النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ أبواب الصلاة عن رسول الله وَعه / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الفَجْرِ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَن عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَة، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وعَبْد الله بْن عْمرٍو، وَمُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَالصُّنَابِحِيِّ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ وَِّـِ وسَلَمَةَ بن الأكوع، وزيد بن ثابت، وَعَائِشَةَ، وَكَعْبٍ بنِ مُرَّةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَعَمْرو بنِ عَبَسَةَ، وَيَعْلَى بِنِ أُمَيَّةَ، وَمُعَاوِيةً. قوله: (وفي الباب: عن علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة، وابن عمر، وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو، ومعاذ بن عفراء، والصنابحي - ولم يسمع من النبي ◌َّ﴾ - وعائشة، وكعب بن مرة، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة، ويعلى بن أمية، ومعاوية): أما حديث علي: فأخرجه أبو داود(١) عن عاصم بن ضَمرةً، عنه، بلفظ: ((قال: كان رسولُ اللهِ نَّهِ يُصَلِّي في إثرِ كُلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ ركعتينٍ إلَّ الفجرَ والعصرَ))، والحديث سكَتَ عنه أبو داود، وقال المنذري في ((تلخيصه)): وقد تقدَّم الكلام على عاصم بن ضَمْرَة، وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه الطحاوي(٢)، بلفظ: ((كُنَّا نُنهى عن الصَّلاةِ عند طُلوع الشَّمس، وعند غُرُوبها، ونصفِ النَّهارِ))، وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه البخاري ومسلم (٣)، وأما حديث عقبة بن عامر: فأخرجه الجماعة إلَّ البخاريّ(٤)، بلفظ: ((ثلاثُ ساعاتٍ نَهَانا رَسولُ اللهِ وَّه أن نُصلِّي فيهنَّ أو نَقْبُر فيهنَّ موتَانا ... )) الحديث، وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البخاري ومسلم(٥)، وأما حديث ابن عمر: فأخرجه البخاري ومسلم(٦)، وأما حديث سمرة بن جندب، وحديث سلمة بن الأكوع: فلم أقف عليهما، وأما حديث زيد بن ثابت: فأخرجه الطبراني (٧)، وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٨)، وأما حديث معاذ بن عفراء: فذكر حديثه ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي)) (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٧٥). (٢) الطحاوي في ((معاني الآثار)). (٨٣٤). (٣) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٨٦)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٢٧). (٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٨٣١)، وأبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٩٢)، والترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠٣٠)، والنسائي، كتاب المواقيت. حديث (٥٦٠). (٥) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٨٨)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٢٥). (٦) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٨٢)، ومسلم، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٨٢٨). (٧) أحمد. حديث (٢١١٥٢)، وقال الهيثمي (٢٢٤/٢): ورجاله رجال الصحيح. (٨) أحمد. حديث (٦٦٧٣)، والطبراني في «الأوسط)). حديث (٥٥٠٥)، قال الهيثمي (٢١٣/٣): رواه أحمد ورجاله ثقات. ٥٦٢ أبواب الصلاة عن رسول الله بَّه / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الفَجْرِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَن عُمَرَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهَاءِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ بِّهَ وَمن بَعْدَهُمْ: أَنَّهُمْ كِرِهُوا الصَّلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَأمَّا الصَّلَوَاتُ الفَوَائِتُ فَلا بَأُسَ أنْ تُقْضَى بَعْدَ العَصْرِ وبَعْدَ الصُّبْحِ. قَالَ عَلِيُّ بن المدِيني: قَالَ بنحو حديث أبي سعيد المتَّفَقِ عليه وأما حديث الصنابحي - وهو: بضم الصاد المهملة -: فأخرجه مالك وأحمد والنسائي(١)، وأما حديث عائشة: فأخرجه أبو داود(٢) بلفظ: ((إنَّ رَسولَ اللهِ بَ ◌ّه كان يُصَلِّي بعدَ العصرِ، وينهى عنها، ويواصلُ ويَنهى عنِ الوِصَالِ)). وأما حديث كعب بن مرة: فأخرجه الطبراني(٣)، وأما حديث أبي أمامة: فلم أقف عليه (٤)، وأما حديث عمرو بن عبسة (٥): فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود، وأما حديث يعلى بن أمية: فلم أقف عليه (٦)، وأما حديث معاوية: فأخرجه البخاري(٧)؛ قال الحافظ في ((التلخيص)): وفي الباب أيضًا: عن سعد بن أبي وقاص(٨)، وأبي ذرِّ، وأبي قتادة(٩)، وحفصة، وأبي الدرداء، وصفوان بن مُعطّل(١٠)، وغيرهم. قوله: (حديث ابن عباس عن عُمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما . قوله: (وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبيِّ وَّ ومَن بعدهم؛ أنهم كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح .. ) إلخ، قال القاضي: اختلفوا في جوازِ الصلاة في الأوقاتِ الثلاثة وبعدَ (١) مالك. حديث (٥١٠)، وأحمد. حديث (١٨٥٨٤)، والنسائي، كتاب المواقيت. حديث (٥٥٩). (٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٨٠). (٣) أحمد. حديث (١٧٥٩٧)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٠/ ٣٢٠) (٧٥٧)، وقال الهيثمي (٢٢٥/٢): رواه أحمد من طريقين ... وكذلك رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الإسناد الثاني فيه رجل لم یسم. (٤) أحمد. حديث (٢١٧٤٢)، والطبراني في ((الكبير)). حديث (٨١٠٥)، وقال الهيثمي (٢٢٥/٢): وفيه ليث بن أبي سلیم، وفيه كلام کثیر. (٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٣٢). (٦) أحمد. حديث (١٧٤٩٩)، وقال الهيثمي (٢٢٦/٢): وفيه حيي بن يعلى ولا يعرف. (٧) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٨٧). (٨) أحمد. حديث (١٤٧٢)، وأبو يعلى (٧٧٣)، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. (٩) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٠٨٣). (١٠) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٢٥٢)، وأصل الحديث عند مسلم برقم (٨٢٥). ٥٦٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وََّ ر باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الفَجْرِ يَحْيَى بِنُ سَعِيدٍ: قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِن أَبِي العَالِيَةِ إِلَّ ثَلاثَةَ أَشْيَاءَ: حَدِيثَ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْح حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أنْ يَقُولَ أنَا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتَّى)). [خ: ٣٣٩٦، م: ٢٣٧٧، د: ٤٦٦٩، حم: ٢١٦٨]. صلاة الصبح إلى الطلوع، وبعد صلاة العصر إلى الغروب، فذهب داود: إلى جواز الصلاة فيها مطلقًا، وقد روى عَن جمع من الصحابة، فلعلّهم لم يسمعوا نهيه - عليه السلام - أو حملُوهُ على التنزيه دون التحريم، وخالفهم الأكثرون، فقال الشافعيُّ: لا يجوز فيها فعل صلاة لا سبَبَ لها، أما الذي له سبب؛ كالمنذورة وقضاء الفائتة؛ فجائز؛ لحديث كُرَیب عن أم سلمة، واستثنى أيضًا مكّة واستواء الجمعة؛ لحديث جبير بن مطعم وأبي هريرة، وقال أبو حنيفة: يحرم فعلُ كل صلاة في الأوقات الثلاثة سوى عَصرِ يومه عند الاصفرارِ، ويحرم المنذورة والنافلة بعد الصلاتين دون المكتوبة الفائتة وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة، وقال مالك: يحرم فيها النوافلُ دون الفرائض، ووافقه أحمد، غير أنه جوَّز فيها ركعتي الطواف؛ كذا في ((المرقاة))، وقال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سَببَ لها في الأوقات المنهيِّ عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤدَّاة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبَبُ؛ كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكرِ وصلاةِ العيد والكسوفِ وفي صلاة الجنازةِ وقضاء الفائتةِ؛ فذهب الشافعي وطائفة: إلى جواز ذلك كلِّه بلا كراهة، وذهب أبو حنيفة وآخرون: إلى أن ذلك داخلٌ في عموم النهي، واحتج الشافعي: بأنه وَُّ قضَى سنة الظهر بعد العصر، وهو صريحٌ في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرةُ أولى، والفريضة المقضيَّة أولى، ويلتحق ما له سَبَبٌ. انتهى، قال الحافظ - بعد نقل كلام النووي هذا -: وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقّب؛ فقد حكى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر؛ وبذلك جزم ابن حزم، وعن طائفة أخرى: المنعُ مطلقًا في جميع الصلوات، وقد صحَّ عن أبي بكرة وكعب بن عُجرة المَنعُ من صلاة الفرض في هذه الأوقات. انتهى. قوله: (قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلَّا ثلاثة أشياء ... إلخ) المقصود من ذكر هذا؛ أن حديث الباب من طريق قتادة عن أبي العالية موصولٌ، (وحديث ابن عباس عن النبي ◌ّ﴿ قال: لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى) بفتح الميم والفوقية ٥٦٤ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّيه / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْر وحَدِيثَ عَليّ: ((القُضَاءُ ثَلاثَةٌ)). ١٣٥ - باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ [ت٢١، ٢١٢] [١٨٤] (١٨٤) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبِيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ وَِّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ لأَنَّهُ أَتَاهُ مَالٌ فَشَغَلَهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظّهْرِ، فَصَلَّاهُما بَعْدَ العَصْرِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ لهما. [ضعيف الإسناد، وقوله: ((ثم لم يعد لهما)) منكر، قلت: جرير سمع من عطاء في الاختلاط، قال ابن معين: وما سمع منه جرير وذووه ليس من صحيح حديثه .. ]. المشدَّدة، وقوله: ((أنا)) عبارةٌ عن رسولِ الله وَّهِ، وقال ذلك ◌َّلل تواضعًا، إن كان قاله؛ بعد أن علم أنه سيِّدُ البشر، وقيل: عبارة عن كل قائل يقول ذلك؛ كي لا يفضِّل أحد نفسه على يونس - عليه السلام - قيل: وخص يونس بالذكر؛ لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ في ذِكرِ فضلهِ، لسدِّ هذه الذريعة. والحديث أخرجه البخاري وغيره. ١٣٥ - باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ [١٨٤] قوله: (نا جرير) هو: ابن عبد الحميد بن قُرط الضبي، الكوفي، ثم الرازي، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهمُ من حفظه، (عن عطاء بن السائب) الثقفي، الكوفي، صدوق، اختلط في آخر عمره، قال ابن مهدي: يختم كل ليلة. قوله: (إنما صلى رسول الله( * الركعتين بعد العصر، لأنه أتاه مال ... إلخ) وفي (صحيح البخاري))(١) من حديث أم سلمة: ((صلَّى النبيُّ ونَ﴿ِ بعد العصرِ ركعتين، وقال: شغلني ناسٌ من عَبد القَيسِ عن الركعتين بعد الظهر))، (ثم لم يعد لهما) من عَادَ يعودُ؛ وهذا معارضٌ بروايات عائشة ﴿ّا، منها: قولها: ((ما تَركَ النبيُّ وَِّ السجدتَينِ بعدَ العصرِ عندي قط)(٢) ومنها: قولُها: ((ما تَرَكهما حتَّى لقيَ الله))، ومنها: قولها: ((وما كان النبيُّ ◌َّر يأتيني في يوم بعد العصرِ إلَّ صلَّى ركعتين))؛ أخرج هذه الروايات البخاريُّ وغيره، فوجه الجمع: (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت تعليقًا، ووصله في باب: ((إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده». (٢) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٩١). ٥٦٥ أبواب الصلاة عن رسول الله و ﴿ه / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْر وفي البابِ عَن عَائِشَةَ، وَأُمّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةَ، وَأَبي مُوسَى. قالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَدِيثٌ حسنٌّ. وقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: أنَّهُ صَلَّى بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ. وَهذَا خِلافُ مَا رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وحَدِيثُ ابْنِ عِبَّاسِ أصحُّ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يَعُدْ لهما. وقدْ رُوِيَ عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَحو حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أنه يحمل النَّفي على عدَم عِلم الراوي؛ فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبتُ مقدَّم على النافي، وكذا: ما رواه النسائيُّ من طريق أبي سلمة عن أم سلمة؛ ((أن رسولَ اللهِ و ◌َل ◌ّهِ صلَّى في بيتها بعد العصرِ ركعتين مرةً واحدة ... )) الحديث، وفي رواية له عنها: ((لم أره يصليهما قبل ولا بعد)) فيجمعُ بين الحديثين: بأنه وَ ليِ لم يكن يصليهما إلَّ في بيته؛ فلذلك لم يره ابن عباس ولا أمُّ سلمة، ويشير إلى ذلك قولُ عائشة في رواية للبخاري: ((وكان لا يصلِّيهما في المسجد، مَخَافة أن تثقُّل على أمته)). قوله: (وفي الباب عن عائشة، وأم سلمة، وميمونة، وأبي موسى): أما حديث عائشة وحديث أم سلمة فمر تخريجهما آنفًا، وأما حديث ميمونة: فأخرجه أحمد(١) قال في ((النيل)): في إسناده حنظلة السدوسيُّ، وهو ضعيف، وقد أخرجه أيضًا الطبراني، وأما حديث أبي موسى: فأخرجه أحمد في ((مسنده))(٢) ص ٤١٦ ج ٤ بلفظ: ((أنَّه رأى النَّبِيَّ وَلِ يُصلي ركعتينِ بعدَ العصرِ)). قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن)، وأخرجه ابن حبَّان، قال الحافظ في ((الفتح)): هو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صحَّ فهو شاهدٌ لحديث أم سلمة. انتهى. قلت: أراد بحديث أم سلمة حديثها الذي أخرجهُ الطحاويُّ (٣) بزيادة: ((فقلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أفنقضيهما إذا فاتَتَا؟ قال: لا))، ويأتي عن قريب. قوله: (وقد روي عن زيد بن ثابت نَحْو حديث ابن عباس)، رواه أحمد في ((مسنده)) (٤) عن قَبيصَةَ بن ذُؤيب، يقول: ((إن عائشة أخبرت آل الزبير؛ أن رسولَ اللهِ وَل ◌َةٍ صلَّى عندها (١) أحمد. حديث (٢٦٢٩٩). (٢) أحمد. حديث (١٩٢٣٣). (٣) الطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (١٧٠٠). (٤) أحمد. حديث (٢٥٠١٩). ٥٦٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْر وقدْ رُوِيَ عَن عَائِشَةَ فِي هذَا البَابِ رِوَايَاتٌ: رُوِيَ عَنْهَا: أنَّ النَّبِيَّ وَ مَا دَخَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ العَصْرِ إلَّا صَلّى ركعتينٍ [خ: ٥٩٣، د: ١٢٧٩، حم: ٢٤٢٦٢]. ورُوِيَ عَنها عَن أُمِّ سَلَمَةَ عنِ النَّبِيِّ وَِّ: أنَّهُ نَهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. ركعتينٍ بعد العصر، فكانوا يصلُّونها، قال قبيصةُ: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة: نحنُ أعلمُ برسولِ اللهِ وَّه من عائشة، إنما كان ذلك؛ لأنَّ أناسًا من الأعراب أتوا رسولَ اللهِ وَلَه بهجير، فقعدوا يسألونه، ويفتيهم، حتى صلَّى الظهر، ولم يصلِّ ركعتين، ثم قعد يُفتيهم، حتى صلَّى العصرَ، فانصرف إلى بيته، فذكر أنه لم يُصَلِّ بعد الظهر شيئًا، فصلًاهما بعد العصر، يغفر الله لعائشة! نحنُ أعلمُ برسولِ اللهِ وَلَهَ من عائشة، نهى رسولُ اللهِ مَلّ [عن الصلاة] بَعدَ العَصْرِ)). قوله: (وقد روي عن عائشة في هذا الباب روايات) أي: مختلفةٌ بعضُها يدلُّ على جواز الصلاة بعد العصر، وبعضها يدلُّ على عدم الجواز، (روي عنها؛ أن النبي ◌َّ ما دخل عليها بعد العصر إلَّا صلى ركعتين) أخرجه البخاريُّ(١) وغيره، فهذا يدلُّ على الجواز، (ورُوي عنها عن أم سلمة عن النبي وَّ أنه نَهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس)؛ هذا يدلُّ على عدم الجواز، وقد قيل - لرفع الاختلاف -: إن رواية عائشة الأولى محمولةٌ على الصلاة التي لها سببٌ، وروايتها الثانية على الصلاة التي لا سَبَب لها . قلت: يؤيده ما في رواية أم سلمة عند الشيْخَيْنِ (٢): ((يَا رسولَ اللهِ، سمعتُكَ تَنْهَى عَن هَاتَيْنِ الرَّكعتينِ، وأراكَ تُصلِّيهما؟! قالَ: يا ابنةَ أبي أُميَّة، سألتِ عن هاتينِ الرَّكعتينِ بعدَ العصرِ، وإِنَّه أتانِي ناسٌ من عبد القيسِ، فَشغَلُوني عن الرَّكعتين اللَّتين بعدَ الظّهرِ)). وقيل: إن صلاته وَلّه بعد العصر من خصوصياته وَلَه؛ قلت: يؤيده ما رواه الطحاوي(٣) من حديث أم سلمة، وزاد: فقلت: ((يا رسُولَ اللهِ، أفنقضيهما، إذا فاتتا؟ قال: لا))؛ لكن هذه الرواية ضعيفةٌ لا تقومُ بها حجة؛ كما صرح به الحافظ في ((الفتح))، وقال فيه: ليس في (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٩٣). (٢) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٣٧٠)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٣٤). (٣) الطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (١٧٠٠). ٥٦٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ العَضر وَالَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ: عَلَى كراهِيةِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَظْلُعَ الشَّمْسُ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِي مِن ذلِك، مِثْلُ الصَّلاةِ بِمََّةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ بَعْدَ الطَّوَافِ، فَقَدْ رُوِي عَنِ النَّبِّ ◌َِّ رُخْصَةٌ فِي ذلِكَ. وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِن أهلِ العِلْمِ مِن أَصْحَابٍ النَّبِيِّ بَّهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وبهِ يقولُ الشّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَدْ كَرِهِ قَوْمٌ مِن أهلِ العِلْم من أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَمَنْ بَعْدَهُم الصَّلاةَ بمَكَّةَ أيْضاً بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ. وبهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَبَعْضُ أهْلِ الكُوفَةِ. رواية الإثباتِ معارضةٌ للأحاديث الواردة في النهي؛ لأن رواية الإثبات لها سببٌ، فألحق بها ما له سبب، وبقي ما عدا ذلك على عمومه، والنهي فيه محمولٌ على ما لا سبب له، وأما من يَرَى عموم النهي، ولا يخصُّه بما لهُ سببٌ، فيحمل الفعل على الخصوصية؛ ولا يخفى رجحان الأول. انتهى كلام الحافظ؛ فتفكّر وتأمَّل. قوله: (والذي اجتمع عليه أكثر أهل العلم: على كراهية الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتَّى تطلع الشمس، إلَّا ما استثني من ذلك ... إلى قوله: فقد روي عن النبيِّ وَ لَّ رخصةٌ في ذلك) أشار إلى حديث جُبير بن مُطعم، قال: قال رسُولُ اللهِ وَّه : ((يا بني عبد منافٍ، لا تَمْنَعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتٍ وصلَّى أيَّة ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نهارٍ))(١)، قال الحافظ في ((بلوغ المرام)): رواه الخمسة وصحَّحه الترمذي وابن حبَّان. (وقد قال به) - أي: بما ذُكر من كراهة الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، إلّا ما استثني - (قومٌ من أهل العلم من أصحاب النبي وَّ ومن بعدهم؛ وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق)؛ احتُجُوا بأحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، وبما روي في الرخصة في ذلك، قالوا بهما، (وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ ومن بعدهم الصلاة بمكة أيضًا بعد العصر وبعد الصبح؛ وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس، وبعض أهل الكوفة)؛ وبه يقول أبو حنيفة؛ واحتجُّوا بعموم النهي، قال الشوكاني في ((النيل)): قد اختلف أهلُ العلمِ في الصلاة بعد العصرِ وبعد الفجر، فذهب الجمهور: إلى أنها مكروهة، وادعى النوويُّ الاتفاق على ذلك، وتعقّبه الحافظ بأنه قد حكي عن طائفة من (١) سيأتي برقم (٨٦٨). ٥٦٨ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْر السلف الإباحَة مطلقًا، وأن أحاديث النهي منسوخة، قال: وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم، وقد اختلف القائلون بالكراهة؛ فذهب الشافعي: إلى أنه يجوز من الصلاة في هذين الوقتينٍ ما له سبب، واستدلَّ بصلاته وَِّ سُنَّة الظهر بعد العصر، قال الشوكاني: وأجابَ عن ذلك من أطلق الكراهة: بأن ذلك من خصائصه؛ والدليلُ عليه: ما أخرجه أبو داود(١) عن عائشة؛ أنها قالت: ((كان يُصلِّي بعد العصر، وينهى عنهما، ويواصل وينهى عن الوصال)) وما أخرجه أحمد (٢) عن أم سلمة؛ أنها قالت: ((فقلتُ: يا رسُولَ اللهِ، أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: لا))، قال البيهقي: وهي رواية ضعيفة، وقد احتجّ بها الطحاويُّ على أن ذلك من خصائصهِ وَّ، قال البيهقي: الذي اختصَّ بِهِ وَِّ المداومةُ على ذلك، لا أصلُ القضاء. انتهى، وفي سند حديث عائشة: محمَّد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء، وهو مدلِّس، ورواه عن محمد بن عمرو بالعنعنة، قال: وذهب أبو حنيفة إلى كراهة التطوُّعات في هذين الوقتين مطلقًا، واستدلَّ القائلون بالإباحة مطلقًا: بأدلَّة، ثم ذكر تلك الأدلة، وتكلّم على كل واحد منها، وليس واحدٌ منها خاليًا عن الكلام، ثم قال: واعلم: أن الأحاديث القاضية بكراهة الصلاةِ بعد صلاة العصر والفجرِ عامَّةٌ، فما كان أخصَّ منها مطلقًا؛ كحديث يزيد بن الأسود وابن عباس وحديث عليٍّ وقضاءِ سُنَّة الظهر بعد العصر وسنّة الفجر بعده، فلا شك أنها مخصَّصة لهذا العموم، وما كان بينه وبين أحاديث الباب عمومٌ وخصوصٌ من وجه؛ كأحاديث تحية المسجد، وأحاديث قضاء الفوائت، والصلاة على الجنازة؛ لقوله وَّه: ((يا عليُّ، ثلاثٌ لا تؤخَّرُ: الصلاةُ إذا أتت، والجنازةُ إذا حضرتْ ... )) الحديث أخرجه الترمذيُ(٣)، وصلاة الكسوف؛ لقوله وَّر: «فإذا رأيتمُوها، فافزعوا إلى الصَّلاة))؛ والرَّكعتينِ عقبَ التَّطَهُّرِ، وصلاة الاستخارةِ وغير ذلك، فلا شكَّ أنها أعمُّ من أحاديث الباب من وجهٍ، وأخص منها من وجهٍ، وليس أحدُ العمومين أولى من الآخر يجعله خاصًّا؛ لما فيه من التحكّم؛ والوقفُ هو المتعيِّن؛ حتى يقع الترجيح بأمر خارج. انتهى كلام الشوكاني بتلخيص واختصار. (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٨٠). (٢) أحمد. حديث (٢٦١٣٨). (٣) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (١٧١). ٥٦٩ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ﴿و / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ ١٣٦- باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ [ت٢٢، ٢٢٢] [١٨٥] (١٨٥) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن كَهْمَسِ بنِ الحَسَنِ، عَن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، لِمِنْ شَاءَ)). [خ: ٦٢٤، م: ٨٣٨، ن: ٦٨٠، د: ١٢٨٣، جه: ١١٦٢، حم: ١٦٣٤٨، مي: ١٤٤٠]. وفي البابِ عَن عَبْدِ الله بن الزُّبَيْرِ . ١٣٦ - باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ قَبْلَ المَغّربِ [١٨٥] قوله: (عن كهمس بن الحُسين)؛ كذا في النسخ الحاضرة بالتصغير، وفي ((التقريب)) و((الخلاصة)): كهمس بن الحسن بالتكبير، وثقه أحمد وابن معين، (عن عبد الله بن بريدة) بن الحُصيب، الأسلميِّ، المروزيِّ، قاضيها، ثقة، (عن عبد الله بن مغفَّل) صحابي، بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، مات سنة (٥٧) سبع وخمسين، وقيل: بعد ذلك. قوله: (بين كل أذانين) أي: أذان وإقامة، وهذا من باب التغليب، كالقمرين للشَّمس والقمرٍ، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة ((أذان))؛ لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة؛ كما أن الأذان: إعلام بدخول الوقت، (صلاة) أي: وقت صلاة؛ أو المراد: صلاة نافلة؛ قاله الحافظ، قلت: لا حاجة إلى تقدير الوقت، (لمن شاء) أي: كون الصلاة بين الأذانين لمن شاء، وفي ((الصحيحين))(١): عن عبد الله بن مغفَّل، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((صلُّوا قبلَ صلاةِ المَغربِ ركعتينٍ))، قال في الثالثة: ((لمن شاءَ))؛ كراهيةً أن يتَّخذها النَّاس سُنَّة، كذا في ((المشكاة))؛ والحديثُ دليلٌ على جواز الركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاته، وهو الحق، والقولُ بأنه منسوخٌ مما لا التفات إليه؛ فإنه لا دليل عليه. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن الزبير) أخرجه ابن حبَّان في ((صحيحه))(٢) عن سُليم بن عامر، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسُولُ الله ◌َِّ: ((مَا من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبينَ يديها ركعتانٍ))؛ كذا في ((نصب الراية))، ورواه محمد بن نصر أيضًا في ((قيام الليل)) ص ٢٦. وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك، وعقبة بن عامر، وسيجيء تخريجُهُما. (١) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. حديث (٧٣٦٨)، وانظر ((صحيح مسلم)) (٨٣٨). (٢) ابن حبان. حديث (٢٤٥٥). ٥٧٠ أبواب الصلاة عن رسول الله رَّه/ باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ عَبْد الله بنُ مُغَفَّلٍ: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أصْحَابُ النَّبِيِّ وََّ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ: فَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلاةَ قَبْلَ المَغْرِبِ. قوله: (حديث عبد الله بن مغفَّل حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) وأخرجه الشيخان وغيرهما . قوله: (فلم ير بعضهم الصلاة قبل المغرب)؛ وهو قولُ مالك والشافعي؛ على ما قال الحافظ في ((الفتح)) وهو قول أبي حنيفة، وعن مالك قولٌ آخر: باستحبابهما، وعند الشافعية وجهُ رجَّحه النوويُّ ومن تبعه، وقال في ((شرح مسلم)): قول من قال: إن فعلهما يؤدِّي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها؛ خيالٌ فاسدٌ منابذٌ للسنة، ومع ذلك: فزمنها يسيرٌ لا تتأخّر به الصلاة عن أول وقتها. انتهى، قال الحافظ: ومجموعُ الأدلّة يرشد إلى تخفيفهما كما في ركعتي الفجر. انتهى. واحتجَّ من لم ير الصلاة قبل المغرب: بأحاديثَ ذكرها الحافظُ الزيلعي، قال: لأصحابنا في تركها أحاديثُ: منها ما أخرجه أبو داود (١) عن طاوس، قال: سُئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال: ما رأيتُ أحدًا على عهدٍ رسُولِ اللهِ وَ له يصلِيهما، ورخّص في الركعتين بعد العصر، قال الزيلعي: سكت عنه أبو داود ثم المنذري في ((مختصره)»، فهو صحيحٌ عندهما، قال النووي في ((الخلاصة)) : إسناده حسن. قال: وأجابَ العلماءُ عنه بأنه نفيٌ فَتُقَدَّمُ روايةُ المثبتِ، ولكونها أصحَّ وأكثر رواة، ولما معهم من علمٍ ما لم يعلمه ابن عمر. انتهى. قلت: جوابهم هذا حسنٌ صحيحٌ، وذكر الزيلعيُّ هذا الجواب، وأقرَّه، ولم يتكلّم عليه بشيء. قال الزيلعي: حديث آخر أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في ((سننهما)) (٢) عن حيَّان بن عبيد الله العدوي، ثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَ لَهُ: ((إنَّ عندَ كلِّ أذانينِ ركعتينِ ما خلا المغربَ)). انتهى. ورواه البزَّار في ((مسنده)) وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلّا حيَّان بن عبيد الله، وهو رجل مشهور من أهل البصرة، لا بأس به. انتهى كلامه، وقال البيهقي (٣) في ((المعرفة)): أخطأ فيه حيَّان بن عبيد الله في الإسناد والمتن (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٨٤). (٢) الدارقطني (٢٦٤/١). حديث (١)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٤٢٧٢). (٣) انظر (معرفة السنن والآثار)) للبيهقي. تحت رقم (١٤٢٠). ٥٧١ أبواب الصلاة عن رسول الله بَّرَ / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ جميعًا، أما السند: فأخرجاه في ((الصحيح)) عن سعيد الجريري وكَهمَس، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفَّل، عن النبيِّ وََّ قال: ((بينَ كلِّ أذانينٍ صلاةٌ)) قال في الثالثة: ((لمن شَاء))، وأما المتن: فكيف يكونُ صحيحًا، وفي رواية ابن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث، قال: ((وكان ابن بريدة، يُصلِّي قبل المغربِ ركعتينٍ))، وفي رواية حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((صلُّوا قبلَ المغربِ ركعتينٍ))، وقال في الثالثة: ((لمن شاءَ)) خشيةَ أن يَّخذها النَّاس سُنَّة؛ رواه البخاري في ((صحيحه)) انتهى، وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في ((الموضوعات)) ونقل عن الفلَّاس؛ أنه قال: كان حيَّان هذا كذّابًا. انتهى كلام الزيلعي، وقال الحافظ في ((الفتح)): وأما رواية حيَّان، فشاذَّة؛ لأنه - وإن كان صدوقًا عند البزار وغيره - لكنه خالف الحُفَّاظ من أصحاب عبد الله بن بُريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيلي: ((وكان بريدة يصلّي ركعتين قبل صلاة المغرب))، فلو كان الاستثناء محفوظًا؛ لم يخالِف بريدةٌ راویه. انتھی. قلت: قال الزيلعي: حديثٌ آخر رواه الطبراني(١) في كتاب ((مسند الشاميين))، عن جابر، قال: ((سألنَا نساءَ رسُولِ اللهِ يَّةِ، هل رأيتُنَّ رسولَ اللهِ ◌ّله يصلِّي الركعتين قبل المغرب؟ فقلنَ: لا، غير أن أم سلمة قالتْ: صلَّاهما عندي مرةً، فسألته: ما هذه الصلاة؟! فقال: نَسيتُ الرَّكعتينِ قبلَ العصرِ؛ فصلَّيْتُهما الآنَ)). انتهى. قلت: على تقدير صِحَّةٍ هذا الحديث؛ فجوابه هو ما ذكره الزيلعيُّ؛ نقلًا عن النوويِّ من أنه نفي، فتقدم رواية المُثبت .... إلخ. قال الزيلعي: حديثٌ آخر مُعضل، رواه محمد بن الحسن في ((الآثار)) (٢): أخبرنا أبو حنيفة، ثنا حمَّاد بن أبي سليمانَ، أنه سأل إبراهيم النَّخعي عن الصلاة قبل المغرب، فنهاه عنها، وقال: إن رسولَ اللهِ وَ له وأبا بكر وعُمرَ لم يكونوا يصلّونها. انتهى. قلت: هذا الحديثُ لا يصلُحُ للاستدلال؛ فإنه معضلٌ. فهذه الأحاديث هي التي احتَّجَّ بها من منع الصلاة قبل المغرب، وقد عرفت أنه لا يصحُّ الاحتجاج بواحد منها . (١) الطبراني في ((مسند الشاميين)). حديث (٢١١٠). (٢) محمد بن الحسن في ((الآثار)) (١٤٤). ٥٧٢ أبواب الصلاة عن رسول الله (3 18 / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ وَقَدْ رُوِي عَنِ غَيْرٍ وَاحِدٍ من أصحابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: أنَّهُمْ كَانُوا يُصَلَّونَ قَبْلَ صَلاةٍ المَغْرِبِ رَكَعَتَيْنٍ، بَيْنَ الأَذَانِ والإقامَةِ. وادعى بعضهم: بنسخ الصلاة قبل المغرب، فقال: إنما كان ذلك في أول الأمر، حيث نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فبيَّن لهم بذلك وقت الجواز، ثم نَدَبَ إلى المبادرة إلى المغرب في أوَّل وقتها، فلو استمرتِ المواظبةُ على الاشتغال بغيرها، لكان ذلك ذريعةً إلى مخالفة إدراكِ أوَّلٍ وقتها . قلت: هذا ادعاءٌ محضّ؛ لا دليل عليه؛ فلا التفات إليه، وقد روى محمد بن نصر وغيره، من طرق قويَّة، عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم: أنهم كانوا يواظبون عليهما . فإن قلت: قال العينيُّ في ((عمدة القاري)): ادعى ابن شاهين؛ أن هذا الحديثَ منسوخٌ بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّه: ((إنَّ عندَ كلِّ أذانينٍ ركعتينِ ما خلا المغربَ))، ويزيده وضوحًا: ما رواه أبو داود في ((سننه)) (١) عن طاوس، قال: سئل ابن عمر عن الركعتين بعد المغرب؟ فقال: ما رأيتُ أحدًا على عهدِ رسولِ اللهِ وَّهِ يصلِّيهما، ورخَّص في الركعتين بعد العصر. انتهى كلام العيني. قلت: قد عرفت - آنفًا - أن حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه هذا شاذٌّ، والاستثناء فيه غير محفوظ، قد أخطأ حيَّان بن عبيد الله الراوي عن عبد الله بن بُريدة في الإسناد والمتن، وأما قول ابن عمر: ((ما رأيت أحدًا ... )) إلخ. فقد عرفتَ في كلام الزيلعيِّ بأنه نفي فتقدَّم رواية المُثبتِ، ولكونها أصحَّ وأكثر رواة، ولما معهم من علمٍ ما لم يعلمه ابن عمر. فالعجبُ من العينيِّ، أنه ذكرَ ادعاء ابن شاهين النَّسخ بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، ولم يردَّ عليه، بل أقرَّه، بل قال: ويزيده وضوحًا ... إلخ. (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبيِّ ◌َّ أنهم كانوا يصلُّون قبل صلاة المغربِ ركعتين بين الأذان والإقامة) أي: في عهد النبي ټلۇ وبحضرته وبعد وفاته، وكذلك روي عن غير واحد من التابعين، وتَبَعهِم؛ أنهم كانوا يصلّون قبل صلاة المغرب ركعتين بين الأذان والإقامة، ففي ((الصحيحين)) (٢) عن أنس بن مالك، قال: ((كان المؤذِّنُ إذا أذَّن، قامَ ناسٌ من (١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٨٤). (٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٦٢٥)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٣٦). ٥٧٣ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ أصحاب النبيِّ وَّهِ يبتدرونَ السَّواري، حتَّى يخرُجَ النبيُّ ◌ََّ، وهم كذلك، يصلون الركعتينِ قبل المغرب))، زاد مسلم: ((حتى إن الرجل الغريبَ ليدخل المسجد، فيحسبُ أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما))، وفي رواية النسائي: ((قام كبارُ أصحابِ رسولِ اللهِ وَّ))، وفي ((قيام الليل)) لمحمَّد بن نصر المروزيِّ عن أبي الخير: رأيتُ أبا تميم الجَيْشَانِيَّ يركع الركعتين، حين يسمع أذان المغربٍ، فأتيتُ عقبة بن عامر الجُهَنِيَّ، فقلتُ له: ألا أعجبك من أبي تميم الجيشاني عبد الله بن مالك، يركع ركعتين قبل المغرب، وأنا أريد أن أغمصَهُ؟! فقال عقبة: إنما كنا نفعله على عهد رسولِ اللهِ وَّر، فما يمنعكَ الآن؟ قال: الشغل. وعن زِرِّ: قدمت المدينة، فلزمتُ عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب، فكانا يصليان ركعتين قبل صلاة المغرب؛ لا يدعان ذلك. وعن رغبان مولى حبيب بن مسلمة، قال: لقد رأيتُ أصحابَ رسول اللهِ وَّه يهبُّون إليهما؛ كما يهبون إلى المكتوبة، يعني: الركعتين قبل المغرب. وعن خالد بن معدان؛ أنه كان يركع ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، لم يدعهما حتَّى لقيَ الله، وكان يقولُ: إن أبا الدرداء كان يركعُهما، يقولُ: لا أدعهما، وإن ضربتُ بالسياط. وقال عبد الله بن عمرو الثقفي: رأيتُ جابر بن عبد الله يُصلِّ ركعتين قبل المغرب. وعن يحيى بن سعيد: أنه صحبَ أنس بن مالك إلى الشام، فلم يكُن يترك ركعتين عند كُلِّ أذان. وسُئل قتادة عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: كان أبو بَرْزَةَ يصلِّيهما، وكان عبد الله بن بَرْزَةَ ويحيى بن عقيل يصليان قبل المغرب ركعتين، وعن الحكم: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي قبل المغرب ركعتين، وسئل الحسن عنهما؛ فقال: حسَنَتَينٍ، والله جميلتين لمن أراد الله بهما، وعن سعيد بن المسيِّب: حقٌّ على كل مؤمن إذا أذن أن يركع ركعتين، وكان الأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير يركعهما، وأوصى أنس بن مالك وُلْدَهُ ألَّا يدعهما، وعن مكحولٍ: على المؤذن أن يركع ركعتين على إثر التأذين، وعن الحكم بن الصلت: رأيتُ عراك بن مالك، إذا أذَّن المؤذِّنُ بالمغرب، قام فصلَّى سجدتين قبل الصلاة، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: إن كان المؤذِّن ليؤذِّن بالمغرب، ثم تقرع المجالس من الرجال يصلُّونهما. انتهى ما في ((كتاب قيام الليل)) بقدر الحاجة. ٥٧٤ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ وَقَالَ أحمدُ وَإِسْحَاقُ: إِنْ صَلَّاهُمَا فَحَسَنٌ، وَهَذَا عِنْدِهُمَا عَلَى الاسْتِحْبَابِ. وفيه آثار أخرى، من شاء الوقوف عليها، فليرجع إليها . ثم ذكر محمَّد بن نصر فيه: من لم يركَع الركعتَينِ قبل صلاة المغرب، فقال(١): عَنِ النخعيِّ قال: كان بالكوفة من خيار أصحاب النبيِّ وَّر: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو مسعود الأنصاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، فأخبرني من رَمَقَهُم كلَّهم؛ فما رأى أحدًا منهم يصليهما قبل المغرب، وفي رواية: ((أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلّون الركعتين قبل المغربِ))، وقيل لإبراهيم: إن ابن أبي هُذَيْلٍ كان يصلِّي قبل المغرب؟ قال: إن ذاك لا يعلم. انتهى. وقال: ليس في حكايةِ هذا الذي روى عنه إبراهيم؛ أنه رمقهم، فلم يَرَهُم يصلُّونهما؛ دليلٌ على كراهتهم لهما، إنما تركوهما؛ لأن تركهما كان مباحًا، وقد يجوزُ أن يكون أولئكَ الذين حكَى عنهم من حكَى أنه رمقهم، فلم يَرَهُم يصلُّونهما؛ قد صلُّوهما في غير الوقتِ الذي رَمَقَهم. انتهى كلام محمَّد بن نصر. قلت: على أنه قد ثَبَت أن إبراهيم النخعيَّ لم يلقَ أحدًا من أصحابِ النبيِّ بَّ إلَّا عائشة، ولم يسمع منها شيئًا، ففي أثره الأول مجهول، وفي أثره الثاني انقطاع. إذا عرفتَ هذا كلَّه: ظهر لك بطلانُ قول القاضي أبي بكر بن العربيِّ: ((اختلفَ فيها الصحابةُ، ولم يفعلها أحدٌ بعدهم))، وكذلك ظهر بطلان قول من قال بنسخ الركعتين قبل المغرب، بأثر النخعي المذكور؛ قال الحافظ في ((الفتح)): والمنقولُ عن الخلفاء الأربعة؛ رواه محمد بن نصر وغيره، من طريق إبراهيم النخعي، عنهم؛ وهو منقطع، ولو ثبت لم يكُن فيه دليلٌ على النَّسخ ولا الكراهة. (وقال أحمد وإسحاق: إن صلاهما، فحسن؛ وهذا عندهما على الاستحباب) قال الحافظ في ((الفتح)): إلى استحبابهما ذهب أحمدُ وإسحاق وأصحابُ الحديث، وقال محمد بن نصر في ((كتاب قيام الليل)): وقال أحمد بن حنبل: في الركعتَيْن قبل المغرب أحاديث جيادٌ، أو قال: صحاح، عن النبيِّ مَّ وأصحابه، وذكر حديث النبي ◌َّ فقال: إلَّا أنه قال: ((لمن شاء))؛ فمن شاء صلَّى، قيل له: قبل الأذانِ أم بينَ الأذانِ والإقامةِ؟ فقال: بين الأذان والإقامة، ثم قال: وإن صلَّى، إذا غربت الشمس وحلَّت الصلاة، أي: فهو (١) محمد بن نصر في ((مختصر قيام الليل)) رقم (٤٢). ٥٧٥ أبواب الصلاة عن رسول الله وََّ/ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ١٣٧ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ [ت٢٣، ٢٣٢] [١٨٦] (١٨٦) حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مالِكُ بنُ أنسٍ، عَن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عَن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُشْرِ بن سَعِيدٍ، جائز، قال: هذا شيء ينكره الناس، وتبسَّم كالمتعجّب ممن يُنكرُ ذلك، وسئل عنهما؟ فقال: أنا لا أفعله، وإن فعله رجُلٌ، لم يكُن به بأس. انتهى ما في ((قيام الليل)). وقال الحافظ في ((الفتح)): وذكر الأثرم عن أحمد أنه قال: ما فعلتهما إلَّا مرةً واحدةً، حتی سمعت الحدیث. انتهى. واحتجّ من قال باستحبابهما ؛ بأحاديث صحيحة صريحة: منها: حديث عبد الله بن مغفَّل المذكورُ في الباب، وهو حديثٌ صحيحٌ؛ أخرجه الشیخان؛ کما عرفت. ومنها : حديث عبد الله بن الزبير، الذي أشار إليه الترمذيُّ. ومنها: حديث أنس بن مالك، وهو حديث صحيح؛ أخرجه الشيخان، وتقدَّم لفظه. ومنها: حديث عقبة بن عامر، وتقدَّم لفظه؛ نقلًا عن ((قيام الليل))(١)، وهو حديث صحيح؛ أخرجه البخاري. ومنها: حديث عبد الله بن مغفَّل؛ ((أن رسولَ اللهِ وَ ل﴿ صلَّى قبل المغرب ركعتين)) ؛ أخرجه ابن حبَّان (٢) في («صحيحه)) وأخرجه محمد بنٍ نصر في ((قيام الليل))، بلفظ: ((إنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ صلَّى قبلَ المغربِ ركعتينٍ، ثم قال: صَلُّوا قبل المغربِ ركعتينٍ)) ثم قال عند الثالثة: ((لمن شاءً؛ خَافَ أن يَحْسِبَهَا النَّاسُ سُنَّةً))، قال العلامة ابن أحمد المقريزي في ((مختصر قيام الليلِ): هذا: إسناده صحيحٌ على شرط مسلم، وقد صح في ((ابن حبَّان)) حديثُ ((أن النبيَّ وَ لَ صلَّى ركعتين قبل المغرب))؛ فهذه الأحاديث هي التي احتجّ بها من قال باستحباب الركعتين قبل المغرب؛ وهو الحقُّ. ١٣٧ - باب مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَن تَغْرُبَ الشَّمْسُ [١٨٦] قوله: (وعن بسر بن سعيد) المدني، العابد، مولى ابن الحضرمي، ثقة، جليل، (١) محمد بن نصر ((مختصر قيام الليل)) (٤١). (٢) ابن حبان. حديث (١٥٥٩)، ومحمد بن نصر في ((مختصر قيام الليل)) (٣٩). ٠ ٥٧٦ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةٌ مِن العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعن الأعْرَجِ يُحدِّثُونَهُ عَن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((مَن أدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْركَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أدْرَكَ مِنَ العصْرِ رَكْعةً قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ العصْرَ)). [خ: ٥٧٩، م: ٦٠٨، ن: ٥١٦، د: ٤١٢، جه: ٦٩٩، حم: ٩٦٣٨، طا: ٥، مي: ١٢٢٢]. وفي البابِ عَن عَائِشَةً. من الثانية، مات سنة مئة، بالمدينة، في خلافة عمر بن عبد العزيز، (وعن الأعرج) هو: عبد الرحمن بن هُرمُز الهاشمي مولاهم، أبو داود، المدني، ثقة، ثبت، عالم، من الثالثة، (يحدِّثونه) أي: يحدِّثون زيد بن أسلم. قوله: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح) أي: مَن أدرك من صلاة الصبح ركعة بركوعها وسجودها قبل طلوع الشمس، فقد أدرك صلاة الصبح، والإدراكُ: الوصول إلى الشيء؛ فظاهر: أنه يكتفي بذلك، وليس ذلك مرادًا بالإجماع، فقيل: يحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلَّى ركعة أخرى فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرَّح بذلك في رواية الدراوردي، عن زيد بن أسلم؛ أخرجه البيهقي(١) من وجهين، ولفظه: ((مَن أدْرَك منَ الصُّبح ركعةً قبلَ أن تطلعَ الشَّمْسُ، وركعةً بعد ما تطلعُ الشمسُ، فقد أدرك الصَّلاة))، وللنسائيَّ (٢) من وجه آخر: ((من أدرَكَ ركعةً مِنَ الصَّلاةِ، فقد أدرَكَ الصَّلاةَ كُلَّها، إلَّا أن يقضيَ ما فاتهُ))، وللبيهقي(٣) من وجه آخر: ((من أدْرَكَ ركعةً منَ الصُّبْحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمسُ، فليُصلِّ إليها أُخرى)). ويؤخذ من هذا الردُّ على الطحاوي؛ حيث خصَّ الإدراك باحتلام الصبيِّ وطهرِ الحائض وإسلام الكافرِ ونحوها، وأراد بذلك نُصرةَ مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعةً، تفسد صلاته؛ لأنه لا يكملها إلَّا في وقت الكراهة. قوله: (وفي الباب: عن عائشة) قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((من أدرَكَ منَ العَصرِ سَجْدةٌ قبلَ أن تَغربَ الشَّمسُ أو منَ الصُّبح قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ فقَد أدْرَكَها)) ؛ رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه(٤)، قال صاحب ((المنتقى)): والسجدة - هنا - الركعة. (١) البيهقي في ((الكبرى)). تحت رقم (١٦٥٠). (٢) النسائي في ((الكبرى)) مرسلًا (١٥٤١). (٣) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٦٥٣). (٤) أحمد. حديث (٢٣٩٦٨)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٠٩)، والنسائي، كتاب المواقيت. حديث (٥٥١)، وابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٧٠٠). ٥٧٧ أبواب الصلاة عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرةَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وبهِ يقولُ أصْحَابُنَا، والشَّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإسحاقُ. قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الأئمة الستة. قوله: (وبه يقول أصحابنا والشافعي وأحمد وإسحاق) فقالوا: مَن أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، فقد أدرك صلاة الصبح، ولا تبطلُ بطلوعها؛ كما أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس، فقد أدرك صلاة العصر، ولا تبطل بغروبها؛ وهو الحق . قال النووي: قال أبو حنيفة: تبطلُ صلاةُ الصُّبح بطلوع الشمسِ؛ لأنه دخلَ وقتُ النهْي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس، والحديثُ حُجَّة عليه. انتهى. قال القاري في ((المرقاة)) بعد ذكر كلام النووي هذا ما لفظه: وجوابه ما ذكره صدرُ الشريعة؛ أن المذكورَ في كُتُب أصول الفقه؛ أن الجزء المقارنَ للأداءِ سببٌ لوجوب الصلاة، وآخرُ وقت العصر وقتٌ ناقصٌ؛ إذ هو وقتُ عبادة الشمس؛ فوجب ناقصًا، فإذا أداه أداه كما وَجَبَ، فإذا اعترض الفَسَاد بالغروب، لا تفسُدُ، والفجرُ كلُّ وقته وقتٌ كامل؛ لأن الشمس لا تُعبدُ قبل طلوعها؛ فوجب كاملًا، فإذا اعترض الفساد بالطلوع، تَفْسدُ؛ لأنه لم يؤدِّها كما وجب، فإن قيل: هذا تعليلٌ في معرض النصِّ، قلنا: لما وقع التعارُضُ بين هذا الحديث وبين النَّهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة؛ رجعنا إلى القياس؛ كما هو حكم التعارض، والقياس: رجَّح هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر؛ وأما سائر الصلوات: فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة؛ لحديث النَّهْى فيها. انتهى كلام القاري. قلت: ما ذكره صدرُ الشريعة مردودٌ، قد ردّهُ الفاضل اللكنويُّ، وهو من العلماء الحنفية في ((حاشيته على شرح الوقاية)) حيث قال: فيه بحثٌ، وهو أن المصير إلى القياسِ عند تعارُض النَّصينِ، إنما هو إذا لم يمكنِ الجمعُ بينهما، وأما إذا أمكن: يلزمُ أن يجمع، وهاهنا: العمل بكليهما ممكنٌ بأن يخصَّ صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويعمل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز فيهما إلَّا أن يقالَ: حديثُ الجواز خاصٌّ، وحديث النهي عامٌّ، وكلاهما قطعيان عند الحنفية متساويانٍ في الدرجة والقُوَّة؛ فلا یخصُّ أحدهما الآخر. وفيه: أن قطعية العامِّ كالخاصِّ ليس متفقًا عليه بين الحنفية، فإن كثيرًا منهم وافقُوا الشافعية في كون العامّ ظنيًّا؛ كما هو مبسوط في ((شروح المنتخب الحسامي)) وغيرها. انتهى ٥٧٨ أبواب الصلاة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ كلامه، وقال في ((تعليقه على موطأ الإمام محمد)): لا مناصَ عن ورودِ أن التساقُطَ إنما يتعيَّن عند تعذُّر الجمع وهو - هاهنا - ممكنٌ بوجوه عديدة لا تخفى على المتأمِّل. انتهى كلامه. قلت: الأمر كما قال، لا ريبَ في أن الجمع - هاهنا - ممكنٌ، فمع إمكانه: القول بالتساقط باطلٌ، وقد ذكر ذلك الفاضلُ وجهًا للجمع، وهو وجه حسن، ونحن نذکر وجهًا آخر، قال الحافظ في ((الفتح)): وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخةٌ لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاجُ إلى دليل؛ فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمعُ - هاهنا - ممكنٌ بأن تحمل أحاديثُ النهي على ما له سبب من النوافل، ولا شك أن التخصيصَ أولى من ادعاء النسخ. انتهى كلام الحافظ. قال الشوكاني في ((النيل)): وهذا أيضًا جمعٌ بما يوافق مذهب الحافظ، والحقُّ: أن أحاديث النهي عامَّة تشملُ كل صلاةٍ، وهذا الحديث خاصٌّ، فيبنى العامُّ على الخاصِّ، ولا يجوزُ في ذلك الوقت شيءٌ من الصلوات إلَّا بدليل يخصه؛ سواء كان من ذوات الأسباب أو غيرها، قال: ومفهوم الحديثِ أن من أدرك أقلّ من ركعة؛ لا يكونُ مدركًا للوقت، وأن صلاته تكونُ قضاءً، وإليه ذهب الجمهور، وقال البعضُ: أداء، والحديثُ يردُّه، قال: واختلفوا إذا أدركَ مَن لا تجبُ عليه الصلاةُ كالحائضِ تطهُرُ، والمجنونِ يعقلُ، والمغمَى عليه يفيقُ، والكافر يسلمُ، دون ركعة من وقتها، هل تجبُ عليه الصلاة أم لا؟ وفيه قولان للشافعيِّ؛ أحدهما: لا يجب؛ وروي عن مالك؛ عملًا بمفهوم الحديث، وأصحُّهما - عن أصحاب الشافعي -: أنها تلزمه، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه أدرك جزءًا من الوقت، فاستوى قليله وكثيره، وأجابوا عن مفهوم الحديث: بأن التقييد بركعةٍ، خَرَجَ مخرجَ الغالبِ، ولا يخفَى ما فيه من البعد، وأما إذا أدرك أحدُ هؤلاء ركعةً، وجبت عليه الصلاةُ بالاتفاق بينهم، ومقدارُ هذه الركعة قدرُ ما يكبِّر، ويقرأ أم القرآن، ويركع، ويرفع، ويسجد سجدتين. ٠ فائدة: إدراك الركعة قبلَ خروج الوقت لا يخصُّ صلاة الفجر والعصر؛ لما ثبتَ عند البخاري ومسلم(١) وغيرهما، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: ((من أدركَ ركعَة منَ الصَّلاةِ، فقد أدرك الصَّلاة))، وهو أعم من حديث الباب، قال الحافظ: ويحتملُ أن تكون ((اللام)) عهدية، ويؤيده أن كُلَّ منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلقٌ وذاك (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة. حديث (٥٨٠)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٠٧). ٥٧٩ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الجَمعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي الحَضرِ وَمَعْنَى هذَا الحَديثِ عِنْدَهُمْ لِصَاحِبِ العُذْرِ، مِثْلُ الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ أوْ يَنْسَاهَا، فِيَسْتَيْقِظُ وَيَذْكُرُ عِنْد ◌ُلُوعِ الشَّمْسِ وَعنْد غُرُوِهَا . ١٣٨- باب مَا جَاءَ في الجَمعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ في الحَضرِ [ت٢٤، ٢٤٢] [١٨٧] (١٨٧) حدثنا هنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عنِ الأعْمَشِ، عَن حَبيبٍ بنِ أبي ثَابِتٍ، عَن سَعيدٍ بن جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسولُ اللهِوَّهَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمَدِينَةِ، مِن غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ . قَالَ: فقِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: أرَادَ أنْ لا يُخْرِجَ أُمَّتُهُ. [م: ٧٠٥، ن: ٦٠١، د: ١٢١١، حم: ١٩٥٤، طا: ٣٣٢]. - يعني: حديث الباب - مقيدٌ؛ فيحمل المطلق على المقيد. انتهى، ويمكن أن يقال: إن حديث الباب دلَّ بمفهومه على اختصاص ذلك الحكم بالفجر والعصر، وهذا الحديث دلَّ بمنطوقه على أن حكم جميع الصلوات لا يختلفُ في ذلك، والمنطوق أرجحُ من المفهوم، فيتعيَّن المصير إليه، ولاشتماله على الزيادة التي ليست منافية للمزيد؛ كذا في ((النيل)). قوله: (ومعنى هذا الحديث عندهم لصاحب العذر؛ مثل: الرجل ينامُ عن الصلاة أو ينساها، فيستيقظ عند طلوع الشمس وعند غروبها) قال الحافظ في ((الفتح)): ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوزُ لمن ليس له عذرٌ تأخيرُ الصلاةِ، حتى لا يبقى منها إلَّا هذا القدرُ. انتھی . ١٣٨- بَابٌ مَا جَاءَ في الجَمْعِ بَيْنَ الضَّلاتِيْنِ في الحَضَرِ [١٨٧] قوله: (من غير خوف ولا مطر) الحديثُ ورد بلفظ: ((من غَيرٍ خَوفٍ ولا سَفرٍ))، وبلفظ: ((من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ)) قال الحافظ: واعلم: أنه لم يقعِ مجموعًا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور: ((من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ)) (أراد ألَّا تحرَّجَ) بصيغة المضارع المعلوم من ((التحرُّج)) (أمته) بالرفع على الفاعلية، وفي رواية لمسلم (١): ((أرادَ ألَّا يحرجَ أمَّتُهُ)) وفي رواية أخرى له: ((أرادَ ألَّا يُحرجَ أحدًا من أمَّتهٍ))، قال ابن سيد الناس: قد اختلف في تقييده، فروي بالياء المضمومة آخر الحروف، و((أمته)) منصوب؛ على أنه مفعولهُ، وروي: (١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٠٥). ٥٨٠ أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي الجَمعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي الحَضرِ وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ. ((تحرج)) بالتاء ثالثةِ الحروف مفتوحةً وضم ((أمته)) على أنها فاعله، ومعناه: إنما فعل تلك؛ لئلا يشق عليهم، ويثقل؛ فقصد إلى التخفيف عنهم. قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة) أخرج مسلم (١) عن عبد الله بن شقيق، قال: ((خطبنا ابن عبّاس يومًا بعد العصر، حين غربت الشمس، وبدتِ النجومُ، وجعلَ الناسُ يقولونَ: الصلاةَ الصَّلاةَ، قال: فجاءَهُ رجلٌ من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فقال ابن عباس: أتعلِّمني بالسُّنة، لا أُمَّ لكَ، ثُمَّ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ثَدْ جَمَعَ بينَ الُظُهرِ والعَصْر، والمَغْربِ والعِشَاء)»، قال عبد الله بن شقيق: فحاكَ في صدرِي من ذلك شيءٌ، فأتيت أبا هريرة، فسألتُهُ، فصدَّق مقالته))، قال الحافظ في ((الفتح)): وقد ذهب جماعةٌ من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوزوا الجمعَ في الحضر للحاجةِ مطلقًا، لكن بشرط ألَّ يتخذ ذلك عادةً، وممن قال به ابن سيرينَ وربيعةُ وأشهبُ وابن المنذر والققَّال الكبير، وحكاه الخطّابي عن جماعة من أهل الحديث. انتهى، وذهب الجمهورُ: إلى أن الجمع لغيرِ عذرٍ لا يجوز، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة: منها: أن الجمع المذكور كان للمرض؛ وقوَّاه النووي، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لو كان جمعُهُ - بين الصلاتَيْنِ لعارض المرضِ، لما صلَّى معه إلَّا من به نحو ذلك العذر، والظاهر: أنه جَمَعَ بأصحابه، وقد صرَّح بذلك ابن عبّاس في روايته . ومنها: أن الجمع المذكور كان لعُذرِ المطرِ، قال النوويُّ: وهو ضعيف بالرواية الأخرى: ((من غيرِ خَوفٍ ولا مَطَرٍ)). ومنها: أنه كان في غيم فصلَّى الظهر، ثم انكشف الغيم، وبان أن وقتَ العصر دَخلَ، فصلًّاها، قال النوويُّ: وهذا أيضًا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمالٍ في الظهر والعصر؛ فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء. ومنها: أن الجمع المذكورَ صُوريٌّ: بأن يكون أَخَّر الظهر لآخر وقتها، وعجّل العصر في أول وقتها، قال النوويُّ: هذا احتمال ضعيف أو باطلٌ؛ لأنه مخالفٌ للظاهر مخالفةً لا تحتملُ، قال الحافظ: وهذا الذي ضعَّفه قد استحسنه القرطبيُّ ورجَّحه إمام الحرمين وجَزَمَ به من القدماء ابن المَاجِشُونِ والطحاويُّ، وقوَّاه ابن سيد الناس؛ بأن أبا الشعثاء - وهو راوي (١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٠٥).