النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الإِقْعَاءِ ٢١٠ - بَابُ مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في الإِفْعَاءِ [ت٩٥، ٩٤٢] [٢٨٣] (٢٨٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاؤُساً، يَقُولُ: قُلْنَا لابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِفْعَاءِ عَلَّى القَدَمَيْنِ؟ قَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ؟ قَالَ: بَلْ هِيَ سُنَّهُ نَبِيِّكُم حَل . [م: ٥٣٦، د: ٨٤٥، حم: ٢٨٥٠]. عَنْ نَقْرَةٍ كَنْقرِ الدِّيك، وَإِقْعَاءٍ كَإِفْعَاءِ الكَلْبِ، وَالتِفَاتِ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ)). وأخرجه البيهقي أيضًا، وهو من رواية ليث بن أبي سليم وأخرجه أيضًا أبو يعلى، والطبراني في ((الأوسط))(١). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): وإسنادُ أحمد حَسَنٌّ. ٢١٠ - بَابُ مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في الإفْعَاءِ [٢٨٣] تقدم في الباب أن الإقعاءَ على نوعين، وسيظهر لك أن الرخصةَ في الإقعاء بالمعنى الثاني. (إنا لنراه جفاء بالرجل) قال الحافظ في ((التلخيص)): ضبط ابنُ عبد البر (بالرِّجْل)) بكسر الراء، وإسكان الجيم، وغَلِّط من ضبطه بفتح الراء وضم الجيم، وخالفه الأكثرون. وقال النووي: رَدَّ الجمهورُ على ابن عبد البر، وقالوا: الصوابُ الضمُّ، وهو الذي يليقُ به إضافة الجفاء إليه. انتهى. ويؤيد ما ذهب إليه أبو عمر ما روى أحمد في ((مسنده)) في هذا الحديث بلفظ: ((جفاء بالقدم))، ويؤيدُ ما ذَهَبَ إليه الجمهورُ ما رواه ابن أبي خيثمة بلفظ: ((لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالمَرْءِ»؛ فالله أعلم بالصواب. انتهى كلامُ الحافظ. والجفاءُ: غلظ الطبع، وترك الصلة والبر. (بل هي سنة نبيكم) هذا الحديث نصُّ صريحٌ في أن الإقعاءَ سنةٌ. واختلف العلماءُ في الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء، فجنح الخطابي، والماوردي إلى أن الإقعاءَ مَنْسُوٌ، ولعل ابن عباس لم يبلغه النسخ، وجنح البيهقي إلى الجمع بينهما؛ بأن الإقعاءَ ضَرْبَانِ : أحدهما: أن يضع أليتيه على عَقِبيهِ، وتكونَ ركبتاه في الأرض، وهذا هو الذي رواه ابن (١) أبو يعلى. حديث (٢٦١٩)، والطبراني في «الأوسط)) (٥٩٩١) مطولًا من حديث أنس. ١٨٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّرَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الإِثْعَاءِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. عباس، وفعلته العبادلة، ونصَّ الشافعي في ((البويطي)) على استحبابه بين السَّجدتين، لكن الصحيح أن الافتراشَ أفضلُ منه؛ لكثرة الرواة له؛ ولأنه أعون للمصلي، وأحسن في هيئة الصلاة. والثاني: أن يضع أليتيه، ويديه على الأرض، وينصبَ سَاقَيْهِ، وهذا هو الذي وَرَدَتْ الأحاديثُ بكراهتِهِ، وتبع البيهقيَّ على هذا الجمع ابنُ الصلاح، والنووي، وأنكرا على مَن ادعى فيهما النسخ، وقالا: كيف ثبت النسخُ مع عدم تعذّر الجمعِ، وعدم العلم بالتَّاريخ؛ كذا في ((التلخيص الحبير)). وقال في ((النيل)): وهذا الجمعُ لا بد منه، وأحاديث النهي والمعارض لها يرشدُ لما فيها من التصريح بإقعاءِ الكلب، ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإقعاءِ على القدمين، وعلى أطراف الأصابع. وقد روي عن ابن عباس أيضًا؛ أنه قال: من السنة أن تَمَسَّ عقبيك أليتيك (١)، وهو مفسرٌ للمرادِ، فالقولُ بالنسخ غفلةٌ عن ذلك، وعما صَرَّحَ به الحفاظُ من جَهْلٍ تاريخ هذه الأحاديث، وعن المنع من المصیر إلی النسخ، مع إمکان الجمع، وقد روي عن جماعة من السَّلَفِ من الصحابة، وغيرهم فعله؛ كما قال النووي. ونصَّ الشافعي في ((البويطي))، و((الإملاء)) على استحبابه. انتهى ما في ((النيل)). قلت: الأمرُ كما قال الشوكاني، وقد اختار هذا الجمع بعضُ الأئمةِ الحنفية، كابن الهمام وغيره. فائدة: قال ابن حجر المكي: الافتراش بين السَّجدتين أَفْضَلُ من الإقعاءِ المسنون بينهما؛ لأن ذلك هو الأكثر من أحواله عليه السلام. انتهى. قال القاري في ((المرقاة)) - بعد نقل كلام ابن حجر هذا - ما لفظه: وفيه أن الأولَى أن يحملَ الأكثر على أنه هو المسنونُ وغيره؛ إما لعذر، أو لبيان الجواز. انتهى. قلت: لو كان لعذرٍ لم يقل ابن عباس ﴿ّ: هِيَ سُنَّةُ نبيِّكم، والظاهرُ هو ما قال ابن حجر. والله تعالى أعلم. (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١١٠١٠). ١٨٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَاهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الإِفْعَاءِ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ: لَا يَرَوْنَ بِالْإِفْعَاءِ بَأُساً. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضٍ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ وَالْعِلْمِ. قَالَ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ الْإِفْعَاءَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. قوله: (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي وَلفي: لا يرون بالإقعاء بأسًا). قال الحافظ في ((التلخيص)): وللبيهقي(١) عن ابن عمر؛ إنه كان إذا رفع رَأْسَهُ من السَّجدة الأولى، يَقْعُدُ على أطرافِ أصابعه، ويقول: إنه السُّنةُ، وفيه: عن ابن عمر، وابن عباس؛ أنهما كانا يُقْعِيَانِ، وعن طاوس قال: رأيت العبادلة يُفْعُونَ(٢)، أسانيدها صحیحة. انتهى. كان بالمعنى الثاني، ولم يكن كإقعاء الكلب كما قلت: لكن إقعاء هؤلاء الصحابة تقدم. (وهو قولُ بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم) وهو قولُ عطاء، وطاوس، وابن أبي مليكة، ونافع، والعبادلة؛ كذا نقل العيني عن ابن تيمية. ( وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين) وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد؛ كذا قيل. وقد عرفت أن الشافعي نصَّ في ((البويطي))، وغيره على استحبابه. وقال بعض الحنفية: إن ما في (موطأ مالك)) عن ابن عمر تصريح؛ أنه ليس بسنة، ومن المعلوم عند المحدثين أن زيادة الاعتمادِ في نقل السُّنة على ابن عمر، فإن ابنَ عباس ربما يقولُ باجتهاده ورأيه، ويعبره بالسنة. انتهى. قلت: هذا مجردُ ادعاءٍ، ولو سلم فإنما يكون تعبيره بالسنة، لا بسنة نبيكم، وقد قال في الإقعاء: هي سنةُ نبيكم، على أنه قد صَرَّحَ ابنُ عمر أيضًا بأنه سنة؛ كما روى البيهقي (٣) عنه أنه كان إذا رَفَعَ رَأْسَهُ من السَّجْدَةِ الأولى يقعدُ على أطرافِ أصابعه، ويقول: إنه السنةُ، وإسناده صحيح كما عرفت. (١) البيهقي في ((الكبرى)) (٢٥٦٨). (٢) عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٠٣٣). (٣) ((السنن الكبرى)) (٢٥٦٨). ١٨٤ أبواب الصلاة عن رسول الله بِّهِ / بَابُ مَا يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ٢١١- بَابُ مَا يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ [ت٩٦، ٩٥٢] [٢٨٤] (٢٨٤) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي)). [د بنحوه: ٨٥٠، جه بنحوه: ٨٩٨، حم بنحوه: ٣٥٠٤] . [٢٨٥] (٢٨٥) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخلَّالُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ: نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ٢١١ - بَابُ مَا يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ [٢٨٤] قوله: (حدثنا سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري، نزيل مكة، ثقة، من شيوخ الترمذي، ومسلم، وغيرهما. (عن كامل أبي العلاء) هو: كامل بن العلاء التميمي الكوفي، صدوق يخطئ، من السابعة؛ كذا في ((التقريب)). قوله: (كان يقولُ بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني) وعند أبي داود(١) ((اللهم اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وعَافِي، واهْدِنِي، وَارْزُقْنِي))، وعند ابن ماجه (٢) (رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وارْفَعْنِي)). قال الحافظ في ((التلخيص)): وجمع بينها الحاكم كلها إلا أنه لم يقل: ((وَعَافِنِي)). انتهى. قال الجزري في ((النهاية)): واجبرني، أي: أغنني، من: جَبَرَ الله مُصيبته، أي: رَدَّ عليه ما ذهب عنه، أو عَوَّضَهُ عنه، وأصلُه من جَبْرِ الكَسْرِ، والحديثُ يدلُّ على مشروعيةٍ الدعاء بهذه الكلمات في القعدة بين السَّجدتين. وفي الباب عن حذيفة؛ أن النبي ◌َّ كان يقول بين السجدتين: ((رَبِّ اغْفِرْ لِ، رَبِّ اغْفِرْ لِي))، رواه النسائي، وابن ماجه (٣)، ورواه مسلم في ((صحيحه)) مطولًا . [٢٨٥] قوله: (هذا حديث غريب) تفرد به كامل أبو العلاء، ولم يحكم عليه الترمذي (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٥٠). (٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٩٨). (٣) النسائي، كتاب التطبيق. حديث (١٠٦٩)، وابن ماجه، حديث (٨٩٧). ١٨٥ أبواب الصلاة عن رسول الله وَه / بَابُ مَا جَاءَ فِي الاعْتِمَادِ فِي السُّجُودِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يَرَوْنَ هَذَا جَائِزاً فِي المَكْتُوبَةِ وَالتَّطُّعِ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ مُرْسَلًا. ٢١٢ - بَابُ مَا جَاءَ في الاعْتِمَادِ في السُّجُودِ [ت٩٧، ٩٦٢] [٢٨٦] (٢٨٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اشْتَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا تَفَرَّجُوا فَقَالَ: بشيء من الصِّحَّةِ والضَّعْفِ، ورواه الحاكم وصحَّحه، وسكت عنه أبو داود، وقال المنذري في ((تلخيص السنن)): وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، ونقل قولَ الترمذي: هذا حديث غريب ... إلخ، ثم قال: وكامل هو أبو العلاء، ويقال: أبو عبيد الله كامل بن العلاء التميمي السعدي الكوفي، وثَّقه يحيى بن معين، وتكلّم فيه غيره. انتهى كلام المنذري. قلت: وقال ابن عدي: لم أر للمتقدِّمين فيه كَلامًا، وفي بَعْضٍ رواياته أشياء أنكرتها، ومع هذا أرجو أنه لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقويِّ، وقال مرة: ليس به بأس. وقال ابن حبان: كان ممن يَقْلِبُ الأسانيد، ويرفع المراسيل؛ كذا في («الميزان))، وغيره من كُتُبٍ الرجالِ. فقول النسائي: ليس بالقويِّ، جَرْجٌ مبهم، ثم هو معارَضٌ بقوله: ليس به بأسٌ. وأما قَولُ ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ... إلخ، غير قادح؛ فإنه متعنتٌ ومسرفٌ، كما تقرر في مقرِّه، فحديثُه هذا إن لم يكن صحيحًا، فلا ينزل عن درجة الحسن، والله تعالى أعلم. ٢١٢ - بَابُ ما جَاءَ في الاعْتمَادِ في السُّجُودِ [٢٨٦] قوله: (عن سمي) بضم السين وفتح الميم وشدة الياء، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني، روى عن مولاه، وأبي صالح ذكوان، وابن المسيب، وغيرهم، قال أحمد، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: قتلته الحرورية سنة ٣٥ خمس وثلاثين، وقال النسائي في ((الجرح والتعديل)): ثقة؛ كذا في ((تهذيب التهذيب)). (عن أبي صالح) هو ذكوان. قوله: (إذا تفرجوا) إذا باعدوا اليدين عن الجنبين، ورفعوا البطن عن الفَخِذَيْنِ في ١٨٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهـ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الاغْتِمَادِ فِي السُّجُودِ ((اسْتَعِينُوا بِالرُّكَب)) [فيه ضعف، ابن عجلان اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، د: ٩٠٢، حم: ٨٢٧٢]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ إِلَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنِ النَّبِّ وَّ نَحْوَ هَذَا. وَكَأَنَّ رِوَايَةَ هَؤُلَاءِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ. السجود. (استعينوا بالركب) قال ابن عجلان - أحد رواة الحديث -: وذلك أن يَضَعَ مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا (١)؛ ذكره الحافظ في ((الفتح)). والحديث يدلُّ على مشروعية الاستعانة بالركب في السجود عند المشقة في التفريج. قال الحافظ، بعد ذكر أحاديث التفريج في السجود ما لفظه: ظاهرُ هَذِهِ الأحاديثِ وجوبُ التفريج المذكور، لكن أخرج أبو داود(٢) ما يدلُّ على أنه للاستحباب، وهو حديثُ أبي هريرة: شكا أصحابُ النبيِ نَّ لَهُ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ، إذَا انْفَرَجُوا، فقال: ((اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ))، وترجم له الرخصة في ذلك، أي: في ترك التفريج. انتهى. قلت: الظاهرُ: أن التفريج في السجود واجبٌ عند عدم المشقة فيه، وأما عند وجود المشقة فيه، فيجوز تركُ التفريج والاستعانة بالرُّكَبِ، والله تعالى أعلم. وحديث الباب أخرجه أبو داود. تنبيه: قال الحافظُ ابن حجر في ((فتح الباري)) - بعد نقل حديث الباب عن ((سنن أبي داود)» - ما لفظه: وقد أخرج الترمذي الحديث المذكور، ولم يقع في روايته، يعني: في رواية الترمذي: ((إِذَا انْفَرَجُوا))، فترجم له: ((باب ما جاء في الاعتماد إذا قَامَ من السُّجُودِ))، فجعل محل الاستعانة بالركب لمن يرفع مِن السُّجودِ طالبًا للقيام، واللفظ يحتملُ ما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تعين المراد. انتهى كلام الحافظ. وقال العيني في ((عمدة القاري)) ما لفظه: وفي ((التلويح)): وزعم أبو داود أن هذا كان رُخْصَةً، وأما أبو عيسى الترمذي؛ فإنه فهم منه غير ما قاله ابن عجلان، فذكره في ((باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود)). انتهى. (١) الحاكم. حديث (٨٣٤) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٠٢) ١٨٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ النُّهُوضُ مِنَ السُّجُودِ؟ ٢١٣- بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ النُّهُوضُ مِنَ الُّجُودِ؟ [ت٩٨، ٩٧٢] [٢٨٧] (٢٨٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْئِيِّ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيِّ بَهِ يُصَلِي، فَكَانَ إِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِساً. [خ: ٨٢٣، ن: ١١٥١، د: ٨٤٤]. قلت: قد وقع في جميع نسخ ((جامع الترمذي)) الموجودة عندنا: بَابُ ما جَاءَ في الاعتماد في السجود، وليس في وَاحِدٍ منها إذا قام من السُّجُودِ، وقد وقع في جميعها لفظ: ((إذَا تَفَرَّجُوا))؛ كما وقع في رواية أبي داود، فلعله وقع في بضع نسخ؛ كما قال الحافظ، وصاحب ((التوشيح)). والله تعالى أعلم ٢١٣ - بَابٌ كَيفَ النُّهُوضُ مِنَ السُّجُودِ [٢٨٧] قوله: (إذا كان في وترٍ من صلاته) أي: في الركعة الأولى والثالثة. (لم بنهض) أي: لم يقم. (حتى يستوي جالسًا) وهذه الجلسةُ تسمى بجلسة الاستراحة. قال الحافظ في ((الفتح)): وفيه مشروعيةٌ جلسةِ الاستراحة، وأخذ بها الشافعيُّ، وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال أن أحمد رَجَعَ إلى القول بها، ولم يستحبَّها الأكثرُ. انتهى کلا مه . واستدلَّ من قال بِسُنِّية جلسةِ الاستراحة، بحديث الباب، وهو حديثٌ صحيحٌ، وبأحاديث أخرى، فمنها حديثُ أبي حميد الساعدي، أنه قال في عشرة من أصحاب النبي ﴿﴿: أنا أعلمكم بصلاةِ رَسُولِ اللهِ ﴿ه، قالوا: فاعرض، قال: كَانَ النَّبِيُّوَّهِ إِذَا قَامَ إلى الصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ ... الحديث، وفيه: ((ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الأَرْضِ سَاجدًا، فَيُجَافِي يَدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ، ويفتحُ أَصَابِعَ رجْليه، ثمَّ يَرْفَعُ رْسَهُ، ويُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ، وَيُثْنِي رِجْلَه الْيُسْرَى، فَيَقْعُدُ عَلَيَّهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظِمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ... إلخ)) رواه أبو داود والدارمي(١) . وروى الترمذي، وابن ماجه معناه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(٢)؛ كذا (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٣٠)، والدارمي (١٣٥٦). (٢) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٢٦٠)، وابن ماجه (٨٦٢). ١٨٨ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ النُّهُوضُ مِنَ السُّجُودِ؟ في ((مشكاة المصابيح)). ولفظ الترمذي هكذا: ((ثُمَّ هَوَى إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إبطَيْهِ، وَفَتَحَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيها، ثُمَّ اعْتَدلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ، ثُمَّ صَنعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذلِكَ .. إلخ)). ومنها حديث ابن عباس في صلاة التسبيح، رواه أبو داود(١) ، وآخرون، وفيه: ((ثُمَّ تَهْوي سَاجِدًا، فَتَقُولُهَا، وَأَنْتَ سَاجِدُ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعةٍ، تَفْعَلُ ذلِكَ فِي أَرْبَعِ ركعاتٍ ... الحديث)). قال الفاضل اللكنوي في كتابه ((الآثار المرفوعة)) بعد كلام طويل في إثبات صلاة التسبيح ما لفظه: اعلم أن أكثرَ أصحابنا الحنفية، وكثيرًا من المشايخ الصوفية قد ذكروا في كيفية صلاة التسبيح الكيفيةَ التي حكاها الترمذي، والحاكم عن عبد الله بن المبارك الخالية عن جلسة الاستراحة، والشَّافعية والمحدِّثون أكثرهم اخْتَارُوا الكيفيةَ المشتملة على جلسة الاستراحة، وقد علم مما أسلفنا أن الأصحَّ ثبوتًا هو هذه الكيفيةُ، فليأخذ بها من يصليها، حنفيًّا كان أو شافعيًا. انتهى. قلت: الأمر كما قال. تنبيه: قد اعتذر الحنفية وغيرهم ممن لم يقلْ بجلسة الاستراحة عن الْعَمَل بحديث مالك بن الحويرث المذكور في الباب بأعذار كلها باردةٌ، فمنها ما قال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: إنه محمول على حال الكبر، ورده صاحب ((البحر الرائق))؛ حيث قال: يردُّ عليه بأن هذا الحمل يحتاجُ إلى دليل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)). انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)): هذا تأويل يحتاج إلى دليل؛ فقد قال النبي ◌َّر لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، ولم يفصل له، فالحديثُ حجةٌ في الاقتداء به في ذلك. انتهى. ومنها: ما قال الطحاويُّ من أن حديث أبي حميد الساعدي خَالٍ عنها، أي: عن جلسة الاستراحة؛ فإنه ساقه بلفظ: ((قَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّْ))، قال: فلما تخالفا احتمل أن يَكُونَ ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد لأجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة. انتهى. ١٠) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٩٧)، وابن ماجه (١٣٨٧). ١٨٩ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّه / بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ النُّهُوضُ مِنَ السُّجُودِ؟ قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِندَ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ. وفيه أن الأصل عدم العلة، وأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّ)) فحكاياته لصفاتٍ صَلاةِ رسولِ اللهِوَّه داخلةٌ تحت هذا الأمر، ولم تتفق الرواياتُ عن أبي حميد على نفي هذه الجلسة، بل أخرجه أبو داود من وجه آخر بإثباتها ؛ كذا في ((فتح الباري)). قلت: وكذلك أخرجه الترمذي بإثباتها كما تقدم. ومنها: أنها لو كانت سنة لشُرع لها ذِكْرٌ مخصوصٌ. وفيه: إنها جلسة خفيفة جدًّا، استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جُمْلَةِ النُّهُوض إلى القيام. ومنها: أنها لو كانت سنة لذكرها كُلُّ من وصف صلاته ◌ِّهِ، وفيه: إن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كُلُّ واحد ممن وَصَفَ صلاتهِِّ، إنما أخذ مجموعها من مجموعهم. والحاصل: أن حديثَ مالك بن الحويرث حجَّةٌ قويَّةٌ لمن قال بِسُنِّيّةٍ جلسة الاستراحة، وهو الحق، والأعذارُ التي ذكرها الحنفيةُ وغيرهم لا يليق أن يلتفتَ إليها . قوله: (حديث مالك بن الحويرث حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلمًا، وابن ماجه. قوله: (والعمل عليه عند بعض أهل العلم) ؛ وبه قال الشافعي، وطائفة من أهل الحديث؛ وإلى القول بها رجع أحمد كما تقدم. تنبيه: اعلم أنه قد ثَبَتَ أن الإمامَ أحمد رجع عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها، قال ابن قدامة في ((المغني)): واختلفت الروايةُ عن أحمد، هل يجلس للاستراحة؟ فروي عنه: لا يجلس، وهو اختيار الخرقي، والرواية الثانية: أنه يجلس، واختارها الخلال، قال الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا، يعني: ترك قوله بترك الجلوس؛ لما روى مالك بن الحويرث، ((أن النبي ◌ّ﴿ كانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ)) متفق عليه (١) ، وذكره أيضًا أبو حميد في صفة صلاة رسول الله نَّهِ، وهو حديثٌ صحيحٌ، فيتعين العملُ به، والمصير إلیه. انتهى. وكذلك في (الشرح الكبير على متن المقنع)) لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن المقدسي، وفيه: والثانية أنه يجلس، اختارها الخلال، قال الخلال: رجع أبو عبد الله عن (١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٦٧٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٧٤). ١٩٠ أبواب الصلاة عن رسول اللّه ◌َ له / بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا . وَمَالِكٌ يُكْنَى: أَبَا سُلَيْمَانَ. ٢١٤ - بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً [ت٩٩، ٩٨٢] [٢٨٨] (٢٨٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِيَاسِ، وَيُقَالُ: خَالِدُ بْنُ إِلْبَاسَ، عَنْ صَالِحِ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِّ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ضَدُورٍ قَدَمَيْهِ. [ضعيف، قدميه . [ضعيف، خالد متروك الحديث] . قوله بترك الجلوس، وقال الحافظُ ابن القيم في ((زاد المعاد)): قال الخلال: رجع أحمدُ إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة. انتهى. وكذلك في كثير من كتب الحنابلة، وغيرهم، ففي رُجُوع الإمام أحمد عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها لا شك فيه، وقد نقل بعضُ الحنفية في تعليقاته على الترمذي رجوعه عن الحافظ ابن حجر، وعن ابن القيم، ثم قال: وظني أن أحمدَ لم يرجع. انتهى. قلت: مبنى ظنه هذا، ومنشؤه ليس إلَّ التقليد؛ فإنه إذا تمكن في قلب، ورسخ فيه ينشأ منه كذلك ظنونٌ فاسدة. (وبه يقول أصحابنا) يعني: أصحاب الحديث، وقد تقدم في المقدمة أن الترمذي رحمه الله إذا قال: أصحابنا، يريد بهم أصحاب الحديث. ٢١٤ - بَابٌ مِنْهُ أَيْضًا [٢٨٨] قوله: (ثنا خالد بن إياس) بكسر الهمزة وخفة التحتية. (ويقال: خالد بن إلياس) قال الحافظ في ((التقريب)) خالد بن إلياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة أبو الهيثم العدوي المدني، إمام المسجد النبوي، متروك الحديث، من السابعة. وقال الذهبي في ((الميزان)): قال البخاري: ليس بشيء. وقال أحمد والنسائي: متروك. (عن صالح مولى التوأمة) بفتح المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة، قال الحافظ: صَدُوقٌ، اختلط بآخره. قال ابنُ عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كابن أبي ذئب، وابن جريج، من الرابعة. قوله: (ينهض في الصلاة على صدور قدميه) أي: بدون الجلوس، والحديثُ قد استدلَّ به من لم يقل بِسُنِّةٍ جلسة الاستراحة، لكن الحديث ضعيف، لا يقوم بمثله الحجة، فإن في سنده خالد بن إياس، وهو متروك، كما عرفت، وأيضًا فيه صالح مولى التوأمة، وكان قد اختلط بآخره كما عرفت. ١٩١ أبواب الصلاة عن رسول الله رَّهِ / بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَخْتَارُونَ أَنْ يَنْهَضَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورٍ قَدَمَيْهِ. وَخَالِدُ بْنُ إِلَيَاسَ هُوَ ضَعْيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، قَالَ: وَيُقَالُ: خَالِدُ بْنِ إِيَاسٍ أَيْضاً. وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ هُوَ: صَالِحُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ. وَأَبُو صَالِحِ اسْمُهُ: نَبِّهَانُ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ. قوله: (حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم: يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه) لو قال الترمذي: عليه العمل عند بعض أهل العلم، أو عند أكثر أهل العلم لكان أولى، فإنه قد قال في الباب المتقدم بعد رواية حديث مالك بن الحويرث: والعمل عليه عند بعض أهل العلم، وبه يقول أصحابنا. واستدلَّ من اختار النهوض في الصَّلاةِ على صُدُورِ القَدَمَيْنِ بحديث الباب، وقد عرفت؛ أنه حديثٌ ضعيفٌ لا يصلُح للاستدلال، واستدلوا بأحاديثَ أخرى وآثار، فعلينا أن نذكرها مع الكلام عليها . فمنها: حديثُ عكرمة قال: صلَّيت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّهُ أَبِيِ القَاسِم ◌َّر؛ رواه البخاري(١). قيل: يستفاد منه ترك جلسة الاستراحة، وإلا لكانت التكبيرات أربعًاً وعشرين مرة؛ لأنه قد ثبت أن النبي ◌َّةِ ((كانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْض وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ)). وأُجِيب عنه بأن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جدًّا، ولذلك لم يشرع فيها ذكر، فهي ليست بجلسة مستقلة، بل هي من جملةِ النُّهُوضِ إلى القيام، فكيف يستفادُ من هذا الحديث ترك جلسة الاستراحة، ولو سلم فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة، وحديث مالك بن الحويرث يدل على ثبوتها بالعبارة، ومن المعلوم أن العبارة مقدمةٌ على الإشارة. ومنها: حديثُ أبي مالك الأشعري؛ أنه جمع قومه، فقال: يا معشر الأشعريين، اجتمعوا، واجمعوا نساءكم وأبناءَكم، أُعَلِّمُكُمْ صَلاةَ النبيِّ وََّ ... الحديث(٢)، وفيه: ((ثُمَّ كَبَّر وخرَّ ساجدًا، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فانتهض قائمًا))؛ رواه أحمد. وقيل قوله: ((ثُمَّ كَبَّرَ فسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَانْتَهَضَ قَائِمًا))، يَدل على نَفْي جلسة الاستراحة. (١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٨٨). (٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)). حديث (٢٢٣٩٩). ١٩٢ أبواب الصلاة عن رسول الله وَه / بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً وأجيب عنه بأن في إسناده شهر بن حوشب. قال الحافظ في ((التقريب)): كثيرُ الإرسال والأوهام. انتهى. ثم هذا الحديث ليس بصريح بنفي جلسة الاستراحة، ولو سلم فهو إنما يدلُّ على نفي وجوبها، لا على نفي سنيتها، ثم حديث مالك بن الحويرث أقوى وأصح وأثبت من هذا الحديث. ومنها: حديثُ أبي حميد الساعدي، وفيه: (ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَقَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّْ)) رواه أبو داود(١). وأُجِيب عنه بأن أبا داود رواه بإسناد آخر صحيح، والترمذي بإثبات جلسة الاستراحة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد تقدم لفظهما، والمثبت مقدمٌ على النَّافي. وأما الآثار، فمنها: أثر النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غيرَ واحد من أصحاب النبي وَّ، فكان إذا رفع رَأْسَهُ من السَّجْدة في أول ركعة، والثالثة قام كما هو، ولم يَجْلِسْ؛ رواه أبو بكر بن أبي شيبة(٢). والجواب عنه: أن في إسناده محمد بن عجلان، وهو مدلِّس، ورواه عن النعمان بن عياش بالعنعنة؛ على أَنَّ محمد بن عجلانَ سَيِّئُ الحفظ، وقد تفرَّدَ هو به، وروى عنه أبو خالد الأحمر، وهو أيضًا سَيِّئُ الحِفْظِ. ومنها: أثر ابن مسعود، رواه الطبراني في ((الكبير))، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣) عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ((رمقتُ عبدَ الله بن مسعود في الصلاة، فرأيته ينهض ولا يجلس، قال: يَنْهَضُ عَلَى صُدُورٍ قَدَمَيْهِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى وَالثَّالِثَةِ)). والجواب عنه أن البيهقي قال في ((السنن الكبرى)) - بعد ذكر هذا الأثر -: وهو عن ابن مسعود صحيح، ومتابعة السنة أولى، انتهى كذا في ((الجوهر النقي)) ص ١٤٧ ج ١. قلت: وترك ابن مسعود أنه جلسة الاستراحة إنما يدلُّ على عَدَم وجوبها، لا على نَفْي سنيتها. ومنها ما أخرجَ البيهقي عن عطية العوفي قال: رأيتُ ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا سعيد الخدري: يقومون على صُدُورٍ أَقْدَامِهِمْ في الصَّلاة. والجواب أن البيهقيَّ قال بعدَ إخراج هذا الأثر: وعطيةُ لا يحتجُّ به. انتهى. وقال الذهبي في ((الميزان)): عطيةٌ بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف. انتهى. (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٣٠). (٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٩٨٩). (٣) الطبراني في ((الكبير)) (٩٣٢٧)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢٥٩٦)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٢٦/٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله رجال الصحيح. ١٩٣ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َه / بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّشَهُّدِ ٢١٥ - بَابُ مَا جَاءَ في التَّشَهُّدِ [ت١٠٠، ٩٩٢] [٢٨٩] (٢٨٩) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ◌ِلّهِ إِذَا قَعَدْنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَنْ نَقُولَ: ((التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ٢١٥ - بَابُ مَا جَاءَ في التَّشَهُّدِ [٢٨٩] قوله: (التحيات)، جمع تحية، ومعناها السَّلام، وقيل: البقاءُ، وقيل: العظمةُ، وقيل: السَّلامة من الآفاتِ والنَّقْصِ، وقيل: الملك. قال المحبُّ الطبريُّ: يحتملُ أن يكون لفظ التحية مُشْتَرَكًا بين هذه المعاني. وقال الخطّابي، والبغوي: المرادُ بالتحيات لله أنواعُ التعظيم له. (والصلوات)، قيل: المرادُ الخمس، أو ما هو أعمُّ من ذلك من الفرائض والنوافل في كُلِّ شَرِيعَةٍ، وقيل: العبادات كلها، وقيل: المراد الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصَّلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: الصدقات المالية. (والطيبات) أي: ما طَابَ مِنَ الكَلامِ، وحسن أن يثني به على الله تعالى، دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوالُ الصَّالحة؛ كالدُّعاء، والثناء، وقيل: الأعمال الصَّالحة، وهو أعمُّ. قال ابن دقيق العيد: إذا حُملت التَّحية على السلام، فيكون التقديرُ: التحياتُ التي تُعَظِّمُ بها الملوكُ مستمرة لله تعالى، وإذا حُمِلَ عَلَى البَقَاءِ فلا شَكَّ في اختِصَاصِ الله به، وكذلك الملك الحقيقي، والعظمة التامة، وإذا حملت الصَّلاةُ على العهدِ أو الجنسِ كان التقدير: أنها لله وَاجِبَةٌ لا يَجُوزُ أن يقصد بها غيره، وإذا حُملت على الرحمة، فيكون معنى قوله: (له))؛ أنه المتفضل بها؛ لأن الرحمة التامة الله يُؤْتِيهَا مَنْ يَشَاءُ، وإذا حُملت على الدعاء فظاهر، وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى، فتشمل الأفعالَ، والأقوالَ والأوصافَ، وطيبها كونُها كاملةً خالصةً من الشَّوائب. (السلام عليك أيها النبي) فإن قيل: كيف شُرع هذا اللفظ، وهو خطابُ بشر مع كونه منهيًّا عنه في الصلاة. فالجواب أن ذلك من خصائصه ◌َّهِ، فإن قيل: ما الحكمةُ في العُدُولِ عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: ((عليك أيها النبي))، مع أن لفظَ الغيبة هو الذي يقتضيه ١٩٤ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشَهُّدِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)). [خ: ٨٣١، م: ٤٠٢، ن: ١١٦١، جه: ٩٠٢، حم: ٣٩١١، مي بنحوه: ١٣٤٠] . السّياقُ كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين. أجاب الطبيِيّ بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علَّمه الصحابة؛ قاله الحافظ في ((الفتح)). قال: وقد ورد في بَعْضٍ طُرُقٍ حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه وَّ فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده، فيقال بلفظ الغيبة، ففي الاستئذان من ((صحيح البخاري)) (١) من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساقَ حديثَ التشهُّد، قال: وهو بين أظهرنا، فلما قُبض قلنا: السلام، يعني: على النبي؛ كذا وقع في البخاري. وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه (٢))، والسراج، والجوزقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: فلما قبض قلنا: السلام على النبي، بحذف لفظ، يعني . وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٣) عن أبي نعيم قال: وقد وجدت له متابعًا قويًّا، قال عبد الرزّاق(٤) أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء، أن الصحابة كانوا يقولون والنبي نَّ حي: السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، فلما مات قالوا: السلامُ عَلَى النبي، وهذا إسنادٌ صحيح. انتهى. (ورحمة الله) أي: إحسانه. (وبركاته) أي: زيادته من كُلِّ خير. (السلام علينا) واستدلَّ به على استحباب البداءةِ بالنفس في الدُّعاءِ. وفي الترمذي(٥) مصحِّحًا عن أبي بن كعب؛ أن رسولَ الله وَّه إذا ذكر أحدًا فدعا له بَدَأَ بِنَفْسِهِ، وأصلُه في ((صحيح مسلم))، ومنه قول نوح، وإبراهيم عليهما السلام كما في التنزيل: ((وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ)): الأشهر في تفسير الصالح، أنه القائمُ بما يجب عليه من (١) البخاري، كتاب الاستئذان. حديث (٦٢٦٥). (٢) ((صحيح أبي عوانة)). حديث (١٦٠٢)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢٦٤٥). (٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٨٦). (٤) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٠٧٥). (٥) الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله. حديث (٣٣٨٥). ١٩٥ أبواب الصلاة عن رسول اللّه ◌َا﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّشَهُّدِ قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَائِشَةَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ فِي الَّشَهُدِ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ. حقوق الله، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته، قال الحكيم الترمذي: من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدًا صالحًا، وَإلَّا حُرِمَ هذا الفضل العظيم؛ كذا في ((الفتح)). قوله: (وفي الباب عن ابن عمر، وجابر، وأبي موسى، وعائشة) أما حديث ابن عمر: فأخرجه أبو داود، والدارقطني، والطبراني(١). وأما حديث جابر: فأخرجه النسائي، وابن ماجه(٢)، والحاكم، ورجاله ثقات؛ كذا في ((النيل))، وأما حديثُ أبي موسى: فأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي(٣) . وأما حديث عائشة: فأخرجه الحسن بن سفيان في ((مسنده))، والبيهقي(٤)، ورجّح الدارقطني وقفه؛ قاله في ((النيل)). قوله: (حديثُ ابن مسعود قد روي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث ... إلخ) قال البزار لما سئل عن أصحِّ حديث في التشهد قال: هو عندي حديثُ ابن مسعود، وروي من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها، وقال: لا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا، ذكره الحافظ، وقال: لا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره، وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره. وأنه تلقَّاه عن النبي ◌ِِّ تلقينًا؛ ففي رواية للطحاوي(٥) أخذت التشهُّدَ من فِيٍّ رَسُولِ الله ◌َّهِ وَلَقَّننيه كلمة كلمة، ثم ذكر الحافظ وجوهًا أخر لرجحانه. (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٧١)، والدارقطني (٣٥١/١). حديث (٦)، والطبراني في ((الأوسط)). حدیث (٢٦٢٥). (٢) النسائي، كتاب التطبيق. حديثْ (١١٧٥)، وابن ماجه (٩٠٢)، والحاكم (٩٨٣). (٣) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٤)، وأبو داود (٢٥٦)، والنسائي (١١٧٢). (٤) البيهقي في ((الكبرى) (٢٦٦٧). (٥) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٥٠). ١٩٦ أبواب الصلاة عن رسول الله لَّا / بَابٌ مِنْهُ أَيْضَاً وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُؤْسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ خُصَيْفٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ النَّاسَ قَدٍ اخْتَلَفُوا فِي التَّشَهُّدِ؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ. ٢١٦ - بَابٌ مِنْهُ أَيْضَاً [ت١٠١، ١٠٠٢] [٢٩٠] (٢٩٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّه يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ، فَكَانَ يَقُولُ: ((التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَيِّبَاتُ الله، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا قوله: (وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة، واختار مالك وأصحابه تشهُّد عمر؛ لكونه علَّمه للناس وهو على المنبر، ولم ينكروه، فيكون إجماعًا، ولفظه نحو حديث ابن عباس، إلا أنه قال: ((الزاكيات)) بدل ((المباركات))، وكأنه بالمعنى، واختار الشافعي تشهُّدَ ابن عباس، وقال - بعد أن أخرج حديث ابن عباس -: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلي؛ لأنه أكملها، وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحًا، كان عندي أجمع، وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به، غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صَحَّ؛ ذكره الحافظ. وقال: ثم إن هَذَا الاختلاف إنما هو الأفضلُ، وكلام الشافعي المتقدم يدل على ذلك. انتهى. قلت: لا شَكَّ في أن حديثَ ابن مسعود أرجحُ من جميع الأحاديث المرويَّةِ في التشهُّد، فالأخذ به هو الأولى. والله تعالى أعلم. ٢١٦ - بابٌ مِنْهُ أَيْضًا [٢٩٠] قوله: (التحيات المباركات، الصلوات الطيبات الله) المباركات: جمع مباركة، معناها: كثيرة الخير، وقيل: النماء. قال النووي: تقديره: والمباركاتُ، والصلواتُ، والطيبات، كما في حديث ابن مسعود، وغيره، ولكن حذفت الواو اختصارًا، وهو جائز معروف في اللغة. (سَلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته سلام علينا) كذا وقع في هذا ١٩٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / بَابٌ مِنْهُ أَيْضَاً إِلَهَ إِلَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله)). [م: ٤٠٣، ن: ١١٧٣، د: ٩٧٤، جه: ٩٠٠، حم: ٢٦٦٠] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ الرُّؤَاسِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَرَوَى أَيْمَنُ بْنُ نَابِلِ المَكِّيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّشَهُّدِ. الكتاب: ((سلام عليك)) .... و((سلام علينا)) بغير الألف واللام، والحديث رواه مسلم في ((صحيحه): ((السلام عليك))، ((السلام علينا)) بالألف واللام. قال النووي: يجوزُ فيه وفيما بعده حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضلُ، وهو الموجودُ في روايات الصحيحين. قال الحافظ في ((الفتح)): لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم. قوله: (الرؤاسي) بضم راء فهمزة وسين مهملة، منسوب إلى رؤاس بن كلاب؛ كذا في ((المغني)). قوله: (وروى أيمن بن نابل) بنون وموحدة. (عن أبي الزبير عن جابر) وأما الليث، وعبد الرحمن بن حميد، ؛ فرويا عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاوس؛ عن ابن عباس. (وهو غير محفوظ) قال الحافظ في ((التلخيص)): أيمن بن نابل راويه عن أبي الزبير، أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو من أوثق الناس في أبي الزبير، فقال: عن أبي الزبير، عن طاوس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال حمزة الكناني: قوله: ((عن جابر)) خطأ، ولا أعلم أحدا قال في التشهد: بسم الله، وبالله، إلا أيمن. وقال الدارقطني: ليس بالقويِّ خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد. وقال الترمذي: سألت البخاريَّ عنه، فقال: خطأ. وقال النسائي: لا نعلم أحدًا تابعه، وهو لا بأس به لكن الحديث خطأ. انتهى باختصار. ١٩٨ أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يُخْفِي التَّشَهُّدَ ٢١٧ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يُخْفِي التَّشَهُدَ [ت١٠٢، ١٠١٢] [٢٩١] (٢٩١) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيْدِ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُخْفِيَ الَّشَهُّدَ. [ر: ٩٨٦]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. ٢١٨ - بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ الجُلُوسُ في التَّشَهُّدِ؟ [ت١٠٣، م١٠٢] [٢٩٢] (٢٩٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِذْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبِ الجَرْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، قُلْتُ: لِأَنْظُرَنَّ ٢١٧ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يُخْفِي التَّشَهُّدَ [٢٩١] قوله: (يونس بن بكير) بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ؛ قاله الحافظ. وقال الخزرجي: قال ابن معين: ثقة، وضعفه النَّسائي، وقال أبو داود: ليس بحجة يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله، روى له مسلم متابعة. قوله: (من السنة) قال الطيبِيّ: إذا قال الصحابيُّ: من السنة، كذا، فهو في الحكم كقوله: قال رسول الله مَّرَ، هذا مذهب الجمهور من المحدِّثين والفقهاء، وجعله بعضُهم موقوفًا، وليس بشيء. انتهى. قوله: (حديث ابن مسعود حديث حسن غريب) والحديث رواه أبو داود، والحاكم في (المستدرك)(١)، وقال: صحيح على شرط مسلم. قلت: في سنده يونس بن بكير، وقد عرفت حاله، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلِّس. ٢١٨ - بَابُ كَيْفَ الجُلُوس في النَّشَهُّدِ [٢٩٢] قوله: (أخبرنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو محمد الكوفي، ثقة، فقيه، عابد. (١) الحاكم. حديث (٨٣٨) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ١٩٩ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ الجُلُوسُ فِي النَّشَهُّدِ؟ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهُ، فَلَمَّا جَلَسَ - يَعْنِي لِلْتَّشَهُّدِ - افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى - يَعْنِي عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى - وَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى. [ن: ١١٥٨]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَابْنِ المُبَارَكِ. قوله: (افترش رجله اليسرى) وفي رواية الطحاوي، وسعيد بن منصور: ((فرشَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى عَلَى الأَرْضِ، وَجَلَسَ عَلَيْهَا)). والحديثُ قد احتجَّ به القائلون باستحباب الافتراش في التَّشهدين، وأجيبَ بأن هذا الحديثَ مطلقٌ، وحديث أبي حميد الآتي مقيدٌ، فيحملُ المطلقُ على المقیدِ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قوله: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأهل الكوفة). قال النووي: اختلفَ العلماءُ في أن الأفضلَ في الجلوسِ في التشهدين التورُّك، أم الافتراش؟ فمذهب مالك، وطائفة: تفضيل التورُّكِ فيهما، ومذهب أبي حنيفة، وطائفة: تفضيل الافتراش فيهما، ومذهب الشافعي، وطائفة: يفترش في الأول، ويتورك في الأخير لحديث أبي حميد الساعدي، ورفقته في ((صحيح البخاري))، وهو صريح في الفرق بین التشهدین . قال الشافعي: والأحاديث الواردة بتورك، أو افتراش مطلقة، لم يبين فيها أنه في التشهدين، أو في أحدهما، وقد بينه أبو حميد ورفقته، ووصفوا الافتراش في الأول، والتورك في الأخير؛ وهذا مبينٌ؛ فوجب حمل ذلك المجمل عليه، والله أعلم. انتهى كلام النووي. وقال الحافظ في ((الفتح)): واختلف فيه قول أحمدُ، والمشهور عنه اختصاصُ التورك بالصلاة التي فيها التشهدان. انتهى. قلت: استُدلَّ لما ذهب إليه مالك، ومن معه؛ بما رواه مالك(١) في ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد؛ أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى، وثَى (١) مالك، كتاب النداء للصلاة. (٢٠٣). ٢٠٠ أبواب الصلاة عن رسول الله وَهـ / بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ الجُلُوسُ فِي الَّشَهُّدِ؟ رجله اليسرى، وجلس على وِرْكِهِ الأيسر، ولم يجلس على قَدَمِهِ، ثم قال: أراني هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. والجواب: أن هذا معارض بما رواه النسائي(١) من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد؛ أن القاسم حدَّثه، عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: ((من سُنَّةِ الصَّلاةِ أَنْ يَنْصِبَ الْيُمْنَى، ويَجْلِسَ عَلَى الْيُسْرَى))، فيحمل ما رواه مالك على التشهد الأخير، وما رواه النسائي على التشهد الأول؛ دفعًا للتعارض. واستُدِلَّ للشافعي ومن معه بحديث أبي حميد الساعدي قال: ((أنا كنتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلاةِ رَسُولِ اللهِ ... الحديث)). وفيه: ((فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى. فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَفْعَدَتِهِ)). رواه البخاري(٢). قال الحافظ في ((الفتح)) في رواية عبد الحميد: ((حَتَّى إذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا التَّسْلِيمُ))، وفي رواية عند ابن حبان(٣) ((الَّتِي تَكُونُ خَاتِمَةَ الصَّلاةِ، أَخْرَجَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ)). قال: وفي هذا الحديث حجَّةٌ قويَّةٌ للشافعي، ومن قال بقوله: في أن هيئةَ الجلوس في التشهد الأول مغايرةٌ لهيئة الجلوس في الأخير. وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما: إنه أقربُ إلى عدم اشتباه عدد الركعات؛ ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني؛ ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به، واستدلَّ به الشافعي أيضًا على أن تَشَهُّدَ الصبح كالتشهد الأخير من غيره، لعموم قوله: ((فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ)). انتهى كلام الحافظ . واستدلَّ لما ذهب إليه أبو حنيفة، ومن معه من تفضيل الافتراش في التشهدين؛ بحديث وائل بن حجر المذكور في هذا الباب. والجواب: أنه محمولٌ على التشهد الأول، بحديث أبي حميد الساعدي المذكور؛ ولما رواه النسائي(٤) في باب ((موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول)) عن وائل بن حجر قال: (١) النسائي، كتاب التطبيق. حديث (١١٥٨). (٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٨٢٨). (٣) ابن حبان. حديث (١٨٧٠). (٤) النسائي، كتاب التطبيق. حديث (١١٥٩).