النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلغز / باب مَا جَاءَ فِي التََّهُم يقل به، بل قال في ((شرح البخاري)) - بعد ذكر حديث جابر المرفوع - ما لفظه: وأخرجه الطحاويُّ وابن أبي شيبة موقوفًا . فإن قلت: عثمان بن محمَّد ثقةٌ لم يخالفهُ أحدٌ من أصحاب عَزْرَةَ غير أبي نُعيمٍ، وزيادة الثقة مقبولةٌ، فكيف تكون روايته المرفوعةُ شاذةً؟ قلت: عثمان بن محمَّد وإن كان ثقة، لكن أبا نُعيم أوثقُ منه وأتقنُ وأحفظُ، قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة عثمان بن محمَّد: مقبول، وقال الذهبيُّ في ((الميزان)) في ترجمته: شيخ حدَّث عنه إبراهيم الحربيُّ، صويلح، وقد تكلم فيه. انتهى، وقال الحافظ في ترجمة أبي نُعيمٌ: ثقة ثبتٌ، وقال الخزرجي في ((الخلاصة)) في ترجمة أبي نُعيم: قال أحمد: ثقة يقظان عارفٌ بالحديث، وقال الفسويُّ: أجمع أصحابنا على أن أبا نُعيمٍ، كان غايةً في الإتقان. انتهى. فظهر أن رواية عثمان بن محمَّدٍ المرفوعة شاذَّةٌ. ومنها: حديث أبي أمامة عن النَّبيِّ وَِّ قال في التَّيمُّم: ((ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدينِ إلى المرفقينِ))، رواه الطبراني(١). وفيه: أنه حديثٌ ضعيفٌ لا يصلحُ للاحتجاج، قال العيني في ((شرح البخاري)): في إسناده جعفر بن الزبير، قال شعبة: وضع أربع مئة حديث. انتهى. ومنها: حديثُ عائشة الذي أشار إليه الترمذيُّ، وقد عرفت أنه أيضًا ضعيفٌ لا يصلح للاحتجاج، وقال العيني في ((شرح البخاري)) بعد ذكره: في إسناده الحُريشُ بن خرِّيت، ضعَّفه أبو حاتم وأبو زرعة. انتهى. وفي الباب أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث المذكورة، وكلَّها ضعيفة، قال الشوكاني: أحاديث الضربتينٍ لا تخلُو جميع طرقها من مقالٍ، ولو صحَّت لكان الأخذُ بها متعينًا لما فيها من الزيادة، فالحق الوقوف على ما ثبت في ((الصحيحين)) من حديث عمَّار من الاقتصار على ضربةٍ حتى يصح ذلك المقدار. انتهى. تنبيه: قال الشيخ عبد الحق الدهلويُّ في ((اللمعات)): عدمُ صحَّة أحاديثِ الضربتينِ في زمن الأئمة الذين استدلَّوا بها محل منع؛ إذ يحتملُ أن تطرُّق الضَّعفِ والوَهنِ فيها بَعْدهُم من جهة لين بعض الرواة الذين رَوَوها بعد زَمَن الأئمة، فالمتأخّرون من المحدِّثين الذين جاؤوا (١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٧٩٥٩). ٤٦٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ اه / باب مَا جَاءَ فِي التََّمُم بعدهم أوردوها في ((نسُنن)) دون ((الصحاح))، فلا يلزمُ من وجودِ الضعفِ في الحديث عند المتأخرِّين، وجودُهُ عند المتقدِّمين، مثلًا: رجالُ الإسناد في زمن أبي حنيفة كان واحدًا من التابعين، يروي عن الصحابي أو اثنين أو ثلاثة، إن لم يكونوا منهم، وكانوا ثِقاتًا من أهل الضبط والإتقان، ثم روَى ذلك الحديثَ من بعدِهِ مَن لم يكُن في تلك الدرجة، فصار الحديثُ عند علماء الحديث؛ مثلُ: البخاريِّ؛ ومسلم، والترمذيِّ وأمثالهِم ضعيفًا، ولا يضرُّ ذلك في الاستدلال به عند أبي حنيفة؛ فتدبَّر، وهذه نكتة جيدةٌ. انتهى كلام الشيخ. قلت: قد تدبَّرنا، فعدمنا: أنه لا يثبتُ بهذه النكتة صحَّة أحاديث الضربَتَين الضعيفة البتة: أما أولًا: فلأنا سلَّمنا أنه يحتملُ أن تطرّق الضعف في أحاديث الضربتَين بعد زمن الإمام أبي حنيفة وغيره من الأئمة المتقدِّمين القائلين بالضربَتَينِ، ولكنَّ هذا احتمالٌ محصٍّ، وبالاحتمال لا يثبتُ صحة هذه الأحاديثِ الضعيفة التي ثبتَ ضَعْفُها عند المتأخِّرين من حُفَّاظ المحدِّثين الماهرين بفنون الحديث، مثل: البخاري، ومسلم، والترمذي، وأمثالهم. وأما ثانيًا: فلأنا لا نسلِّم أن مَن قال بالتيمُّم بالضربتَينِ، كالإمام أبي حنيفة وغيره: استدلَّ بهده الأحاديث الضعيفة حتى يشت باستدلاله بها صحتُها، بل نقولُ: يحتمل أن هذه الأحاديث الضعيفة لم تبلغهُ، وإنما استدلَّ ببعض آثار الصحابة ﴿ه، فما لم يثبت استدلالُهُ بهذه الأحاديث الضعيفة؛ لا يثبُتُ بالنكتة المذكورة صحَّةُ هذه الأحاديث الضعيفة. وأما ثالثًا: فلأنه لو سلِّم أنه اسندلَّ بهذه الأحاديث الضعيفة، فعلى هذا التقدير أيضًا: لا يلزم صحتها، لجواز أنه لم يبلغه في هذا الباب غيرُ هذه الأحاديث الضِّعافِ، فاستدلَّ بها وعمل بمقتضاها مع العلم بضعفها، قال النووي في ((التقريب)): وعملُ العالم وفتياه على وفقٍ حديث ليس حكمًا بصحَته، ولا مخالفتُه قدحٌ في صحّته ولا في روايته. انتهى، قال السيوطيُّ في ((التدريب)): وقال ابن كثير: في القسم الأول نظرٌ، إذا لم يكُن في الباب غيرُ ذلك الحديث، وتعرَّض للاحتجاج به في فتياه أو حكمهِ أو استشهدَ به عند العملِ بمقتضاه، قال العراقيُّ: والجوابُ: أنه لا يلزمُ من كونِ ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث؛ ألَّ يكونَ ثَمَّ دليل آخرُ من قياسٍ أو إجماعٍ، ولا يلزمُ المُفتيَ أو الحاكمَ: أن يذكرَ جميع أدلَّته، بل ولا بعضها، ولعلَّ له دليلًا آخر، واستأنس بالحديث الوارد في الباب، وربما كان يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القیاس. انتهى. وأما رابعًا: فلأنّ هذه النكتة ليست بجيدة، بل هي فاسدة؛ فإن حاصلها: انه لا يلزمُ من ٤٦٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي التَّيَّهُّم وجود الضعف في الحديث في الزَّمنِ المتأخِّرِ وجودُهُ فيه في الزمن المتقدم؛ وعلى هذا: يلزم صحَّة كل حديث ضعيفٍ، ثبت ضعفه في الزمن المتأخِّر؛ لضعف بعض رواته؛ فإن الراوي الضعيفَ: إما أن يكون تابعيًّا أو غيرهُ ممن دونه، فعلى الأول: يقال: إن الحديث كان في زمن الصحابة صحيحًا والضعفُ: إنما حدث في زمن التابعيِّ، وعلى الثاني: يقال: إن الحديث كان صحيحًا في زمن التابعي، والضعفُ: إنما حدثَ في زمن غير التابعيِّ ممن دونه، واللازمُ باطلٌ، فالملزوم كذلك؛ فتدبّر وتفكّر. تنبيه آخر: قال الشيخ الأجلُّ الشاه ولي الله في ((المسؤَّى شرح الموطأ)) - تحت أثر ابن عمر رَُّه: ((أنَّهُ كانَ يتيمَّمُ إلى المِرفقَينِ)) -: إن هذين الحديثينِ - يعني: أثر ابن عمر وحديث عمَّار - ليسا متعارضين عندي، فإن فِعل ابن عمر كمالُ التيمُّم، وفعله ◌َّهِ أقلُّ التيمُّم، كما أن لفظ: ((يكفيكَ)) يرشد إليه، فكما أن أصل الوضوء غسلُ الأعضاء مرَّة مرَّةً، وكماله غسلها ثلاث مراتٍ ثلاث مرات، كذلك أصلُ التيمم: ضربة واحدةٌ والمَسْح إلى الكَفَّين، وكماله: ضربتان، والمسحُ إلى المرفقين. انتهى كلامه معرَّبًا . قلت: لو كان حديثُ الضربتينِ والمسحِ إلى المِرْفَقَيْنِ مرفوعًا صحيحًا؛ لتمَّ ما قال الشيخ الأجلُّ الدهلوي، ولكن قد عرفتَ أن أحاديثَ الضربتينِ والمرفقَينِ ضعيفةٌ أو مختلفةٌ في الرفع والوقف، والراجح هو الوقفُ، وأما حديث عمار المرفوع: فمتفق عليه، وكان يفتي به عمَّار بعد النبي ◌َّهه، فكيف يصحُّ القول بأن فعل ابن عُمر كمالُ التيمم، وفعله وَّهِ أقل التيمُّم، وأما مجرَّد فعل ابن عمر تَّ ◌ُه فلا يدلُّ على أنه كمال التيمم، ألا ترى أن ابن المنذر قد روى بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يَغسِلُ رجليهِ في الوضُوءِ سَبْعِ مرَّاتٍ، ذكر، الحافظ في (الفتح))، فهل يقال: إن غسل ابن عمر الرِّجلينِ سبعَ مَرات كمال غسلِ الرجلينِ، كلَّا ثم كلًّا. تنبيه آخر: اعلم أن العلماء الحنفيّة، وغيرهم ممن قال بالتيمُّم بالصربتينِ وبمسح الوجه واليدين إلى المرفقين، قد اعتذروا عنِ العملِ بروايات عمَّار الصحيحة القاضبة بالتيمُّم بضربة واحدة وبمسح الوجه والكفين، بأعذار كلها باردة، وقد ذكرها صاحب ((السعاية)) من العلماء الحنفية، مع الكلام عليها، فنحن نذكر عبارته - هاهنا - فإنها كافية لرد أعذارهم: قال: اعلم: أن نزاعهم في مقامينٍ؛ الأول: في كيفية مسح الأيدي، هل هو إلى الإبط أم إلى المرفق أم إلى الرُّسْغ، والثاني: في توخُّد الضربة للوجه واليدين وتعدُّدها: أما النزاع الأول: فأضعف الأقوالُ فيه هو القول الأول، وأقوى الأقرال فيه من حيثُ ٤٦٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي التََّّهُم الدليلُ هو الاكتفاءُ بمسحِ اليدينِ إلى الرسغَينِ، لما ثبت في روايات حديث عمَّار الصحيحة، أن النبي وَلِّ علَّمه كيفيةَ التيمُّم حين بلغه تمتُّكُهُ في التُّراب، واكتفى فيه على مسحِ الوجهِ والگفّيْنِ، قال: وأجيب عنه بوجوه: أحدها: أن تعليمه لعَمَّار وقعَ بالفعلِ، وقد ورَدَ في الأحاديثِ القوليَّةِ المسحُ إلى المرفقينٍ، ومن المعلوم: أن القول مقدَّم على الفعل. وفيه نظر: أما أولًا، فلأن تعليمه - وإن كان بالفعل - لكنه انضمَّ معه قولُهُ: ((إنَّما كان يكفيكَ هَذا)». فصارَ الحديثُ في حُكم الحديث القوليِّ. وأما ثانيًا: فلأنه ورد في رواية لمُسلم (١): ((إنَّما كان يكفيكَ أن تضربَ بيديكَ الأرضَ، ثم تنفخَ، ثُمَّ تمسحَ بهما وجهكَ وكفيكَ))، وفي رواية للبخاري(٢): ((يَكفيكَ الوجهُ والكفَّانِ))، وهذا يدلُّ على أن التعليم وقع بالقول أيضًا . وثانيها: ما ذكره النوويُّ والعينيُّ وغيرهما، من أن مقصودَهُ وَّل بيانُ صورة الضَّرْبِ وكيفية التعليم، لا بيان جميع ما يحصلُ به التيمُّم، فلا يدلُّ ذلك على عدم افتراضٍٍ ما عدا المذكورَ فيه . وفيه أيضًا نظر: أما أولًا: فلأن سيّاقَ الروايات شاهدٌ بأن المراد بيانُ جميع ما يحصُلُ به التيمُّم، وإلا؛ لم يقل وَّه: ((إنَّما كان يكفيكَ)) فحمله على مجرَّد تعليم صُورة الضَّرب حملٌ بعيد. وأما ثانيًا: فلأنه لو لم يكن المقصودُ من التَّعليم بيان جميعٍ ما يحصُلُ به التيمم لزمَ السكوتُ في معرضٍ الحاجَة، وهو غيرُ جائز من صاحب الشريعة، وذلك لأن عمَّارًا لم يكُن يعلمُ كيفيَّة التيمم المشروعة، ولم يكن تحقَّق عنده ما يكفي في التيمم؛ لذلك تمعك في التراب تمعك الدابَّة، فلما ذكر ذلك عند النبيِّ نَّه لم يكن له بُدَّ من بيان جميع ما يحصلُ به التيمم؛ لاحتياج عمَّار إليه غاية الحاجة، والاكتفاءُ في تعليمه عند ذلك ببيَان صُورة الضربِ فقط مُضِرٌّ بالمقصود، لبقاء جهالة ما وراءه. وثالثها : أن المراد بالكفِّين في تلك الروايات: اليدانِ. (١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٦٨). (٢) البخاري، كتاب التيمم. حديث (٣٤٢) ٤٦٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلِّ / باب مَا جَاءَ فِي التَّيَّهُّم وفيه نظر ظاهرٌ، فإن ذكر اليدٍ وإرادَة بعضٍ منها واقعٌ شائعٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُوْ أَيْدِيَهُمَ﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، حيث ذكر فيهما اليد، وأريد به بعضها، وهو الكفُّ والرُّسغِّ، وأما إطلاق الكف وإرادة اليد فغير شائع، وهو مجاز غير متعارف، فلا يحملُ عليه إلَّا عند تعذّر الحقيقة، وهو مفقودٌ هاهنا، على أنه: لو أريد منه اليد وهو اسمٌّ من الأصابع إلى المناكب لزم ثبوتُ لُزُوم مسح الید إلى المناکب، ولا قائل به. ورابعًا: أنه لما تعارَضتِ الأحاديثُ رجعنا إلى آثار الصحابة، فوجدنا كثيرًا منهم أفتوا بالمسحِ إلى المرفقينِ، فأخذنا به. وفيه: أن الرجوع إلى آثار الصحابة إنَّما يفيدُ إذا كان بينهم اتفاقٌ، ولا كذلك هاهنا، فإن عمَّارًا منهم قد أفتى بالوجه والكفَّينِ، وأصرحُ منه ما أفتى به ابن عبّاس وشيَّده بذكر النظير؛ كما أخرجه الترمذي. وخامسها: ما ذكره الطحاويُّ، وارتضى به العيني في ((عمدة القاري)) من أن حديث عمَّار لا يصلُحُ حجة في كون التيمُّم إلى الكُوعين أو المرفَقَين أو المنكبينِ أو الإبطينِ؛ لاضطرابه. وفيه: أن الاضطراب في هذا المقَام غيْرُ مُضِرٍّ، لكون رواياتِ المرفقَين والمنكِبَيْنِ مرجوحةً ضعيفةً بالنسبة إلى غيرها، فسقط الاعتبار بها، وروايات الآباط قصَّتها مقدمة على قصة روايات الكَفَّين؛ فلا تعارضها، فبقيت رواياتُ الكفين سالمةً عن القدح والمعارضة. انتهى كلام صاحب ((السعاية)) مختصرًا. تنبيه آخر: قال الشيخ عبد الحقِّ الدهلويُّ في ((اللمعات)): إن الأحاديثَ وردت في الباب متعارضةً، جاءت في بعضها: ((ضربتينٍ))، وفي بعضها: ((ضربة واحدة)) وفي بعضها ((مطلق الضرب)) وفي بعضها: ((كفين)) وفي بعضها: ((يدين إلى المرفقين))، وفي بعضها: ((يدين مطلقًا))، والأخذ بأحاديث الضربتين والمرفقين أخذٌ بالاحتياط، وعملٌ بأحاديث الطرفين، لاشتمال الضربتين على ضربة ومسح الذراعين إلى المرفقين على مسح الكفين دون العكس، وأيضًا التيمُّمُ طهارةٌ ناقصةٌ، فلو كان محله أكثر بأن يستوعب إلى المرفقينٍ، وكان للوجه واليدين ضربة على حدة لكان أحسن وأولى، وإلى الاحتياط أقرب وأدنى، لا يقال: إلى الآباط أقربُ إلى الاحتياط؛ لأن حديث الآباط ليس بصحيح. انتهى كلام الشيخ. ٤٦٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ! باب مَا جَاءَ فِي التَّيَّمُّم وَقَدْ رُوي هذَا الحَديثُ عَنِ عَمَّارٍ فِي التَّهُم أنَّهُ قَالَ: لِلوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ. مِن غَيْرِ وَجْهٍ. وَقَدْ رُويَ عَنِ عمَّارٍ أنَّهُ قَالَ: تَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَّهَ إلَى المَنَاكِبِ وَالْآَبَاطِ [د: ٣١٨، حم: ١٨٤٠٩]. فَضَعَّفَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ حَدِيثَ عَمَّارٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي التَّيَمُّم لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ لمَّا رُويَ عَنْهُ حَدِيثُ المَنَاكِبِ وَالْآَبَاطِ. قلت: أحاديث الضربتين والمرفقين ضعيفةٌ أو مختلفةٌ في الرفع والوقف، والراجحُ هو الوقف، ولم يصحَّ من أحاديث الباب سوى حديثين، أحدهما: حديث أبي جُهيم بذكر اليدين مجملًا، وثانيها: حديث عمَّار بذكر ضربة واحدة للوجه والكفَّين، وهما حديثان صحيحان متفق عليهما، كما عرفتَ هذا كله في كلام الحافظ ولا تعارُضَ بينهما، فإن الأول: محمول على الثاني، فالأخذ بأحاديث الضربتين والمرفقين ليس أخذًا بالاحتياطِ، كيف: وهل يكون في أخذ المرجوح وترك الراجح احتياط، كلا بل الاحتياط في أخذ حديث ضربة واحدة الوجه والكفين، بل هو المتعيِّن. وأما قوله: ((التيمم طهارة ناقصة ... )) إلخ، ففيه: أنه لم يثبت كون التيمُّم طهارة ناقصة بدليل صحيح، بل الثابتُ: أن التيمُّم - عند عدم وجدان الماء - وضوء المسلم، قال رسول الله رَّهِ: ((الصَّعيدُ وضُوءُ المُسلم، وإن لم يجدِ المَاء عشر سنينَ ... )) الحديث، روَاهُ البزَّار(١)، وصحَّحه ابن القطان، ولكن صوَّب الدار قطني إرساله، وللترمذيِّ عن أبي ذر نحوه وصحَّحه، فالتيمم عند عدم وجدان الماء وضوءُ المُسلم. ومن ادعى أنه وضوءٌ ناقصٌ، فعليه الدليل، ولو سلِّم أن التبمّم طهارة ناقصة، فالأخذ بأحاديث الضربتينِ والمرفقين لا يكونُ أولى ولا إلى الاحتياط أقرب؛ لأنها ليست بصحيحة، كما أن الأخذ بحديث الآباط ليس أولى ولا إلى الاحتياط أقربَ؛ عند الشيخ الدهلوي. قوله: (وقد روي هذا الوجه عن عمَّار) وفي نسخة قلمية صحيحة: ((وقد رُوي هذا الحديث عن عمَّار)) وهو الظاهرُ، (أنه قال: الوَجهِ والكفَّينِ) بالجَر على الحكاية، (من غير وجه) أي: من غير طريق واحدٍ بل من طرق كثيرة، (فضعف بعض أهل العلم حديثَ عمَّار عن النبي ◌َّ﴿ في التيمُّم للوجه والكفين، لما روي عنه حديث المناكب والآباط) فظنَّ أن حديث المناكب والآباط مخالفٌ لحديث الوجه والكفين، ومعارض له فضعَّفه للاختلاف والاضطراب. (١) البزار. حديث (٣٣٦٩ - زخار). وتقدم في سنن الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (١٢٤). ٤٦٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ فِي التََّمُّم قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ مَخْلَدِ الحَنْظَليُّ: حديثُ عَمَّارٍ فِي التََّمّم لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، هُوَ حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ، وحَدِيثُ عَمّارٍ : تَيَمَّمْنَا مَعَ النبيِّ وَهُ إِلَى المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ، لَيْسَ هُوَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، لأَنَّ عَمَّاراً لَمْ يَذْكُرْ أنَّ النَِّيَّ ﴿ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ. فَعَلْنَا كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َِّ أَمَرَهُ بِالوَجْهِ وَالكَقَّيْنِ، فَانْتَهِى إِلَى مَا عَلَّمَهُ رسولُ اللهِ وَّةِ: الوَجْهِ وَالكَفيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذلِكَ: مَا أفْتَى بِهِ عَمَّارٌ بَعْدَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي التَّيَهُم أنَّه قَالَ: الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، فَفِي هذَا دَلالةٌ أنَّهُ انْتَهِى إِلَى مَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ بَهِ، فَعَلَّمَهُ إِلَّى الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أبَا زُرْعَةَ عُبَيْدَ الله بْنَ عَبْدِ الكَرِيمِ يَقُولُ: لمْ أَرَ بِالبَصْرَةِ أحْفَظَ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ: عَلِيٍّ بنِ المَدِينِيِّ، وَابْنِ الشَّاذَكُونِي، وَعَمْرِو بْنِ عَلَيّ الفَلَّاسِ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَرَوَى عَفّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلَيٍّ حَدِيثاً. [١٤٥] (١٤٥) حدثنا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سليْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ القُرَشِيِّ، عَن دَاوُدَ بنِ حُصَيْنٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التََّمُّمِ؟ فَقَالَ: إنَّ الله قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ فِي التَّيَمُّم: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِي (قال إسحاق بن إبراهيم) أي: في الجواب عن تضعيف بعض أهل العلم، وحاصل الجواب. أن ييَمُّمَهُم إلى المناكب والآباط لم يَكُن بأمر النبي وَلِّ، وأما التيمُّم للوجه والكفين: فأمر به النبيُّ نَّهِ وعلَّمه، فلا تعارض بين الحديثين، وإسحاق بن إبراهيم هذا هو إسحاقُ بن راهويهِ، (ففي هذا دلالة على أنه انتهى إلى ما علمه النبي ◌ٍَّ) قال أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)): أي: إنَّ عمّارًا انتهى إلى أن التيمُّم للوحه والكفين، فكان هو آخر الأمرين، فالأول: ما فَهِمُوا من إطلاق ((اليد)) في الكتاب في آية التيمم، والثاني: ما انتهوا إليه بتعليم النبيِّ وَّر، فكان الثاني هو المعتبرَ، والمعمول به، ويدلُّ على جواز الاجتهاد في زمن النبي وَ له؛ لأن عمارًا رَبه اجتهد أولًا، ثم لما علمه النبيُّ وَّل ترك. انتهى كلام أبي الطيب [١٤٥] قوله: (فكانت السُّنَّة في ٤٦٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُباً القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ، يَعْنِي التَّيَمُّمَ. [ضعيف الإسناد، قلت: محمد بن خالد القرشي، مجهول] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. ١١١- باب مَا جَاءَ في الزَّجُلِ يَقْرَأُ القُرْآنَ د عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُباً [ت١١١، م١١١] [١٤٦] (١٤٦) حدثنا أبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدِ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ وابْنُ أبِي لَيَلَى، القطع الكفين) قال أبو الطيب السندي: أي: الطريقة في الدِّين قَطعُ الكَفَّيْنِ للسرقة، يعني: بسبب إطلاق اليد في آية السرقة؛ فكذا التيمُّم، يكفي فيه مسح الوجه والكفين، لإطلاق اليد في التيمُّم، ومطلق اليد الكفَّانِ، بدليل آية السرقة. انتهى، وقال ابن العربي في ((العارضة)) تحت أثر ابن عباس هذا ما لفظه: هذه إشارةُ حبْرِ الأمة وترجُمانِ القرآن، وكان كلام المتقدمين من قبلُ إشارةً وبَسْطَةً: أن الله حدَّد الوضوء إلى المرفقين، فوقفْنا عند تحديده وأطلق القول في اليدين، فحملت على ظاهر مُطَلقِ اسم اليد، وهو الكفَّان، كما فعلنا في السرقة، فهذا أخذ للظاهر، لا قياسٌ للعبادة على العقوبة. انتهى، (إنما هو الوجه والكفَّين) تقريرٌ للمطلوب بعد الفراغ من تقرير الدليل، والظاهرُ: أن يقول: الكفان؛ لأنه خبر لـ ((هُو)) بطريق العطف، إلّا أن يقال: إنه بحذف المضاف، وإبقاء جرِّ المضاف إليه على حاله، أي: إنما هو مَسحُ الوجه والكفين، وهو قليل، لكنه وارد كقراءة ابن جمَّاز: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] بجر الآخرة، أي: عَرَضَ الآخرة، أي: متاعها؛ قاله أبو الطيب السندي. ١١١ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَقْرَأُ القُرآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَم يَكُن جُنْبًا [١٤٦] قوله: (حدثنا أبو سعيد الأشج) اسمه: عبد الله بن سعيد بن حُصين الكندي الكوفي، أحد الأئمة، روى عن: عبد السلام بن حرب، وأبي خالد الأحمر، وغيرهما، وعنه: الأئمة الستة، قال أبو حاتم: ثقة، إمام أهل زمانه، قيل: مات سنة (٢٥٧) سبع وخمسين ومئتين، (وعقبة بن خالد) بن عقبة السَّكوني، أبو مسعود الكوفي المُجدّر؛ بالجيم المفتوحة، روى عن: هشام، والأعمش، وعنه: أحمد، وإسحاق، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم، وثقه أبو حاتم، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومئة، (وابن أبي ليلى) اعلم: أن ٤٦٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَيِ / باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُباً عَن عَمْرِو بن مُرَّةَ، عَن عَبْدِ الله بن سلمَةَ، عَن عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَلِ يُقْرِثُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُباً. [فيه ضعف، عيـ [فيه ضعف، عبد الله بن سلمة، قال البخاري: لا يتابع في حديثه صدوق، وقال ابن حجر: تغير حفظه. ن بنحوه: ٢٦٦، د بنحوه: ٢٢٩، جه بنحوه: ٥٩٤، حم: ٦٢٨]. ابن أبي ليلى يطلقُ على محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلى أبيه، وعلى أخيه عيسى، وعلى ابن أخيه: عبد الله بن عيسى، والمراد - هاهنا - هو الأول، وهو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكتوفي القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوق، سيئ الحفظ جدًّا؛ قاله الحافظ في ((التقريب))، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن أخيه عيسى، وابن أخيه عبد الله بن عيسى، ونافع مولى ابن عمر وعمرو بن مرة، وذكر كثيرًا من شيوخه وتلامذته، ثم ذكر أقوال الحفاظ فيه ما محصَّلها: أنه صدوقٌ سيِّئ الحفظِ، فقيه، وقال أحمد بن حنبل: «فقهه أحبُّ إلينا من حديثه، (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجمَلِيّ، المرادي، الكوفي، الأعمى، ثقة عابد، كان لا يدلِّس، ورمي بالإرجاء، (عن عبد الله بن سلمة) بكسر اللام، المرادي، الكوفي، صدوق، تغيَّر حفظه، من الثانية، روى عن: عمر، وعلي، ومعاذ، وغيرهم، وعنه: عمرو بن مرة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وثّقه العجليُّ، كذا في ((التقريب))، وفي ((الخلاصة». قوله: (يقرئنا القرآن) من الإقراء، أي: يعلِّمْنا، (على كل حال) أي: متوضئًا كان أو غير متوضئ، (ما لم يكن جنبًا) وفي رواية أبي داود(١): ((أن النبيَّ وَّ كان يخرج من الخلاء، فيُقرتُنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه - أو قال: يحجزه - عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة)). 0 0 فإن قيل: حديث عائشة الذي رواه مسلم(٢) عنها، قالت: ((كان رسولُ اللهِ وَّهِ يذكر الله على كل أحيانه)) وعلَّقه البخاري يخالف حديثَ عليٍّ هذا؛ فإنه يدلُّ بظاهره على أنه وَل ◌ِ كان يقرأ حال الجنابة أيضًا؛ فإن قولها: ((على كل أحيانه)) يشمل حالة الجنابة أيضًا، وقولها: ((يذكر الله)) يشمل تلاوة القرآن أيضًا. يقال: إن حديث عائشة يخص بحديث عليٍّ هذا، فيراد بـ ((ذكر الله)) غير تلاوة القرآن، C (١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٢٢٩). (٢) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٧٣). ٤٧٠ أبواب الطهارة عن رسول اللّه ◌َ اي ار / باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ القُرْآن عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُباً قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِهِ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أهلِ العِلْمِ أصْحَابِ النِّيِّ نَّهِ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا: يَقْرَأُ الرَّجُلُ القُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَلا يَقْرَأُ فِي المُصْحَفِ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ. وبهِ يقولُ سُفيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. قال العيني: حديث عائشة لا يعارضُ حديث عليٍّ؛ لأنها أرادت الذكر الذي غير القرآن. انتهى، وقال صاحب ((سبل السلام)): حديث عائشة قد خصه حديثُ عليٍّ عليه السلام وأحاديث أخرى، وكذلك هو مخص بحالة الغائط والبول والجماع، والمراد ((بكل أحيانه)) معظمها؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: ١٩١] انتهى، وقال في شرح حديث الباب: أخرج أبو يعلى(١) من حديث عليٍّ عليه السلام قالَ. (رأيتُ رسولَ اللهِ وَ لّ توضَّأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن)) ثم قال: ((هَكذا لمن لبس بجنُب، فأما الجنب فلا ولا آية)»، قال الهيثمي: رجاله موثَّقونَ، وهو يدلُّ على التحريم؛ لأنه نھيٌّ، وأصله ذلك، ويعاضد ما سلف. انتهى. قوله: (حديث عليٍّ حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال المنذري. وذكر أبو بكر البزار، أنه لا يروى عن عليٍّ إلَّا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، وحكى البخاري [عن] عمرو بن مرة: كان عبد الله - يعني: ابن سلمة - يحدثنا، فيعرف وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حدينه، وذكر الإمام الشافعي ظ ◌ُبه هذا الحديث، وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه، قال البيهفي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سَلِمَة الكوفيُّ وكان قد كَبِرَ وأنكر من حديثه وعقله بعض النُّكرة، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر؛ قاله شعبة. هذا آخر كلامه؛ وذكر الخطابيُّ: أن الإمام أحمد بن حنبل رَظُبه كان يوهِّر حديث علي هذا، ويضعِّف أمر عبد الله بن سلمة. انتهى كلام المنذري. قوله: (قالوا: يقرأ الرجل القرآن على غير وضوء) أي: يجوز له أن يقرأ على غير وضوء؛ واستدلَّوا على ذلك بحديث الباب، (ولا يقرأ في المصحف) أي: أخذًا بيده، وما شابه؛ فإنه إذا لم يمسه ويقرأ ناظرًا فيه، فهو جائز، (إلَّا وهو طاهر) أي: متوضى (وبه يقول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق)، وهو قول أبي حنيفة، وبه يقول مالك، قال (١) أبو يعلى. حديث (٣٦٥)، وقال الهثمى (٢٧٦/١). ورجاله موثفون. ٤٧١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُباً. في ((الموطأ)): ولا يحمل أحد المصحف بعلاقته ولا على وسادة إلَّا وهو طاهرٌ، ولو جاز ذلك لحل في خبيئنه، قال: وإنما كره ذلك لمن يحمله، وهو غير طاهر، إكرامًا للقرآن وتعظيمًا له. انتهى، واستدلَّوا على ذلك: بحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده؛ أن النبيَّ وَّهَ كَتَبَ إلى أهلِ اليمنِ كتابًا، وكان فيه: ((لا يمَسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ))(١)؛ رواه الأثرم والدارقطني، وهو لمالك في ((الموطأ)) مرسلًا عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ ((أن في الكتاب الذي كتبه رسولُ الله وَلّ لعمرو بن حزم: أن لا يمسَّ القرآنَ إلَّا طاهر))، وقال الأثرم: واحتج أبو عبد الله - يعني: أحمد - بحديث ابن عمرو: ((ولا يُمسُ المصحفُ إلَّا على طهارةٍ))، كذا في ((المنتقى))، قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وقد روي مسندًا من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسنادٍ؛ لأنه أشبه المتواتر، لتلقي الناس له بالقبول، ولا يصحُّ عليهم تلقي ما لا یصحُ. انتهى. قلت: لا شك في أن هذا الحديث يدلُّ على أنه لا يجوزُ مسُّ المصحف إلَّا لمن كان طاهرًا، ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على: المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر، والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة؛ ويدل لإطلاقه على الأول: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُّ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله بَّهِ لأبي هريرة: ((المؤمنُ لا ينجسُ))(٢)، وعلى الثاني: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، وعلى الثالث: قوله بَّهِ في المسح على الخفّين: (دعهما فإِنِّي أدخلتُهُما طاهرتينٍ))(٣)، وعلى الرابع: الإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسِّية ولا حُكمية يسمى: طاهرًا، وقد ورد إطلاق ذلك في كثير، والذي يترجَّح أن المشرك مجملٌ في معانيه، فلا يعمل به حتى يبيَّن، وقد وقع الإحماعُ على أنه لا يجوزُ للمحدث حدثًا أكبر أن يمس المصحف، وخالف في ذلك داود، وأما المُحدثُ حدثًا أصغرَ فذهب ابن عباس والشعبيُّ والضحاكُ: إلى أنه يجوز له مسُّ المصحف، وقال القاسم وأكثر الفقهاء: لا يجوز؛ كذا في ((النيل)). (١) مالك (٤٦٨)، والدارمي (٢٢٦٦)، والنسائي، كتاب القسامة. حديث (٤٨٥٣)، والدارقطني (١٢٢/١) (٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢١١١)، وعبد الرراق (١٣٢٨). (٢) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٨٥)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٧١). (٣) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٠٦)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٧٤). ٤٧٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُباً قلت: القول الراجح عندي: قول أكثر الفقهاء، وهو الذي يقتضيه تعظيم القرآن وإكرامُهُ، والمتبادر من لفظ ((الطاهر)) في هذا الحديث هو المتوضئ، وهو الفرد الكامل الطاهر، والله تعالى أعلم. وقال القاري في شرح قوله: ((لا يمسُّ القرآنَ إلَّا طأهر)) ما لفظه: بخلاف غيره، كالجنب والمُحدثِ، فإنه ليس له أن يمسه إلَّا بغلافٍ متجافٍ، وكره بالكم، قال الطيبي: بيان لقوله تعالى: وَلَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]؛ فإن الضمير: إما لـ((القرآن))، والمراد: نهي الناس عن مسه إلَّا على الطهارة، وإما لـ ((اللوح))، و((لا)) نافية، ومعنى ((المطهرونَ)): الملائكة؛ فإن الحديث كشف أن المراد هو الأول، ويَعضدُه مدحُ القرآن بالكرم، وبكونه ثابتًا في اللوح المحفوظ؛ فيكون الحكم بكونه لا يمسُّه مرتبًا على الوصفين المتناسبين للقرآن. انتهى ما في ((المرقاة)). تنبيه: قال الحافظ في ((بلوغ المرام)) بعد ذكر الحديث المذكور، الذي استدلَّ به الأكثرون على عدم جواز مسِّ القرآن لغير المتوضئ ما لفظه: رواه مالك مرسلًا ووصلهُ النسائيُّ وابن حبَّان، وهو معلول. انتهى، قال صاحب ((السبل)): وإنما قال المصنّف: إن هذا الحدیث معلولٌ؛ لأنه من روایة سلیمان بن داود، وهو متفق علی ترکه؛ کما قاله ابن حزم، ووهم في ذلك؛ فإنه ظن أنه سليمان بن داود اليمانيُّ، وليس كذلك، بل هو سليمان بن داود الخولاني، وهو ثقة، أثنى عليه: أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفّاظ، وكتاب عمرو بن حزم تلقَّاه الناس بالقبول؛ قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقِّي الناس له بالقبول، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابًا أُصحَّ من هذا الكتاب؛ فإن أصحاب رسول الله ربَّ والتابعين يرجعونَ إليه ويدعونَ رأيهم، وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهريُّ بالصحة لهذا الكتاب. وفي الباب: من حديث حكيم بن حزام: ((لا يمسُّ القرآن إلَّا طاهرٌ))(١) وإن كان في إسناده مقال، إلَّا أنه ذكر الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) من حديث عبد الله بن عمر؛ أنه قال: قال رسول الله وَله: ((لا يمسُ القُرآن إلَّا طاهرٌ))(٢)، قال الهيثمي: رجاله موثقون وذكر له شاهدين. انتهى. (١) الدار قطني (١٢٢/١) (٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٣١٣٥)، و((الأوشط)). حديث (٣٣٠١)، والحاكم. حديث (٦٠٥١) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه الطبراني في ((الصغير)). حديث (١١٦٢)، والدارقطني (١٢١/١) (٣)، والبيهقي في ((الكبرى)). حدیث (٤١٤). ٤٧٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَل ◌َه / باب مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ ١١٢ - باب مَا جَاءَ في البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ [ت١١٢، ١١٢٢] [١٤٧] (١٤٧) حدثنا ابنْ أَبِي عُمَرَ وسَعيدُ بن عَبْدِ الرَّحمنِ المَخْزومِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا سِفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سعِيدٍ بن المُسَيَّبِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ أعْرَابِيُّ المَسْجِدَ، وَالنَّبِيُّ وَ جَالِسٌ، فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: اللَّهِمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّداً وَلا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَداً، فَالتَّفَتَ إلَيْهِ النِبِيُّ وََّهِ فَقَالَ: م ١١٢ - باب مَا جَاءَ في البَولِ يُصيبُ الأَرْضَ [١٤٧] قوله: (دخل أعرابي) بفتح الهمزة، منسوب إلى ((الأعراب)) وهم: سكان البوادي، ووقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد، فقيل: أعرابي؛ لأنه جرى مجرى القبيلة؛ كأنها واحد؛ لأنه لو نسب إلى الواحد، وهو: ((عرب)» لقيل: عربي، فيشتبه المعْنى؛ لأن العربيَّ: كل من هو من ولد إسماعيل عليه السلام، سواءٌ كان ساكنًا في البادية أو بالقرى، وهذا غير المعنى الأول؛ قاله الشيخ تقيُّ الدين. a وقد جاء في تسمية هذا الأعرابيّ وتعيينه روايات مختلفة، ولم أر في هذا روايةً صحيحةً خالية عن الكلام، قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((العارضة)): رواه الدارقطني (١)، فقال: جاءَ أعرابيٍّ إلى النَّبِيِّ وَّهِ شيخٌ كبيرٌ، فقالَ: يا مُحمَّد، متى السَّاعة؟ فقالَ لهُ: ((ما أعددتَ لها؟» فقالَ: لا، والذي بَعَثَك بالحقِّ، ما أعددتُ لها من كثير صلاةٍ ولا صيامٍ إلَّا أنّي أحبُّ اللّهَ ورسولَهُ، قال: ((فأنتَ مَعَ مَن أحببتَ))، قالَ: فذَهَبَ الشيخ، فأخَذَ يِّبول في المَسْجِدِ، فمَرَّ عليهِ النَّاسُ، فأقامُوه، فقال رسولُ اله ◌َّةِ: ((دعُوهُ، عسَى أن يكون من أهلِ الجنَّة، فصبُّوا على بولِهِ المَاءَ))، فبين: أن البائل في المسجد هو: السائل عن الساعة المشهودُ له بالجنة. انتهى كلام ابن العربي. قلت: في إسناده المعلَّى المالكيُّ قال الدارقطني، بعد روايته: المعلَّى مجهولٌ؛ وقال الحافظ في ((الفتح)): حكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله بن نافع المزني؛ أنه الأقرع بن حابس التميمي، قال: وأخرج أبو موسى المديني في ((الصحابة)) من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار، قال: ((اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلًا جافيًا))، وهو مرسل، وفي إسناده أيضًا مبهم بين محمَّد بن إسحاق وبين محمد بن عمرو بن عطاء، وهو (١) الدارقطني (١٣٢/١). حديث (٣). ٤٧٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهه / باب مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ (َقَدْ تحجَّرْتَ وَاسِعاً)) فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَه: ((أهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِن مَاءٍ، أوْ دَلْواً مِن مَاءٍ))، ثُمَّ قَالَ: عنده من طريق الأصم، عن أبي زرعة الدمشقي، عن أحمد بن خالد الذهبيّ، عنه، وهو في ((جمع مسند ابن إسحاق)) لأبي زرعة الدمشقي، من طريق الشاميين، عنه، بهذا السند، لكن قال في أوله: اطلع ذو الخويصرة التميمي وكان جافيًا، والتميمي هو حرقوص بن زُهير الذي صار بعد ذلك من رؤوس الخوارج، وقد فرق بعضهم بينه وبين اليمانيٍّ، لكن له أصل أصيل، قال: ونقل عن أبي الحسين بن فارس؛ أنه عيينة بن حصن، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ. قوله: (لقد تحجرت واسعًا) بصيغة الخطاب، من باب ((تَفَعَّل)) أي: ضيَّقت ما وسَّعه الله، وخَصَّصْتَ به نفسك دون غيرك، وأصل الحَجر: المنع؛ ومنه الحَجر على السفيه، (فأسرع إليه الناس) وفي رواية للبخاري: ((فَزَجَرَهُ النَّاسُ))، ولمسلم: ((فَقالَ الصَّحَابةُ: مَه مَه)). وله في رواية أخرى: ((فَصاحَ النَّاس بهِ))، (أهريقوا عليه) أي: صبوا عليه، قال الطيبي: أمر من أهَراقَ يُهريقُ بسكون الهاء إهراقًا؛ نحو ((إسطاعًا))، وأصله: أراقَ، فأبدلت الهمزة هاء، ثم جعل عوضًا عن ذهاب حركة العين؛ فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم أدخل عليه الهمزة، أي: صبوا، (سجلًا) بفتح السين المهملة وسكون الجيم: الدلو الملأى ماء، (أو دلوًا) شك من الراوي، قال أبو بكر بن العربي في ((العارضة)): السَّجل الدَّلو، والدَّلو مؤنثة، والسَّجل مذكر؛ فإن لم يكن فيها ماءٌ، فليست بسجلٍ كما أن القدح لا يقال له: كأس، إلَّا إذا كان فيه ماءٌ، يقال له: «لوٌ سجيلةٌ، أي: ضخمة، وكذلك الذَّنوب: الدلو الملأى ماء مثله، ولكنها مؤنثة، والغَرْبُ: الدلو العظيمة بإسكان الراء؛ فإن فتحتها فهو الماء السائلُ من البئر والحوض وغير ذلك أيضًا. انتهى. قلت: وقال ابن دُريد: السَّجل: دلو واسعة، وفي ((الصحاح)): الدلو الضخمة، قال العيني في ((شرح البخاري)) ص ٨٨٦ ج ١ في رواية الترمذي: ((أهْريقُوا عليهِ سجلًا من ماءٍ أو دلوًا من ماءٍ))، اعتبار الأداء باللفظ، وإن كان الجمهور على عدم اشتراطه، وأن المعنى كاف، ويحمل ((أو)) هاهنا على الشك، ولا معنى للتنويع ولا للتخيير ولا للعطف، فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى لاقتصَرَ على أحدهما، فلما تردّد في التفرقة بين الدَّلو والسَّجل، وهما بمعنَى؛ علم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ؛ قاله الحافظ القشيري، قال العيني: ولقائل أن يقول: إنما يتم هذا أن لو اتحد المعنى في السجل والدَّلو لغةً؛ لكنه غير متحدٍ، فالسجل: الدلو الضخمة المملوءة، ولا يقال لها فارغةً: سَجل. انتهى كلام العيني. ٤٧٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ ((إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرين)). [خ: ٢٢٠ و٦٠١٠، ن: ٥٦ و١٢١٦، د: ٣٨٠، جه: ٥٢٩، حم: ٧٢١٤]. [١٤٨] (١٤٨) قَالَ سَعِيدٌ: قَالَ سفْيَانُ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بِنُ سَعيدٍ، عَن أَنَسٍ بنِ مَالِكِ، نَحْوَ هذَا. [خ مختصراً: ٢١٩، م مختصراً: ٢٨٤، ن مختصراً: ٥٣، جه مختصراً: ٥٢٨، حم مختصراً: ١١٦٧٢، مي مختصراً: ٧٤٠ ]. قَالَ. وفي البابِ عَن عْد الله بنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عَبَّاس، وَوَائِلَةَ بن الأَسقَع. (إنما بعثتم ميسرين) أي: مسؤِّلين على الناس، قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليلٌ على تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة بالماء؛ واستدلَّ بالحديث أيضًا على أنه يكتفى بإفاضة الماء، ولا يشترط نقل التراب من المكان بعد ذلك، خلافًا لمن قال به؛ ووجه الاستدلال بذلك: أن النبيَّ وَّه لم يرِد عنه في هذا الحديث الأمرُ بنقل التراب، وظاهر ذلك الاكتفاءُ بصبٌّ الماء، فإنه لو وجب لأمر به ولو أمر به، لذكر، وقد ورد في حديث آخر الأمر بنقل التراب، ولكنه تكلِّم فيه، وأيضًا: لو كان نقلُ التراب واجبًا في التطهير لاكتفى به؛ فإن الأمر بصبِّ الماء حينئدٍ - يكونُ رياءهَ تكميفي وتعب من غبر منفعةٍ تعود إلى المقصود؛ وهو تطهير الارص. [١٤٨] قوله: (قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، نحو هذا)، حديث يحيى بن سعيد عن أنس: أخرجه الشيخان. قوله: (وفي الباب: عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع): أما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه أبو يعلى (١)، عنه، قال: ((جاء أعرائيٌّ، فبال في مسجد، فأمر النبيُّ ◌َ ل# بمكانه، واحفر وسبَّ عليه دلوًا من ماء)»، وفيه سمعان بن مالك، وهو ضعيف؛ كذا فى (مجمع الزوائد))، وقال الحافظ فى ((التلخيص)): رواه الدارمي والدارقطني، وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوى؛ قاله أبوزرعة، وقال ابن أبى حاتم في ((العلل)) عن أبى زرعة: هو حديثٌ منكر؛ وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم: لا أصل له. انتهى. وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أبو يَعلى والبزَّار والطبراني(٢)، عنه؛ أنه قال: ((أتَى (١) أبو يعلى. حديث (٣٦٢٦). (٢) أبو يعلى. حديث (٢٥٥٧)، والبزار (٤٠٩- كشف)، والطبرانى فى ((الكبير)) (١١٥٥٢)، وابن عدى فى ((الكامل)) (٢٩٠/٧). ٤٧٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ قَالَ أبُو عِيْسَى: وهذَا حَدِيثٌ حَسَن صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلٍ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحاقَ. وقَدْ رَوَى يُونُسُ هذَا الحَدِيثَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله، عَن أبي هُرَيْرَةَ. آخر کتاب الوضوء النبيَّ ◌َّ أعرابيٍّ، فبايعه، ثم انصرف، فقام، ففَشَجَ، فبال، فهمَّ الناس به ... )) الحديث، وفيه: ((فأمر النبي ◌َّهِ بِذَنُوبٍ من ماءٍ، فصُبَّ على بوله))، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): رجاله رجال الصحيح. وأما حديث واثلة بن الأسقع، فأخرجه ابن ماجه (١) في ((الطهارة))، وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد الهذلي؛ وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا أحمد والطبراني، قال الحافظ في ((التلخيص)): وفيه عُبيد الله بن أبي حميد الهذلي؛ وهو منكر الحديث، ؛ قاله البخاري وأبو حاتم . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلَّا مسلمًا؛ كذا في ((المنتقى)). قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق) قال الشوكاني في ((النيل)): استدلَّ به - يعني: بحديث الباب - على أن تطهير الأرض المتنجِّسة يكونُ بالماء، لا بالجفاف بالريح والشمس؛ لأنه لو كفى ذلك، لما حصل التكليفُ بطلب الماء؛ وهو مذهبُ العترة والشافعيِّ ومالكٍ وزفر، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: هما مطهران؛ لأنهما يحيلان الشيء. انتهى، وقال النووي في ((شرح مسلم)): وفيه: أن الأرض تطهر بصبٌّ الماء عليها، ولا يشترط حفرها، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة لا تطهر إلَّا بحفرها. انتهى، قال الحافظ في ((الفتح)) ص ١٦٢ ج١: كذا أطلق النوويُّ وغيره، والمذكور في ((كتب الحنفية)) التفصيلُ بين ما إذا كانت رخوةً بحيث يتخلَّلها الماء حتَّى يغمرها؛ فهذه لا تحتاج إلى حفر، وبين ما إذا كانت صلبة؛ فلا بد من حفرها وإلقاء التراب؛ لأن الماء لم يغمر أعلاها وأسفلها. انتهى كلام الحافظ. قلت: الأمر كما قال الحافظ، قال العينيُّ في ((شرح البخاري)): قال أصحابنا - يعني (١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٥٣٠)، والطبراني في «الكبير» (٧٧/٢٢). حديث (١٩٢)، وهو حديث صحیح. ٤٧٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ ، الحنفية -: إذا أصابت الأرض نجاسةٌ رطبةُ: فإن كانت الأرض رخوة، صب عليها الماء حتَّى يتسفَّل فيها، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة، وتسفَّل الماء، يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيها العدد، وإنما هو على اجتهاده، وما هو في غالب ظنه؛ أنها طهرت، ويقوم التسفُّل في الأرض مقام العصر فيما لا يحتمل العصر؛ وعلى قياس ظاهر الرواية: يصبُّ عليها الماء ثلاث مرات، ويتسفَّل في كل مرة، وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت صعودًا يحفر في أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحفيرة، ثم تكبس الحفيرة، وإن كانت مستوية بحيث لا يزولُ عنها الماء: لا يغسل؛ لعدم الفائدة في الغسل؛ بل تحفر، وعن أبي حنيفة: لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة، وينقل التراب. انتهى كلام العيني، وقال في ((شرح الوقاية)): والأرض والآجُرُّ المفروشُ باليَبَسِ فذهاب الأثر للصلاة لا للتيمُّم. انتهى. واستدل الحنفية: على أن تطهير الأرض المتنجِّسةِ يكونُ بالجفافِ واليَيَس بحديث: ((زكاةُ الأرضِ ييسها)). وأجيبَ: بأن هذا الحديث لم يثبت عن النبيِّ وَّر، وقال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكره: لا أصل له في المرفوع، نعم؛ ذكره ابن أبي شيبة موقوفًا عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر، رواه عبد الرزاق (١) عن أبي قلابة، من قوله بلفظ: ((جُفوفُ الأرضِ ظُهُورُها)). انتهى. وبحديث ابن عمر، قال: ((كنتُ أبيت في المسجد في عهدِ رسولِ اللهِ وَّهَ، وكنتُ فتى شابًّا عزبًا، وكانت الكلابُ تُبُولُ وتُقبلُ وتُدبرُ في المسجد، فلم يكونوا يرشُّون من ذلك)) ؛ أخرجه أبو داود (٢)، وبوَّب عليه بقوله: ((باب في طهور الأرض إذا يبست))؛ قال الحافظ في ((الفتح)): استدل أبو داود بهذا الحديث على أن الأرض تطهر، إذا لاقتها النجاسةُ بالجفاف؛ يعني: أن قوله: ((لم يكونوا يرشون)) يدل على نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض، ما تركوا ذلك، ولا يخفى ما فيه. انتهى كلام الحافظ. قلت: استدلالُ أبي داود بهذا الحديث على أن الأرض تطهر بالجفاف، صحيحٌ ليس فيه عندي خدشة، إن كان فيه لفظ: ((تبولُ)) محفوظًا، ولا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث الباب؛ فإنه يقال: ((إن الأرض تطهرُ)) بالوجهين، أعني: بصب الماء عليها، وبالجفاف واليبس بالشمس أو الهواء، والله تعالى أعلم. (١) عبد الرزاق. رقم (٥١٤٣). (٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٨٢). ٤٧٨ أبواب الطهارة عن رسول الله رَّه / باب مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ واستدل من قال. ((إن الأرض لا تطهُرُ إلَّا بالحفرِ)) بروايات جاء فيها ذكر الحفر، قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ١١١ ح١: ورد فيه الحفر من طريقين مسندين وطريقين مرسَلَيْن؛ فالمسندان: أحدهما: عن سمعان بن مالك عن أبي وائل عن عبد الله، قال: ((جاء أعرابيٌّ، فبال في المسجد، فأمر النبيُّ رَّر بمكانه، فاحتفر، وصب عليه دلوًا من ماء)). انتهى. وذكر ابن أبي حاتم في ((علله))؛ أنه سمع أبا زرعة يقول في هذا الحديث: إنه منكر، ليس بالقوي. انتهى، أخرجه الدارقطني في ((سننه))(١)، الثاني أخرجه الدارقطني أيضًا عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، أن أعرابيًّا بال في المسجدِ، فقال عليه السلام: ((احفروا مكانهُ، ثم صبُّوا عليه ذَنُوبًا من ماءٍ))، قال الدارقطني: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عنه، عن بحیی بن سعيد بدون الحفر، وإنما روى ابن عيينة هذا، عن عمرو بن دينار، عن طاوسٍ؛ أن النبيَّ ◌َّل قال: ((احفروا مكانه)) مرسلًا . انتهى. وأما المرسلان: فأحدهما: هذا الذي أشار إليه الدار قطنيُّ، رواه عبد الرزاق في ((مصنفه))، والثاني: رواه أبو داود في ((سننه)) (٢) عن عبد الله بن معقل، قال: ((صلَّى أعرابيٌّ .. )) فذكر القصة، وفي آخره: فقال عليه السلام: ((خُذوا ما بالَ عليه من التُّراب، فألقوهُ، وأهريقُوا على مكانهِ ماءً))، قال أبو داود: هذا مرسل؛ فإن ابن معقل لم يدرك النبيَّ مثلا. انتهى ما في ((نصب الراية)). وقال الحافظ في ((الفتح)): واحتجوا فيه بحديث جاء من ثلاث طرقٍ، أحدها: موصول عن ابن مسعود نظّته، أخرجه الطحاويُّ؛ لكن إسناده ضعيف؛ قاله أحمد وغيره؛ والآخران. مرسلان، أخرج أحدهما: أبو داود، من طريق عبد الله بر، مَعْقِلٍ بن مترد، والآخر: من طريق سعيد بن منصور، من طريق طاوس، ورواتهما ثقاب، وهز يلزم من يحتج بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتجُّ به إذا اعتضد مطلقًا، والشافعي إنما يعتضدُ عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سمَّى لا يسمِّي إلَّا ثقةً، وذلك مفقودُ في المرسلينَ المذكورين، على ما هو ظاهر من سنديهما. انتهى كلام الحافظ. (١) الدار قطني (١٣١/١) (٢). (٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٨١)، والدارقطني (١٣٢/١) (٤). ٤٧٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وي ليه / باب مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأَرْضَ قلت: الأحاديثُ المرفوعةُ المتَّصلةُ الصحيحةُ خاليةٌ عن حفر الأرض، وأما الأحاديث التي جاء فيها ذكرُ حفر الأرض، فمنها: ما هو موصولٌ؛ فهو ضعيف لا يصلح للاستدلال، ومنها: ما هو مرسلٌ، فهو أيضًا ضعيف عند من لا يحتجُّ بالمرسل، وأما من يحتج به، فعند بعضهم أيضًا ضعيفٌ لا يصلح للاستدلال؛ كالإمام الشافعي، فقول من قال: ((إنَّ الأرض لا تطهُرُ إلَّا بالحفرِ ونقل التراب)) قول ضعيف، إلَّا عند من يحتجُّ بالمرسل مطلقًا، وعند من يحتجُّ به إذا اعتضد مطلقًا . واحتجَّ من قال: ((إن الأرض تطهُرُ بصبِّ الماء عليها)): بحديث الباب، وهذا القولُ هو أصحُ الأقوال وأقواها من حيث الدليلُ، ثم قولُ من قال: ((إنها تطهر بالجفاف بالشمس أو الهواء، إن كان لفظ ((تُبُولُ)) في حديث ابن عمر المذكور محفوظًا، وأما قول من قال: ((إنها لا تطهر إلَّ بالحفر ونقل التراب))؛ فمستنده الرواياتُ التي وقع فيها ذكرُ الحفر، وقد عرفتَ ما في تلك الروايات من المقال، ثم هي إن دلت على أن الأرض النجسة لا تطهرُ إلَّا بالحفر ونقل التراب؛ فهي معارضةٌ بحديث ابن عمر المذكورِ وبحديث البابِ؛ هذا ما عندي، والله أعلم.