مصغرًا - الغطفاني.
(قم فاركع) أي: قُمْ فصلِّ. وفي بعض النسخ: ((فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ)). وفي رواية للبخاري:
(قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.

٤٩
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْلُبُ
[٥١١] (٥١١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ
عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي سَرْحٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ دَخَلَ يَوْمَ
الجُمُعَةِ وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ فَقَامَ يُصَلِّي، فَجَاءَ الحَرَسُ
وفي رواية: ((إذا جاء أَحَدُكُمْ يوَ الْجُمُعَةِ، والإمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ، ولْيَتَجَوَّزْ
فِيهِمَا)). رواه أحمد ومسلم وأبو داود(١).
وفي رواية: ((إذا جاء أَحَدُكُمْ يومَ الجُمُعَةِ وقد خَرَجَ الإمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))، متفق
عليه(٢)؛ كذا في ((المنتقى)).
[٥١١] قوله: (عن عِيَاض) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانية، وآخره معجمة.
(ابن عبد الله بن أبي سرح) بفتح السين المهملة، وسكون الراء، بعدها مهملة؛ القرشي
العامري المكي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة.
قوله: (ومروان بخطب) جملة حالية ((ومروان)) هذا هو: مروان بن الحكم بن أبي العاص
أمية أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس
في رمضان، وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لا تثبت له صحبة، من الثانية؛ كذا في ((التقريب)).
وقال صاحب ((المشكاة)) في ترجمته: ولد مروان على عهد رسول الله وَّر، قيل: سنة
اثنتين من الهجرة. وقيل: عام الخندق، وقيل غير ذلك. فلم ير النبيَّ وَّةِ؛ لأن النبيَّ وَِّ نفاه
إلى الطائف، فلم يزل بها حتى ولي عثمان؛ فرده إلى المدينة فقدمها وابنه معه، مات بدمشق
سنة (٦٥) خمس وستين.
روى عن نفر من الصحابة، وروى عنه نفر من التابعين، منهم: عثمان وعلي وعروة بن
الزبير وعلي بن الحسين. انتهى.
(فجاء الحَرَسُ) بفتح الحاء والراء. قال في ((القاموس)): حرسه حرسًا وحراسة، فهو
حارس ج: حَرَسٌ وأَخْرَاسٌ، والحَرَسِيُّ واحد حَرَسِ السلطان، وهم الحُرَّاسُ. انتهى.
وقال في ((الصراح)): حرس بفتحتين: نكاهبان دركاه سلطان حراس(٣) ج حرسى يكي
ازیشال. انتھی
(١) أحمد. حديث (١٣٩٩٦)، ومسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٧٥)، وأبو داود (١١١٥).
(٢) البخاري، كتاب التهجد. حديث (١١٦٦)، ومسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٧٥).
(٣) كلمة فارسية معناها: حارس بلاط السلطان.

٥٠
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْلُبُ
لِيُجْلِسُوهُ، فَأَبَى حَتَى صَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا: رَحِمَكَ الله، إِنْ كَادُوا لَيَقَعُوا
بِكَ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَتْرُكَهُمَا بَعْدَ شَيءٍ رَأَيْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِوَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا
جَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ، وَالنَّبِيُّ بِّهِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأَمَرَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَّيْنِ،
وَالنَّبِيُّ وَّهِ يَخْطُبُ. [ مي مختصراً: ١٥٥٢].
(ليجلسوه) من الإجلاس والتجليس.
(إن كادوا ليقعوا بك) كلمة ((إن)) مخففة من الثقيلة؛ أي: أن الشأن كادوا ليوقعوا بك
بالضرب - كما هو الظاهر - أو السب؛ كذا في ((شرح الترمذي)) لأبي الطيب السندي.
قوله: (أن رجلا جاء) وهو: سلیك.
قوله: (في هيئة بَذَّةٍ) بفتح الباء الموحدة، وتشديد الذال المعجمة، أي: سيئة تدل على
الفَقْر.
قال في ((القاموس)): بذذت كـ ((علمت)) بذاذة وبَذَاذًا وبذوذة: ساءَتْ حالك، وباذ الهيئة
وبذها: رَثّها. انتهى.
فصلَّى رَكْعَتَيْنِ والنبي ◌َِّ يَخْطُبُ.
قال في ((منتقى الأخبار)): هذا يصرح بضعف ما روي أنه أمسك عن خُطْبَتِهِ حتى فرغ من
الرکعتين. انتهى.
قلت: أشار صاحب ((المنتقى)) إلى حديث أنس، أخرجه الدارقطني(١)، بلفظ: قال:
جاء رجل، ورَسُولُ اللهِ وَ ﴿ يخطب، فقال له النبي ◌ِّهِ: ((قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ)) وَأَمْسَكَ عن
الخُطْبَةِ حتى فرغ من صلاته.
قال الدارقطني: أسنده عبيد بن محمد العبدي، عن معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن
أنس، ووهم فيه، والصواب: عن معتمر، عن أبيه؛ كذلك رواه أحمد بن حنبل وغيره، عن
معتمر، ثم رواه من طريق أحمد مرسلًا.
وعبيد بن محمد هذا روى عنه أبو حاتم. وإنما حكم عليه الدارقطني بالوَهمِ؛ لمخالفته
مَنْ هو أحفظ منه أحمد بن حنبل وغيره.
(١) الدارقطني في ((السنن)) (١٥/٢). حديث (٩).

٥١
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخُْبُ
قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُصَلِّي رَكَعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ،
وَكَانَ يَأْمُرُ بِهِ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ يَرَاهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ
مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ثِقَةً مَأْمُوناً فِي الحَدِيثِ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَن جَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ،
(قال ابن أبي عمر) هو: محمد بن أبي عمر شيخ الترمذي.
(وكان أبو عبد الرحمن المقرئ) اسمه: عبد الله بن يزيد المكي أصله من ((البصرة))، أو
((الأهواز)) ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيِّفًا وسبعين سنة، من التاسعة، وهو من كبار شيوخ
البخاري؛ كذا في ((التقريب)).
(يراه) أي: يعتقده ويجوزه.
(كان محمد بن عجلان ثقة مأمونًا) قال في («التقريب»: محمد بن عجلان المدني
صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة.
وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: وثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وابن عيينة، وأبو حاتم.
وروى عباس عن ابن معين قال: ابن عجلان أوثق من محمد بن عمرو، ما يشك في هذا
أحد. وقال الحاكم: أخرج له ((مسلم)) في كتابه ثلاثة عشر حديثًا كلها شواهد.
وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه، وقد بسط الذهبي في ترجمته.
قوله: (وفي الباب عن جابر) قال العراقي: إن قيل: قد صدر المصنف بحديث جابر،
فما وجه قوله: ((وفي الباب عن جابر)) بعد أن ذكره أولًا، وما عادته أن يعيد ذكر صحابي في
الحديث الذي قدمه على قوله: ((وفي الباب)»؟!
فالجواب: لعله أراد حديثًا آخر لجابر غير الحديث الذي قدمه، وهو ما رواه الطبراني
من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: دخل النعمان بن نوفل ورَسُولُ اللهِ وَله
على المِنْبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فقال له النبي ◌ََّ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ وتَجَوَّزْ فيهِما؛ فإذا أتى
أَحَدُكُمْ يوم الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبْ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَخَفِّفْهُمَا)) (١)؛ كذا في ((قُوتِ المغتذي)).
(وأبي هريرة) أخرجه ابن ماجه(٢).
(١) أورده الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٤/٢).
(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١١١٤).

٥٢
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَلِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَّيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ.
(وسهل بن سعد) أخرجه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١) بنحو حديث أبي سعيد.
وفي الباب أيضًا عن سليك عند أحمد (٢) قال: قال النبي ◌َّهِ: ((إذا جاء أَحَدُكُمْ، والإمامُ
يَخْطُبُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ)) ورواه أيضًا ابن عَدِي في ((الكامل)).
قوله: (حديث أبي سعيد الخدري حديث حسن صحيح) قال في ((المنتقى)): رواه
الخمسة إلا أبا داود. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): ورواه ابن خزيمة وصحَّحه.
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم؛ وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق)
واستدلوا بأحاديث الباب.
قال النوويُّ في ((شرح مسلم)): هذه الأحاديث كلها - يعني: التي رواها مسلم - صريحة
في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وفقهاء المحدثين، أنه إذا دخل الجامع يوم
الجمعة والإمام يخطب، يستحب له أن يصلي ركعتين تَحِيَّةَ المسجد، ويكره الجلوس قبل أن
يصليهما. وأنه يستحب أن يتجوز فيهما؛ ليسمع بعدهما الخطبة.
وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين.
(وقال بعضهم: إذا دخل والإمام يخطب، فإنه يجلس، ولا يصلي؛ وهو قول سفيان
الثوري وأهل الكوفة).
قال النوويُّ: قال القاضي: وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من
الصحابة والتابعين: لا يصليهما؛ وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي .
(١) ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢١٢/١) (٦١٥).
(٢) أحمد. حديث (١٤٧٥٩)، وابن عدي في ((الكامل)) (٤٦٥/٣).
يت.

٥٣
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَّيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام.
وتأوَّلوا أحاديث الباب: بأنه كان عُرْيَانًا، فأمره النبي وَّه بالقيام؛ ليراه الناس ويتصدقوا
عليه، وهو تأويل باطل، يرده صريح قوله وَله: ((إذا جاء أحَدُكُمْ يومَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ،
فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ وَلْيَتَجَوَّزْ فيهما))(١) . وهذا نص لا يَتَطَرَّقُ إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا
اللفظ، ويعتقده صحیحًا، فیخالفه. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال جماعة منهم القرطبي: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه
المسألة عمل أهل ((المدينة))؛ خلفًا عن سَلَفٍ من لَدن الصحابة إلى عهد مالك، أن التنفل في
حال الخطبة ممنوع مطلقًا .
وتعقب: بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك؛ فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد
الخدري؛ وهو من فقهاء الصحابة من أهل ((المدينة))؛ وحمله عنه أصحابه من أهل ((المدينة))
أيضًا، ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك.
وأما ما نقله ابن بَطَّالٍ عن عمر، وعثمان ﴿يا وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا،
فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال؛ كقول ثعلبة بن أبي مالك: أَدْرَكْتُ عمر
وعثمان، وكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة، وجه الاحتمال: أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك:
من كان داخل المسجد خاصة.
قال شيخنا الحافظ أبو الفضل في ((شرح الترمذي)»: كل من نُقِلَ عنه - يعني: من الصحابة
- منع الصلاة والإمام يخطب، محمول على مَنْ كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم
التصريح بمنع التحية، وقد ورد فيها حديث يخصها؛ فلا تترك بالاحتمال. انتهى.
ولم أقف على ذلك صريحًا عن أحد من الصحابة.
وأما ما رواه الطحاوي(٢) عن عبد الله بن صفوان، أنه دخل المسجد وابن الزبير يخطب،
فَاسْتَلَمَ الركن، ثم سلَّم عليه، ثم جلس ولم يركع، وعبد الله بن صفوان وعبد الله بن الزبير
صحابيان صغيران، فقال الطحاوي: لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من
حضرهما من الصحابة ترك التحية دَلَّ على صِحَّةٍ ما قلناه.
(١) مسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٧٥).
(٢) الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٢٠١٥).

٥٤
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَخُ.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ خَالِدِ القُرَشِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ الحَسَنَ البَصْرِيَّ دَخَلَ
المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ.
إِنَّمَا فَعَلَ الحَسَنُ اتَّبَاعَاً لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ رَوَى عَنْ جَابِرٍ، عنِ النَّبِيِّ وَ هَذَا
الحَدِيثَ.
وتعقب: بأن تركهم النكير لا يدل على تحريمها، بل يدل على عدم وجوبها، ولم يقل به
مخالفوهم. انتھی.
(والقول الأول أصح) فإنه يدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
ومنها قوله وَّه: ((إذا جاء أَحَدُكُمْ يومَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، ولْيَتَجَوَّزْ
فيهما))(١) ، وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل.
وكل ما أجاب به أهل القول الأول عن أحاديث الباب فهو مَخْدُوشٌ.
ومن الأجوبة التي ذكروها: أن هذا كان في حالة إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى
عنها؛ قالوا: ويؤيده أن النبي ◌َّي كلّم هذا الرجل، فكلامه مع هذا الرجل يدل على أنه قبل
أن ينسخ في الخطبة، ثم أمر بالإنْصَاتِ والاستماع وترك الكلام، حتى منع من أن يقول
لصاحبه: ((أنصت)). وأجيب عنه: بأن سليكًا متأخر الإسلام جدًّا، فالقول بأن هذا كان قبل
أن ينسخ الكلام في الخطبة باطل مردود على قائله.
قال الحافظ في ((الفتح)): قيل: كانت هذه القصة قبل تحريم الكلام في الصلاة.
وتعقب: بأن سليگًا متأخر الإسلام جدًّا، وتحريم الكلام متقدم جدًّا، فكيف يدّعى نسخ
المتأخر بالمتقدم؟! مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. انتهى.
ومنها: أن رسول الله ( # لما خاطب سليكًا، سكت عن خطبته حتى فرغ سليك من
صلاته؛ فعلى هذا فقد جمع سليك بين سماع الخُطبةِ وصلاة التحية؛ فليس فيه حجة لمن
أجاز التحية والخطيب يَخْطُبُ. وأجيب عنه: بأن الدار قطني الذي أخرجه من حديث أنس قد
ضعفه، وقال: إن الصواب أنه من رواية سليمان التيمي مرسلًا، أو معضلًا؛ كذا في ((فتح
الباري).
(١) تقدم تخريجه.

٥٥
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
وقال العيني في ((عمدة القاري)): معترضًا على هذا الجواب ما لفظه: المرسل حجة
عندنا. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو معشر، عن
محمد بن قيس؛ أن النبي ◌َّر حيث أمره أن يُصَلِّيَ ركعتين، أمسك عن الخطبة حتى فرغ من
رکعتیه، ثم عاد إلى خطبته. انتهى.
قلت: الحديث المرسل وإن كان حجة عند الحنفية، لكن المُحقّق: أنه ليس بحجة؛ كما
تقرر في مقره؛ فحديث سليمان التيمي المرسل ليس بحجة، بل هو ضعيف، ويضعفه أيضًا
حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه الترمذي في هذا الباب، بلفظ: ((فصلَّى رَكْعتَين والنبيُّ
وَّ يخطُبُ))(١)، وهو حديث صحيح. ويضعفه أيضًا حديث جابر نظره: ((إذا جاء أحَدُكُمْ
يومَ الجُمُعَةِ، والإمامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ، ولْيَتَجَوَّزْ فيهما)). رواه أحمد ومسلم
وأبو داود(٢) .
وأما رواية ابن أبي شيبة: فهي أيضًا مرسلة، ومع إرسالها فهي ضعيفة.
قال الدارقطني بعد إخراجها: هذا مرسل لا تقوم به الحجة، وأبو معشر اسمه: نجيح؛
وهو ضعيف. انتهى.
قال الحافظ في ((التقريب)): نجيح بن عبد الرحمن السندي أبو معشر، مشهور بكنيته،
ضعيف، من السادسة، أسن واختلط. انتهى.
فالحاصل: أنه لم يثبت بحديث صحيح؛ أنَّ رسولَ الله وَليل أمسك عن الخطبة حين أمره
أن يصلي ركعتين، بل ثبت بالحديث الصحيح أنه صلى ركعتين والنبي وَّ يخطب.
ومنها: أن ذلك كان قبل شروعه بَّهَ في الْخُطْبة، وقد بَوَّبَ النسائي في ((سننه الكبرى))
على حديث سليك قال: باب الصلاة قبل الخُطْبة، ثم أخرج عن أبي الزبير، عن جابر قال:
جاء سليك الغطفاني ورسول الله ويفي قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له
وَلَهُ: (أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟)) قال: لا، قال: ((قُمْ فَارْكَعْهُمَا))(٣)؛ كذا في ((عمدة القاري)).
(١) الترمذي. حديث (٥١١).
(٢) أحمد. حديث (١٤٢٠٧)، ومسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٧٥)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث
(١١١٦).
(٣) النسائي في ((الكبرى)). حديث (٤٩٤).

٥٦
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهَِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
وأجيب عنه: بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين
الخطبتين أيضًا، فيكون كَلَّمَهُ بذلك وهو قاعد، فلما قام ليصلي قام النبي ◌َّ للخطبة؛ لأن
زمن القعود بين الخطبتين لا يطول. ويحتمل أيضًا: أن يكون الراوي تجوَّز في قوله:
((قاعد))؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي وَلا يخطب؛ كذا في ((فتح
الباري)).
وقال العيني في ((عمدة القاري)) معترضًا على هذا الجواب ما لفظه: الأصل ابتداء
قعوده، وقعوده بين الخطبتين محتمل؛ فلا يحكم به على الأصل. انتهى.
قلت: لا نسلِّم أن القعود الأول أصل، والثاني محتمل، بل نقول: إن القعودين كليهما
أصل، وعلى تقدير التسليم، فالحكم بالمحتمل على الأصل متعين ها هنا؛ لأن الروايات
الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي ◌َلّ يخطب.
ثم قال العيني معترضًا على قول الحافظ: ((ويحتمل أن يكون الراوي تجوّز ... )) إلخ ما
لفظه: هذا ترويج لكلامه، ونسبة الراوي إلى ارتكاب المجاز مع عدم الحاجة والضرورة. انتهى.
قلت: نسبة الراوي إلى ارتكاب المجاز، ليس بلا حاجة وضرورة، بل ذلك لحاجة
شديدة، وقد بَيَّنَها الحافظ بقوله: ((لأن الروايات الصحيحة كلها مُطْبِقَةٌ على أنه دخل والنبي
﴿ ﴿ يخطب)). فالحاصل: أن لفظ: ((قاعد)) في حديث جابر: إما يراد به القُعُود بين
الخُطْبَتَيْنِ، أو يقال: إن الراوي تَجَوَّزَ فيه، وإلا فهذه الزيادة شَاذَّةٌ مخالفة لسائرِ الرِّواياتِ
الصحيحة؛ فهي غير مقبولة.
ومنها: أن هذه الواقعة واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه
قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: ((جاء رجلٌ، والنبي ◌َّ
يَخْطُبُ، والرَّجُلُ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ، فقال له: ((أَصَلَّيْتَ؟)) قال: لا، قال: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ))، وحضَّ
الناس على الصدقة .... الحديثَ. فَأمره أن يصلي؛ ليراه بعض الناس وهو قائم؛ فيتصدق
عليه .
ويؤيده: أن في هذا الحديث عند أحمد(١)؛ أن النبي ◌َّ قال: ((إِنَّ هذا الرَّجُلِ دَخَلَ في
المَسْجِدِ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ، فَأَمَرْتُهُ أَنْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ وأنا أَرْجُو أَنْ يَفْطَنَ لَهُ رَجُلٌ فَيَتَصَدَّقَ عليه)).
(١) أحمد. حديث (١١٢١٣).

٥٧
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَّامِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ
٣٦٨- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ وَالإِمَامُ يَخْطَبُ [ت٢٥١، ١٦٢]
[٥١٢] (٥١٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ قَالَ يَوْمَ الجُمُعَةِ
وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا)). [خ: ٩٣٤، م: ٨٥١، ن: ١٤٠٠، د: ١١١٢، جه: ١١١٠،
حم: ٩٧٧٨، طا: ٢٣٢، مي: ١٥٤٨].
قلت: هذا مردود؛ فإن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ◌َّطيف- قصد التصدق عليه
لا يمنع القول بجواز التحية.
ومما يدل على أَنَّ أَمْرَهُ بالصلاة لم ينحصر في قَصْدِ التصدق معاودته ◌َّله بأمره بالصلاة أيضًا
في الجمعة الثانية، بعد أَنْ حَصَّلَ له في الجمعة الأولى ثوبين، فدخل بهما في الثانية، فتصدق
بأحدهما، فنهاه النبي ◌َّر عن ذلك. أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضًا.
ولأحمد وابن حبان: أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جُمَعٍ، فدل على أن
قَصْدَ التصدق عليه جزْءُ علة لا علة كاملة؛ كذا قال الحافظ في ((الفتح)).
والأمر كما قال الحافظ؛ كيف وقد ثبت في قصة سليك؛ أنه وَل* قال بعد قوله:
((فَارْكَعْهُمَا، وَتَجَوَّزْ فيهما)): ((إذا جاء أَحَدُكُمْ يومَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ،
ولْيَتَجَوَّزْ فيهما))، كما عرفت فيما تقدم.
والحاصل: أن كل ما أجاب [به] أهل القول الأول عن أحاديث الباب فهو مخدوش،
ليس مما يلتفت إليه، وقد بسط الحافظ في ((الفتح)) الكلام في هذا المقام بَسْطًا حسنًا، وأجاد
فيه.
٣٦٨ - باب ما جاء في كَرَاهِيَةِ الكَلامِ والإمامُ يَخْطُبُ
[٥١٢] قوله: (والإمام يخطب) جملة حالية. (أنصت) بصيغة الأمر من: الإنصات،
مَقُولُ القول.
(فقد لغا) وفي رواية الشيخين: ((إذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يومَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، والإمامُ
يَخْطُبُ، فقد لَغَوْتَ)).
قال الحافظ في ((الفتح)): قال الأخفش: اللغو: الكلام الذي لا أصل له من الباطل
وشبهه. قال ابن عرفة: اللغو: السَّقْطُ من القول.

٥٨
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ وَالإِمَامُ يَخْلُبُ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْنَى،
وقيل: الميل عن الصواب.
وقيل اللغو: الإثم؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو: ما لا يحسن من الكلام.
وقال النضر بن شميل: معنى لَغَوْتَ: خِبْتَ من الأَجْرِ، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك.
وقيل: صارت جمعتك ظهرًا .
قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير: ما رواه أبو داود
وابن خزيمة(١) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا: ((ومَنْ لَغَا وتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كانت له
ظُهْرًا)).
قال ابن وهب - أحد رواته -: ((أَجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة)).
ولأحمد(٢) من حديث علي مرفوعًا: ((مَنْ قال: صَهٍ، فَقَدْ تَكَلَّمَ، ومَنْ تَكَلَّمَ فلا جُمُعَةَ له)).
ولأبي داود نحوه، ولأحمد (٣) والبزار من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((مَنْ تَكَلَّمَ يومَ
الجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخْطُبُ فهو كالحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، والَّذِي يقولُ له: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ
جُمُعَةٌ)). وله شاهد قوي في ((جامع)) حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفًا .
قال العلماء: معناه: لا جمعة له كاملة؛ للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه. انتهى.
وقال في ((بلوغ المرام)) بعد ذكر حديث ابن عباس مرفوعًا: ((مَنْ تَكَلَّمَ يومَ الْجُمُعَةِ ... ))
إلخ: رواه أحمد(٤) بإسنادٍ لا بأس به، وهو يفسر حديث أبي هريرة؛ يعني: حديث الباب.
قوله: (وفي الباب عن ابن أبي أوفى) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف))(٥) قال:
(ثَلاثٌ مَنْ سَلِمَ مِنْهُنَّ غُفِرَ له ما بَيْنَهُ وبين الجُمُعَةِ الأُخْرَى: من أَنْ يُحْدِثَ حَدَثًا - يَعْنِي أَذى -
أو أَنْ يَتَكَلَّمَ، أو أَنْ يقولَ: صَهٍ)). قال العراقي: ورجاله ثقات. قال: وهذا وإن كان موقوفًا،
فمثله لا يقال من قبل الرأي؛ فحكمه حكم الرفع.
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٤٧)، وابن خزيمة. حديث (١٨١٠).
(٢) أحمد. حديث (٧٢١).
(٣) أحمد. حديث (٢٠٣٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٣٠٥).
(٤) أحمد. حديث (٢٠٣٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٣٠٥).
(٥) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٣٠٧).

٥٩
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ وَالإِمَامُ يَخْلُبُ
وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
كَرِهُوا الرَّجُلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَقَالُوا: إِنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ، فَلَا يُنْكِرْ عَلَيْهِ
إِلَّا بِالْإِشَارَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.
فَرَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَهُوَ
قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّبِعِينَ وَغَيْرِهِمْ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
(وجابر بن عبد الله) أخرجه أبو يعلى والطبراني(١).
قال العراقي: رجاله ثقات.
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس وأبي ذر وأبي الدرداء وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن
عمرو وعلي بن أبي طالب
.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه؛ كذا في
((المنتقى)).
قوله: (فرخص بعض أهل العلم في رد السلام، وتشميت العاطس ... ؛ وهو قول
أحمد وإسحاق) وقال العيني في ((شرح البخاري)): وعن أبي حنيفة: إذا سلّم عليه يرده بقلبه.
وعن أبي يوسف: يردّ السَّلام، ويُشَمِّتُ العاِسَ فيها.
وعن محمد: يردّ، ويشمت بعد الخطبة، ويصلي على النبي ◌َّ في قلبه. انتهى.
قوله: (وكره بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ذلك، وهو قول الشافعي) .
وحكى ابن العربي عن الشافعي موافقة أحمد وإسحاق.
(١) أبو يعلى. حديث (٧٠٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٣٠٦)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٥/٢):
وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الناس ووثقه النسائي في رواية.

٦٠
أَبْوَابُ الجُمُعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ وَالإِمَامُ يَخْتُبُ
قال العراقي: وهو أَوْلَى مما نقله عنه الترمذي.
وقد صرَّح الشافعي في ((مختصر البويطي)) بالجواز، فقال: ولو عطس رجل يوم الجمعة،
فشمَّته رجل، رجوت أن يسعه؛ لأن التشميت سُنَّة، ولو سلَّم رجل على رجل، كرهت ذلك
له، ورأيت أن يردَّ عليه؛ لأن السلام سُنَّة، وردّه فرض؛ هذا لفظه.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): إنه الأصح؛ كذا في ((النيل)).
وقد كره الحنفية أيضًا رد السلام وتشميت العاطس.
وقال الشيخ عبد الحق في ((اللمعات)): كُرِهَ تشميت العاطس، ورد السلام.
وعن أبي يوسف: لا يكره؛ لأنهما فرض.
والجواب: أنهما فرضان في كل وقت، إلا عند سماع الخطبة؛ لعدم الإذن فيهما، وكذا
الحمد لِلعَطْسَةِ، وفي رد المُنْكَرِ بالإشارة بالعين واليد لا يكره. وهو الصحيح. انتهى.
وقال العيني في ((شرح البخاري)): وقال أصحابنا: إذا اشتغل الإمام بالخُظْبَةِ ينبغي
للمُسْتَمِعِ أَنْ يَجْتَنِبَ ما يجتنبه في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]،
وقوله وَهِ: ((إذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ ... )) الحديث.
فإذا كان كذلك، يكره له رد السلام وتشميت العاطس. انتهى.
وقد حكى العيني عن أبي حنيفة: إذا سلّم عليه، يرده بقلبه؛ كما تقدم.
قلت: وجه الاختلاف: أن ها هنا عمومات متعارضة؛ فالنهي عن التكلُّم في حال
الخطبة يعم كل كلام، وكذا الأمر بالإنصات يعمُّ السكوت عن كل كلام، والأمر بردِّ السلام
وتشميت العاطس يعمُّ جميع الأوقات، وكذا الأمر بالصلاة على النبي ◌ِّر عند ذكره يعمُّ
جميع الأوقات؛ فأبقى بعض أهل العلم الأول، وخصّص الثاني، وخصص بعضهم: الأول،
وأبقى الثاني على عمومه.
والأوْلَى عندي في الجمع بين هذه العمومات المتعارضة أن يقال: المراد بالنهي عن
التكلُّم في حال الخطبة: النهي عن مكالمة الناس؛ وكذا المراد بالإنصات: السكوت عن
مكالمة الناس دون ذكر الله، كما اختاره ابن خزيمة، فإذا سكت في حال الخطبة عن مكالمة
الناس، وردّ السلام سرًّا في نفسه، أو شمَّت العاطس سرًّا، أو صلَّى على النبي ◌َّ عند ذكره
يكون عاملا بكل ما ذكر من النهي والأمر؛ وهذا كما قال الحنفية بجواز الصلاة على النبي