النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّ / باب مَا جَاءَ فِي الجَمعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي الحَضرِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ قَدْ رُوِي عنْهُ مِن غَيْرِ وجْهٍ: رَوَاهُ جَابِرُ بنُ
زَيْدٍ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدُ الله بنُ شَقِيقِ العُقَيْلِيُّ. وَقَدْ رُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن
النَّبِيّ ◌َُّ غَيْرُ هذَا .
[١٨٨] (١٨٨) حدثنا أبو سَلمَةً يَحْيَى بنُ خَلَفِ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بنُّ
سُلْمانَ، عَن أبيهٍ، عَن حَنَشٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ:
الحديث عن ابن عباس - قد قال به، قال الحافظ: ويقوي ما ذكره من الجَمْع الصوريُّ: أن
طرق الحديث كلَّها ليس فيها تعرُّضٌ لوقت الجمع، فإما أن تُحْمَلَ على مطلقها؛ فيستلزم
إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصةٍ، لا تستلزم
الإخراج، ويُجمعُ بها بين مفترق الأحاديث، فالجمعُ الصُّوريُّ: أولى. انتهى.
قال الشوكاني في ((النيل)): ومما يدلُّ على تعيُّن حمل حديث الباب على الجَمعِ
الصوري: ما أخرجه النسائي (١)، عن ابن عباس، بلفظ: ((صلَّيتُ مع النبي ◌َّ الظهر والعصر
جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وأخَّر المغرب وعجّل
العشاء))، فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرَّح بأن ما رواه من الجمعِ المذكور هو
الجمعُ الصوري، ثم ذكر الشوكانيُّ مؤيِّدات أخرى للجمع الصُّوريِّ، ودفع إيراداتٍ تَرِدُ علیه،
مَن شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى ((النيل)).
وهذا الجواب هو أولى الأجوبة عندي وأقواها وأحسنها؛ فإنه يحصل به التوفيقُ والجمعُ
بين مفترق الأحاديث، والله تعالى أعلم.
قوله: (وقد روي عن ابن عباس عن النبي ◌ََّ غيرُ هذا) أي: ما يخالف هذا الحديثَ
المذكورَ، ثم رواهُ بقوله: ((حدثنا أبو سلمة ... )) إلخ.
[١٨٨] قوله: (حدَّثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري) الجُوباريُّ، من شيوخ الترمذي
ومسلم وأبي داود وابن ماجه، صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين، (عن أبيه): سليمان
التيمي، (عن حَنَشٍ) بفتح الحاء المهملة والنون، لقب حُسين بن قَيس الرَّحبيِّ أبي علي
الواسطي، وهو متروك؛ كذا في ((التقريب)).
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٨٨٣) مختصرًا دون قوله: ((أخر الظهر ... )).

٥٨٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهه / باب مَا جَاءَ فِي الجَمعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي الحَضرِ
(مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فقَدْ أتَى بَاباً مِن أبْوَابِ الكَبَائِرِ)). [ضعيف جدًّا،
حنش، متروك، قال البخاري: أحاديثه منكرة جدًّا، ولا يكتب حديثه] .
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَحَنَشٌ هذَا هُو: أبو عَلِيِّ الرَّحَبِيُّ وَهُو: حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُو
ضَعِيفٌ عِنْدِ أهْلِ الحَديثِ، ضَعَّفَهُ أحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العلمِ: أنْ لا يَجْمَعِ بَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ إلَّا فِي السَّفَرِ أوْ
بِعَرَفَةَ .
قوله: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر) كسفر ومرضٍ (فقد أتى بابًا من أبواب
الكبائر) قال المُناوي: تمسَّك به الحنفية على منع الجمعِ في السفر، وقال الشافعي: السفر
عذرٌ. انتهى.
قلت: قد جاء في الجَمع بين الصلاتين في السفر أحاديثُ صحيحةٌ صريحة في
((الصحيحين)) وغيرهما، وحديث ابن عباس هذا ضعيفٌ جدًّا. قال الحافظ ابن حجر في
((تهذيب التهذيب)) في ترجمة حنش بن قيس: حديثهُ: ((من جمَعَ بين الصلاتين ... ))
الحديث، لا يتابعُ عليه، ولا يعرف إلَّا به، ولا أصل له، وقد صحَّ عن ابن عباس أن النبيَّ
وَِّ جَمَعَ بين الظهر والعصر. انتهى. وأما قول الحاكم بعد روايته في ((المستدرك)): هذا
حديث صحيح، فقد ردَّه الذهبيُّ؛ كما صرَّح به المُناويُّ، وعلى تقدير صحته: فالجواب هو
ما قال الشافعيُّ من أن السفر عُذرٌ.
قوله: (وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمد وغيره) قال الذهبيُّ في ((الميزان))
في ترجمته: قال أحمد: متروك، وقال أبو زرعة وابن معين: ضعيف، وقال البخاري: لا
يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مرة: متروك، وقال السعدي: أحاديثه منكرة
جدًّا، وقال الدارقطني: متروك، وعدَّ الذهبي حديثه: ((مَن جَمَعَ بين الصلاتين ... )) إلخ؛
من منكراته .
قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم ألَّا يجمع بين الصلاتين إلَّا في السفر أو بعرفة)
قال الترمذي في آخر كتابه في ((كتاب العلل)) ما لفظه: جميعُ ما في هذا الكتاب من الحديث
هو معمولٌ به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس: ((أن النبيَّ وَل
جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوفٍ ولا سفرٍ ولا مَطَرٍ»،
وحديث النبيِّ ◌َّة، أنه قال: ((إذا شرب الخمر، فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة، فاقتلوه)).

٥٨٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي الجَمعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي الحَضرِ
ورَخَّصَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصلاتَيْنِ لِلْمَرِيضِ. وبِ
يقولُ أحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
انتهى، قال النووي في ((شرح مسلم)): وهذا الذي قاله الترمذيُّ في حديث ((شارب الخمر)»
هو كما قاله، فهو حديثٌ منسوخ، دل الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عبَّاسٍ، فلم
يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال، ثم ذكر تلك الأقوال، وقد مرَّت في كلام
الحافظ، وقاله صاحبُ ((دراسات اللبيب)): هذا القولُ منه - أي: من الترمذي - غريبٌ جدًّا؛
وجه الغرابة: أنا قدَّمنا أن عَدَمَ الأخذِ بالحديثِ ممَّن ينسب إليه ذلك إنما يتحقَّق إذا لم يُجب
عن ذلك الحديث، ولم يحمله على محملٍ، وأما إذا فعل ذلك: فقد أخذ به، وهذا الحديث
- يعني: حديث ابن عباس - كثرَت في تأويله أقوالُ العلماء ومذاهبُهُم فيه، ومع هذه
التأويلات والمذاهب فيه، وإن كانت بعضها بعيدة، كيف يطلق عليه: أنه لم يعمل به أحد من
العلماء، وإن أراد الترمذيُّ أنه لم يعمل بظاهره من غيرِ تأويلٍ أحدٍ من العلماء، فيبطلُ قولُهُ:
((كل حديث في كتابي هذا معمول به ما خلا حديثين))، فإن كل حديث في كتابه ليس مما لم
يؤول أصلًا وعمل بظاهره، على أن هذا الحديث عملَ بظاهره جماعة من العلماء، ثم ذكر
قول النووي: ((وذهب جماعة من الأئمَّة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه
عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهبَ من أصحاب مالك، وحكاه الخطابيُّ عن القفَّال الشاشيِّ
الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إسحاق المروزي، وعن جماعة من أصحاب الحديث،
واختاره ابن المنذر. انتهى كلامه.
قلت: الأمر كما قال صاحب ((الدراسات)).
قوله: (ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، ؟
يقول أحمد وإسحاق) وقال عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاء، كذا في ((صحيح
البخاري)) معلقًا. ووصله عبد الرزّاق، قال الحافظ في ((الفتح)): ووصله عبد الرزّاق في
(مصنفه)) عن ابن جريج، عنه قال: واختلف العلماءُ في المريض، هل يجوزُ له أن يجمَعَ بين
الصلاتين، كالمسافر، لما فيه من الرفق به أو لا، فجوزه أحمد وإسحاق، واختاره بعض
الشافعية، وجوَّزه مالكٌ بشرطه، والمشهور عن الشافعيِّ وأصحابه: المنع، ولم أر في
المسألة نقلًا عن أحد من الصحابة. انتهى كلام الحافظ.
وقال العينيُّ في ((عمدة القاري)): قال عياضٌ: الجمع بين الصلوات المشتركة في
الأوقات تكون تارة سنة، وتارة رخصة، فالسنَّةُ: الجمع بعرفة والمزدلفة، وأما الرخصة:

٥٨٤
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َفيِ / باب مَا جَاءَ فِي الجَمعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي الحَضرِ
وَقَالَ بَعضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجْمِعُ بَيْن الصلاتَيْنِ في المَطَرِ. وبهِ يقولُ الشّافِعيُّ،
وَأَحْمُدُ، وَإِسْحاقُ. وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ لِلْمِرِيضِ أنْ يَجْمِعَ بَيْنَ الصّلاثيْنِ.
فالجمع في السفر والمرضِ والمطرِ، فمن تمسّك بحديث صلاة النبيِّ وَّلِّ مع جبريل - عليه
الصلاة والسلام - وقد أمَّه، فلم ير الجَمعَ في ذلك، ومن خصَّه أثبتَ جواز الجمع في السفر
بالأحاديث الواردة فيه، وقاس المرضَ عليه، فنقول: إذا أبيح للمسافر الجمعُ بمشقة السفر،
فأحرى أن يباح للمريض، وقد قرن الله تعالى المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطرِ
والتَّيمُّم، وأما الجمع في المطر: فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء،
وعنه قولة شاذَّة، أنه لا يجمعُ إلَّا في مسجدٍ رسولِ اللهِ وَلَهِ، ومذهبُ المخالِفِ: جواز الجمعِ
بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في المطر. انتهى ما في ((العمدة)).
(وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر؛ وبه يقول الشافعي وأحمد
وإسحاق) قال الحافظ ابن تيمية في ((المنتقى)) في باب جمع المقيم لمطر أو لغيره، بعد ذكر
حديث ابن عباس: ((إنَّ النَّبِيَّ ◌ِ لّهِ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا، الظهر والعصر، والمغرب
والعشاء)) ما لفظه: قلتُ: وهذا يدلُّ بفحواه على الجمع للمطر والخوف وللمرض، وإنما
خولف ظاهرُ منطوقه في الجمع لغير عذر؛ للإجماع، ولأخبار المواقيت، فَنُبْقِي فحواه على
مقتضاه، وقد صحَّ الجمع للمستحاضة، والاستحاضة نوع مرض، ولمالك(١) في ((الموطأ))
عن نافعٍ، أن عمر كان إذا جَمَعَ الأمراءُ بينَ المغرب والعشاء في المطرِ، جمع معهم،
وللأثرم في ((سننه)) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنه قال: من السُّنَّة إذا كان يوم مطيرٌ أن
يجمع بين المغرب والعشاء. انتهى كلام ابن تيمية.
قلت: أثر أبي سلمة بن عبد الرحمن هذا سكت عنه ابن تيمية والشوكانيُّ، ولم أقف على
سنده، فالله أعلم بحاله، كيف هو صحيحٌ أو ضعيفٌ، وقد أثبت الحافظُ ابن القيِّم في ((إعلام
الموقعين)) جوازَ الجمع بين الصلاتين لأصحاب الأعذارِ، وبَسَطَ فيه، من شاء الاطلاع عليه
فلیرجع إليه .
فإن قيل: كيف جوَّزوا الجمع بين الصلاتين لعذرِ المرض والمطرِ، وقد قال الإمام محمد
في ((موطئه)): بَلَغَنا عن عمر بن الخطاب؛ أنه كَتَبَ في الآذاق ينهاهم أن يجمعوا بين
الصلاتين، ويخبرهم أن الجمعَ بين الصلاتين في وقتٍ واحدٍ كــةٌ من الكبائر، قال: أخبرنا
(١) مالك. حديث (٣٣٣).

٥٨٥
أبواب الصلاة عن رسول الله (وَّ / باب مَا جَاءَ فِي بَدْءِ الأَذَانِ
١٣٩ - باب مَا جَاءَ في بدْءِ الأَذَانِ [ت٢٥، ٢٥٢]
[١٨٩] (١٨٩) حدثنا سعِيدُ بنُ يَحْيَى بْن سعِيدِ الأَمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أبِي، حَدَّثَنَا
بذلك الثقات عن العلاء بن الحارث، عن مكحول. انتهى؛ فقول عمر هذا بإطلاقه: يدلُّ
على أن الجمع بين الصلاتين مطلقًا كبيرةٌ من الكبائر، سواءٌ كان من عذرٍ أو من غير عذرٍ؟
فالجواب من قبل المجوِّزين أن المراد بالجمع في قول عُمر المذكور: الجمعُ من غير
عذرٍ، يدلُّ عليه: ما أخرجه الحاكم(١) عن أبي العالية عن عمر، قال: ((جمعُ الصلاتينِ من
غير عذرٍ من الكبائر))، قال: وأبو العالية لم يسمع من عمر، ثم أسند عن أبي قتادة، أن عُمر
كتَبَ إلى عامل له: ((ثلاثٌ من الكبائر: الجمع بين الصلاتين من غير عذر، والفرارُ من
الزحف ... )) الحديث، قال: وأبو قتادة أدرَكَ عُمر، فإذا انضم هذا إلى الأول، صار قويًّا،
قالوا: فقول عمر هذا لا يضرُّنا، فإنه يدلُّ على المنع من الجمع من غير عذر، والعذرُ قد
يكون بالسفر، وقد يكون بالمطرِ وبغير ذلك، ونحنُ نقول به، وقالوا أيضًا: من عرض له عُذرٌ
يجوز له الجمعُ إذا أراد ذلك، وأما إذا لم يكُن له ذلك، ولم يرد الجمعَ، بل ترك الصلاة
عمدًا، إلى أن دخل وقت الأخرى، فهو آثمٌ بلا ريب.
١٣٩ - باب مَا جَاءَ في بدءِ الأذانِ
أي: في ابتدائه، والأذان لغة: الإعلام، وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ
مخصوصةٍ، قال الحافظ في ((الفتح)): وردت أحاديث تدلُّ على أن الأذان شُرع بمكّة قبل
الهجرة، فذكر تلك الأحاديث، ثم قال: والحق: أنه لا يصحُّ شيءٌ من هذه الأحاديث، وقد
جزم ابن المنذر، بأنه ◌َ ﴿ كان يصلي بغير أذانٍ منذ فُرضتِ الصَّلاة بمَّة إلى أن هاجر إلى
المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم حديث
عبد الله بن زيد. انتهى كلام الحافظ.
والمراد بحديث عبد الله بن عمر وحديث عبد الله بن زيد اللذان رواهما الترمذي في هذا
الباب.
[١٨٩] قوله: (حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي) أبو عثمان البغدادي من شيوخ
الترمذي والشيخَّيْن وغيرهم، وثقه النسائي، مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومئتين، (نا أبي)
(١) الحاكم. حديث (١٠٢٠) من طريق ابن عباس ﴿يا، ولم أجده من طريق أبي العالية عن عمر، والله أعلم.

٥٨٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاءَ فِي بَدْءِ الأَذَانِ
محمدُ بنُ إِسْحَاقَ، عَن محمدٍ بْنِ إِبْراهِيمَ بْنِ الحَارِثِ التَّيمِيِّ، عَن محمدِ بْنِ عِبْدِ الله
ابْن زَيدٍ، عَن أبيهِ، قَالَ: لمّا أصْبَحْنَا أتَيْنَا رسولَ اللهِ بَّه فَأَخْبَرْتُهُ بِالرُّؤْيَا، فَقَالَ:
((إنَّ هذِهِ لَرُؤْيَا حَقِّ، فَقُمْ مَعَ بلالٍ، فَإِنَّهُ أَنْدَى
هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، الحافظ، الكوفي، نزيل بغداد، لقبه
الجَمَل، صدوق يُغربُ؛ كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)) وهامشها: وثقه ابن معين
والدارقطني والنسائي وأبو داود، (عن محمد بن إبراهيم التيمي) المدني، كنيته أبو عبد الله،
ثقة، له أفراد، من الرابعة، (عن محمد بن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه الأنصاري المدني،
ثقة، (عن أبيه) هو: عبد الله بن زيد الأنصاري، الخزرجي، صحابي مشهور، أُرِيّ الأذان،
مات سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمان.
-يـ
قوله: (إن هذه لرؤيا حق)، أي: ثابتة صحيحة، صادقة (فإنه أندى) قال الجزريُّ في
(النهاية)) أي: أرفع وأعلى صوتًا، وقيل: أحسن وأعذب، وقيل: أبعد، انتهى، وفي
((القاموس)): ((أندى)): كثر عطاياه أو حسن صوته. انتهى، وفيه أيضًا النِّداء، بالضم والكسر:
الصوت، والنَّدى: بُعدُهُ، وهو نديُّ الصوت، كـ ((غنيّ)): بعیدُهُ. انتهى.
قلت: والأحسنُ: أن يراد بـ ((أندى)) - هاهنا -: أحسنُ وأعذبُ وإلا لكان في ذكر قوله:
((أمَّ)) بعده تكرار، وعلى هذا: ففي الحديث دليلٌ على اتخاذ المؤذِّن حسَن الصوت، وقد
أخرج الدارمي(١) وأبو الشيخ بإسناد متَّصل بأبي محذورة، أن رسولَ اللهِ وَّه أمرَ بنحوِ عشرينَ
رجُلًا، فأذَّنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان، ولابن خزيمة؛ أنه وَّ قال: (لقَد
سمعتُ في هؤلاءِ تأذينَ إنسانٍ حسنِ الصوتِ))(٢)، وصحَّحه ابن السكن، كذا في ((التلخيص))
و ((النيل)).
قلت: وحديث أبي محذورة هذا أخرجه النسائيُّ(٣) أيضًا، ولفظه: قال: لما خرج
رسولُ اللهِ وَّر من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم، فسمعناهم يؤذِّنون
بالصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسولُ اللهِ وَّهَ: ((قَد سمعتُ في هؤلاء تأذینَ إنسانٍ
حسنِ الصَّوتِ، فأرسلَ إلينا، فأذََّّا رجلٌ رَجُلٌ، وكنتُ آخرهُم، فقالَ حين أذنتُ: تعالَ،
(١) الدارمي، كتاب الصلاة. حديث (١١٩٦)، وابن خزيمة. حديث (٣٨٥).
(٢) ابن خزيمة. حديث (٣٨٥).
(٣) النسائي، كتاب الأذان. حديث (٦٣٣).

٥٨٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ل ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي بدْءِ الأَذَّانِ
وَأْمَدُّ صَوْتاً مِنْكَ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا قِيلَ لَكَ، وَلْيُنَادِ بِذَلِكَ))، قَالَ: فَلَمَّا سَمعَ عُمَرُ بنُ
الخَطَابِ نِدَاءَ بلالٍ بالصَّلاةِ، خَرَجَ إلَى رَسُولِ الله ◌ِهِ، وَهُوَ يَجْرُّ إِزَارَهُ، وَهُوَ يَقُولُ:
يَا رَسُولَ الله، وَالذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، لَقَدْ رَأيْتُ مِثلَ الَّذِي قَالَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله
وَالَ: ((فِلِلَّهِ الحَمْدُ، فَذلِكَ أَثْبَتُ)). [د: ٤٩٩، جه: ٧٠٦، حم: ١٦٠٤٣، مي: ١١٨٧].
قَالَ: وفي البابِ عَنِ ابن عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عبدِ الله بنِ زَيْدٍ حَديثُ حسَنٌ صحيحٌ.
فأجلَسنِي بينَ يديهِ، فمسَحَ على ناصيَتِي وبرَّك عليَّ ثلاث مرَّاتٍ، ثم قال: اذهب فأذِّن عند
البيت الحرام ... )) الحديث.
(وأمد صوتًا منك) أي: أرفع وأعلى صوتًا منك، وفيه دليلٌ على اتخاذ المؤذِّن رفيع
الصوت وجهيره، (فألق): أمر من الإلقاء، (عليه) أي: على بلال (ما قيل لك) أي: في
المنام، (وليناد) أي: وليؤذن بلال، (بذلك) أي: بما تلقي إليه، (وهو يجر إزاره) أي:
للعجلة، جملة حالية، (لقد رأيت مثل الذي قال) أي: بلال، يعني: أَذِّن، (فقال رسول الله
وَله: فللِهِ الحمدُ) حيث أظهر الحقَّ ظهورًا، وازداد في البيان نورًا؛ قاله القاري، والظاهر:
أن يقول: حيث أظهر الحقَّ إظهارًا، وزاد في البيان نورًا.
قوله: (وفي الباب: عن ابن عمر) أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: (حدیث عبد الله بن زید حدیث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، فذكر فيه كلمات
الأذان والإقامة، وأخرجه ابن ماجه، فلم يذكر فيه لفظ ((الإقامة)) وزاد فيه شعرًا، وأخرجه
ابن حبَّان في ((صحيحه))(١) فذكره بتمامه، قال البيهقي في ((المعرفة))(٢). قال محمد بن يحيى
الذَّهليُّ: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في فضلِ الأذانِ خبرٌ أصحُّ من هذا، لأن محمَّدًا
سمعه من أبيه، وابن أبي ليلى لم يَسْمع من عبد الله بن زيد. انتهى، ورواه ابن خُزيمة في
((صحيحه) (٣)، ثم قال: سمعت محمد بن يحيى الذهليِّ يقول: ليسَ في أخبار ... إلى آخر
لفظ البيهقي، وزاد: خبر ابن إسحاق هذا ثابتٌ صحيحٌ؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعهُ
من أبيه، ومحمد بن إسحاق سمعهُ من محمد بن إبراهيم التيمي، وليس هو مما دلَّسه ابن
(١) ابن حبان، حديث (١٦٧٩).
(٢) (معرفة السنن والآثار)) (٦٥٢).
(٣) ابن خزيمة. تحت رقم (٣٧٢).

٥٨٨
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي بَدْءِ الأَذَانِ
وقَدْ رَوَى هذَا الحَديثَ إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عَن محمدِ بنِ إِسْحَاقَ أتَمَّ مِن هذَا الحَديثِ
وَأَطوَلَ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى وَالإِقامَةِ مَرَّةً مَرَّةً. وَعَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ هُوَ:
ابنُ عَبْدِ ربِّهِ، وَيُقَالُ: ابْنُ عَبْدِ ربِّ. وَلا نَعْرِفُ لَّهُ عَنِ النِبِيِّ ◌َلَهِ شَيْئاً يَصِحُ إلَّا هذا
الحَدِيثَ الوَاحِدَ فِي الأَذَانِ. وَعَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ المَازِنِيُّ لَهُ أحَادِيث عَن
النَّبِيِّ ◌َةِ، وَهُوَ عَمُّ عَبَّادِ بن تَمِيمٍ.
إسحاق. انتهى، وقال الترمذي في ((علله الكبير)): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا
الحديث، فقال: هو عندي صحيحٌ. انتهى؛ كذا في ((نصب الراية)).
واعلم: أن الترمذي روى هذا الحديث من طريق محمَّد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم
التيميّ، بلفظ: ((عن))، ورواه أبو داود من طريقه، عنه، بلفظ: ((حدثني))، ولذلك قال الذَّهليُّ
وغيره: محمَّد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم التيميّ وليس هو مما دلَّسه.
قوله: (وقد روى هذا الحديث: إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، أتمَّ من هذا
الحديث، وأطولَ، وذكر فيه قصَّة الأذان مثنى مثنى والإقامةِ مرَّة مرَّة) أخرجه أبو داود (١)، من
طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي - وهو: إبراهيم بن سعد - عن محمد بن إسحاق،
قال: حدَّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، حدَّثني
أبي عبد الله بن زيد: ((لما أمَرَ رَسُولُ اللهِ إِ لّهِ بالناقُوسِ يُعملُ، ليضرَبَ به للنَّاسِ؛ لجمع
الصَّلاةِ، طافَ بِي، وأنَا نَائِمٌ، رَجُلٌ يحمِل ناقوسًا في يدهِ فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟
قال: وما تصنع به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلكَ على ما هو خيرٌ من ذلك؟
فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله
إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله،
حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله
أكبر، لا إله إلَّا الله، قال: ثم استأخرَ عنِّيٍ غيرَ بعيدٍ، ثم قال: ثم تقول: إذا أقمت
الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، حي على
الصلاة، حي على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامتِ الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله
إلَّا الله، فلمَّا أصبحت، أتيت رسول الله عَليهِ ... )) إلخ.
قوله: (ولا نعرف له عن النبي وَّ شيئًا يصح إلّا هذا الحديث الواحد في الأذان) قال
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٩٩).

٥٨٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ لَةٍ / باب مَا جَاءَ فِي بَدْءِ الأَذَانِ
[١٩٠] (١٩٠) حدثنا أبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ
مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ المسْلمُونَ حِينَ
قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِها أحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْماً فِي
ذلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتخذُوا ناقُوساً مِثْلَ ناقُوسِ النَّصَارَى، وقالَ بعضُهم: اتّخِذُوا
قَرْناً مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ:
الحافظ في ((التلخيص)) - بعد ذكر قول الترمذي هذا -: وكذا قال البخاريُّ، وفيه نظر، فإن له
عند النسائي(١) وغيره حديثًا غيرَ هذا في ((الصدقة))، وعند أحمد(٢) آخر في ((قسمة النبيِّ وَل
شعرَهُ وأظفارَهُ، وإعطائهِ لمن تحصُلُ له أضحية)). انتهى كلام الحافظ.
قلت: إن كان هذان الحديثان صحيحينٍ، فلا شك في أن في قول الترمذيِّ هذا نظرًا،
وإلا فلا وَجهَ للنظر، كما لا يخفى على المتأمل، فتأمَّل.
[١٩٠] قوله: (حدّثنا أبو بكر بن أبي النضر) قال في ((التقريب)): أبو بكر بن النضر بن
أبي النضر البغداديُّ، قد ينسب لجده، اسمه وكنيته واحدٌ، وقيل: اسمه محمد وقيل: أحمد،
وأبو النضر هو هاشمُ بن القاسم، مشهور وأبو بكر: ثقة. انتهى، قلت: هو من شيوخ
الترمذيِّ ومسلم، مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومئتين، (نا الحجاج بن محمد) المِصِّيصيُّ
الأعورُ، أبو محمد، ترمذيُّ الأصل، نزل بغداد ثم المصِّيصة، ثقة ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر
عمره لما قدِمَ بغداد قبل موته، (قال ابن جريج)، اسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بنُّ
◌ُریج، تقة، فقيه فاضل، وکان یدلِّس ویُرسِلُ.
قوله: (كان المسلمون حين قدموا المدينة) أي: من مكة في الهجرة، (فيتحينون
الصلوات) أي: يقدِّرون أحيانها؛ ليأتوا إليها، والحينُ: الوقت والزمان، (فقال بعضهم:
اتخذوا ناقوسًا) قال النووي: قال أهل اللغة: هو الذي يضربُ به النصارى لأوقات
صلواتهم، وجمعه: نواقيسُ، والنَّقسُ: ضربُ الناقوس، وقال في ((النهاية)): الناقوس هي
خشبةٌ طويلةٌ تضربُ بخشبة أصغرَ منها، والنَّصارى يعلمون بها أوقاتَ صلواتهم. انتهى،
(وقال بعضهم: اتخذوا قرنًا) القرن: هو البوقُ الذي ينفخ فيه، يقال له بالفارسية: ناي بزرك،
(١) (السنن الكبرى)) للنسائي (٦٣١٣).
(٢) أحمد. حديث (١٦٠٣٩).

٥٩٠
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي بدْءِ الأَذَانِ
أوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((يا بِلالُ! قُمْ فَنَادِ
بالصَّلاةِ)). [خ: ٦٠٤، م: ٣٧٧، ن: ٦٢٥، حم: ٦٣٢١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
والمراد أنه ينفخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، (أو لا تبعثون
رجلًا) الواو: للعطف على مقدَّر، أي: أتقولون بموافقة اليهود والنصارى، ولا تبعثون؟
والهمزةُ: لإنكار الجملة الأولى، ومقررة للثانية، (ينادي بالصلاة) قال القاضي عياض:
ظاهره أنه إعلامٌ ليس على صفة الأذان الشرعيِّ، بل إخبار بحضور وقتها، قال النووي: هذا
الذي قاله محتملٌ أو متعيَّن، فقد صحَّ في حديث عبد الله بن زيد في ((سنن أبي داود
والترمذي))، وغيرهما: ((أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله صل# يخبره به فجاء
عمرُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، والذي بعثك بالحق، لقد رأيتُ مثل الذي رأى ... )) وذكر
الحديث، فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخرَ، فيكون الواقع الإعلام أوَّلًا. ثم رأى
عبد الله بن زيد الأذانَ، فشرعه النبي ◌َّله بعد ذلك: إما بالوحي، وإما باجتهاده وَّ على
مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له بَّر، وليس هو عملًا بمجرَّد المنام، هذا ما لا شكَّ
فيه؛ بلا خلاف، انتهى كلام النووي، قال الحافظ في ((الفتح)): كان اللفظ الذي ينادي به
بلال للصلاة قوله: ((الصلاة جامعةٌ)) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات))(١) من مراسيل سعيد بن
المسئِّب. انتھی.
(يا بلال، قم فناد بالصلاة) قال الحافظ في ((الفتح)) في رواية الإسماعيليِّ: ((فأذِّن
بالصلاة))، قال عياض: المراد الإعلامُ المحضُ بحضور وقتها، لا خصوصُ الأذان
المشروع، وأغْرَبَ القاضي أبو بكر بن العربيّ، فحمل قوله: ((أذِّن)) على الأذان المشروع،
وطَعَنَ في صحَّة حديث ابن عمر، وقال: عجبًا لأبي عيسى كيف صحَّحه، والمعروفُ أن
شرع الأذان إنما كان برؤيا عبد الله بن زيد. انتهى، وقال الحافظ: ولا تدفع الأحاديثُ
الصحيحةُ بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدَّمنا، وقد قال ابن مَنده في حديث ابن عمر: إنه
مجمع على صحته. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر) وأخرجه البخاري ومسلم
وغيرهما .
(١) ابن سعد في ((الطبقات)) (٢٤٦/١).

٥٩١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الأَذَانِ
١٤٠ - باب ـ جَاءَ في التَّرْجِيع في الأَذَانِ [ت٢٦، ٢٦٢]
[١٩١] (١٩١) حدثنا بشْرُ بْنُ مُعَاذٍ البَصْريُّ، حَدَّثَنَا إبرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ
عَبْدِ الملكِ بْنِ أبِي مَحْذُورَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي وَجَدِّي جَمِيعاً، عَن أبِي مَحْذُورَةَ:
أنَّ رَسُوْلَ الله وَّهِ أَقْعَدَهُ وَألقَى عَلَيْهِ الأَذَانَ حَرْفاً حَرْفاً - قَالَ إبرَاهِيمُ: مِثْلَ أَذَانِنا -
قَالَ بِشْرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أعِدْ عَلَيَّ، فَوَصَفَ الأَذَانَ بِالتَّرْجِيعِ. [ن: ٦٢٨، د مطولاً: ٥٠٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبِي مَحْذُورَةَ في الأَذَانِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ
مِن غَيْرِ وَجْهِ.
١٤٠ - باب مَا جَاءَ في التَّرجيع في الأذَانِ
هو: إعادة الشهادتينٍ بصوت عال بعد ذكرهما بخفض الصَّوت، قال ابن قدامة في
((المغني)): اختيار أحمدَ من الأذان أذان بلال، وهو خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه، وبهذا
قال الثوري وأصحاب الرأي وإسحاق، وقال مالك والشافعي ومن تبعهما من أهل الحجاز:
الأذان المسنونُ أذانُ أبي محذورةَ، وهو مثلُ ما وصفنا، إلّا أنه ليس فيه الترجيع، وهو أن
يذكر الشهادتين مرَّتين مرتين يخفضُ بذلك صوته، ثم يعيدهما رافعًا بهما صوته، إلَّا أن مالكًا
قال: التكبير في أوله مرتان حسبُ، فيكون الأذان عنده سبعَ عشرةَ كلمةً، وعند الشافعي:
تسع عشرة كلمة. انتهى.
[١٩١] قوله: (ثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة) الجُمحيُّ
المكيُّ، يكنى أبا إسماعيل، صدوقٌ، يخطئ، (قال: أخبرني أبي وجدِّي جميعًا عن
أبي محذورة) أما أبوه: فهو عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال الحافظ في
((التقريب)): مقبول، وأما جده: فهو عبد الملك بن أبي محذورة، قال في ((التقريب)):
مقبول، وقال في ((الخلاصة)): وثقه ابن حبَّان.
قوله: (وألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا) أي: لقنه الأذان كلمةً كلمةً، (قال إبراهيم) هو:
ابن عبد العزيز المذكور في السند، (قال بشر) هو: ابن معاذ، شيخ الترمذي، (فقلت له)
أي: لإبراهيم، (فوصف الأذان بالترجيع) كذا روى الترمذيُّ هذا الحديث مختصرًا، ورواه
أبو داود والنسائي مطولًا .
قوله: (حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد رُويَ [عنه] من غير وجه)

٥٩٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الأَذَانِ
وَعَلَيْهِ العَمَلُ بِمَكّةَ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِي.
أي: من غير طريق واحدة، بل من طرق عديدة، رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم، وله
ألفاظٌ وطرقٌ.
قوله: (وعليه العمل بمكة، وهو قول الشافعي) قال النووي في ((شرح مسلم)) في شرح
حديث أبي محذورة: في هذا الحديث حجَّة بينة، ودلالةٌ واضحة لمذهب مالك والشافعي
وجمهور العلماء، أن الترجيع في الأذان ثابتٌ مشروعٌ، وهو العود إلى الشهادتين مرتين برفع
الصوت، بعد قولهما مرتين بخفض الصوت، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يشرع الترجيعُ
عملًا بحديث عبد الله بن زيد، فإنه ليس فيه ترجيع، وحجة الجمهور هذا الحديثُ الصحیحُ،
والزيادة مقدّمة، مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخّر عن حديث عبد الله بن زيد، فإن
حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حُنينٍ، وحديث ابن زيد في أول الأمر، وانضمَّ
إلى هذا كلِّه عملُ أهل مكة والمدينة وسائر الأمصار، انتهى كلام النووي، واحتج الجمهور
على مشروعية الترجيع وثبوته بروايات أبي محذورة، وهي نصوصٌ صريحةٌ فيه، فمنها:
الروايتان اللتان ذكرهما الترمذيُّ في هذا الباب.
ومنها: ما رواه مسلمٌ في ((صحيحه)) (١)، عنه، قال: ألقى عليَّ رسول الله رَّه التأذين هو
بنفسه، فقال: قُل: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إله إلَّا الله، أشهدُ
أن لا إله إلَّ اللهُ، أشهدُ أنَّ مُحمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أشهدُ أنَّ مُحمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ تعودُ،
فتقولُ: أشهدُ أن لا إله إلَّ الله، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أن مُحمَّدًا رسولُ الله، أشهدُ
أنَّ محمَّدًا رَسُولُ الله، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاة، حَيَّ على الفَلاحِ، حيَّ على
الفلاحِ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلَّ اللهُ)).
ومنها: ما رواه أبو داود في ((سننه)) (٢) عنه: قال: قلت: يا رسولَ اللهِ علِّمنِي سنة
الأذان، قال: فمسحَ مقدَّم رأسهِ قال: تقولُ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، ترفعُ
بها صوتَكَ، ثُمَّ تقولُ: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أن لا إله إلَّ الله، أشهدُ أنَّ مُحمَّدًا
رَسُولُ اللهِ، أشهدُ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، تخفضُ بها صوتَكَ، ثُمَّ ترفعُ صوتَكَ بالشَّهادةِ:
أشهدُ أن لا إله إلَّ الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهدُ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٧٩).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٠).

٥٩٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الأَذَانِ
مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاة، حَيَّ على الفَلاحِ، حيَّ عَلى
الفلاحِ، فإن كانت صلاةُ الصُّبْحِ، قُلتَ: الصَّلاةُ خيرٌ منَ النَّوم، الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم، الله
أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلّا الله)). قال القاري في ((المرقاة شرح المشكاة)): قال النوويُّ: حسَّن
نقله ميرك، وقال ابن الهُمام: إسناده صحيح. انتهى، وهذه الرواية نصٌّ صريحٌ في أن
الترجيعَ من سُنَّة الأذان.
ومنها: ما رواه النسائيُّ وأبو داود وابن ماجه(١)، عنه، قال: ((علَّمَنِي رَسُولُ اللهِوَّل
الأذانَ، فقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا
إله إلَّا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعودُ، فيقولُ:
أشهدُ أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن
محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة ... )) الحديث، وإسناده صحيح.
فهذه الرواياتُ كلها نصوصٌ صريحةٌ في ثبوت الترجيع ومشروعيته، وأجابَ عن هذه
الروايات من لم يقُل بالترجيع بأجوبةٍ، كلُّها مخدوشةٌ واهيةٌ جدًّا، فمنها: ما ذكره ابن الهُمَام
في ((فتح القدير)) فقال: روى الطبرانيُّ في ((الأوسط))(٢) عن أبي محذورة، يقول: ((ألقِّ عليّ
رسولُ اللهِ وََّ الأذانَ حرفًا حرفًا، اللهُ أكبرُ ... )) إلخ، ولم يذكُر ترجيعًا، فتعارضًا فتساقطا،
ويبقى حديث ابن عمر وعبد الله بن زيد سالمًا عن المعارض. انتهى، وردّه القاري في
((المرقاة شرح المشكاة)) حيث قال: وفيه أنَّ عدمَ ذكره في حديث لا يعد معارضًا؛ لأنَّ من
حفظ حجة على من لم يحفظ، والزيادة من الثقة مقبولةٌ، نعم: لو صرَّح بالنَّفي كان معارضًا
مع أن المثبتَ مقدَّمٌ على النافي. انتهى.
ومنها: ما قال الطحاويُّ أنه يحتملُ أن الترجيع إنَّما كان؛ لأن أبا محذُورة لم يمدَّ بذلك
صوته على ما أرادَ النبيّ وَّهِ منه، فقال النبيُّ ◌َّهُ: ((ارجع وامدُد من صوتك)) هكذا اللفظُ في
هذا الحديث. انتهى، وهذا التأويلُ مردودٌ، فإنه وقع في رواية أبي داود(٣): ((ثم ارجع، فمُدَّ
من صوتك)) بزيادة لفظ: ((ثم)) ولفظه هكذا: ((قُل: اللهُ أكبر، الله أكبر، اللهُ أكبر، الله أكبر،
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٢)، والنسائي، كتاب الأذان. حديث (٦٣١)، وابن ماجه، كتاب
الأذان. حديث (٧٠٩).
(٢) الطبراني في «الأوسط)). حديث (١١٠٦).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٣).

٥٩٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الأَذَانِ
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلَّ الله، أشهد أنّ محمَّدًا رسول الله، أشهد أن
محمَّدًا رسول الله، مرَّتينِ مرَّتينٍ، قال: ثم ارجِع فمُدَّ من صوتكَ: أشهدُ أن لا إله إلَّا الله،
أشهد أن لا إله إلَّ الله ... )) إلخ، فمعنى قوله: «ثم ارجع فمُدَّ من صوتكَ))، أي: اخفِض
صوتك بالشهادتين مرتين مرتين، ثم ارجع، فمُدَّ من صوتك، وارفعهُ بهما مرَّتين مرَّتين، يدلُّ
عليه رواية أبي داود التي ذكرناها قبلَ هذا بلفظ: ((تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله
أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّ الله، أشهد أن
محمَّدًا رسول الله، أشهد أن محمَّدًا رسول الله، تخفضُ بها صوتك، ثم ترفع صوتك
بالشهادة: أشهد أن لا إله إلَّا الله ... )) إلخ، والرواياتُ بعضُها يفسر بعضًا، ويرد هذا
التأويل أيضًا ما رواه الترمذيُّ(١) في هذا الباب بإسناد صحيح عن أبي محذورة، بلفظ: ((إنَّ
النبيَّ وَّهِ عَلَّمه الأذانَ تسعَ عشرة كلمة، والإقامة سبعَ عشرةَ كلمةً)).
ومنها: ما ذكره أبو زيد الدبوسيُّ في ((الأسرار)) وتبعه بعض شُرَّاح ((الهداية)) من أن النبي
وَلخير أمره بذلك، لحكمة رويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يبغضُ رسولَ الله وَله قبل
الإسلام بغضًا شديدًا، فلما أسلمَ أمره رسولُ اللهِ وَّهِ وعَرَك أذنه، وقال له: ارجع وامدُد بها
من صوتك، ليعلم أنه لا حياءً من الحق، أو ليزيد محبّة لرسول الله وَّهر بتكرير الشهادتين،
وردَّه العيني حيث قال: هذا ضعيفٌ، فإنه خفضَ صوتهُ عند ذكر اسم الله تعالى أيضًا بعد أن
رَفَعَ صوته بالتكبير، ولم ينقل في كتب الحديث أنه عَرَكَ أذُنَه. انتهى.
ومنها: ما قال ابن الجوزيِّ في ((التحقيق)) من أن أبا محذورة كان كافرًا قبلَ أن يُسلمَ،
فلمَّا أسلمَ، ولقَّنه النبيُّ وَّ الأذان، أعاد عليه الشهادة وكرَّرها، لتثبت عنده، ويحفظها،
ويكرِّرها على أصحابه المشركين، فلما كرَّرها عليه ظنها من الأذان.
ومنها: ما قال صاحبُ ((الهداية)) من أن ما رواه، كان تعليمًا، فظنه ترجيعًا، وقد ذكر
الحافظ الزيلعيُّ في ((نصب الراية)) هذه الأقوال، وقال: هذه الأقوالُ متقاربةٌ في المعنى، ثم
ردَّها، فقال: ويردُّها لفظ أبي داود، قلتُ: يا رسول الله، علِّمني سُنَّة الأذان، وفيه: ((ثُم
تقول: أشهد أن لا إله إلَّ الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، تخفضُ بها صوتكَ، ثم ترفع
صوتكَ بها)) فجعله من سُنَّةِ الأذانِ، وهو كذلك في ((صحيح ابن حبَّان)) و((مسند أحمد)).
انتهى، وكذلك ردَّ هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)).
(١) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (١٩٢).

٥٩٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَل﴿ه / باب مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيع فِي الأَذَانِ
قلت: ولرد هذه الأقوال وجوهٌ أخرى، منها: أن فيها سوء الظَّنِّ بأبي محذورةً، ونسبة
الخطأ إليه، من غير دليلٍ، ومنها: أن أبا محذورة كان مقيمًا بمكّة مؤذِّنًا لأهلها إلى أن
تُوفِّيَ، وكانت وفاته سنة (٥٩) تسع وخمسين، وكل مَن كان في هذه المُدَّة بمكَّة من الصحابة
ومنَ التابعين كانوا يسمعون تأذينه بالترجيع، وكذلك يسمع كل من يردُ في مكّة في مواسم
الحجِّ، وهي مجمعُ المسلمين فيها. فلو كان ترجيع أبي محذورة غير مشروع، وكان من
خطئه؛ لأنكروا عليه ولم يقروه على خطئه؛ ولكن لم يثبت إنكار أحد من الصحابة وغيرهم
على أبي محذورة في ترجيعه في الأذان، فظهَرَ بهذا بطلان تلك الأقوال، وثبت أن الترجيعَ
من سنة الأذان، بل ثبت إجماع الصحابة على سُنِّيَّتِهِ على طريق الحنفيَّة، فتفكّر، وقد بسطنا
الكلامَ في هذه المسألة في كتابنا: ((أبكار المِنَن؛ في نقد آثار السنن)».
واستدلَّ لمن لم يقل بمشروعية الترجيع: بما رواه مسلم(١)، عن عمر بن الخطاب،
مرفوعًا: ((إِذَا قال المؤذِّنُ: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال:
أشهد أن لا إله إلَّا الله، قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله،
قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلَّا
بالله ... )) الحديثَ، قيل: يستفاد من هذا الحديث أن الأذانَ ليسَ فيه الترجيعُ.
وأجيب عنه: بأنه يستفاد منه أيضًا أن الأذان ليس فيه تربيعُ التكبير، ولا تثنيةٌ باقي
الكلمات؛ فما هو الجوابُ عنهما هو الجوابُ عن الترجيع.
واستدل أيضًا بحديث عبد الله بن زيد، قال ابن الجوزيِّ في (التحقيق)): حديث عبد الله
بن زيد هو أصلٌ في التأذين، وليس فيه ترجيعٌ؛ فدلَّ على أن الترجيعَ غير مسنونٍ. انتهى،
وقد عرفت جوابَهُ في كلام النووي، وقال الطحاوي في ((شرح الآثار)): كره قوم أن يقال في
أذان الصبح: ((الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم))؛ واحتجُوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في
الأذان، وخالفهم في ذلك آخرون، فاستحبُّوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح بعد ((الفلاحٍ))،
وكان الحجة لهم في ذلك: أنه وإن لم يكن ذلك في حديث عبد الله بن زيدٍ، فقد علّمه
رسولُ اللهِ وَلهأبا محذورة بعدَ ذلك: فلمَّا علَّمه رسول الله وَ لي ذلك أبا محذورة، كان زيادة
على ما في حديث عبد الله بن زيد، ووجبَ استعمالها. انتهى كلام الطحاوي.
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٨٥).

٥٩٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَهَ / باب مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الأَذَّانِ
[١٩٢] (١٩٢) حدثنا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بنُ المُثَى، حَدَّثَنَا عَفّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ،
عَن عَامِرٍ بن عبْدِ الوَاحدِ الأَحْولِ، عَن مَكْحُولٍ، عَن عَبْدِ الله بنِ مُحَيْرِيز، عَن
أبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿وَ عَلّمَهُ الأذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ
كَلِمةً. [د: ٥٠٢، ن: ٦٢٨، جه: ٧٠٩، حم: ١٤٩٥٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
وَأَبُو مَحْذُورَةَ اسْمُهُ: سَمُرَةُ بنُ مِعْيَرٍ. وَقَدْ ذهبَ بعضُ أهْلِ العلم إلى هذَا فِي
الأَذَانِ. وقدْ رُوِيَ عَن أبي مَحْذُورَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُفْرِدُ الإِقَامَةَ.
قلت: فكذلك يقالُ: إن الترجيعَ - وإن لم يكن في حديث عبد الله بن زيد - فقد علَّمه
رسول الله ◌ِ﴾ أبا محذورة بعدَ ذلك، فلما علَّمه رسول الله وَليِ ذلك أبا محذورة، كان زيادةً
على ما في حديث عبد الله بن زيد؛ فوجب استعماله.
[١٩٢] قوله: (نا عفان) هو: ابن مسلم، (علمه الأذان تسع عشرة كلمة) أي: مع
الترجيع، والحديثُ نصٌّ صريح في سُنَّة الترجيع في الأذان، (والإقامة) بالنصب، أي: علمه
الإقامة (سبع عشرة كلمة) قال ابن الملك: لأنه لا ترجيع فيها، فانحذف عنها كلمتان،
وزيدتِ الإقامةُ شفعًا، تفصيله: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أربع كلمات؛ ثلاثٌ
منها تأكيدٌ، وأشهد أن لا إله إلَّا الله: مرتان؛ المرة الثانية تأكيدٌ، وكذا: أشهد أن محمدًا
رسول الله: مرتان، وحيَّ على الصلاة: مرتان، وحيَّ على الفلاح: مرَّتان، وقد قامتٍ
الصلاة: مرتان، والله أكبر، الله أكبر، كلمتان، ولا إله إلّا الله: كلمة واحدة، وبهذا قال
أبو حنيفة، والإقامة عند مالكٍ إحدى عشرة كلمةً، لأنه يقول: ((كلُّ كلمة مرة واحدة، إلَّا
كلمة التكبير والإقامة))، كما رواه ابن عمر وأنس؛ كذا ذكره الطّبي؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والدارمي، (وأبو محذورة اسمه: سمرة) وقيل: أوس، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان؛ قاله
الحافظ، (ابن مِعير) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح التحتانية، وقيل: عمير بن لوذان،
وأبو محذورة هذا: صحابي مشهور، مكي، مؤذِّن مكَّة، مات بها سنة تسع وخمسين، وقيل:
تأخر بعد ذلك أيضًا، (وقد رُويَ عن أبي محذورة؛ أنه كان يُفرِدُ الإقامة) أخرجه الدارقطني،
وسيجيء لفظه.
تنبيه: قال صاحب ((بذل المجهود)) - تحت حديث أبي محذورة - ما لفظه: وهذا الحديثُ

٥٩٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الأَذَانِ
يحتجُّ به على سُنِّيَّةِ الترجيع في الأذان، وبه قال الشافعيُّ ومالك؛ لأنه ثابت في حديث
أبي محذورة، وهو حديثٌ صحيحٌ؛ أخرجه مسلم، مشتملٌ على زيادة غير منافية، فيجبُ
قبولها، وهو أيضًا متأخّر عن حديث عبد الله بن زيد؛ لأن حديث أبي محذورة سنة ثمان من
الهجرة بعد حُنين، وحديث عبد الله بن زيد في أوَّلِ الأمر؛ ويرجِّحه أيضًا عمل أهل مكة
والمدينة. انتهى، وقال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: واستمرَّ الترجيعُ في مكَّة إلى عهد
الشافعيِّ، وكان السلف يشهدون موسم الحجِّ كلَّ سنةٍ، ولم ينكر أحدٌ. انتهى.
قلت: والأمر كما قال، ولكنهما - مع هذا الاعتراف - لم يقولا بسنية الترجيع في
الأذان، فأما صاحب ((بذل المجهود))، فأجاب عن حديث أبي محذورة: بأن الترجيع في
أذانه لم يكُن لأجل الأذان، بل كان لأجل التعليم؛ فإنه كان كافرًا، فكرر رسولُ اللهِ وَله
الشهادَتيْنِ برفعِ الصوت؛ لترسخا في قلبه، كما تدلُّ عليه قصَّته المفصّلة، فظنَّ أبو محذورة
أنه ترجيعٌ، وأنَه في أصلِ الأذانِ. انتهى.
قلت: هذا الجواب مردودٌ، كما عرفت آنفًا، ثم قال صاحبُ ((البذل)) - مستدلًّا على عدم
سُنِّيةِ الترجيعِ - ما لفظه: وقد روى الطبرانيُّ في ((معجمه الأوسط)) (١) عن أبي محذورة؛ أنهَ
قال: ((ألقَى علي رسولُ الله ◌َّةِ الأذانَ حرفًا حرفًا، الله أكبر، الله أكبر ... )) إلى آخره، لم
یذکر فیه ترجیعًا. انتھی.
قلت: أجاب عن هذه الرواية في ((نصب الراية)) فقال - بعد ذكر هذه الرواية -: وهذا
معارضٌ للرواية المتقدِّمة التي عند مُسلم وغيره، ورواه أبو داودَ في ((سننه)): حدَّثنا النُّفيليُّ،
ثنا إبراهيم بن إسماعيل، فذكره بهذا الإسناد، وفيه ترجيعٌ. انتهى.
ثم قال: وأيضًا يدلُّ على عدم الترجيع: ما رواه أبو داود والنسائي(٢)، عن ابن عمر؛
إنما كان الأذانُ على عهد رسولِ اللهِ وَّلِ مرتَين مرتين، والإقامةُ مرةً غير أن يقول: قد قامتٍ
الصَّلاة. انتهى.
قلتُ: قد تقدَّم الجوابُ عن هذه الرواية، فتذكَّر، ثم هذه الروايةُ إن تدلَّ على عدمَ
الترجيع، فتدلُّ أيضًا على عدم تثنية الإقامة؛ فعليهم أن يقولوا بعدم تثنيتها أيضًا، وأما
(١) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (١١٠٦).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥١٠)، والنسائي، كتاب الأذان. حديث (٦٢٨).

٥٩٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ فِي إِقْرَادِ الإِقَامَةِ
١٤١ - باب مَا جَاءَ في إفْرَادِ الإقَامَةِ [ت٢٧، ٢٧٠]
[١٩٣] (١٩٣) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَبْعٍ، عَن
خَالِدِ الحَذّاءِ، عَن أَبِي قِلابَةَ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ
وَيُوتِرَ الإِقَامَة. [خ: ٦٠٣، م: ٣٧٨، ن: ٦٢٦، د: ٥٠٨، جه: ٧٣٠، حم: ١٢٥٥٩، مي: ١١٩٤].
وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
صاحب ((العرف الشذي)) فقال: إن رجَّع الحنفيُّ في الأذان، ففي ((البَحْر)) أنه يباحُ، ليس بسُنةٍ
ولا مكروهٍ، وعليه الاعتمادُ، وقال: الحقُّ ثبوت الترجيع، ووجه الرجحان لنا في عدم
الترجيع: أن بلالًا استمرَّ أمره بين يدي رسول الله وَّله قبل تعليمه - عليه السلام - الأذان
أبا محذورة وبعده. انتهى.
قلت: قد استمرَّ الترجيع أيضًا من حين تعليمه - عليه السلام - الأذان بالترجيع أبا محذورة
إلى عهد الشافعيّ؛ كما اعترف هو بهِ، فحاصل الكلام: أنه ليس لإنكارِ سُنِّية الترجيعِ في
الأذان وجهٌ إلَّ التقليدُ أو قلَّةُ الاطلاعِ.
١٤١ - باب مَا جَاءَ في إفْرَادِ الإِقامَةِ
[١٩٣] قوله: (قال: أُمرَ بلال) بصيغة المجهول، (أن يَشفَعَ) بفتح أوله وفتح الفاء، أي:
يأتي بألفاظه شفعًا، قال الزين بن المُنيِّر: وصف الأذان بأنه شفع يفسره قوله: ((مثنى)) أي:
مرتين مرتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه؛ لكن لم يختلف في كلمة التوحيد التي
في آخره مفردةً، فيحمل قولهُ: (مَثنَى)) على ما سواها، (ويوتر الإقامة) أي: يأتي بألفاظها مرة
مرة، زاد في رواية ((الصحيحين)): ((إلَّا الإقامَةَ))، قال الحافظ في ((الدراية)): وفي بعض
طرقه: ((أن النبيَّ ◌َِّ أمرَ بلالًا أن يَشفعَ الأذانَ، ويوترَ الإقامة))، وقال في ((بلوغ المرام)»:
وللنسائي: ((أمرَ النبيُّ ◌َلِّ بلالاً)). انتهى، فرواية النسائي نصٌّ صريحٌ في أن الآمرَ هو النبيُّ
وَ﴿، والرواياتُ يفسِّر بعضها بعضًا، وبهذا ظهر بطلان قول العينيِّ في ((شَرْحِ الكَنزِ)): ((لا
حجة لهم فيه؛ لأنه لم يذكر الآمر، فيحتمل أن يكونَ هو النبيَّ ◌َلِّ أو غيره)).
قوله: (وفي الباب: عن ابن عمر) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي(١)، بلفظ: ((إنما
(١) أحمد. حديث (٥٥٤٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥١٠)، والنسائي، كتاب الأذان. حديث
(٦٢٨).

٥٩٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الإِقَامَةِ
كان الأذان على عهد رسول الله وَ﴿ مرتين مرتين، والإقامةُ مرةً مرةً، غير أنه يقول: ((قد
قامت الصلاة، قد قامت الصلاة)) وإسناده صحيح.
وفي الباب أيضًا: عن عبد الله بن زيد، وله طريقان كلاهما صحيحان:
الأول: ما رواه أبو داود في ((سننه)) (١) من طريق محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن
إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، حدثني أبي عبدُ الله بنُ زيد بن
عبد ربه، قال: ((لما أمرَ رسولُ اللهِ نَّه بالنَّاقُوس .. )) وفيه: ((ثم تقول إذا أقيمتِ الصَّلاةُ: الله
أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حي
على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله))؛
ورواه أحمد في ((مسنده))(٢) من هذا الطريق، ورواه ابن حبَّان في ((صحيحه))، قال الحافظ
الزيلعيُّ في ((نصب الراية)): قال البيهقيُّ في ((المعرفة): قال محمد بن يحيى الذَّهلي: ليس في
أخبار عبد الله بن زيد في فَضْلِ الأذان خبرٌ أصحُ من هذا؛ لأن محمدًا سمعه من أبيه، وابن
أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد. انتهى، ورواه ابن خُزيمة في ((صحيحه))(٣)، ثم قال:
سمعت محمد بن يحيى الذهليّ، يقول: ليس في أخبار ... إلى آخر لفظ البيهقي، وزاد:
خبرُ ابن إسحاق هذا ثابتٌ صحيحٌ؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعهُ من أبيه، ومحمَّد بن
إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم التيمي، وليس هو مما دلَّسه ابن إسحاق، وقال الترمذي
في ((علله الكبير)): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو عندي صحيح.
انتهى ما في ((نصب الراية)).
والطريق الثاني: ما رواه أحمد في «مسنده)) (٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن
الزهريِّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: ((لما أجمَعَ رسُولُ اللهِ
{َ* أن يضرِبَ بالناقوس، يجمع للصلاة الناس ... )) الحديث، وفيه: ((ثم تقول إذا أقمتَ
الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على
الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٩٩).
(٢) أحمد. حديث (١٦٠٤٣)، وابن حبان. حديث (١٦٧٩).
(٣) ابن خزيمة. تحت رقم (٣٧٢).
(٤) أحمد. حديث (١٦٠٤٢).

٦٠٠
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهُ / باب مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الإِقَامَةِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَحَدِيثُ أنَسٍ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو قَوْلُ بَعْض أهْلِ
العِلْم مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ وَالتَّابِعِينَ. وبهِ يقولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وأحْمَدُ،
وَإِسْحَاقُ.
إلَّا الله))، قال الحافظ في ((التلخيص)) - بعد ما ذكر الطريق الأول -: ورواه أحمد والحاكم من
وجهٍ آخر، عن سعيد بن المسيِّب، عن عبد الله بن زيد، وقال: هذا أمثلُ الروايات في قصَّة
عبد الله بن زيد؛ لأن سعيد بن المسيِّب، قد سمعَ من عبد الله بن زيد، ورواه يونسُ ومعمرٌ
وشُعيب [وابن] إسحاق عن الزهريِّ. انتهى ما في ((التلخيص))، وقال في ((عون المعبود)) نقلًا
عن ((غاية المقصود)) بعد نقل هذا الطريق من ((مسند أحمد)): وأخرجه الحاكم من هذا
الطريق، وقال: هذه أمثلُ الروايات في قصَّة عبد الله بن زيد؛ لأن سعيد بن المسيِّب قد سمعَ
من عبد الله بن زيد، ورواه يونس ومعمرٌ وشعيب وابن إسحاق، عن الزهري، ومتابعةٌ هؤلاء
لمحمَّد بن إسحاق عن الزهري: ترفع احتمالَ التدليس الذي يحتملُهُ عنعنة ابن إسحاق. انتهى
ما في ((العون)).
وفي الباب أيضًا: عن أبي محذورة رواه البخاريُّ في ((تاريخه))، والدارقطني وابن
خُزيمة(١)، بلفظ: ((إن النبيَّ رَّ أمره أن يشفعَ الأذان، ويُوتر الإقامة))؛ قاله الحافظ في
((التلخيص))، وقال في ((الفتح)): وروى الدارقطنيُّ وحسَّنه في حديثٍ لأبي محذورة، وأمرَهُ أن
یقیمَ واحدةً. انتهى.
قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
قوله: (وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق) إلَّا أن مالكًا يقول: إن الإقامة عشر
كلمات بتوحيد: ((قد قامت الصلاة))، وأما الشافعيُّ وأحمد وإسحاق: فعندهم إحدى عشرة
كلمة، فإنهم يقولون بتثنية: ((قد قامت الصلاة)) واستدلَّوا بحديث ابن عمر الذي أشار إليه
الترمذيُّ، وبحديث عبد الله بن زيد، ذكرناه من طريقين، وأما مالكٌ: فاستدلَّ بحديث أنس
المذكور في الباب، وقولُ الشافعيِّ ومن تبعه هو الراجحُ المعوَّل عليه، قال الحازميُّ في
((كتاب الاعتبار)): رأي أكثر أهل العلم: أن الإقامة فرادى، وإلى هذا المذهب ذهبَ سعيد بن
المسيِّب، وعروةُ بن الزبير، والزهري، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، والشافعي،
وأصحابه، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والأوزاعي، وأهل الشام، وإليه ذهب
(١) الدارقطني (٢٣٨/١) (٨)، وابن خزيمة. حديث (٣٧٧).