النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ الجُلُوسُ فِي النَّشَهُّدِ؟
((أتيت رسولَ الله وَّهِ فَرَ أَيْتُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ ... )) الحديث، وفيه: ((وَإِذَا جَلَسَ فِي
الرَّكْعَتَيْنِ أَضْجَعَ اليُسرى وَنَصَبَ الْيُمنَى ... إلخ))، وبحديث عائشة ﴿ّا قالت: كان رَسُولُ الله
◌َ﴿ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاة .. )) الحديث، وفيه: ((وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ النَّحِيَّاتِ، وَكَانَ يَفْرِشُ
رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ)). رواه مسلم(١).
والجوابُ: أن هذا الحديث محمولٌ على التشهد الأول؛ جمعًا بين الأحاديث. وأما
قول ابن التركماني: بأن إطلاقه يدلُّ على أن ذلك كان في التشهدين، بل هو في قوة قولها:
وكان يفعل ذلك في التشهدين؛ إذ قولها أولًا: ((وكان يقولُ في كُلِّ ركعتين التحيات)) يدل
على هذا التقدير، ففيه: وإن إطلاقه وإن كان يدل على ما قال، لكن حمله على التشهد الأول
متعيِّن، جمعًا بين الأحاديث.
على أن حديثَ أبي حميد الساعدي المذكور نصٌّ صريحٌ في ثُبُوتِ التورُّك في التشهد
الثاني، وحديث عائشة ليس بنصٍّ في نفيه، بل غاية ما يقال: إنه يدل بظاهره على نفي
التورك، وقد تقرر في مقره أن النصَّ يقدمُ على الظَّاهر عند التعارض، وبحديث ابن عمر
قال: ((من سُنَّةِ الصَّلاةِ أَنْ تَنْصِبَ القَدَمَ اليُمْنَى، وَاسْتِقْبَالهُ بِأَصَابِعِهِ القِبْلَةَ، والجُلُوس على
الْيُسْرَى))؛ رواه النسائي(٢) .
قلت: تقدَّم الجواب عن هذا الحديث آنفًا فتذكر.
والحاصلُ: أنه ليس نَصُّ صريح فيما ذهب إليه مالك ومن معه، ولا فيما ذهب إليه
أبو حنيفة ومن معه، وأما ما ذهب إليه الشّافعي ومن معه، ففيه نَصُّ صريح فهو المذهبُ
الراجح. تنبيه: اعلم أن صاحب ((الهداية)) من الحنفية أجاب عن حديث أبي حميد
الساعدي؛ بأنه ضعفه الطحاوي، أو يحمل على الكبر.
قلت: جوابه هذا ليس مما يُصغى إليه. قال الحافظ في ((الدراية)): قوله: والحديث -
يعني حديث أبي حميد - ضعفه الطحاوي، أو يحمل على حالة الكبر، أما تضعيفُ الطحاوي
فمذكور في ((شرحه)) بما لا يُلتفت إليه، وأما الحملُ فلا يصحُّ؛ لأن أبا حميد وصف صلاته
التي واظب عليها رسول الله وَهر، ووافقه عشرة من الصحابة ولم يخصوا ذلك بحال الكبر،
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث. (٤٩٨).
(٢) النسائي، كتاب التطبيق. حديث (١١٥٨).

٢٠٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً
٢١٩ - بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً (ت١٠٤، م١٠٣]
[٢٩٣] (٢٩٣) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا
فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ المَدَنِيُّ، حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ السَّاعِدِيُّ، قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو
حُمَيْدٍ، وَأَبُو أُسَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَذَكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ الله
وَّهِ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ جَلَسَ -
والعبرة بعموم اللفظ، وقد قال رسول الله وَّه: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)). انتهى كلام
الحافظ .
وقد أنصف صاحب ((التعليق الممجد)) من الحنفية؛ حيث قال في تعليقه على ((موطأ
محمد)) المسمى بـ ((التعليق الممجد)): وحمل أصحابنا هذا، يعني: حديث أبي حميد
الساعدي على العذر، وعلى بيان الجواز، وهو حمل يحتاج إلى دليل، ومال الطحاويُّ إلى
تضعيفه، وتعقبه البيهقي، وغيره في ذلك بما لا مزيد عليه. وذكر قاسم بن قطلوبغا في رسالته
((الأسوس في كيفية الجلوس)): في إثبات مذهب الحنفية أحاديث كحديث عائشة: ((كان
رسولُ الله وَّهَ يَفْرِشُ رجلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى))، وحديث وائل: ((صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ الله
ونَ﴿ فَلَمَّا قَعَدَ وَتَشَهَّدَ فَرَشَ رِجْلَهُ اليسرى))، وأخرجه سعيد بن منصور، وحديث المسيء
صلاته؛ أنه قال له رسول الله وَله: ((فَإِذَا جَلَسْتَ، فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى))؛ أخرجه
أحمد، وأبو داود(١)، وحديث ابن عمر: ((من سُنَّةِ الصَّلاة ... )) إلخ. ولا يخفى على الفَطِنِ
أن هذه الأخبار وأمثالها لا تدلُّ على مذهبنا صريحًا، بل يحتمله وغيره، وما كان منها دالًا
صريحًا لا يدلُّ على كونه في جميع القعدات على ما هو المدعى، والإنصاف أنه لم يوجد
حديث يدلُّ صريحًا على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة، وحديث
أبي حميد مفصل؛ فليحمل المبهم على المفصل. انتهى.
٢١٩ - بَابٌ مِنْهُ أَيْضًا
[٢٩٣] قوله: (أخبرنا فليح بن سليمان) بن أبي المغيرة المدني، ويقال: فليح لقب،
واسمه عبد الملك، صدوق، كثير الخطأ. (أخبرنا عباس بن سهل الساعدي) ثقة.
(١) أحمد. حديث (١٨٥١٦)، وأبو داود (٨٥٦) بنحوه.

٢٠٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ له / بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً
يَعْنِي للتَّشَهُّدِ - فَاقْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَأَقْبَلَ بصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ
الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأَصْبَعِهِ - يَعنِي:
السَّبَّابَةَ -. [د مطولاً: ٧٣٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَبِهِ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
قَالُوا: يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الآخِرِ عَلَى وَرِكِهِ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثٍ أَبِي حُمَيْدٍ.
وَقَالُوا: يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى.
قوله: (فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته) هذه الجَلْسَةُ هي جَلْسَةُ
التشهد الأول؛ بدليل حديث أبي حميد الذي رواه البخاريُّ، فإنه وَصَفَ فيه هيئة الجلوس
الأول بهذه الصفة، ثم وصف بعدها هيئةَ الجلوس الآخر، فذكر فيها التورُّك، وقد تقدم
لفظه .
ورواه الترمذي في هذا الباب مختصرًا، ورواه في باب ((وصف الصلاة)) مطولًا، وفي
آخره: ((حَتَّى كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صَلاتُهُ أَخَرَ رِجْلَهُ الیُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ
مُتَوَرِّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلمًا .
قوله: (وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ قالوا: يقعد في التشهد الآخر على
وركه) قال في القاموس: الوَرْكُ بالفتح والكسر وكَكتِفِ: ما فوق الفَخِذِ مؤنثة ج أَوْرَاكَ،
وَوَرِكَ يَرِكَ وَرَكًا، وتورَّك وتَوَارَكَ: اعتمد على وَرِكِهِ. انتهى. وقد تقدم أن المشهورَ عن
أحمد اختصاصُ التورك بالصلاة التي فيها تَشَهُّدَانِ. (واحتجوا بحديث أبي حميد) أي:
بحديثه المطول الآتي في باب ((وصف الصلاة))، وهو احتجاجٌ قوي لمن قال بِسُنَّةِ التورك في
الجلسة الأخيرة، وهو القولُ الراجحُ: وأما قولُ من قال من الحنفية كصاحب ((الهداية)): إنه
ضعيف، أو إنه محمولٌ على حالة الكبر، أو على حالة العذر، فهو مما لا يلتفت إليه؛ كما
عرفت في الباب المتقدم.

٢٠٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِشَارَةِ فِي الَّشَهُّدِ
٢٢٠ - بَابٌ مَا جَاءَ في الإِشَارَةِ في التَّشَهُّدِ [ت١٠٥، ١٠٤٢]
[٢٩٤] (٢٩٤) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ، وَرَفَعَ أُصْبَعَهُ الَّتِي
تَلِي الْإِبْهَامَ الْيُمْنَى يَدْعُو بِهَا، وَيَدُهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطَهَا عَلَيْهِ. [م: ٥٨٠،
ن: ١٢٦٨، جه: ٩١٣، حم: ٦٣١٢، مي بنحوه: ١٣٣٩].
٢٢٠ - بَابُ مَا جَاءَ في الإشَارَةِ في [التَّشَهُّدِ]
[٢٩٤] قوله: (كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه)
ظاهره: أن رفع الإصبع كان في ابتداء الجلوس. (التي تلي الإبهام) وهي المسبحةَ. (يدعو
بها) أي: يشير بها. (باسطها عليها) بالنصب، أي: حال كونه بَاسِطًا يَدَهُ علی رکبته الیسری،
من غير رفع إصبع، وفي رواية مسلم: (بَاسِطُهَا عَلَيْهَا))، وهو الظاهر.
واعلم أنه قد ورد في وضع اليد اليمنى على الفَخِذِ حال التشهد هيئات، هذه إحداها،
وليس في هذا الحديث ذكرُ قبض الأصابع، وكذلك أخرج مسلمٌ من حديث ابن الزبير،
وكذلك أخرج أبو داود، والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض، والظّاهر أن
تحمل هذه الأحاديث التي فيها ذِكْرُ القبض.
والثانية: أن يعقد الخِنْصَرَ والبِنْصَرَ والوُسْطَى، ويُرْسَلُ المسبحةَ، ويضمَّ الإبهامَ إلى أصل
المسبحة، وهو عقد ثلاثة وخمسين؛ كما أخرج مسلم(١) من حديث ابن عمر ظله ((أَنَّ
رَسُولَ الله ◌َّ﴿ كَانَ إذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدُهُ
اليُمْنَى عَلَى رُكْبَتِه اليُمْنَى، وعَقَدَ ثَلاثًا وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ))(٢). قَالَ الحافظُ في
((التلخيص)) - بعد ذكر هذا الحديث -: وصورتها أن يَجْعَلَ الإبهامَ معترضة تحت المسبحة.
انتھی.
والثالثة: أن يعقد الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى؛ كما
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٨٠).
(٢) أحمد. حديث (١٨٣٧٩)، وأبو داود (٧٢٦)، والنسائي (١٢٦٥).

٢٠٥
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌ِ له / بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِشَارَةِ فِي التَّشَهُّدِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، وَنُمَيْر الْخُزَاعِيِّ، وَأَبِي هُرَيرَةَ،
وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَوَائِلٍ بْنِ حُجْرٍ .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ
عُبَيَدِ الله بْنِ عُمَرَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَلِ وَالتَّابِعِينَ: يَخْتَارُونَ
الإِشَارَةَ فِي التَّشَهُّدِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا .
أخرج أبو داود، والنسائي من حديث وائل بن حجر في وصف صلاة رسول الله ◌َالتٍ، وفيه:
(ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وِوَضعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِدِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقهِ الأَيْمَنِ
عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وقَبَضَ ثِنْتَيْنِ وحَلَّقَ حَلْقَةً، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ)).
والرابعة: قبضُ الأصابع كلِّها، والإشارة بالسبابة؛ كما روى مسلم (١) من حديث ابن
عمر مرفوعًا: ((كَانَ إِذَا جَلَسَ في الصَّلاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ
كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِأَصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ)). قال الرافعي: الأخبار وردت بها جميعًا، وكان
رَسُولُ الله ◌ِ لٍ يصنع مرة هكذا ومرة هكذا. وقال محمد بن إسماعيل الأمير في ((سبل
السلام)): الظاهر أنه مخيّرٌ بين هذه الهيئات. انتهى. فجعل الحافظ ابن القيم في ((زاد المعاد))
هذه الروايات كلها واحدة، وتكلف في بيان توحيدها، والحق ما قال الرافعي، محمد بن
إسماعيل الأمير.
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن غريب ... إلخ) وأخرجه مسلم.
قوله: (والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّظافر، والتابعين، يختارون
الإشارة في التشهد، وهو قول أصحابنا) المراد بقوله: ((أصحابنا)) أهل الحديث رحمهم الله
تعالى كما حققناه في ((المقدمة))، وكان للترمذي أن يقول: والعمل عليه عند أهل العلم، أو
عند عامة أهل العلم؛ فإنه لا يعرف في هذا خلاف السلف، قال محمد في ((موطئه)) بعد ذكر
حديث ابن عمر في الإشارة: وبصنع رسول الله ◌َل ◌ٍ نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. انتهى.
قال علي القاري: وكذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، ولا يعرف في المسألة خلاف
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٨٠).

٢٠٦
أبواب الصلاة عن رسول الله بَّهَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِشَارَةِ فِي النَّشَهُّدِ
السلف من العلماء، وإنما خالف فيها بعضُ الخلف في مذهبنا من الفقهاء. انتهى. وقال
صاحب ((التعليق الممجد)) من العلماء الحنفية: أصحابنا الثلاثة - يعني: أبا حنيفة، وأبا
يوسف، ومحمدًا - اتفقوا على تجويز الإشارة؛ لثبوتها عن النبي ◌َّة، وأصحابه برواياتٍ
متعددة، وقد قال به غير واحد من العلماء، حتى قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف في ذلك،
وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى كصاحب ((الخلاصة))،
وغيره؛ حيث ذكروا أن المختار عدم الإشارة، بل ذكر بعضهم أنها مكروهةٌ، فالحذر الحذر
من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة. انتهى.
تنبيه: قال النووي: في ((شرح مسلم)): قال أصحابنا: يشير عند قوله: ((إلا الله)) من
الشهادة. انتهى. وقال صاحب ((سبل السلام)): موضع الإشارة عند قوله: ((لا إله إلا الله))؛
لما رواه البيهقي من فعل النبي ◌َّةِ. انتهى. وقال الطيِيّ في شرح قوله: وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، في
حديث ابن عمر، أي: رفعها عند قوله: إلا الله؛ ليطابق القولُ الفعلَ على التوحيد. انتهى.
وقال علي القاري في ((المرقاة) بعد ذكر قول الطييي هذا: وعندنا - يعني الحنفية - يرفعها عند
((لا إله)) ويضعها عند ((إلا الله))؛ لمناسبة الرفع للنفي، وملاءمة الوضع للإثبات، ومطابقة بين
القول والفعل حقيقة. انتهى.
قلت: ظاهر الأحاديث يدلُّ على الإشارةِ من ابتداء الجلوس، ولم أر حديثًا صحيحًا يدلُّ
على ما قال الشافعيةُ والحنفيةُ. وأما ما رواه البيهقي من فعل النبي ◌َّ فلم أقف عليه، ولم
يذكر صاحب ((السبل)) سنده، ولا لفظه، فالله تعالى أعلم كيف حاله؟
تنبيه آخر: قد جاء في تحريك السَّبابة حين الإشارة حديثان مختلفان، فروى أبو داود،
والنسائي (١) عن عبد الله بن الزبير قال: ((كان النبي ◌َّ يُشِيرُ بِأصْبَعِهِ إِذَا دَعَا وَلا يُحَرِّكُهَا)).
قال النووي: إسناده صحيح، فهذا الحديث يدلُّ صراحةً على عَدَم التحريك، وهو قول
أبي حنيفة. وحديث وائل بن حجر يدلُّ على التحريك، وهو مذهب مالك. قال البيهقي:
يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض حديث
ابن الزبير عند أحمد (٢)، وأبي داود، والنسائي، وابن حبان(٣) في ((صحيحه)) بلفظ: ((كَانَ
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٨٩). والنسائي (١٢٧٠).
(٢) أحمد. حديث (١٥٦٦٨).
(٣) ابن حبان. حديث (١٩٤٤).

٢٠٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ
٢٢١ - بَابُ مَا جَاءَ في التَّسْلِيمِ في الصَّلاَةِ [ت ١٠٦، ١٠٥٢]
[٢٩٥] (٢٩٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: أَنَّهُ كَانَ
يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله.
[م بنحوه: ٥٨٢، ن مطولاً: ١٣٢٣، ٥ مطولاً: ٩٩٦، جه بنحوه: ٩١٤، تم مطولاً: ٣٦٩١، مي بنحوه: ١٣٤٥].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،
وَالْبَرَاءِ، وَأَبِي سَعِيْدٍ، وَعَمَّارٍ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَعَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ
عَبْدِ الله.
يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَلا يُحَرِّكُهَا، وَلا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهَ)). قال الشوكاني في ((النيل)): ومما يرشد
إلى ما ذكره البيهقي، رواية أبي داود لحديث وائل، فإنها بلفظ: ((وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَة)). انتهى.
فائدة: السنة أَلَّا يجاوز بصرُه إشارتَهُ؛ كما في حديث ابن الزبير المذكور آنفًا، ويشير بها
موجهة إلى القِبْلَةِ، وينوي بالإشارة التوحيدَ والإخلاصَ. وقال ابن رسلان: والحكمةُ في
الإشارة بها أن المعبودَ سبحانه وتعالى واحد؛ ليجمع في توحيده بين القول والفعل
والاعتقاد.
٢٢١ - بَابُ مَا جَاءَ في السَّسْلِيمِ في الصَّلاةِ
[٢٩٥] قوله: (عن عبد الله) هو ابن مسعود رضي الله. (كان يسلم عن يمينه) قال الطَّيبِيّ:
أي: مجاوزًا نظره عن يمينه، كما يسلم أحدٌ على مَنْ في يمينه. (وعن يساره) فيه مشروعية
أن يكونَ التسليمُ إلى جهة اليمين، ثم إلى جهة اليسارِ، وزاد أبو داود: حتى يُرَى بَيَاضُ
خَدِّهِ. وفيه دليل على مبالغته في الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار. (السلام عليكم
إلخ) إما حال مؤكدة، أي: يسلم قائلًا: السلام عليكم، أو جملة استئنافية على تقدير: ماذا
کان یقول؟
قوله: (وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء،
وعمار، ووائل بن حجر، وعدي بن عميرة، وجابر بن عبد الله). أما حديث سعد بن
أبي وقاص: فأخرجه مسلم(١) بلفظ قال: ((كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللهِهِ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٨٢).

٢٠٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهُ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ رَِّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
يَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ». وأما حديثُ ابن عمر: فأخرجه البيهقي (١) مرفوعًا بلفظ.
((كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ). وأما حديث جابر بن سمرة: فأخرجه مسلم(٢). وأما
حديث البراء: فأخرجه الدار قطني(١) في ((سننه)) بلفظ: ((أَنَّ النبيَّ ◌َّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ))،
وفيه حريث بن أبي عطر؛ تكلّم فيه البخاري وغيره.
وأما حديث عمار: فأخرجه الدارقطني، وابن ماجه(٤). وأما حديثُ وائل بن حجر:
فأخرجه أبو داود(٥)؛ قال: ((صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ ◌َّهِ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمينِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ الله وَعْنِ شِمَالِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله))؛ قال النووي: في ((الخلاصة)): إسناده
صحيح. وأما حديث عدي بن عميرة: فأخرجه ابن ماجه)؛ قال الحافظ في ((التلخيص)):
إسناده حسن. وأما حديث جابر بن عبد الله، فلينظر من أخرجه (٧). وفي الباب أحاديث
أخرى ذكرها الحافظ في ((التلخيص))، والزيلعي في ((نصب الراية))، من شَاءَ الوقوفَ عليها
فلیرجع إليهما .
قوله: (حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) قال في ((التلخيص)): أخرجه الأربعة،
والدارقطني، وابن حبان، وله ألفاظ، وأصله في ((صحيح مسلم)) (٨) من طريق أبي معمر؛ أن
أميرًا كان بمكة يسلم تسليمتين، فقال عبد الله - يعني ابن مسعود -: أنى عَلِقَها؟ إن رسول الله
وَلّه كان يفعلُه. وقال العقيلي: والأسانيد صِحَاحٌ ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين،
ولا يصح في تسليمة واحدة.
قوله: (والعمل عليه) أي: على ما يدلُّ عليه حديث ابن مسعود من أن المسنون في
الصلاة تسليمتان. (عند أكثر أهل العلم ... إلخ) وهو القولُ الراجحُ المنصور المعوَّل عليه.
(٢) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٣١).
البيهقي في ((معرفة السنن)). حديث (٩٧٣).
(١)
(٣)
الدار قطني. (٣٥٧/١). حديث (٥).
(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (٩١٦)، والدارقطني في ((السنن)) (٣٥٦/١) حديث (٢).
(٥)
أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٩٧).
(٦) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٩١)، ولم أجده في سنن ابن ماجه.
الترمذي، کتاب الصلاة. حدیث (٢٩٥).
(٧)
(٨) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٨١).

٢٠٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً
٢٢٢ - بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً [ت١٠٧، ١٠٦٢.
[٢٩٦] (٢٩٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ
أَبُو حَفْصِ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى
الشِّقِّ الْأَيْمَنِ شَيْئاً. [جه مختصراً: ٩١٩].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ .
٢٢٢ - بَابٌ مِنْهُ أَيْضًا
[٢٩٦] قوله: (عن زهير بن محمد). قال الحافظ في ((التقريب)): زهير بن محمد
التيمي، أبو المنذر سكن الشام، ثم الحجاز، ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف
بسببها. قال البخاري عن أحمد: كان زهيرًا الذي يروي عنه الشَّاميون آخر. وقال أبو حاتم:
حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه. انتهى.
قوله: (كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه) فيه دلالة على مشروعية التسليمة
الواحدة في الصلاة، لكن الحديث ضعيف؛ فإنه رواه عن زهير بن محمد عمرو بن أبي سلمة
وهو شامي، ورواية أهل الشام عنه ضعيفة. وقال الحافظ ابن حجر في ((مقدمة الفتح)): أما
رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي - يعني: عن زهير بن محمد - فبواطيل. انتهى. وقال في
((الفتح)): ذكر العقيلي، وابن عبد البر، أن حديث التسليمة - الواحدة - معلول، وبسط ابن
عبد البر الكلام على ذلك. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن سهل بن سعد) أخرجه ابن ماجه(١) بلفظ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهُ سَلَّمَ
تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ))، وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، وقد قال
البخاري: إنه منكر الحديث، وقال النَّسائي: متروك؛ كذا في ((النيل)).
وفي الباب أحاديث أخرى كلها ضعيفة، ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية)) مع بيان
ضعفها .
(١) ابن ماجه. كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٩١٨).

٢١٠
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َله / بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَهْلُ الشَّأْمِ يَرْوُونَ عَنْهُ مَنَاكِيرَ، وَرِوَايَةُ
أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْهُ أَشْبَهُ وَأَصَحُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَأَنَّ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدِ الَّذِي كَانَ وَقَعَ عِنْدَهُمْ
لَيْسَ هُوَ هَذَا الَّذِي يُرْوَى عَنْهُ بِالْعِرَاقِ، كَأَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ، قَلَبُوا اسْمَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ.
وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِّ ◌َلِ تَسْلِيمَتَانِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَِّّ ◌َّهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَرَأَى قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَِّ وَغَيْرِهِمْ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فِي المَكْتُوبَةِ.
قوله: (وحديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه) والحديثُ أخرجه ابن ماجه، والحاكم
في ((المستدرك))(١)، وقال: على شرط الشيخين. قال صاحب ((التنقيح)): وزهير بن محمد،
وإن كان من رجال الصحيحين، لكن له مناكير، وهذا الحديث منها. قال أبو حاتم: هو
حديث منكر، والحديث أصله الوقف على عائشة، هكذا رواه الحفاظ. انتهى. وقال النووي
في ((الخلاصة)): هو حديث ضعيف، ولا يقبل تصحيح الحاكم له، وليس في الاقتصار على
تسليمة واحدة شيء ثابت. انتهى. كذا في ((نصب الراية)).
قوله: (ورواية أهل العراق أشبه) أي رواية أهل العراق عن زهير بن محمد أشبه
بالصواب والصحة. (كأن) من الحروف المشبهة بالفعل. (الذي كان وقع عندهم) أي: عند
أهل الشام. (ليس هو هذا الذي يروى عنه بالعراق) أي: يروي الناس عنه في العراق، فقوله
(يروى)) بصيغة المجهول.
قوله: (وقد قال به بعض أهل العلم في التسليم في الصلاة) يعني: قال بالتسليم الواحد
في الصلاة. قال الشوكاني في ((النيل)): وذهب إلى أن المشروعَ تسليمةٌ واحدةٌ ابن عمر،
وأنس، وسلمة بن الأكوع، وعائشة من الصحابة، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد
العزيز من التابعين، ومالك، والأوزاعي، والإمامية، وأحد قولي الشافعي، وغيرهم، قال:
(١) الحاكم. حديث (٨٤١) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

٢١١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّوَ بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ حَذْفَ السَّلَامِ سُنَّةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ شَاءَ سَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ.
٢٢٣- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ حَذْفَ السَّلَامِ سُنَّةٌ [ت١٠٨، م١٠٧]
[٢٩٧] (٢٩٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، وَالهِقْلُ بْنُ
زِيَادٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ. [ضعيف: قَرَّة ضعيف، د: ١٠٠٤، حم: ١٠٥٠٤].
والحق ما ذهب إليه الأولون - يعني: القائلين بالتسليمتين - لكثرة الأحاديث الواردة
بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة بخلاف
الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة، فإنها مع قلتها ضعيفة، لا تنتهض للاحتجاج، ولو
سلم انتهاضها لم تَصْلُحْ لمعارضةٍ أحاديث التسليمتين؛ لما عرفت من اشتمالها على الزيادة.
انتهى كلام الشوكاني.
قوله: (قال الشافعي: إن شاء سلَّم تسليمة واحدة، وإن شاء تسليمتين) كذا قال
الترمذي. وقال النووي في (شرح مسلم)) تحت حديث سعد رَظُبه - قال: ((كنت أَرَى
رسولَ الله وَِّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وعَنْ يَسَارِهِ ... )) إلخ، فيه دلالة لمذهب الشافعي،
والجمهور من السلف والخلف؛ أنه يسن تسليمتان. انتهى. فكلام النووي هذا خلاف ما
حكاه الترمذي عن الشافعي؛ فالظاهر أن للشافعي في هذه المسألة قولين.
٢٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ حَذْفَ السَّلامِ سُنَّةٌ
قال ابن الأثير: حَذْفُ السَّلام هو تخفيفُه، وترك الإطالة فيه، يدلُّ عليه حديثُ النخعي:
التكبير جزم، والسلام جزم، فإنه إذا جزم السلام وقطعه، فقد خففه وحذفه. انتهى.
[٢٩٧] قوله: (والهقل بن زياد) بكسر أوله وسكون القاف، ثم لام قيل: هو لقب،
واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعي، ثقة؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (حذف السلام) بفتح الحاءِ المهملةِ وسكون الذال المعجمة بعدها فاء، هو ما نقل
الترمذي عن ابن المبارك، أي: لا تمده مدًّا، يعني: يترك الإطالة في لفظه ويسرع فيه. وقال
ابن سيد الناس: قال العلماءُ: يستحب أن يدرج لفظ السلام، ولا يمده مَدًّا، لا أعلم في
ذلك خلافًا بين العلماء. انتهى. (سنة) قال ابن سيد الناس: وهذا مما يدخلُ في المسند عند

٢١٢
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّةٍ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ خَذْفَ السَّلَامِ سُنّةٌ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ: يَعْنِي أَلَّا تَمُدَّهُ مَدًّا.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، وَالسَّلَامُ جَزْمٌ. وهِقْلٌ،
يُقَالُ: كَانَ كَاتِبَ الْأَوْزَاعِيِّ.
أهل الحديث، أو أكثرهم، وفيه خلاف عند الأصوليين معروف. انتهى. (وقال ابن المبارك:
يعني ألا تمده مدًّا) وقد أسند الحاكم عن أبي عبد الله، أنه سئل عن حذف السلام فقال: لا
يمد؛ كذا في ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، وابن خزيمة، والحاكم (١)، قال
الحافظ في ((التلخيص)): وقال الدارقطني في ((العلل)): الصَّوابُ موقوف، وهو من رواية
قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف، اختلف فيه. انتهى.
قوله: (التكبير جزم، والسلام جزم) أي: لا يمدان، ولا يعرب أواخر حروفهما، بل
يسكن، فيقال: الله أكبر، السلام عليكم ورحمة الله، والجزم: القطع، ومنه سمي جزم
الإعراب وهو السكون؛ كذا في ((النهاية)) لابن الأثير الجزري.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) ص٨٤: حذف السلام: الإسراع به، وهو المراد بقوله:
((جزم))، وأما ابن الأثير في ((النهاية)) فقال: معناه أن التكبيرَ والسلام لا يُمَدَّانِ، ولا يعرب
التكبير، بل يسكن آخره، وتبعه المحب الطبري، وهو مقتضى كلام الرافعي في الاستدلال به على
أن التكبير جزم لا يُمَدُّ. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن استعمالَ لفظ الجزم في مقابل الإعراب
اصطلاح حادث لأهل العربية، فكيف يحملُ عليه الألفاظ النبوية؟! انتهى ما في ((التلخيص)).
تنبيه: قال الرافعي في ((شرح الوجيز)): روي أنه حَ لِّ قال: ((التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، وَالسَّلامُ
جَزْمٌ))(٢).
قال الحافظ في ((التلخيص)): لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قولُ إبراهيم النخعي،
حكاه الترمذي عنه. انتهى. وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٣) حديث التكبير جزم لا
(١) الحاكم. حديث (٨٤٢) وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٢) السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٣٤٥).
(٣) السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٣٤٥).

٢١٣
أبواب الصلاة عن رسول اللّه ◌ِه / بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
٢٢٤ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاَةِ [ت١٠٩، ١٠٨٢]
[٢٩٨] (٢٩٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ،
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةً، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا سَلَّمَ لَا
يَقْعُدُ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ
وَالْإِكْرَامِ)) [م: ٥٩٢].
[٢٩٩] (٢٩٩) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ
وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: ((تَبَارَكْتَ يَا ذَا
الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)). [ن: ١٣٣٧، د: ١٥١٢، جه: ٩٢٤، حم: ٢٣٨١٧، مي: ١٣٤٧].
أصل له في المرفوع مع وقوعه في كتاب الرافعي، وإنما هو حَقٌّ من قول إبراهيم النخعي؛
حكاه الترمذي في ((جامعه))، ومن جهته رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) بزيادة: ((وَالقِرَاءَةُ
جَزْمٌ، وَالأَذَانُ جَزْمٌ))، وفي لفظ عنه: ((كَانُوا يَجْزِمُونَ التَّكْبِيرَ)). انتهى.
٢٢٤ - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ [مِنَ الصَّلاة]
[٢٩٨] قوله: (عن عبد الله بن الحارث) البصري، تابعي روى عن عائشة، وأبي هريرة،
وعنه عاصم الأحول وغيره، وثقه أبو زرعة، والنسائي.
قوله: (إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول ... إلخ) أي: في بعض الأحيان، فإنه قد
ثبت قعودُه وَلهم بعد السلام أزيد من هذا المقدار. (اللهم أنت السلام) هو من أسماء الله
تعالى، أي: أنت السليمُ من المعائب والآفات، ومن كُلِّ نَقْصٍ. (ومنك السلام) هذا بمعنى
السلامة، أي: أنت الذي تعطي السلامة وتمنعها، قال الشيخ الجزري في ((تصحيح
المصابيح)): وأما ما يزاد بعد قوله: ((ومنك السلام، وإلَيْكَ يَرْجِعُ السَّلامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا
بِالسَّلامِ، وَأَدْخِلْنَا دَارَكَ السَّلام)) فَلا أَصْل لَه، بل مختلق بعض القصاص؛ كذا في ((المرقاة)).
(تباركت) من البركة، وهي الكثرةُ والنماء، أي: تعاظمت، إذ كثرت صفات جلالك
وكمالك. (ذا الجلال والإكرام) أي: يا ذا الجلال، بحذف حرف النداء، والجلال:
العظمة، والإكرام: الإحسان.
[٢٩٩] قوله: (وقال: تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، أي: قال هناد في روايته: یا ذا
الجلال والإكرام، بزيادة لفظ: ((يا)).

٢١٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ لهَ بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
٠
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ ثَوْبَانَ، وَابْنٍ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي
هُرَيْرَةَ، وَالمُغِيرةِ بْنِ شُعْبَةً.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ
الْحَارِثِ: نَحْوَ حَدِيثٍ عَاصِمٍ .
قوله: (وفي الباب عن ثوبان، وابن عمر، وابن عباس وأبي سعيد، وأبي هريرة
والمغيرة بن شعبة) أما حديث ثوبان: فأخرجه الجماعة (١) إلا البخاري، قال: ((كان رَسُولُ الله
وَ إِذَا انْصَرَفَ من صَلاتِهِ، اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا، وقال: اللهم أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السّلامُ، تَبَارَكْتَ
يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ))، وأما حديثُ ابن عمر: فأخرجه الخمسة، وصححه الترمذي؛ كذا
في ((المنتقى)). قلتُ: أخرجه الترمذيُّ في الدعوات، وأما حديثُ ابن عباس: فأخرجه
الشيخان(٢) قال: كنت أعرف انقضاءَ صَلاةِ رسول الله ◌َّه بالتكبير.
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أبو يعلى (٣) عن أبي هريرة (٤)، قال: قلنا لأبي سعيد:
هل حفظت عن رسول الله شيئًا كان يقوله بعد ما يسلم؟ قال: نعم، كان يقول: ((سُبْحَانَ رَبِّكَ
رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين، والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ))، قال الهيثمي في
((مجمع الزوائد))؛ رجاله ثقات. انتهى. وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان(٥) قال:
((إن فقراء المهاجرين أتوا رسولَ الله بََّ، فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدَّرَجَاتِ العلا ... ))
الحديث. وأما حديث المغيرة بن شعبة، فأخرجه الشيخان (٦) بلفظ: ((أَنَّ النبيَّ ◌َّ كان يقولُ
في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ... )) الحديث.
قوله: (حديث عائشة حديث صحيح) وأخرجه مسلم.
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٩١)، والترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٣٠٠)، وابن
ماجه (٩٢٨). وأبو داود (١٥١٢) والنسائي (١٣٣٧).
(٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٨٤١)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٨٣).
(٣). مسند أبي يعلى (١١١٨).
(٤) هذا وهم من الناسخ، ففي مسند أبي يعلى (١١١٨): ((أبي هارون)) بدل ((أبي هريرة)) وهو الصواب.
و((أبو هارون)) هو عمارة بن جوين العبدي، متروك الحديث، ومنهم من كذِّبه. والله تعالى أعلم.
(٥) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٨٤٣)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٩٥).
(٦) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).

٢١٥
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّهِ / بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ لَا
شَرِيكَ لَّهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا
مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ). [غ: ٨٤٤،
م: ٥٩٣، ن: ١٣٤٠، د: ١٥٠٥، حم: ١٧٦٧٣، مي: ١٣٤٩].
قوله: (وقد روي عن النبي وَظهر، أنه كان يقول بعد التسليم: لا إله إلا الله ... إلخ)
أخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة بدون لفظ: ((يحيي ويميت))، قال الحافظ في
(الفتح)): زاد الطبراني(١) من طريق أخرى عن المغيرة: ((يُحْبِي وَيُمِيتُ وهُوَ حَيٍّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ
الْخَيْرُ .. إلى قدير))، ورواته موثقون، وثبت مثلُه عند البزار(٢) من حديث عبد الرحمن بن
عوف بسند صحيح، لكن في القول: إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى. انتهى. (لا ينفع ذا الجد منك
الجد) بفتح الجيم في اللفظين، أي: لا ينفع صاحبُ الغنى منك غناه، وإنما ينفعه العملُ
الصالحُ.
قال الحافظ في ((الفتح)): قال الخطابي: الجد: الغنى، ويقال: الحظ، قال: و((من)) في
قوله: ((منك)) بمعنى البدل، قال الشاعر: [من الطويل]
فَلَيْتَ لَنَا مِن مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً
مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى طَهَيَانِ
يريد: ليت لنا بدل ماء زمزم. انتهى. وفي ((الصحاح)): معنى ((منك))، هنا: عندك، أي:
لا ينفَعُ ذا الغنى عندك غِنَاهُ، إنما ينفعه العملُ الصالحُ. وقال ابن التين: الصحيحُ عندي أنها
ليست بمعنى الْبَدَلِ، ولا عند، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مِنِّي شيء، إن أنا أردتك بسوءْ،
ولم يظهر من كلامه معنى، ومقتضاه أنه بمعنى ((عند)) أو فيه حذف تقديره: من قضائي، أو
سطوتي، أو عذابي.
واختار الشيخ جمال الدين في ((المغنى)) الأول، قال: والْجَدُّ مضبوط في جميع الروايات
بفتح الجيم، ومعناه الغِنَى، أو الحَظّ. وقال النووي: الصحيحُ المشهورُ الذي عليه الجمهور
أنه بالفتح، وهو الْحَظّ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان، والمعنى: لا
ينجيه حظّه منك، وإنما ينجيه فضلك ورحمتُك. انتهى كلام الحافظ ملخصًا.
قلت: فَالْجَدُّ - بفتح الجيم - هو الراجح المعمولُ عليه، وأما الْجِدُّ بكسر الجيم، فقد
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٢٠/ ٣٩٢). حديث (٩٢٦).
(٢) البزار. حديث (٩٤٢ - زخار).

٢١٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَيه / بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
وَرُوِيَ عَنْهُ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى
المُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
[٣٠٠] (٣٠٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ،
أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي شَدَّادٌ أَبُو عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنِي ثَوْبَانُ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ
صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ الله ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ:
حكي عن أبي عمرو الشيباني، أنه رواه بالكسر، كما قال القرطبي، ولا يستقيم معناه هنا إلا
بتكلَّف، قيل: معناه: لا ينفع ذَا الْأْتِهَادِ اجْتِهَادٌ، وأنكره الطبري.
وقال القزاز: في توجيه إنكاره، الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن الله تعالى قد دعا الخلقَ
إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟! قال: فيحتمل أن يَكُونَ المرادُ: أنه لا ينفع الاجتهاد في
طلب الدُّنْيا، وتضييع أمر الآخرة، وقيل: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبولُ،
وذلك لا يكون إلا بِفَضْلِ الله ورحمته.
قوله: (وروي أنه كان يقولُ: سبحان ربك ... إلخ) أخرجه أبو يعلى (١) كما عرفت.
(رب العزة) أي: الغلبة، بدل من ((ربك)). (عما يصفون) بأن له ولدًا. (وسلام على
المرسلين) أي: المبلِّغين عن الله التوحيد والشرائع. (والحمد لله رب العالمين) على
نصرهم، وهلاك الكافرين.
[٣٠٠] قوله: (أخبرنا شداد أبو عمار) هو شداد بن عبد الله القرشي الدمشقي، ثقة.
(قال: حدثني أبو أسماء الرحبي) اسمه عمرو بن مرثد، ويقال: اسمه عبد الله، من الثالثة،
مات في خلافة عبد الملك؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (إذا أراد أن ينصرف من صلاته) وفي رواية مسلم: ((إِذَا انْصَرَفَ من صَلاتِهِ)). قال
النووي: المرادُ بالانصراف: السلام. (استغفر ثلاث مرات) قال مسلم في ((صحيحه)) - بعد
رواية هذا الحديث -: قال الوليدُ: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفارُ؟ قال: يقول:
أستغفر الله، أستغفر الله. وقد استشكل استغفاره وَّل مع أنه مغفورٌ له.
قال ابن سيد الناس: هو وفاء بحقِّ العبودية، وقيام بوظيفة الشكر، كما قال: ((أَفَلا أَكُونُ
(١) أبو يعلى. حديث (١١١٨).

٢١٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ﴿ه / بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)). [م: ٥٩١،
ن: ١٣٣٦، د: ١٥١٣، جه: ٩٢٨، حم: ٢١٨٦٠، هي: ١٣٤٨].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَبُو عَمَّارِ اسْمُهُ: شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ الله.
عَبْدًا شَكُورًا))، وليبين للمؤمنين سنته فعلًا، كما بينها قولًا في الدعاء والضَّراعة؛ ليقتدى به
في ذلك. انتهى. (أَنْت السلام) وفي رواية غير الترمذي: ((اللهم أَنْتَ السَّلامُ».
قوله: (هذا حديث صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري.
فائدة: قال الحافظ ابن القيم في ((زاد المعاد)): أما الدعاءُ بعد السَّلام من الصلاة مستقبل
القبلة، أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هَذْیهِ ﴾ أصلًا، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح ولا
حسن. وأما تخصيصُ ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه،
ولا أرشد إليه أمَّتَه، وإنما هو استحسان رآه من رآه، عِوَضًا من السنة بعدهما. والله أعلم.
وعامةُ الأدعية المتعلقة بالصَّلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال
المصلِّي، فإنه مقبل على ربِّه يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة،
وزال ذلك الموقفُ بين يديه والقرب منه، فكيف يترك سؤالَه في حَالٍ مناجاته، والقرب منه،
والإقبال عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأَوْلَى
بالمصلِّي، إلا أن هاهنا نكتة لطيفة، وهو: أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر الله،
وهلَّله، وسبَّحه، وَحَمْدَهُ، وكَبَّره بالأذكار المشروعة، عقيب الصلاة استحب له أن يُصَلِّي على
النبي وسي بعد ذلك، ويدعو ما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر
الصلاة، فإن كل من ذكر الله وحمده، وأثنى عليه، وصَلَّى على رسول الله وَّفي استجيب له
الدعاء عقيب ذلك؛ كما في حديث فضالة بن عبيد: ((إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ الله،
والثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النبيِّ ◌َِ، ثُمَّ لِيَدْعُ بِمَا شَاءَ))؛ قال الترمذي(١) حديث صحيح.
انتهى كلام ابن القيم.
وتعقبه الحافظ ابن حجر كما نقله القسطلاني في ((المواهب)) بقوله: ما ادعاه من النفي
مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل؛ أن النبي ◌َّهِ قال له: ((يَا مُعَاذُ، واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ،
(١) الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله. حديث (٣٤٧٧).

٢١٨
أبواب الصلاة عن رسول اللّه وَّهَ ر بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
فَلا تَدَعْ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهم أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))، أخرجه
أبو داود والنسائي(١)، وحديث زيد بن أرقم: سمعته ◌َّهِ يدعو في دُبُرِ الصَّلاة: اللهم رَبَّنَا
وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ)) أخرجه أبو داود، والنسائي(٢)، وحديث صهيب رفعه: كان رسول الله إذا
انصرف من الصلاة يقول: ((اللهم أَصْلِحْ لِي دِينِي .. )) الحديث. أخرجه النسائي(٣)،
وصححه ابن حبان، وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهُّد.
قلت: قد ورد الأمرُ بالذِّكر دبر الصَّلاةِ، والمراد به بعد السَّلام إجماعًا، فكذا هذا حتى
يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذيُّ من حديث أبي أمامة: قيل: أيُّ الدعاء أسمع؟ فقال
رسول الله وَّه: ((جَوْف اللَّيْلِ الأَخِيرِ، وَدُبر الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ)) (٤)، وأخرج الطبرانيُّ من
رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاءُ بعد المكتوبة أفضلُ من الدعاء بعد النافلة، كفضل
المكتوبة على النافلة.
وفهم كثير من الحنابلة أن مرادَ ابن القيم نفيُ الدعاء بعد الصَّلاة مطلقًا، وليس كذلك،
فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار المصلِّي في القبلة، وإيراده عقب السَّلام، وأما إذا
نَقَل وَجْهَهُ أو قدم الأذكار المشروعةَ فلا يمنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى كلامه.
قلت: لا ريب في ثُبُوتِ الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة عن رسول الله وَيه
قولًا وفعلًا، وقد ذكره الحافظ ابن القيم أيضًا في ((زاد المعاد))، حيث قال في ((فصل: ما
كان رسول الله يقول بعد انصرافه من الصلاة)) ما لفظه: وقد ذكر أبو حاتم في ((صحيحه))(٥)؛
أن النبي ◌َّ كان يقولُ عند انصرافه من صلاته: «اللهم أَصْلِحْ لي ديني الذي جَعَلْتُهُ عِصْمَةً
أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دِنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فيهَا مَعَاشِي، اللهم إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخْطِكَ،
وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ من نقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا
يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ).
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٥٢٢)، والنسائي (١٣٠٣).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٥٠٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٩٢٩).
(٣) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٩٩٦٥)، وابن حبان (٢٠٢٦).
(٤) الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله. حديث (٣٤٩٩).
(٥) ابن حبان. حديث (٢٠٢٦).

٢١٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
وذكر الحاكم في ((مستدركه)(١) عن أبي أيوب، أنه قال: ما صَلَّيْتُ وَرَاءَ نبيكم بَّهِ إِلَّ سمعته
حين ينصرف من صلاته يقولُ: ((اللهم اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَذُنُوبِي كُلَّهَا، اللهم ابْعَثنِي، وَأَحْينِي
وارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِحِ الأعْمَالِ والأَخْلاقِ، إِنَّهُ لا يَهْدِي لِصَالِحِهَا، ولا يَصْرِف سَيِّتَهَا إلَّا
أَنْتَ))، وذكر ابنُ حبان(٢) في (صحيحه)) عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي ◌َّ:
(إِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ: اللهم أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعِ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ من
يَوْمِكَ كَتَبَ الله لَكَ جِوَارًا مِنَ النَّارِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ المَغْرِبَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ: اللهم أَجِرْنِي مِنَ
النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ من لَيْلَتِكَ كَتَبَ الله لَكَ جِوَارًا مِنَ النَّارِ)). انتهى كلام ابن القيم.
فقوله: أما الدعاءُ بعد السلام من الصَّلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من
هديه ◌َ﴿ لا أدري ما معناه، وما مراده بهذا إلا أن يقال: نفاه بقيد استمرار المصلي في
القبلة، وإيراده عقب السلام، كما قال الحافظ. والله تعالى أعلم.
فائدة: اعلم أن علماءَ أهل الحديث قد اختلفوا في هَذَا الزمان في أن الإمام إذا انصرف
من الصلاة المكتوبة، هل يجوز له أن يدعو رافعًا يديه، ويؤمن مَنْ خلفه من المأمومين رَافِعي
أيديهم؟ فقال بعضُهم بالجواز، وقال بعضُهم بعدم جوازه؛ ظنًّا منهم أنه بدعة، قالوا: إن
ذلك لم يثبت عن رَسُولِ الله ◌َّل بسند صحيح، بل هو أمر محدث، وكل محدث بدعة.
أما القائلون بالجواز فاستدلوا بخمسة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ص ١٧٢ ج ٣: قال ابن
أبي حاتم: حدثنا أبو معمر المقري، حدثني عبد الوارث، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة ((أن رسول اللّهِوَّه رَفَعَ يَدَيْهِ، بَعْدَ مَا سَلَّمَ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ،
فَقَالَ: اللهم خَلِّص الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَياش بن أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وضَعَفَةَ
الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً، وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا من أَيْدِي الْكُفَّارِ﴾٣) ، وقال ابن جرير:
حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله، أو إبراهيم بن
عبد الله القرشي، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله وَ له كان يدعو في دُبُرِ صَلاةِ الظَّهْرِ: ((اللهم
(١) الحاكم. حديث (٥٩٤٢).
(٢) ابن حبان. حديث (٢٠٢٢).
(٣) ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٥٩٠٦).

٢٢٠
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ
خَلِّصِ الْوَلِيدَ، وسَلَمَةَ بْنَ هشام، وَعَيَّاش بْنَ أَبِي رَبِيعَة، وَضَعَفَةَ الْمُسْلِمِينَ من أَيْدِي
الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلةٌ، وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا)) (١). ولهذا الحديث شاهد في
الصحيح من غير هذا الوجه، كما تقدم. انتهى ما في ((تفسير ابن كثير)).
قلت: وفي سند هذا الحدبث علي بن زيد بن جدعان، وهو متكلَّم فيه.
الحديثُ الثاني: حديث عبد الله بن الزبير، ذكر السيوطي في ((رسالته)): ((فض الوعاء))
عن محمد بن يحيى الأسلمي قال: رأيتُ عبد الله بن الزبير، ورأى رجلًا رافعًا يديه قبل أن
يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال: إنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ لَمْ يَكُنْ يَرْفَع يَدَيْهِ حَتَّى يَفْرَغَ من
صَلاتِهِ. قال: رجاله ثقات (١) .
قلت: وذكره الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد))، وقال: رواه الطبراني، وترجم له
فقال: محمد بن يحيى الأسلمي عن عبد الله بن الزبير، ورجاله ثقات. انتهى.
الحديث الثالثُ: حديث أنس أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق
السني) في كتابه ((عمل اليوم والليلة))، قال: حدثني أحمد بن الحسن، حدثنا أبو إسحاق
يعقوب بن خالد بن يزيد البالسي، حدثنا عبدالعزيز بن عبد الرحمن القرشي، عن خصيف،
عن أنس، عن النبي ◌َّةِ، أنه قال: ((مَا من عَبْد يَبْسُطُ كَفَّيْهِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ، ثُمَّ يَقُولُ:
اللهم إِلَهِي، وإله إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، وَإِلَهَ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، أَسْأَلُكَ
أَنْ تَسْتَجِيبَ دَعْوَنِي فَإِنِّي مُضْطَرٌّ، وَتَعْصِمَنِي فِي دِينِي فَإِّي مُبْتَلَى، وَتَنَالَنِي بِرَحْمَتِكَ، فَإِنِّي
مُذْنِبٌ، وَتَنْفِيَ عَنِّ الْفَقْرَ، فَإِنِّي مُتَمَسْكِنٌ، إلا كَانَ حَقًّا عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يَرُدَّ يَدَيْهِ
خَائِبَتْنِ».
قلت: في سنده عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي؛ قال في ((الميزان)): اتهمه أحمد،
وقال ابن حبان: كتبنا عن عمر بن سنان عن إسحاق بن خالد عنه نسخة شبيهًا بمائة حديث
مقلوبة، منها ما لا أصل له، ومنها ما هو ملزق بإنسان لا يحلُّ الاحتجاجُ به بحالٍ. وقال
النسائي وغيره: ليس بثقة، وضرب أحمد ابن حنبل على حديثه. انتهى.
ابن جرير في («التفسير» (١٠٢٧٥).
(١)
(«فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين بالدعاء»: (٨٦/٤٢).
(٢)
(٣)
ابن السني في ((عمل اليوم واليلة)) (١٣٧).