النص المفهرس
صفحات 261-280
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َليهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ ٢٦١
وَقَرَأَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدَ النَّبِّ وَّهِ خَلْفَ الإِمَامِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِّ ◌َِ: (لَا
صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ)».
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَغَيْرُهُمَا .
قال الحافظ ابن عبد البر: وقال آخرون: لا يترك أحدٌ من المأمومين قراءة فاتحة الكتاب
فيما جهر الإمامُ بالقراءة؛ لأن رَسُولَ اللهِّه لم يخصَّ بقوله ذلك مُصَلِّيًا مِن مُصَلِّ. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): واستدلَّ به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، سواء
أسر الإمام أو جهر؛ لأن صلاته صلاة حقيقية، فتنتفي عند انتفاء القراءة. انتهى.
(وقرأ عبادة بن الصامت بعد النبي 18 خلف الإمام، وتأول قول النبي ◌َلاقى: ((لا صلاة إلا
بقراءة فاتحة الكتاب))) روى الدارقطني(١) عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، ومكحول؛
عن نافع بن محمود بن الربيع؛ كذا قال: أنه سمع عبادة بن الصامت يقرأ بأم القرآن،
وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فقلت: رأيتك صنعت في صلاتك شيئًا! قال: وما ذاك؟ قلت:
سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، قال: نعم صَلَّى بنا رسولُ الله ◌ِّهِ بَعْضَ
الصَّلوات التي يُجْهَرُ فيها بالقراءة، فلما انصرف قال: ((هَلْ مِنْكُمْ من أَحَدٍ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ
إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ؟)) قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رَسُول اللهَِلِ: ((وَأَنَا أَقُولُ: مَا لِي أُنَازِعُ
القُرْآنَ؟ فَلا يَقْرَأَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إِذا جَهَرْتُ بِالقِرَاءَةِ إلَّا بِأُمِّ القُرْآنِ». رواه
الدار قطني. وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم.
(وبه يقول الشافعي، وإسحاق، وغيرهما) قال الخطّابي في ((معالم السنن)): قد اختلف
العلماءُ في هذه المسألة، فَرُوِي عن جماعةٍ من الصحابة؛ أنهم أوجبوا القراءةَ خلف الإمام،
وقد روي عن آخرين؛ أنهم كانوا لا يقرؤون، وافترق الفقهاءُ فيه على ثلاثة أقاويل، فكان
مكحول، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، يقولون: لا بدَّ من أن يقرأَ خلف الإمام فيما
جهر به، وفيما لم يجهر من الصلاة، وقال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد،
وإسحاق: يقرأُ فيما أَسَرَّ الإمام فيه، ولا يقرأ فيما جَهَرَ به، وقال سفيان الثوري، وأصحاب
الرأي: لا يقرأُ خلفَ الإمام، جهر أو أَسَرَّ. انتهى كلام الخطّابي.
تنبيه: قال العيني في ((شرح البخاري)) تحت حديث عبادة المذكور ما لفظه: استدلَّ بهذا
(١) الدارقطني في ((السنن)) (٣٢٠/١) حديث (١٢).
٢٦٢ أبواب الصلاة عن رسول الله / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِ النَِّّ ◌ََّ: ((لَا صَلَاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ)»: إِذَا كَانَ وَحْدَهُ.
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ حَيْثُ قَالَ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ
الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الإِمَامِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَهَذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّنَِّ تَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِيِّ ◌ٍَّ :
((لَا صَلَاةَ لَمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)): أَنَّ هَذَا إِذَا كَانَ وَحْدَهُ.
الحديث عبد الله بن المبارك، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،
وداود على وُجُوبٍ قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصَّلَواتِ. انتهى.
قلت: هذا وهم من العيني؛ فإن عبد الله بن المبارك لم يكن من القائلين بوجوب القراءة
خلف الإمام كما عرفت، وكذلك الإمام مالك، والإمام أحمد لم يكونوا قائلين بوجوب قراءة
الفاتحة خلف الإمام في جميع الصَّلَوَاتِ.
(أنا أحمد ان خزل ، فقال: ٠٠ قول النبي قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ الفاتحة
لكتاب)). إذا كان وحده) وكذا قال سفيان، كما ذكره أبو داود في ((سننه)) قلت: قول
رسول الله يَية لا يخصُّ إلا بدليل من الكتاب والسنة، ولا يجوز تخصيصه بقول أحمد، ولا
بقول سفيان، واحتج بحديث جابر بن عبد الله، حيث قال: ((مَنْ صَلَّى رَكْعَةٌ، لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمّ
القُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الإمَامِ)). هذا قول جابر نَتُنْه وليس بحديث مرفوع.
(قال أحمد، فهذا, حز من اصحا ح البي # تأول قول النبي صَ﴾: لا صلاة لمن لم
مرا بمنحة الكار، أر هذا إذا كار وحده) حَمْلُ جابر هذا الحديث على غير المأموم،
مخالف لظاهره؛ فإنه بعمومه شاملٌ للمأموم أيضًا، وقد عرفتَ أن عبادة بن الصامت رضيُّه.
وهو رجل من أصحاب النبي = ، وهو راوي هذا الحديث - قد حمله على ظاهره وعمومه،
وقد تقرر أن راوي الحديث أَدْرَى بمرادِ الحديث من غيره.
وحديث عبادة الذي أخرجه الترمذي في ((باب القراءة خلف الإمام)) من طريق ابن
إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع عنه دليل واضح على أن حديث عبادة هذا
محمول على ظاهره وعمومه. قال البيهقي في كتاب ((القراءة)) ص ١٠١: فأما براءة فاتحة
الكتاب فجملة حديث عبادة بن الصامت، وأبي هريرة تدلُّ على وجوبها على يد أحد، سواء
كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، مع ثبوت الدلالة فيه عمَّن حمل الحديث عن رسول الله خلية؛
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَام، إذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ ٢٦٣
وَاخْتَارَ أَحْمَدُ مَعَ هَذَا القِرَاءَةَ خَلْفَ الإِمَامِ، وَأَلَّا يَتْرُكَ الرَّجُلُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ،
وَإِنْ كَانَ خَلْفَ الإِمَامِ.
أن ذلك على العموم، وأن وجوبها على المنفرد والإمام والمأموم، وهو بالآثار التي رويناها
عن عبادة بن الصامت، وأبي هريرة في ذلك، فمن ترك تفسيرهما، وأخذ بتفسير سفيان بن
عيينة الذي ولد بعدهما بسنین، ولم يشاهد من رسول الله ی# ما شاهدا، حيث قال لحديث
عبادة بن الصامت ضُه: هذا لمن يصلي وحده، أو أخذ بتأويل من تَأَوَّلَهُ على غير ما تأولا -
من الفقهاء - كان تاركًا لسبيل أهل العلم في قبول الأخبار وَرَدِّها، فنحن إنما صِرْنَا إلى تفسير
الصحابي الذي حَمَلَ الحديث لفضلٍ علمه بسماع المقال، ومشاهدة الحال على غيره، قال:
ولو صار تأويلُ سفيان حَجَّةً، لم يجب على الإمام قراءة القرآن في صلاته؛ لأنه لا يصلي
وحده، إنما يصلِّي بالجماعة. انتهى.
(واختار أحمدُ مع هذا القراءة خلف الإمام، وألَّا يترك الرجل فاتحة الكتاب)) وإن كان
خلف الإمام) وكذلك جابر ظُه حَمَلَ حديثَ عبادة المذكور على الذي يكون وحده، ومع
هذا كان يقرأ في صلاة الظهر، والعصر خلف الإمام.
تنبيه: عقد الترمذي للقراءة خلف الإمام بابين، وذكر فيهما مذاهبَ أهل العلم، ولم يذكر
في واحد منهما مذهب أهل الكوفة من الإمام أبي حنيفة ومن تَبِعَهُ، فلنا أن نذكر مذهبهم
ودلائلهم مع بيان ما لها وما عليها بالاختصار، ولنا كتابٌ مبسوطً في تحقيق هذه المسألة
سميناه: ((تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام))، وفيه بابان: الباب الأول في إثبات
وجوب القراءة خلف الإمام، والباب الثاني في الجواب عن أدلَّة المانعين، وقد أشبعنا
الكلام في كُلِّ من البابين وبسطناه. وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا («أبكار
المنن».
فاعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة ألَّا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، جهر الإمام أو أسر، قال
محمد في (موطئه)): لا قراءة خلف الإمام فيما جهر فيه، ولا فيما لم يجهر، وهو قولُ
أبي حنيفة رحمه الله. انتهى.
هذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأما أكثر الحنفية فيقولون: إن القراءة خلف الإمام
مكروهةٌ كراهة تحرِيم، ويستدلُّون على مذهبهم بدلائل لا يثبتُ بواحدٍ منها مطلوبهم، وكان
أعلى دلائلهم وأجلّها عند أجلة علمائهم؛ كالشيخ ابن الهمام، وغيره هو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فكانوا يحتجون بقوله:
٢٦٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ على منع القراءة خلف الإمام في الصلوات الجهرية، وبقوله: ﴿وَأَنْصِتُواْ﴾ على
المنع في الصلوات السرية.
والآن قد حصحص الحقُّ لهم، فاعترفوا بما في هذا الاستدلال من الاختلال.
فقال قائل منهم في رسالته («إمام الكلام)): الإنصافُ الذي يقبله من لا يميل إلى
الاعتساف: أن الآية التي استدل بها أصحابنا على مذهبهم، لا تدلُّ على عدم جواز القراءة
في السرية، ولا عدم جواز القراءة في الجهرية حال السكتة. انتهى.
وقال قائل منهم في رسالته ((الفرقان)): إنَّ كثيرًا من العلماء الحنفية قد ادعوا أن قراءة
المقتدي منسوخة بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، واجتهدوا
في إثبات النسخ به، والحق أن هذا ادعاء محض، لا يساعده الدليل، والعجبُ من أكابر
العلماء، يعني: الحنفية الذين كانوا في العلوم الدينية كالبحر الزخار، كيف تصدوا لإثبات
النسخ بهذه الآية. انتهى كلامه مترجمًا .
وقال قائل منهم، بعد ذكر وجوه عديدة، تخدش الاستدلال بهذه الآية ما لفظه: غاية ما
في الباب؛ أن الآيةَ لما احْتَمَلَتْ هذه الوجوه كان الاستدلالُ بقوله عليه السلام: ((مَنْ كَانَ لَهُ
إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَّهُ قِرَاءَةٌ)) ؛ كما تمسك به صاحب ((الهداية)) أوضحَ من الاستدلال بهذه
الآية. انتهى.
قلت: قد ذكرنا في تحقيق الكلام وجوهًا كثيرة، كلها تدلُّ على أن استدلال الحنفية بهذه
الآية على مطلوبهم المذكور ليس بصحيح، ولا يثبت بها مدعاهم، ونذكرها هنا خمسة وجوه
منها :
فالأول منها: أن هذه الآية ساقطةٌ عن الاستدلال عند الفقهاء الحنفية لا يجوز الاستدلال
بها، وقد صرح بذلك في كتب أصولهم. قال في ((التلويح)) في باب المعارضة والترجيح:
مثال المصير إلى السنة عند تعارض الآيتين، قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا نََّشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل:
٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]،
تعارضًا، فصرنا إلى قول النبي ◌َّهِ: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَهُ الْإِمَامِ لَهُ قِراءةٌ)). انتهى. وكذا
في ((نور الأنوار))، وزاد فيه: فالأول بعمومه يوجب القراءَةَ على المقتدي، والثاني بخصوصه
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٥٠)، وحسنه بعضهم.
٢٦٥
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َل﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
ينفيه، وقد وردا في الصَّلاةِ جميعًا، فتساقطا، فيصار إلى حديث بعده، وهو قولُه عليه
السلام: ((مَنْ كان لَهُ إمام .... إلخ)).
فالعجب من العلماء الحنفية؛ أنهم - مع وجود هذا التصريح في كتب أصولهم - كيف
استدل بهذه الآية؟ !.
والثاني: أن قولَه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، إنما ينفي القراءةَ خَلْفَ
الإمامِ، جهرًا وبرفع الصوت، فإنها تشغل عن استماع القرآنِ، وأما القراءةُ خَلْفَهُ في النفس
وبالسر فلا ينفيها؛ فإنها لا تَشْغَلُ عن الاستماع، فنحن نقرأ الفاتحة خلف الإمام؛ عملًا
بأحاديث القراءة خلف الإمام في النفس وسِرًّا، ونستمع القرآن عملًا بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
اُلْقُرْءَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، والاشتغال بأحدهما لا يفوِّتُ الآخر.
ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون: إن استماع الخطبة يوم الجمعة وَاجِبٌ لقوله تعالى:
﴿وَإِذَا قُرِىءَ اُلْقُرْءَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ومع هذا يقولون: إذا خطبَ الخطيب: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فيصلي السامع سرًّا، وفي النفس. قال في
((الهداية)): إلا أن يقرأَ الخطيبُ قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾، الآية، فيصلي
السامع في نفسه. انتهى.
وقال في ((الكفاية)): قوله: فيصلي السامع في نفسه، أي: فيصلي بلسانه خفيًّا. انتهى.
وقال العيني في ((رمز الحقائق)): لكن إذا قرأ الخطيب: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾ يصلِّي السامع، ويسلِّم في نفسهِ سرًّا، انتمارًا للأمر. انتهى. وقال في ((البناية)»: فإن
قلت: توجَّه عليه أمران أحدهما صلُّوا عليه وسلِّموا، والأمر الآخر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
اٌلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال مجاهد: نزلت في الخطبة، والاشتغال
بأحدهما يفوّت الآخر.
قلت: إذا صَلَّى في نَفْسِهِ، وَنَصَتَ، وَسَكَتَ يكون آتيًا بموجب الأمرين. انتهى. وقال
الشيخ ابن الهمام في ((فتح القدير)): وعن أبي يوسف: ينبغي أن يصلِّي في نفسه: لأن ذلك
مما لا يشغلُه عن سماع الخطبة؛ فكان إحرازًا للفضيلتين. انتهى.
والثالث: قال الرازي في ((تفسيره)): السؤال الثالث - وهو المعتمدُ - أن نقول: الفقهاء
أجمعوا على أنه يجوزُ تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، فهب أن عموم قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قُرِىءَ اٌلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] يوجب سكوت المأموم عند قراءة
٢٦٦
أبواب الصلاة عن رسول الله بَله / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
الإمام، إلا أن قوله عليه السلام: ((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ))، وقوله: ((لا صَلاةَ
إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)) أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيصَ عموم القرآن بخبر الواحد
لازم، فوجب المصير إلى تخصيص هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن. انتهى.
وفي ((تفسير النيسابوري)): وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ، إلا أنهم جوزوا
تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وذلك هاهنا قوله ◌َّر: ((لا صَلاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)).
انتهى. وقال صاحب ((غيث الغمام حاشية إمام الكلام)): ذكر ابن الحاجب في ((مختصر
الأصول))، والعضد في ((شرحه)): أن تخصيصَ عامِّ القرآن بالمتواتر جائز اتفاقًا، وأما بخبر
الواحد فقال بجوازه الأئمةُ الأربعةُ، وقال ابن أبان من الحنفية: إنما يجوزُ إذا كان العام قد
خص من قبل بدليل قطعي، منفصلًا كان أو متصلًا. وقال الكرخي: إنما يجوزُ إذا كان العام
قد خص من قبل بدليل منفصلٍ، قطعيًّا كان أو ظنيًّا. انتهى.
والرابع: أنه لو سلم أن هذه الآية تدلُّ على منع القراءة خلف الإمام، فإنما تدلُّ على
المنع إذا جَهَرَ الإمامُ، فإن الاستماع والإنصات لا يمكن إلا إذا جهر، وقد اعترف به العلماءُ
الحنفيةُ أيضًا، فقال قائل في ((تعليقاته)) على الترمذي ما لفظه: ولا تعلق لها، يعني: هذه
الآية بالسِّرِّية، والإنصات معناه في اللغة كان لكانا أورسننا، ويكون في الجهرية، سيما إذا
اجتمعَ الاستماعُ والإنصاتُ، وما من كلام فصيح يكون الإنصاتُ فيه في السر. انتهى. فنحن
نقرأُ خَلْفَ الإمام في الصَّلوات السرية، وفي الجهرية أَيْضًا عند سَكَتَاتِ الإمام، فإن الآية لا
تَدُلُّ على المَنْعِ إلا إذا جهر.
قال الإمام البخاري في ((جزء القراءة)): قيل له: احتجاجك بقول الله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ
لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، أرأيت إذا لم يجهر الإمامُ يقرأ خلفه؟ فإن قال: لا، بطل دعواه؛
لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل قول الله
تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾، نقول: يقرأ خلف الإمام عند السكتات. انتهى. وقد اعترف بهذا
كله بعض العلماء الحنفية؛ ومنهم الإمام اللكنوي حيث قال: هذه الآيةُ لا تدلُّ على عَدَم
جواز القراءة في السرية، ولا على عدم جواز القراءة في الجهرية حَالَ السَّكتة.
الخامس: أن هذه الآية لا تعلق لها بالقراءةِ خلف الإمام؛ فإنه ليس فيها خِطَابٌ مع
المسلمين، بل فيها خطابٌ مع الكفَّار في ابتداء التبليغ. قال الرازي في «تفسيره)): وللناس
فيه أقوال: الأول: هو قولُ الحسن، وهو قولُ أهل الظاهر: أنا نجري هذه الآية على
٢٦٧
أبواب الصلاة عن رسول الله بَّهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
عُمُومِهَا، ففي أَيِّ موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كُلِّ أحدٍ استماعه والسُّكوت. والقول
الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة. والقول الثالث: نزلت في ترك الجهرِ
بالقراءة وراء الإمام، وهو قولُ أبي حنيفة، وأصحابه. والرابع: أنها نزلت في السُّكوت عند
الخطبة. وفي الآية قول خامس: وهو أنه خطابٌ مع الكفار في ابتداء التبليغ، وليس خطابًا
مع المسلمين، وهذا قولٌ حَسَنٌّ مناسب.
وتقريره: أن الله تعالى حَكَى قبل هذه الآية أن أقوامًا من الكفار يطلبون آياتٍ مخصوصةً
ومعجزات مخصوصة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها، قالوا: لَوْلا
اجْتَبَيْتَهَا، فأمر الله رسوله أن يقول جوابًا عن كلامهم: إنه ليس لي أن أقترحَ على ربي، وليس
لي إلا أن أنتظر الوحي، ثم بيّن أن النبي بَ لوإنما ترك الإتيانَ بتلك المعجزات التي اقترحوها
في صِحَّةِ النبوة؛ لأن القرآنَ معجزةٌ تامة، كافية في إثبات النبوة، وعبر الله تعالى عن هذا
المعنى بقوله: ﴿هَذَا بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، فلو قلنا:
إن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، المراد منه قراءةُ
المأمومِ خلف الإمام، لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلَّقُ بوجه من الوجوه، وانقطع
النظمُ، وحصل فَسَادُ التركيب، وذلك لا يليقُ بكلام الله تعالى، فوجب أن يَكُونَ المرادُ منه
شيئًا آخر سوى هذا الوجه.
وتقريره: أنا لما ادُّعي كونُ القرآن بصائر وهدى ورحمة، من حيث إنه معجزة دالة على
صدق محمد عليه الصلاة السلام، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص، وهو أن النبي
وَ﴿ إذا قَرَأَ القرآنَ على أولئك الكفار، استمعوا له، وَأَنْصَتُوا حتى يقفوا على فصاحته،
ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذٍ يظهر لهم كونهُ معجزًا دالًّا على صِدْقٍ محمدٍ
وَّ﴾ فيستغنوا بهذا القرآن عن طَلَبٍ سَائرِ المعجزاتِ، ويظهر لهم صدقُ قَوْلِهِ في صفة
القرآن: بصائر، وهدى، ورحمة.
فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقامَ النظمُ، وَحَصَلَ الترتيبُ، فثبت أن حمله
على ما ذكرناه أَوْلَى. وإذا ثبت هذا ظهر أن قَوْلَهُ: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ﴾ [الأعراف:
٢٠٤]، خطابٌ مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج، وبكونه
معجزًا على صِدْقٍ نبوته، وعند هذا يسقطُ استدلالُ الخصوم بهذه الآية من كُلِّ الوجوه.
وما يقوي أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى وجوه:
٢٦٨ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار، أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، فلما حكى عنهم ذلك. ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت، حى
يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حَدِّ الإعجاز.
والوجه الثاني: أنه قال قبل هذه الآية: ﴿هَذَا بَصَابِرُ مِن رَّيِّكُمْ وَهُدَى ورحمةٌ لِّقَوْرِ يَؤْمِنُ ﴾
[الأعراف: ٢٠٣] فحكم بكون هذا القرآن رحمةً للمؤمنين على سبيل القطع والجزم، ثم قال:
﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ ... ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، إلخ، ولو كان المخاطبون بقوله: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ
وَأَنْصِتُواْ﴾ هم المؤمنون لما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُحَمُونَ﴾؛ لأنه جزم قبل هذه الآية يكون القرآن رحمة
للمؤمنين قطعًا؛ فكيف يقولُ بعده من غير فصل: لعله يكون القرآن رحمة للمؤمنين، أما إذا
قلنا: إن المخاطبين به هم الكافرون صَحَّ حينئذٍ قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. انتهى
كلام الرازي ملخصًا .
فإن قلت: قد أخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال: أَجْمَعَ النَّاسُ على أن هذه الآية في
الصلاة. انتهى. فَمَعَ إجماع الناس على أن هذه الآيةَ في الصَّلاةِ. كيف يَصِحُ قولُ من قال:
إن فيها خِطَابًا مع الكفار؛ وليس فيها خَطَابٌ مع الْمُسْلِمِينَ؟
قلت: لم يذكر الزيلعي إسناد قول أحمد هذا، ولم يبيِّن أن البيهقيَّ في أيِّ كتاب
أخرجه، وقد طالعتُ كتاب ((القراءة)) له من أوله إلى آخره، ولم أجد فيه قولَ أحمد هذا،
وكذا طالعت ((باب القراءة خلف الإمام)) في كتابه ((معرفة السنن)) له، ولم أجد فيه أيضًا هذا
القولَ، فالله أعلم أن البيهقي في أي كتاب أخرجه، وكيف حال إسناده.
ثم هذا القولُ ليس بصحيح في نفسه، فإن في شأن نزول هذه الآية أقوالًا: منها أنها
نزلت في السُّكوت عند الخطبة، وأيضًا يدلُّ على عدم صحته قولُ ابن المبارك: أنا أقرأ خلف
الإمام، والناس يقرؤون إلا قومٌ من الكوفيين، وأيضًا يدلُّ على عَدَم صحته، أن الإمامَ أحمد
اختار القراءةَ خلف الإمام، وألا يترك الرجل فاتحةَ الكتاب، وإن كان خلف الإمام كما ذكره
الترمذي، فتفكر. وأيضًا يدلُّ على عدم صحته أن الصحابة ◌َّ قد اختلفوا في القراءة خلف
الإمام، وقد قال بها أكثر أهل العلم؛ كما صرح به الترمذي، فتفكر.
فإن قلت: الخطاب في هذه الآية، وإن كان مع الكفار، لكن قد تقرر في مقره أن الْعِبْرَةَ
لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب.
قلت: لا شك في أن العبرةَ لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، لكن قد تقرر أيضًا في
٢٦٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
مقرّه أن اللفظَ لو يُحمل على عمومه يلزمُ التعارضُ والتناقضُ، ولو يحمل على خُصُوصٍ
السبب يندفع التعارض، فحينئذٍ يحملُ على خُصُوص السبب.
قال الشيخ ابن الهمام في ((فتح القدير)): وما روي في ((الصحيحين)) (١) أنه عليه الصلاة
والسلام كَانَ في سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلٌ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَال: مَا هَذَا؟ فَقالُوا: صَائِمٌ،
فَقَالَ: لَيْس مِنَ الْبَرِّ الصّيَامُ في السَّفَرِ، محمول على أنهم عليه استضروا به؛ بدليل ما ورد في
((صحيح مسلم)) (٢) في لفظ: ((أَنَّ النَّاسَ قدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ)). والعبرة وإن كان لعموم اللفظ
لا لخصوص السبب، لكن يحملُ عليه؛ دفعًا للمعارضة بين الأحاديث ... إلخ. فإذا عرفتَ
هَذَا، فاعلم أنه لو يحمل قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] على عمومه، لزم
التعارض والتناقض بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وأحاديث
القراءة خلف الإمام. ولو يحملُ على خُصُوصِ السبب يندفعُ التعارضُ، فحينئذٍ يحملُ على
خُصُوصِ السبب، هذا وإن شئت الوقوف على الوجوه الأخرى فارجع إلى كتابنا: ((تحقيق
الكلام».
والدليل الثاني للحنفية: حديث أبي موسى قال: ((عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّقَالَ: ((إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلاة فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا قَرَأَ الإمَامُ فَأَنْصِتُوا))، أخرجه أحمد، ومسلم (٣)، وحديث
أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّه ((إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرأَ
فَأَنْصِتُوا»، أخرجه الخمسة (٤) إلا الترمذي.
قلت: محلُّ الاستدلال من هذين الحديثين هو قوله: ((وَإِذَا قَرَأَ الإمَامُ فَأَنْصِتُوا))، وهو
غير محفوظ عند أكثر الحفّاظ، قال الزيلعي في ((نصب الراية)): قال البيهقيُّ في ((المعرفة)) -
بعد أن روى حديث أبي هريرة، وأبي موسى -: وقد أجمع الحفاظ على خَطَأٍ هذه اللفظة في
الحديث: أبو داود، وأبو حاتم، وابن معين، والحاكم، والدارقطني، وقالوا: إنها ليست
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٤٦)، ومسلم، كتاب الصوم. حديث (١١١٥).
(٢) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١١٤).
(٣) أحمد. حديث (١٩٢٢٤)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٤).
(٤) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٢٢)، ومسلم (٤١٧)، وأبو داود (٦٠٣)، والنسائي (٩٢١)، وابن ماجه
(٨٤٦).
٢٧٠
أبواب الصلاة عن رسول الله.٦/ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
بمحفوظة. انتهى. ولو سلم أن لفظ: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) في هذين الحديثين محفوظ،
فالاستدلالُ به على مَنْعِ القراءةِ خلف الإمام - ليس بصحيح؛ كما أن الاستدلالَ على هذا
المطلوب بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾، ليس بصحيح كما عرفت. وعلى عَدَمٍ صحة
الاستدلال به على المنع وجوه أخرى، ذكرناها في كتابنا: ((تحقيق الكلام))؛ منها أن قوله:
((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))، محمولٌ على ما عَدَا الفاتحة؛ جمعًا بين الأحاديث. قال الحافظُ ابن
حجر في ((فتح الباري)): واستدلَّ من أَسْقَطَهَا عنه في الجهرية كالمالكية بحديث: ((وَإِذَا قَرَأَ
فَأَنْصِتُوا))، وهو حديثٌ صحيحٌ، أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، ولا دلالة
فيه؛ لإمكان الجمع بين الأمرين، فينصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام، ويقرأ
إذا سَكَتَ. وقال الإمامُ البخاريُّ في ((جزء القراءة)): ولو صَحَّ لكان يحتملُ سوى الفاتحة،
وإن قرأ فيما سَكَتَ الإمامُ.
ويؤيد هذا أن أبا هريرة رضي الله كان يفتي بعد وفاة رسول الله زَّ بقراءة فاتحة الكتاب
خلف الإمام، في جميع الصلوات، جهرية كانت أو سرية، وهو راوي حديث: ((وَإِذَا قَرَأَ
فَأَنْصِتُوا))، أيضًا.
والدليلُ الثالثُ للحنفية: حديثُ جابرٍ قال: قال رَسُولُ اللهِ بَّ ه: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ
الإمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ)) أخرجه الدار قطني، والطحاوي (١)، وغيرهما.
قلت الاستدلالُ بهذا الحديث على منع القراءةِ خَلْفَ الإمام ليس بصحيح، فإن هذا
الحديثَ بجميع طرقه ضعيف؛ كما بيناه في كتابنا ((تحقيق الكلام)). قال الحافظ في ((فتح
الباري)): واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقًا - كالحنفية - بحديث: (مَنْ صَلَّى خَلْفَ
الإمَام فَقِرَاءَةُ الإمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ)) لكنه ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله
الدارقطني، وغيره. انتهى. وقال في ((التلخيص)): حديث: ((مَنْ كَانَ له إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإمَامِ لَهُ
قِرَاءَةٌ» مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصَّحَابَةِ، وكلَّها مَعْلُولة. انتهى.
ولو سلَّمنا أن هذا الحديثَ صحيحٌ فلنا عنه أجوبة عديدة ذكرناها في ((تحقيق الكلام))،
فمنها ما قال الفاضل اللكنوي في كتابه ((إمام الكلام)): إن هَذَا الحديثَ - يعني: حديث: ((مَنْ
كَانَ لَهُ إِمَامٌ ... إلخ)) - ليس بِنَصِّ على تركِ قراءة الفاتحة، بل يحتملُها، ويحتملُ قراءة ما
(١) الدارقطني (٣٢٣/١). حديث (١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١١٩٢).
٢٧١
أبواب الصلاة عن رسول اللّه يَّة / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
عداها، وتلك الروايات - يعني روايات عبادة، وغيره في القراءة خلف الإمام - تدلُّ على
وُجُوبٍ قراءة الفاتحة، أو استحسانها نصًّا، فينبغي تقديمها عليه قطعًا. انتهى.
وقال فيه أيضًا: حديث عبادة نَصُّ في قراءة الفاتحةِ خلف الإمام، وأحاديثُ الترك
والنهي لا تَدُلُّ على تركها نَصَّا، بل ظاهرًا، وتقديمُ النصِّ على الظاهر منصوصٌ في كتب
الأعلام. انتهى، وقال الحَازِمِيُّ في كتاب ((الاعتبار)): الوجه الثالثُ والثلاثون أن يكون
الحُكْمُ الذي تضمَّنَه أحدُ الحديثين منطوقًا به، وما تضمنه الحديثُ الآخرُ يكون محتملًا
للمعنى، فيتقدم الأول على الثاني. انتهى.
ومنها: ما قالَ الإمامُ البخاري في ((جزء القراءة)»: فلو ثبت الخبر أن كلاهما صحيح
لكان هذا مستثنى من الأول؛ لقوله: ((لا يَقْرَأَنَّ إلَّا بِأُمِّ الكِتَابِ))، وقوله: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ
فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، جملة، وقوله: (إِلَّا بِأُمِّ القُرْآنِ) مستثنى من الجملة؛ كقول النبي وَل:
((جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا)). ثم قال في أحاديث أخر: ((إلا المقبرة))، وما استثناه
من الأرض، والمستثنى خَارجٌ من الجملة. وكذلك فاتحةُ الكتابِ خارجٌ من قوله: ((مَنْ كَانَ
لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، مع انقطاعه. انتهى.
ومنها: أن هذا الحديثَ واردٌ فيما عَدَا الفاتحة، قال صاحبُ ((إمام الكلام)): قد يقال إن
مورد هذا الحديث هو قراءةُ رجل خلف النبي ◌َِّ فهو شاهد؛ لكونه واردًا فيما عدا الفاتحة.
انتهى. وقال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)): وحمل البيهقي هذه الأحاديث على ما عدا
الفاتحة، واستدلَّ(١) بحديثٍ عبادة، أن النبي ◌َّهِ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ قَالَ: ((لَعَلَّكُمْ تقرؤون
خَلْفَ إِمَامَكُمْ؟)) قلنا: نعم، قال: (فَلا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ))، وأخرجه أبو داود(٢)
بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ؛ وبهذا نَجْمَعُ الأدلة المثبتة للقراءة والنافية. انتهى.
ومنها: أن هذا الحديثَ منسوخٌ عند الحنفية، فلا يصحُّ الاستدلال به على منع القراءة
خلف الإمام، وتقرير النَّسخ عندهم؛ أن جابرًا راوي هذا الحديث رظنّه كان يقرأ خلف
الإمام، وكذلك روى هذا الحديث أبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد، وابن عباس، وعلي،
وعمران بن حصين يْثُم، وكُلُّ هؤلاء كانوا يقرؤون خلف الإمام، ويفتون بها.
(١) أي: البيهقي كما في (معرفة السنن والآثار)). حديث (٩٥٤).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٢٣).
٢٧٢
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّه / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
وعمل الراوي وفتواه خلاف حديثه يدلُّ على نَسْخِهِ عندهم.
أما قراءةُ جابر، فقد رواه ابن ماجه (١) بسندٍ صحيح عنه قال: ((كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ
خَلْفَ الإمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحةِ الكِتَابِ وسُورَةٍ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)).
قال الشيخ أبو الحسن السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: ((كنا نقرأ))، قال المزيُّ:
موقوف، ثم قالَ: هذا إسنادُ صحیح، رجاله ثقات. انتهى.
وأما فتوى أبي هريرة، فأخرجه مسلم في ((صحيحه)(٢) في حديث الخداج بلفظ: فقيل
لأبي هريرة: إنا نكونُ وراءَ الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك. انتهى. وأخرجه الحافظُ
أبو عوانة في ((صحيحه) (٣) في هذا الحديث بلفظ: فقلت لأبي هريرة: فإني أسمعُ قراءةَ
القرآنِ؟ فَغَمَزَنِي بِيَدِهِ قال: يا فارسي - أو ابن الفارسي - اقرأ بها في نَفسِكَ. انتهى. وقال
البيهقي في ((معرفة السنن))(٤) وفي رواية الحميدي، عن سفيان، عن العلاء بن عبد الرحمن،
عن أبيه، عن أبي هريرة في هذا الحديث: قلت: يا أبا هريرة، إني أسمعُ قراءةَ الإمام؟
فقال: يا فارسي - أو ابن الفارسي - اقرأ بها في نَفْسِكَ. انتهى. وأسانيدُ هذه الفتوى
صَحِيحَةٌ.
وأما فتوى أنس رّ ◌ُبه فأخرجه البيهقي في ((كتاب القراءة)) بإسناده عن ثابت عنه قال: كان
يأمرنا بالقراءةِ خَلْفَ الإمام، قال: وكنتُ أقومُ إلى جَنْبٍ أَنَسٍ، فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورة
من المفصّل، ويسمعنا قراءته؛ لنأخذ عنه.
وأما فتوى أبي سعيد الخدري، فأخرجه البيهقي أيضًا بإسناده عن أبي نضرة قال: سألت
أبا سعيد الخدري عن القراءة خَلْفَ الإمام؟ فقال: بفاتحة الكتاب، وإسناده حسن، وقد
اعترف به صاحب ((آثار السنن)).
وأما فتوى ابن عباس رَ ◌ّه فأخرجه البيهقي(٥) أيضًا بإسناده عن عطاء عنه قال: اقرأ
خلف الإمام جَهَرَ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ، وفي رواية له: قال: ((لا تَدَعْ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، جَهَرَ الإمامُ أَوْ
(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٤٣).
(٢) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٥).
(٣) أبو عوانة. حديث (١٣٢٨).
(٤) البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٩٦١).
(٥) البيهقي في ((القراءة)) (١٧٥).
أبواب الصلاة عن رسول اللّه ◌َاه / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ ٢٧٣
لَمْ يَجْهَرْ)»، وأخرجه بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا العیزار بن حريث قال:
سمعت ابن عباس يقول: ((اقرأ خَلْفَ الإمَام بِفاتحةِ الكتابِ))، قال البيهقي: وهذا سندٌ
صحيحٌ لا غُبَارَ عَلَيْهِ.
وأما فتوى علي ظُنه فأخرجه البيهقي (١) أيضًا في كتاب ((القراءة)) بإسناده عن عبيد الله بن
أبي رافع، عن علي ◌َّبُه قال: اقرأ في صَلاةِ الظّهرِ والعصرِ خَلْفَ الإمام - بفاتحة الكتاب
وسورة. قال البيهقي: هذا الإسنادُ من أصح الأسانيد في الدنيا. انتهى.
وأما فتوى عمران بن حصين ظ له، فأخرجه البيهقي(٢) أيضًا في كتاب ((القراءة))، عنه
قال: ((لا تزكو صلاةُ مسلم إلا بطهورٍ، وركوع وسجود، وفاتحة الكتاب وراء الإمام، وغير
الإمام)).
ومنها: أن هذا الحديثَ معارضٌ ومخالفٌ لقوله تعالى: ﴿فَقْرَهُوأَ مَا يَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾
[المزمل: ٢٠]؛ فإنه بعمومه نَصُّ صريحٌ في أن المقتديَ لا بُدَّ له من قراءةٍ حقيقيةٍ خلف الإمام.
وهذا الحديثُ يدلُّ على مَنْع القراءةِ الحقيقية خلف الإمام، على قول أكثرهم، أو يدل
على أن المقتدي لا حاجةً له إلى القراءة الحقيقية خلف الإمام، بل قراءة إمامه تَكْفِيهِ على
قول بعضهم؛ وعلى كلا القولين يسقطُ هذا الحديثُ عن الاستدلال.
وقد استدلَّ الحنفيةُ بحديثٍ ابن أكيمة عن أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي(٣) في هذا
الباب بلفظ: ((إنِّي أقُولُ: مَا لِي أَنَازَعُ القُرْآنَ؟!))، وبحديث ابن مسعود، وبحديث عمران بن
حصين الذين أشار إليهما الترمذي، وقد عرفت أن هذه الأحاديثَ الثلاثةَ لا تدلُّ على منع
القراءةِ خلف الإمام المتنازع فيها، وهي القراءةُ خلف الإمام في النفس وبالسِّرِّ، بحيث لا
تُفْضِي إلى المنازعةِ بقراءةِ الإمام، نعم تدلُّ على منع القراءة بالجهر خلفه، وهي ممنوعة
بالاتفاق.
تنبيه: اعلم أن الحنفيةَ قد استدلَّوا على مَنْع القراءةِ خلف الإمام ببَعْضٍ آثار الصَّحابة،
؛ كأثر زيد بن ثابت ه قال: لا قِرَاءَةَ مَعَ الإمَامِ فِي شيءٍ، رواه مسلم (٤). وأخرجه
(١) البيهقي في ((القراءة)) (٣٧٠).
(٢) أخرجه البيهقي في ((القراءة)) (١٩٨). وأخرجه من هو أعلى طبقة منه وهو البخاري في ((القراءة)) (٢٩).
(٣) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٣١٢).
(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٧٧).
-
٢٧٤ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّة / بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ، إِذَا جَهَرَ الإمَامُ بِالقِرَاءَةِ
[٣١٣] (٣١٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ،
عَنْ أَبِي نُعَيْم وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةٌ لَمْ
يَقْرأُ فِيهَا بِأُمَّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ
الطحاوي رحمه الله عن زيد، وجابر، وابن عمر؛ أنهم قالوا: ((لا يقرأ خلف الإمام في شَيْءٍ
من الصَّلَوَاتِ)).
قلت: احتجاجُهم بهذه الآثار ليس بشيء؛ فإن الأئمة الحنفية؛ كالشيخ ابن الهمام
وغيره، قد صرحوا بأن قولَ الصحابيِّ حجةٌ ما لم ينفه شيءٌ من السُّنة، وقد عرفت أن
الأحاديثَ المرفوعةَ الصحيحةَ دالةٌ على وُجُوبِ القراءة خلف الإمام، فهي تنفي هذه الآثار،
فکیف یصحُ الاحتجاج بها؟ !.
قال صاحب ((إمام الكلام)): صرح ابنُ الهمام، وغيره: إن قَوْلَ الصحابيِّ حُجَّةٌ ما لم ينفه
شيءٌ من السُّنَّةِ. ومن المعلوم أن الأحاديثَ المرفوعةَ دالَّةٌ على إجازةٍ قراءة الفاتحة خلف
الأئمة، فكيف يُؤخذ بالآثار، وتترك السُّنة؟ انتهى.
وأيضًا قد صرحوا بأن حجيةَ آثار الصَّحَابَةِ إنما تَكُونُ مفيدةً، إذا لم يكن الأمر مختلفًا فيه
بينهم؛ كما في ((التوضيح)) و((نور الأنوار))، والأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، بل فيه اختلافُ
الصَّحَابَةِ ◌ِّ، كما عرفت، فكيف يصحُّ احتجاجهم بهذه الآثار؟! لا بد أن تحملَ على قراءة
السورة التي بعد الفاتحة، أو على الجهر بالقراءة مع الإمام؛ لئلا تخالف الأحاديث المرفوعة
الصحيحة. قال النووي في ((شرح مسلم)): والثاني: أنه - أي: قول زيد بن ثابت- محمولٌ
على قراءةِ السُّورة التي بعد الفاتحة في الصَّلاةِ الجهريةِ، فإن المأمومَ لا يُشرع له قراءتها،
وهذا التأويلُ متعينٌ ليحمل قوله على موافقة الأحاديثِ الصَّحيحة. انتهى.
وقال البيهقي في كتاب ((القراءة)): وهو-، أي: قولُ زيد نضرُه محمولٌ عندنا على الجهر
بالقراءة مع الإمام، وما من أحدٍ من الصَّحَابةِ وغيرهم من التابعين، قال في هذه المسألة قولًا
يَحْتَجُ به من لم ير القراءة خلف الإمام إلا وهو يحتملُ أن يكون المرادُ به تركَ الجهر
بالقراءة. انتهى.
[٣١٣] قوله: (من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل ... إلخ). قال البيهقي
في كتاب ((القراءة)) ص١١٢ بعد ما أخرج هذا الأثر ما لفظه: فيه حجَّةٌ على تعيُّنِ القراءة في
الصلاة بأم القرآن، ووجوب قراءَتِها في كُلِّ ركعة من رَكَعَاتِ الصلاة، خلاف قول من قال:
٢٧٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّة / بَابُ مَا جَاءَ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ
إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الإِمَام. (صحح موتوف، طا: ١٨٨].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٣٤- بَادُ، مَا جَاءَ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ [ت١١٨، ١١٧٢]
[٣١٤] (٣١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ لَيْثٍ،
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْحَسَنِ،
لا يتعين، ولا يجبُ قراءتُها في الركعتين الأخريين. فأما قوله: (إلا وراء الإمام) فيحتمل أن
يَكُونَ من مذهبه جوازُ تركِ القراءة خلف الإمام فیما يجهر فيه الإمام بالقراءة، فقد روينا عنه
فيما تقدم: (كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ خَلْفَ الإمَامِ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
وَسُورَةٍ، وفِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)). ويحتملُ أن يَكون المرادُ به الركعة التي يدرك
المأمومُ إمامه راكعًا؛ فيجزء عنه بلا قراءة.
وإلى هذا التأويل ذهب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ فيما حكاه محمد بن إسحاق بن
خزيمة عنه، فقد أخبرنا (١) أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو غانم أزهر بن أحمد بن حمدون
المنادي ببغداد، أخبرنا أبو قلابة الرقاشي، أخبرنا بكير بن بكار، أخبرنا مسعر، عن یزید
الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: ((كان يقرأُ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة،
وفي الأخريين بفاتحة الكتاب))، قال: وكنا نتحدثُ أنه لا يجوزُ صلاةٌ إلا بفاتحةِ الكتابِ
وشيءٍ معها)). وفي رواية ابن بشران: فما فوق ذاك، أو قال: فما أكثر من ذاك، وهذا لفظ
عَامٌّ يجمعُ المنفردَ والمأمومَ والإمام، ورواه عبيد الله بن مقسم عن جابر بن عبد الله؛ أنه
قال: ((سُنَّةُ القِرَاءَةِ في الصَّلاةِ: أَنْ يُقْرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ، وفِي الأُخْرَبَيْنِ بِأُمَّ
القُرْآنِ)). والصحابي إذا قال: سنة، وكنا نتحدثُ، فإن جماعة من أصحاب الحديث يخرجونه
في المسانيد. انتهى ما في كتاب ((القراءة)).
٢٣٤ - بَابُ مَا جَاءَ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُول المَسْجِدِ
[٣١٤] قوله: (عن ليث) هو: ليث بن أبي سليم، صدوق، اختلط أخيرًا، فلم يتميز
حديثه، فترك؛ كذا في ((التقريب)). (عن عبد الله بن الحسن) وهو: عبد الله بن الحسن بن
(١) القائل هو البيهقي في كتابه ((القراءة خلف الإمام)) (٣١١).
٢٧٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ له﴿ ر بَابُ مَا جَاءَ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ
عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيه
إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي
أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ)) وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي
وَاقْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ)). [صحيح، دون جملة المغفرة، جه: ٧٧١، حم: ٢٥٨٧٧].
[٣١٥] (٣١٥) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ الله
بْنَ الْحَسَنِ بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِي بِهِ، قَالَ: ((كَانَ إِذَا دَخَلَ قَالَ:
الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني، أبو محمد ثقة، جليل القدر. (عن أمه
فاطمة بنت الحسين) هي: فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، زوج
الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ثقة، عن (جدتها فاطمة الكبرى) هي فاطمة
الزهراء بنت رسول الله وَ ﴿أم الحسنين، سيدةُ نساءِ هذه الأمة، تزوجها عَلِيٍّ في السنة الثانية
من الهجرة، وماتت بعد النبي ◌َّل9 بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل.
قوله: (إذا دخل المسجد صَلَّى على محمد وسلَّم، وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي
أبواب رحمتك) قال القاري في ((المرقاة)): يحتملُ قبل الدخول وبعده، والأول أزلى، ثم
حكمته بعد تعليم أمته؛ أنه سي﴿ كان يجبُ عليه الإيمان بنفسه؛ كما كان يجب على غيره؛
فكذا طلب منه تعظيمها بالصلاة منه عليها؛ كما طلب ذلك من غيره. انتهى.
وفي رواية ابن ماجه (١) ((إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ يَقُولُ: بِسْم الله، والسَّلامُ عَلَى رَسُولِ الله،
اللهم اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبُوابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: بِسْم الله، وَالسَّلامُ عَلَى
رَسُولِ الله، اللهم اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ))، وكذلك في رواية أحمد. ((وإذا
خرج صلَّى على محمد وسلّم، وقال: ((رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك)): قال:
الطِّبِيُّ: لَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِ الرَّحْمَةِ بالدُّخُولِ، والفضل بالخروج؛ أن من دخل اشْتَغَلَ بما
يزلفه إلى ثَوَابِهِ وجنته؛ فَيُنَاسبُ ذكر الرَّحْمةِ، وإذا خرجَ اشتغل بِابْتِغَاءِ الرِّزْقِ الحَلال؛ فناسب
ذكر الفضل؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَابْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
انتھی .
[٣١٥]
(١) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٧١).
٢٧٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهَ بَابُ مَا جَاءَ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ
رَبِّ اقْتَحْ لِي بَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: رَبِّ اقْتَحْ لِي بَابَ فَضْلِكَ)). [م بنحوه:
٧١٣، د بنحوه: ٤٦٥، ن: ٧٢٨].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي أُسَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ فَاطِمَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ.
وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى؛ إِنَّمَا عَاشَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ
أَشْهُراً.
قوله: (وفي الباب عن أبي حميد، وأبي أسيد، وأبي هريرة) أما حديث أبي حميد: فأخرجه
ابن ماجه (١) بلفظ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهَ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُم المَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ وََّهِ ثُمَّ
لِيَقُلْ: اللهم، افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللهم، إنِّي أَسْأَلُكَ من فَضْلِكَ)).
وأما حديث أبي أسيد: فأخرجه مسلم (٢) بلفظ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ
المَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللهم، افْتَحْ لي أَبُوابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللهم، إنِّي أَسْأَلُكَ من
فَضْلِكَ)). وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن ماجه (٣) بلفظ: أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إِذَا
دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهم، افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا
خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيَّ، وَلْيَقُلْ: اللهم، اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ)).
قوله: (حديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل ... إلخ) فإن قلت: قد
اعترف الترمذي بعدم اتصال إسناد حدیث فاطمة، فکیف قال: حدیث فاطمة حدیث حسن؟
قلت: الظاهر: أَنَّهُ حَسَّنَهُ لشواهده، وقد بينا في المقدمة: أن الترمذي قد يُحَسِّنُ الحَدِيثَ مع
ضعف الإسناد؛ للشواهد، وهذا الحديث: أخرجه أحمد، وابن ماجه أيضًا، فإن قلت: لِمَ
أَوْرَدَ الترمذي في هذا الباب حديثَ فاطمة، وَلَيسَ إِسْنَادُه بِمُتَّصِلٍ، ولم يورد فيه حديث
أبي أسيد، وهو صَحِيحٌ، بَلْ أَشَارَ إليه؟ قلت: لِيُبَيِّنَ ما فيه من الانْقِطَاعِ، وليستشهد بحديث
أبي أسيد وغيره، وقد بينا ذلك في المقدمة.
(١) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٧٢).
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧١٣).
(٣) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٧٣).
٢٧٨
أبواب الصلاة عن رسول الله بَّهَ بَابُ مَا جَاءَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
٢٣٥ - بَابُ مَا جَاءَ إِذَا دَخَلَ أَحدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ [ت١١٩، ١١٨٢]
[٣١٦] (٣١٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ
عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
مَّة: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
٢٣٥ - بَابُ مَا جَاءَ إذَا دَخَل أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
[٣١٦] قوله: (عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقة عابد.
(عن عمرو بن سليم الزرقي) - بضم الزاي، وفتح الراء، بعده قاف - ثقة من كبار التابعين،
مات سنة إحدى وعشرين، يقال له: رُؤيّة.
قوله: (فليركع ركعتين) أي: فليصل ركْعَتَيْن، من إطلاق الجزء على الكل. قال الحافظ
في ((الفتح)): واتفق أَئِمَّةُ الفَتْوَى على أن الأمر في ذلك للِنَّذْبِ، ونقل ابن بطال - عن أهل
الظاهر: الوجوب، والذي صرح به ابن حزم: عدمه.
ومن أدلة عدم الوجوب قوله { . - للذي رآه يتخطى: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيتَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ
بِصَلاةٍ، كذا استدل به الطحاوي (١) وغيره، وفيه نظر. انتهى.
قلت: ومن أدلة عدم الوجوب ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢)، عن زيد بن أسلم قال: كَانَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ بَّهَ يَدْخُلُونَ المَسْجِدَ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ ولا يُصَلُّونَ.
وأجيب عن ذلك: بأن التَّحِيَّةَ إنما تُشَرَُّ لمن أراد الجُلُوسَ، وليس في الرواية: أَنَّ
الصحابة كانوا يدخلون ويجلسون، ويخرجون بغير صَلاةٍ تَحِيةٍ، وليس فيها إلا مجرد الدخول
والخروج، فلا يتم الاستدلال. إلَّا بَعْدَ تَبين: أَنَّهُمْ كانوا يَجْلِسُونَ.
ومن أدلة عدم الوجوب: حديث ضمام بن ثعلبة - عند الشيخين (٣) وغيرهما - لَمَّا سَأَلَ
رَسُولَ اللهِ بَّه عما فَرَض الله عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتِ الخَمْس))، فقال: هَلْ عَليَّ
غَيْرُهَا؟ قال: ((لا، إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)).
وأجيب عن ذلك: بأن التَّعَالِيمَ الواقعة في مَبادئِ الشَّرِيعَةِ لا تصلح لِصَرْفٍ وجوب ما
(١) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٩٦).
(٢) ابن أبي شيبة. (٣٤٢٨).
(٣) البخاري، كتاب الإيمان. حديث (٤٦)، ومسلم، كتاب الإيمان. حديث (١١).
٢٧٩
أبواب الصلاة عن رسول الله بِلة / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
تجدد من الأوامر، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الصلاة والصوم والحج والزكاة
والشهادتين، واللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَكَذَا المَلْزُومُ.
وأجيب أيضًا: بأن قوله: ((إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)) ينفي وجوب الواجبات ابتداءً، لا الواجبات
بأسباب يختار المكلف فعلها، كدخول المسجد مثلًا؛ لأن الدَّاخِلَ أَلْزَمَ نفسه الصَّلاةَ
بالدُّخُولِ، فكأنه أوجبها على نفسه، فلا يصح شمول ذلك الصارف لمثلها، وذكر الشوكاني
جوابًا ثالثًا، وذكر الجواب الأول مُفَصَّلًا، وقال في آخر كلامه: إذَا عَرَفْتَ هَذَا لاحَ لك: أن
الظَّاهِرَ ما قاله أَهْلُ الّاهِرِ. انتهى.
وقال الطحاوي أيضًا: الأوقات التي نُهِيَ عن الصلاة فيها، ليس هذا الأمر بداخل فيها،
قال الحافظ: هما عَمُومَانِ تَعَارَضًا: الأمر بالصلاة لكل دَاخِلٍ من غَيرِ تَفْصِيل، والنهي عن
الصلاة في أَوقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فلا بد من تَخْصِيصٍ أَحَدِ العُمُومَيْنِ، فذهب جمع إلى:
تَخْصِيص النَّهي؛ وَتَعْمِيمِ الأَمْرِ، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلی عکسه، وهو
قول الحنفية، والمالكية، وقال الشوكاني في ((النيل)) - بعد ذكر هذين العمومين - ما لفظه:
فتخصيص أحد العمومين بالآخر تحكم، وكذلك تَرْجِيحُ أَحدهما على الآخر، مع كَونِ كُلِّ
وَاحِدٍ منهما في ((الصَّحِيحَينِ)) بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ومع اشتمال كل واحد منهما على النهي، أو
النفي الذي في معناه، وَلَكِنَّهُ إذا ورد ما يَقْضِي بتخصيص أحد العمومين عمل عليه، وصلاته
بَّهِ سنة الظهر بعد العصر مُخْتَصُّ بِهِ، بل ثبت عند أحمد(١) وغيره: أَنَّ النَِّيَّ ◌َـّ لمَّا قَالَتْ له
أُمُّ سَلَمَةَ: أَفَتَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتََّا؟ قَالَ: ((لا))، ولو سلم عدم الاختصاص، لما كان في ذلك إلا
جواز قضاء سنة الظهر، لا جواز جميع ذوات الأسباب، نعم، حديث يزيد بن الأسود، الذي
سيأتي أَنَّ النبيِوَِّ قَالَ لَلرَّجُلَيْنِ: (مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟)) فقالا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا،
فقال: ((إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلَِّا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةً))،
وكانت تلك الصلاة صلاة الصبح كما سيأتي، يصلح لأن يكون من جملة المُخَصِّصَاتِ لعموم
الأحاديث القاضية بالكَرَاهَةِ، وَكَذَلِكَ رَكْعَتَا الطّوافِ، وبهذا التقرير يُعْلَمُ: أَنَّ فِعْلَ تَحِيَّةِ
المَسْجِد في الأوقات المَكْرُوهَةِ وتَركها لا يَخْلُو عِنْدَ القائل بوجوبها من إشْكَالٍ، والمقام
عندي من المضائق، والأولى للمتورع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة. انتهى كلام
الشوكاني.
(١) أحمد. حديث (٢٦١٣٨).
٢٨٠
أبواب الصلاة عن رسول الله وَه / بَابُ مَا جَاءَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)). [خ: ٤٤٤، م: ٧١٣، ن: ١/٣٠، د: ٤٦٧، جه: ١٠١٣، حم: ٢٢٠١٧، طا: ٣٨٨،
مي: ١٣٩٣].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرِّ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
قوله: (قبل أن يجلس) قال الحافظ: صرح جماعة بأنه: إذَا خَالَفَ وجَلَسَ. لا يشرع لَهُ
التَّدارُك، وفيه نظر؛ لما رواه ابن حبان في ((صحيحه))(١) من حديث أبي ذر: أنه دَخَلَ
المَسْجِدَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنٍ؟)) قال: لا، قال: ((قُمْ فَارْكَعْهمَا)) ترجم عليه
ابن حبان: أَنَّ تَحِيَّة المَسْجِدِ لا تفوت بالجُلُوس. قال الحافظ: ومثله: قِصَّةُ سليك، كما
سيأتي في الجمعة. انتهى.
قال القاري في ((المرقاة)): وما يفعله بَعْضُ العَوَامٌّ من الجلوس أولًا، ثُمَّ القيام للصلاة
ثَانِيًا باطل لا أصل له. انتهى. قلت: وَيُبْطِلُهُ حديث الباب.
قوله: (وفي الباب عن جابر، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وأبي ذر، وكعب بن مالك) أما
حديث جابر: فأخرجه البخاري، ومسلم(٢) بلفظ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّ أَمَرَ سُلَيْكًا الغَطَفَانِيَّ - لَمَّا أَتَى
يَومَ الجُمُعَةِ، والنَّبِيُّ نَِّ يخطب، فَقَعَدَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ - أَنْ يُصَلِّيَهُمَا، وأخرج
مسلم(٣) - عن جابر أيضًا -: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أَمَرَه - لَمَّا أتَى المَسْجِدَ بِثَمَنِ جَمَلِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ
مِنْهُ مَِّ - أَنْ يُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ. أما حديث أبي أمامة: فلم أقف عليه(٤). وأما حديث
أبي هريرة: فأخرجه ابن عدي(٥)، كما في ((التلخيص)). وأما حديث أبي ذر: فأخرجه ابن
حبان في ((صحيحه)) (٦)، وتقدم لفظه.
وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه الشيخان(٧) بلفظ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ لا يَقْدَمُ من سَفٍ
إلَّا نَهَارًا في الضُّحَى، فإذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيه.
(١) ابن حبان. حديث (٣٦١).
(٢) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٤٣)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧١٥).
(٣) مسلم، كتاب المساقاة. حديث (٧١٥).
(٤) الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٩٩٨).
(٥) ابن عدي في ((الكامل)) (٢٥١/١).
(٦) ابن حبان (٣٢٢_موارد).
(٧) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٤١٨)، ومسلم، كتاب التوبة. حديث (٢٧٦٩) مطولًا.