النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي المسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَةِ
الناصية، وثبت عنه ذلك فعلًا وأمرًا في عدَّة أحاديث، لكن في قضايا أعيانٍ يحتملُ أن يكون
خاصَّة بحال الحاجة والضرورة، ويحتمل العمومُ كالخفين، وهو أظهر. انتهى.
وفي ((شرح الموطأ)) للزرقاني وأجاز المسحَ عليها، أحمدُ والأوزاعي، وداود، وغيرهم،
للآثار، وقياسًا على الخُفَّين، ومنعه: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة؛ لأن المسح على
الخفين مأخوذٌ من الآثار لا من القياس، ولو كان منه لجاز المسحُ على القُفَّازِينِ، وقال
الخطّابي: فرض الله مسح الرأسِ، وحديثُ مسح العمامة محتملٌ للتأويل، فلا يترك المتيقن
للمحتمل، وقياسه على الخف بعيدٌ، لمشقة نزعه بخلافها، وتعقِّب بأن الآية لا تنفي
الاقتصار على المسح، لا سيَّما عند من يحمِلُ المشترك على حقيقته، ومجازه؛ لأن من قال:
قبلت رأس فلان، يصدَّقُ، ولو على حائل، وبأن المجيزين الاقتصار على مسح العمامة
شرطوا فيه مشقَّة نزعها كالخف، وردَّ الأول: بأن الأصل حملُ اللفظ على حقيقته ما لم يرد
نصٌّ صريح بخلافه، والنصوص وَرَدَت عن النبي ◌َِّ فعلًا وأمرًا بمسح الرأسِ، فتحمل روايةٌ
مسحِ العمامة على أنه كان لعُذرٍ، بدليل المسح على الناصية معها، كما في مسلم. انتهى
كلام الزرقاني.
قلت: قد ثبتت وصحَّت أحاديثُ المسح على العمامة، فلا حاجة إلى القياس على
المسح على الخُفين، ولا حاجة إلى تأويل تلك الأحاديث؛ بل الظاهر: أن تُحملَ على
ظواهرها .
فائدة: اختلف القائلونَ بالمسح على العمامة، هل يحتاج الماسحُ على العمامة إلى لُبسها
على طهارةٍ أو لا يحتاجُ، فقال أبو ثور: لا يمسح على العمامة إلّ من لبسها على طهارة،
قياسًا على الخفين، ولم يشترط ذلك الباقون.
وكذلك اختلفوا في التوقيت، فقال أبو ثور أيضًا: إن وقته كوقت المسح على الخُقَّين،
وروي مثل ذلك عن عمر، والباقون لم يوقتوا؛ قال ابن حزم: إن النبي ◌َّر مسح على العمامة
والخِمَارِ، ولم يوقّت ذلك بوقت، وفيه: أن الطبراني(١) قد روى من حديث أبي أمامة، ((أن
النبيَّ وَّهَ كان يمسح على الخُفَّيْن والعمامة: ثلاثًا في السفر، ويومًا وليلةً في الحضر))، لكن
في إسناده: مروان أبو سلمة، قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي، وقال البخاري: منكر
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٧٥٥٨)، قال الهيثمي (١/ ٢٦٠): وفيه مروان أبو سلمة؛ قال الذهبي: مجهول.

٣٦٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي المسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَّةِ
قَالَ أَبُو عيسى: وَسَمِعْتُ الجَارُودَ بن مُعاذٍ يَقولُ: سَمِعْتُ وَكِيعَ بنَ الجَرَّاحِ يَقولُ:
إِنْ مَسَحَ عَلَى العِمَامَةِ يُجْزِئُهُ؛ لِلأَرِ.
[١٠١] (١٠١) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنِ الحَكَمِ،
عَن عبدِ الرَّحْمنِ بن أبي لَيْلَى، عَن كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ، عَن بِلالٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ مسح
عَلَى الخُفَّيْنِ وَالخِمَارِ. [م: ٢٧٥، ن: ١٠٤، جه: ٥٦١، حم: ٢٣٣٦٧].
[١٠٢] (١٠٢) حدثنا قُتَيْبةُ بن سعيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، عَن عِبْد
الرَّحمن بن إسحاق - هو القُرَشِيُّ - عَن أبي عُبَيْدَةَ بن محمَّدٍ بن عَمَّارٍ بن يَاسِر قَالَ:
سأَلتُ جَابر بن عبْدِ الله عَنِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّين؟ فَقَالَ: السُّنّةُ يَا ابْنَ أخي، قَالَ:
وَسأَلْتُهُ عنِ المَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ؟ فَقَّالَ: أمِسَّ الشَّعَرَ المَاءَ.
الحديث، وقال الأزدي: ليس بشيء، وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: ليس
بصحيح. انتهى كلام الشوكاني.
قوله: (يقول: سمعت وكيع بن الجرَّاح يقول: إن مسح على العمامة، يجزئه؛ للأثر)
أي: للحديث، والأمرُ عندي كما قال وكيعٌ؛ فإن أحاديث البابِ تدلُّ على إجزاء المَسْحِ على
العمامة .
[١٠١].
[١٠٢] قوله: (عن عبد الرحمن بن إسحاق) بن عبد الله بن الحارث بن كنانة القرشي
العامري المدني، رَوَى عن: أبيه، والزهري، وعنه: إبراهيم بن طَهمان، وبشر بن المفضَّل،
وثقه ابن معين، قال أبو داود: ثقة قدريٌّ، قال الفسويُّ وابن خزيمة: ليس به بأس، قال ابن
عدي: أكثر أحاديثه صحاحٌ، وله ما ينكر، كذا في ((الخلاصة))، (عن أبي عبيدة بن محمد بن
عمار بن ياسر) قال في ((التقريب)): أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، أخو سلمة،
وقيل: هو هو، مقبول. انتهى، وقال في ((الخلاصة)): وثقه ابن معين، [واختلف] فيه كلام
أبي حاتم. انتهى.
قوله: (فقال: السنة يا ابن أخي) أي: هو السنة يا ابن أخي، (فقال: أمِسَّ الشَّعر) أمر
من ((المَسِّ)) يعني: لا يجوز المَسْحُ على العمامة، فعليك أن تمسَّ الشَّعرَ، وقال محمد في
(موطئه)): أخبرنا مالك، قال: بلغني عن جابر بن عبد الله؛ أنه سُئِلَ عن العمامة، فقال: لا،

٣٦٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَاخر / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَةِ
وَقال غَيْرُ وَاحدٍ من أهْلِ العلْمِ من أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ وَالتَّابعينَ: لا يَمْسَحُ عَلَى
العِمَامة إلَّا أنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ مَعَ العِمَامةِ، وهو قَوْلُ سفْيَانَ الثَّوريِّ، وَمَالِكِ بن أنسٍ،
وابن المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.
حتى يَمَسَّ الشَّعرَ الماءُ، قالَ صاحبُ ((التعليق الممجد): قوله: ((حتى يمس)) من الإمساسِ أو
المسِّ، أي يُصيبَ الشَّعرَ، بالنصب على أنه مفعول مقدَّم، ((الماء)): بالرفع أو النصب.
انتھی .
قوله: (وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي وَ﴿ والتابعين: لا يمسحُ على
العمامة، إلَّا أن يَمْسَحَ برأسه مع العمامة، وهو قول: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن
المبارك، والشافعي) قال الحافظ في ((الفتح)): اختلف السلف في معنى المَسْحِ على العمامة،
فقيل: إنه كمل عليها بعد مسح الناصية، وقد تقدمت رواية مسلم بما يدلُّ عَلى ذلك، وإلى
عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور، وقال الخطّابي: فرض الله مَسْحَ الرأس،
والحديثُ في مسح الرأس محتملٌ للتأويل؛ فلا يترك المتيقّن للمحتمل، قال: وقياسه على
مسح الخفّ بعيدٌ؛ لأنه يشق نزعه بخلافها .
وتعقّب: بأن الذين أجازوا الاقتصار على مَسْح العمامة؛ شرطُوا فيه المشقّة في نزعها
كما في الخُفِّ، وطريقه: أن تكون محكمة كعمائم العرب، وقالوا: عضو يسقط فرضُهُ في
التيمم؛ فجاز المسح على حائله كالقدمين، وقالوا: الآية لا تنفي ذلك، ولا سيَّما عند من
يَحْمِل المشتركَ على حقيقته ومجازه؛ لأن من قال: قبلتُ رأس فلان؛ يَصدُقُ، ولو كان على
حائل. انتهى، وقال ابن قدامة في ((المغني)): يجوز المسحُ على العمامةِ، قال ابن المنذر:
وممَّن مسح على العمامة: أبو بكر الصديق، وبه قال عمر، وأنس، وأبو أمامة، وروي عن
سعيد بن مالك، وأبي الدرداء .
، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة،
ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال عروة والنخعيُّ والشعبيُّ والقاسمُ
ومالكٌ والشافعيُّ وأصحابُ الرأي: لا يمسحُ عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾
[المائدة: ٦]، ولأنه لا تلحقه المشقَّة في نزعها؛ فلم يجز المسح عليها كالكُمَّينِ، ولنا: ما روى
المغيرة بن شعبة، قال: توضّأ رسولُ اللهِ بَّهِ وَمَسَحَ على الخُفَّينِ والعمامةِ، قال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح، قال أحمد: هو من خمسة وجوه عن النبي وَِّ. روى الخلَّال
بإسناده، عن عمر ◌ُبه أنه قال: من لم يطهِّره المسح على العمامة، فلا طهَّره الله، قال:
ومن شَرْطِ المسح على العمامة: أن تكون ساترةً لجميع الرأس، إلَّا ما جَرَتِ العادةُ بكشفه

٣٦٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى الجوربين والعِمَامَةِ
كمقدَّم الرأس والأذنين، وشبههما من جوانب الرأس، فإنه يعفى عنه، قال: ومن شرط جواز
المسح عليها: أن تكون على صفة عمائم المسلمين، إمَّا بأن يكون تحت الحنك منها شيء؛
لأن هذه عمائم العرب وهي أكثر سترًا من غيرها، ويشقُّ نزعها، فيجوز المسح عليها، سواء
كانت لها ذؤابة أو لم يكن؛ قاله القاضي، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ فإن لم يكن تحت
الحنك منها شيء، ولا لها ذؤابة؛ لم يجز المسحُ عليها؛ لأنها على صفة عمائم أهل الذمة؛
ولا يشق نزعها، وقد روي عن النبيِّ وَلِّ أنه أمر بالتلحِّ ونهى عن الاقتِعَاطِ، رواه أبو عبيدة،
والاقتعاط: أن لا يكون تَحتَ الحَنكِ منها شيءٌ، وروي أن عمر ظلُبه رأى رجُلًا ليس تحت
حنكه من عمامته شيء، فحنَّكه بكورٍ منها، وقال: ما هذه الفاسقيَّة؟! فامتنع المسح عليها؛
للنهي عنها وسهولة نزعها، وإن كانت ذات ذؤابة، ولم تكن محَّكة، ففي المسح عليها
وجهانٍ، أحدهما: جوازه؛ لأنها لا تشبه عمائم أهل الذمة؛ إذ ليس من عادتهم الذؤابة،
والثاني: لا يجوز؛ لأنها داخلة في عموم النهي ولا يشق نزعها، قال: وإن نزع العمامة بعد
المسح عليها؛ بَطَلَت طهارته؛ نصَّ عليه أحمد؛ قال: والتوقيت في مَسْح العمامة كالتوقيت
في مسحِ الخف؛ لما روى أبو أمامة؛ أن النبيَّ وَِّ قال: يمسح على الخُفَّين والعمامةِ ثلاثًا
في السفر ويومًا وليلة للمقيم؛ رواه الخلَّال بإسناده إلَّا أنه من رواية شهر بن حَوشب، ولا
ممسوحَ على وجه الرخصةِ، فتوقَّتُ بذلك كالخفّ. انتهى ما في ((المغني)).
قلت: لا ريبَ في أنه ◌ِِّ مَسَحَ على العمامة؛ كما يدلُّ عليه أحاديثُ الباب، وأما هذه
الشرائط التي ذكرها ابن قدامة: فلم أر ما يدلُّ على ثبوتها من الأحاديث الصحيحة، والله
تعالى أعلم.
وأما ما روي عن النبيِّ وٍَّ: أنه أمر بالتَّلحِّي ونهى عن الاقتعاط: فلم يذكر ابن قدامة
سنده، ولم يذكر تحسينه ولا تصحيحهُ عن أحد من أئمة الحديث، ولم أقف على سنده، ولا
على من حسنه أو صحّحه، فالله أعلم كيف هو.
وأما ما رواه في توقيت المسح على العمامة: ففي إسناده شهر بن حَوشَب الأشعريُّ
الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السَّكن، صدوق، كثير الإرسال والأوهام؛ كذا في
((التقريب))، وقد أخرجه الطبراني أيضًا، وفي إسناده: مروان أبو سلمة، وقد عرفتَ أن
البخاري قال: إنه منكر الحديث، وقال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي، وقد عرفتَ أيضًا أنه
سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح.

٣٦٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ
٧٦- باب مَا جَاءَ في الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ [ت٧٦، ٧٦٢]
[١٠٣] (١٠٣) حدثنا هَنّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن الأعْمَشِ، عَن سالِمٍ بن
أبي الجَعْد، عَن كُرِيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، قَالَت:
تنبيه: قال الإمام محمَّد في ((موطئه))(١): بلغنا أن المسحَ على العمامةِ، كان فتُرِكَ. انتهى،
قال صاحب ((التعليق الممَجَّد)): لم نجد إلى الآن ما يدلُّ على كون المسح على العمامةِ
منسوخًا؛ لكن ذكروا أن بلاغاتِ محمَّد مُسْنَدَةٌ، فلعلَّ عنده وصل بإسناده. انتهى كلامه.
قلت: لا بدَّ لمن يدعي أن المسحَ على العمامة كان فترك، أن يأتي بالحديث الناسخ
الصحيح الصَّريحِ، ولا يثبت النسخ بمجرَّد قول الإمام محمد المذكور، كما لا يخفى على
العَالِمِ المُنْصِفِ.
٧٦ - باب مَا جَاءَ في الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ
قال الجزري في ((النهاية)): الجُنُبُ: الذي يجبُ عليه الغُسْل بالجماع، أو خروج المنيّ،
ويقع على الواحد والاثنين، والجمع والمؤنَّث بلفظ واحد، وقد يجمع على: أجنَاب
وجُنُبِين، وأجنَبَ يُجْنِبُ إجْنَابًا، والجَنَابةُ: الاسم، وهي في الأصل: البعد، وسمي الإنسان
جُنُبًا؛ لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهّر، وقيل: لمجانبته الناس حتى يَغْتَسِلَ.
انتهى، وفي ((القاموس)): الجَنَابَة: المَنِيُّ، وقد أجْنَبَ وجَنُبَ وجَنَبَ وجَنِبَ وأُجْنِبَ
واسْتَجْنبَ، وهو جُنُبُ؛ بضمتين: يستوي للواحد والجمع. انتهى.
[١٠٣] (عن سالم بن أبي الجعد) الأشجعيّ، الكوفي، ثقة، من رجال الكتب الستة،
وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة (٩٧) سبع أو ثمان وتسعين، وقيل: مئة، أو بعد
ذلك، ولم يثبت أنه جاوز المئة، (عن كُرَيب) بالتصغير، هو: ابن أبي مسلم الهاشمي،
مولاهم، المدني، أبو رِشْدِينَ، مولى ابن عباس، ثقة، من الطبقة الوسطى من التابعين، روى
عن: مولاه ابن عباس، وعائشة، وأم هانئ، وعنه: أبو سلمة، ويُكيْر بن الأشج، وموسى بن
عقبة، وثَّقه النسائي، مات سنة ثمان وتسعين، (عن خالته ميمونة) بنت الحارث العامرية
الهلالية زوج النبي وَّه تزوَّجها سنة سبع، وتُوفِّيَت بِسَرِفَ، حَيثُ بَنَى بها رسُولُ اللهِ﴾
وهو ما بين مكة والمدينة، وذلك سنة (٥١) إحدى وخمسين.
(١) ((الموطأ)) رواية محمد بن الحسن الشيباني. رقم (٥٣).

٣٦٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلِفِ / باب مَا جَاءَ فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ
وَضَعْتُ لِلنبيِّ وَِّ غُسْلًا فاغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ: فَأَكْفَأَ الإِنَاءَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، فَغَسَل
كَفَّيْهِ، ثُمَّ أدْخَل يَدَهُ في الإنَاءِ فَأَفَاضَ عَلَى فَرْجِه، ثُمَّ دَلَكَ بِيدِهِ الحَائِطَ، أوِ
الأرضَ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَل وَجْهَهُ وَذِرَاعيهِ، ثُمَّ أفاض عَلَى رأسهِ ثَلاثاً،
ثُمَّ أفاضَ عَلَی سائِرِ جَسَدهِ،
قوله: (وضعت للنبي وَلّ غُسلًا) بضم الغين وسكون السين، أي: ماء الاغتسال، وفي
رواية البخاريٌّ(١) وغيره: ((وضعت للنبيِّ وَِّيهِ ماءً للغُسلِ))، (فاغتسل) أي: أراد الاغتسال،
من الجنابة) ((من)) سببية، أي: لأجل الجنابة، (فأكفأ الإناء) أي: أماله، قال في ((النهاية)):
يقال: كَفَأْتُ الإناءَ وأكفأتُهُ إذا كببته وإذا أملته، وقال في ((القاموس)): أكفأ: أمال وقلب،
فغسل كفيه): يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما من مستَقْذَرٍ، ويحتمل أن يكونَ هو
الغُسْل المشروع عند القيام من النَّومِ، وهو الراجح، يدلُّ عليه قولُ ميمونة: (ثم أدخَلَ يده في
الإناء)، وقول عائشة في حديثها الآتي: ((فَغَسلَ يَدَيهِ قَبْلَ أن يُدخلهُمَا في الإناءِ))، (فأفاض
على فرجه) أي: صب الماء عليه وغسله، وفي رواية للبخاري(٢): ((وَغَسلَ فَرْجَهُ وما أصَابَهُ
مِن الأذى))، وفي رواية أخرى له(٣): ((فَغَسلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ بِيَدِهِ الحَائطَ أو الأرضَ))،
شك من الراوي؛ وفيه دليلٌ على استحباب مَسْحِ اليد بالتراب من الحائط أو التراب بعد
الاستنجاء، (فأفاض على رأسه ثلاثًا) ظاهره: يقتضي أنه وبَِّ لم يَمْسَح رأسه؛ كما يفعل في
الوضوء؛ قاله ابن دقيق العيد، وقال الحافظ في ((الفتح)): ولم يقع في شيء من طُرُقٍ هذا
الحديث التنصيصُ على مَسْحِ الرأس في هذا الوضوءِ، وتمسَّك به المالكية؛ لقولهم: إن
وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفي عنه لغسلها. انتهى، (ثم أفاض على سائر
جسده) أي: أسال الماء على باقي جسده، قال في ((القاموس)): السائر: الباقي لا الجميع؛
كما تَوَهَّم جماعات، وقد يستعمل له؛ ومنه قول الأخرس: [من الخفيف]
فَجَلَتْهَا لَنَا لُبَابَةُ لمَّا
وَقَذَ النَّومُ سَائِرَ الحُرَّاسِ
وقال الجزري في ((النهاية)): والسائر مهموز: الباقي، والناس يستعملونَهُ في معنى
((الجَميع))؛ وليس بصحيح، وقد تكرَّرَت هذه اللفظة في الحديث، وكلَّها بمعنى («بَاقِي
الشَّيءٍ)) انتهى.
(١) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٥٧).
(٢) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٤٩).
(٣) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٦٦).

٣٦٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ
ثُمَّ تَتَخَّى فَغَسَل رجْلَيْهِ. [خ: ٢٥٩، م: ٣١٧، ن: ٢٥٣، د: ٢٤٥، جه: ٥٧٣، حم: ٢٦٣٠٣، مي: ٧١٢].
قلت: قد وقع عند البخاريّ(١) في حديث عائشة من طريق مالك عن هشام عن أبيه
عنها: ((ثم يفيض الماء على جلده كله))، قال الحافظ: هذا التأكيد يدلُّ على أنه عمَّم جميع
جسده بالغُسْلِ بعد ما تقدَّم. انتهى.
ووقع في حديثها من طريق عبد الله عن هشام عن أبيه: ((ثم غسل سائر جسده))(٢)، قال
الحافظ: أي: بقية جسده، قال فيحتملُ أن يقال: إن ((سائر)) - هنا -: بمعنى الجميع؛ جمعًا
بين الروايتين. انتهى، (ثم تنحى) أي: تحوَّل إلى ناحية، (فغسل رجليه)، وفي رواية
للبخاري(٣): عن ميمونة زوج النبي ◌َّه قالتْ: ((توضّأ رسول الله وَّه وضوءه للصلاة غير
رجليه .... )) الحديث، وفيه: ((ثم نَخَّى رجليه فغسلهما. هذه غُسْلُهُ من الجنابة)).
قال الحافظ تحتَ هذه الرواية: فيه التصريحُ بتأخير الرجلَينِ في وضوء الغُسْلِ إلى آخره،
وهو مخالف لظاهر رواية عائشة؛ ((أن النبيَّ ◌ََّ كان إذا اغتسل من الجنابة، بَدأ بغُسلٍ يديه،
ثم يتوضَّأ كما يتوضَّأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء ... )) الحديث، ويمكن الجَمْعُ
بينهما: إما بحمل رواية عائشة على المجَازِ بأن المراد: يتوضَّأ أكثر الوضوء كما يتوضَّأ
للصلاة، وهو ما سِوَى الرِّجْلَيْنِ، وبحمله على حالة أخرَى.
وبحسب اختلاف هاتَيْن الحالتَينِ؛ اختلف نظر العلماء: فذهب الجمهور: إلى استحباب
تأخير غَسْل الرجلين في الغُسْلِ، وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف؛ فالمستحبُّ
تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان؛ قال النووي: أصحُّهما
وأشهرهما ومختارهما: أنه يكمل وضوءه، قال: لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة
كذلك، قال الحافظ: كذا قال النوويُّ، وليس في شيء من الروايات عنهما التصريحُ بذلك،
بل هي: إما محتملة كرواية: ((توضأ وضوءه للصلاة))، أو ظاهرةٌ في تأخيرهما؛ كرواية
أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قَالَتْ: ((كان رَسُولُ اللهِ وََّ إذا اغتسَلَ من
الجنابة .. )) الحديث، وفي آخره: ((ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه))، وله شاهد
من رواية أبي سلمة عن عائشة؛ أخرجه أبو داود الطيالسي(٤)، بلفظ: ((فإذا فرغ غسل رجليه))
(١) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٤٨).
(٣) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٤٩، ٢٨١).
(٤) أبو داود الطيالسي في ((مسنده)). حديث (١٤٧٤).
(٢) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٧٢).

٣٦٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البابِ: عَن أُمِّ سَلَمَةَ، وجَابٍ، وَأبي سَعِيدٍ، وَجُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، وَأبي هُريْرةَ.
[١٠٤] (١٠٤) حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَن هِشَام بن عُروةَ، عَن
أبيهِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ إِذَا أرادَ
ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحةٌ في تأخيرهما كحديث الباب، وراويها مقدّم
في الحِفظِ والفِقهِ على جميع مَن رواه عن الأعمش. انتهى كلام الحافظ ملخصًا.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
قوله: (وفي الباب: عن أم سلمة، وجابر، وأبي سعيد، وُجُبير بن مُطعمٍ، وأبي هريرة):
أما حديث أم سلمة: فأخرجه مسلم(١)، وأما حديث جابر: فأخرجه ابن ماجه (٢)، عنه
قال: قلت: يا رسولَ الله، إنَّا في أرض باردة، فكيف الغُسْلُ من الجنابة؟ فقال وَّهِ: ((أمَّا أنَا
فَأَحْثُو على رَأْسِي ثَلاثًا))، وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أيضًا ابن ماجه(٣)، عنه أن رجلًا
سأله عن الغُسلِ من الجنابة، فقال: ((ثلاثًا)) فقال الرَّجلُ: إن شَعرِي كثيرٌ؛ فقال: ((رَسُولُ اللهِ
وَلَّ كَانَ أكثرَ شَعرًا مِنكَ وأطيَبَ))، وأما حديثُ جُبير بن مُطعم: فأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤)،
عنه، قال: تَمَارَوا في الغُسْلِ من الجنابة عند رسول اللهِ وَله، فقال رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((أمَّا أَنَا
فأفيضُ على رأسِي ثَلاثَ أَكُفِّ)) وأخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي، وأما حديث
أبي هريرة: فأخرجه ابن ماجه(٥)، عنه، بلفظ: سأله رجلٌ؛ كم أفيضُ على رأسِي، وأنا
جُنُبٌ؟ قالَ: ((كان رَسُولُ اللهِ وَّهِ يحثو على رأسه ثلاثَ حثياتٍ)) قال الرجلُ: إن شعري
طويل، قال: ((كان رسول الله وَّ أكثر شعرًا منك وأطيَبَ)).
[١٠٤] قوله: (حدَّثنا سفيان) هو: ابن عيينة؛ كما يظهر من عبارة الحافظ الآتية، (إذا أراد
(١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٢٤).
(٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٧٧). وأخرجه البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٥٢، ٢٥٥)،
ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٢٩).
(٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٧٦).
(٤) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٧٥)، والبخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٥٤)، ومسلم، كتاب
الحيض. حديث (٣٢٧)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (٢٥٠).
(٥) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٥٧٨).

٣٦٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ
أنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الجَنَابةِ بَدَأْ فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلهُمَا الإِنَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ،
وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءُهُ لِلصّلاةِ، ثُمَّ يُشَرِّبُ شَعْرَهُ المَاءَ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رأسِهِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ.
[خ: ٢٤٨، م: ٣١٦، ن: ٢٤٣، د بنحوه: ٢٤٢، جه بنحوه: ٥٧٤، حم بنحوه: ٢٣٧٣٦، طا بنحوه: ١٠٠،
مي بنحوه: ٧٤٨] .
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وَهُو الذِي اخْتَارَهُ أهْلُ العِلْم في
أن يغتسل من الجنابة) أي: من أجل رفعها، أو بسبب حدوثها، (بدأ بغسل يديه) وفي نسخة
صحيحة: ((فَغَسلَ يَديهِ))، قال الحافظ: يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيفِ مما بهما من مستَقْذرٍ،
ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النَّوم؛ ويدلُّ عليه: زيادة ابن عيينة في هذا
الحديث: ((قبل أن يدخلهما في الإناء))؛ رواه الشافعي(١) والترمذي وزاد أيضًا: (ثُمَّ يَغْسِل
فرْجَه)). انتهى.
قلت: رواية الترمذي والتي أشار إليها الحافظ هي هذه التي نحن في شرحها، وظهر من
كلام الحافظ هذا أن سفيان في هذه الرواية هو: ابن عيينة، (ثم يغسل)، وفي النسخة
القلمية: (ثُمَّ غَسَلَ)) (ثم يتوضأ وضوءه) بالنصب، أي: كوضوئه للصلاة، (ثم يشرب)؛ من
التَّشْرِيبِ أو الإِشْرَابِ (شعره) بالنصب، (الماءَ) بالنصب أيضًا، وهما مفعولانٍ لـ ((يشرب))
أي: يسقي وَّه شعره المبارَكَ الماءَ، قال في ((مجمع البحار)): تشريبه: بلُّ جميعه بالماء.
انتهى، وقال ابن العربي في ((العارضة)»: قوله: ((يشرب شعره الماء)) يعني: يسقيه؛ كقوله
تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أي: سقوا في قلوبهم حُبّه، قال: معناه:
يصب عليه الماء، فيسري إلى مداخله، كسريانه إلى بواطن البدن، شَبَّهه به وسمَّاه شرابًا
لأجله، وهذا مجازٌ بديع. انتھی.
وفي رواية الشيخين(٢): ((ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصولَ شعره))، (ثم
يحثي على رأسه ثلاث حثيات) أي: ثلاث غُرف بيديه؛ واحدها: حثيةٌ؛ قاله في ((النهاية))،
والمعنى: يصب على رأسه ثلاث غرفٍ بيديه، وفي رواية للشيخين(٣): ((ثم يصبُّ على رأسه
ثلاث غرفات بیدیه)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما .
(١) الشافعي. حديث (٦٤).
(٢) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٤٨)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣١٦).
(٣) الحديث السابق.

٣٧٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاءَ فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ
الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ: أنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءهُ لِلصَّلاةِ، ثمّ يُفْرِغُ عَلَى رأسهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، ثمّ
يُفِيضُ المَاءَ عَلَى سائرٍ جَسَدهِ، ثم يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْم،
وَقالُوا: إن انْغَمَسَ الجُنُبُ في المَاءِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ أجْزَأْهُ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ،
وَأَحْمَدَ، وإِسْحاقَ.
قوله: (ثم يفرغ) من الإفراغ، وهو الصَّبُّ، (ثم يفيض): من الإفاضة، وهو الإسالة،
(وقالوا: إن انغمس الجنب في الماء، ولم يتوضأ؛ أجزأه) يعني: الوضوءُ ليس بواجب في
غسل الجنابة، (وهو: قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) وهو: قول أبي حنيفة وأصحابه،
قال الشافعي في ((الأم)): فرض الله تعالى الغُسل مطلقًا، لم يذكر فيه شيئًا يبدأ به قبل شيء،
فكيفما جاء به المُغْتَسل أجزأه إذا أتى بغسلٍ جميع بدنه، والاحتياط في الغُسل: ما روت
عائشة، ثم حديثُ عائشة عن مالك بسنده، قال ابن عبد البر: هو أحسنُ حديث روي في
ذلك؛ فإن لم يتوضَّأ قبل الغسلٍ، ولكن عمَّ جسده ورأسه ونواه، فقد أدى ما عليه بلا
خلاف، لكنهم مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل؛ كذا ذكره الزرقاني في ((شرح
الموطأ))، وقال الحافظ في ((الفتح)): نقل ابن بطَّال الإجماعَ على أن الوضوء لا يجبُ مع
الغسل، وهو مردودٌ، فقد ذهب جماعة، منهم: أبو ثور، وداود، وغيرهما: إلى أن الغُسل لا
ينوبُ عن الوضوء للمُحْدِث. انتهى كلام الحافظ.
وقال ابن العربي في ((العارضة)): قال أبو ثور: يلزمُ الجمعُ بين الوضوء والغسل، كما
رُوِيَ عن النبيِّ ◌َّر، وعنه ثلاثة أجوبةٍ:
الأول: إن ذلك لیس بجمع، كما بيناه، وإنما هو غسل کله.
الثاني: إنه إن كان جَمَعَ بينهما، فإنما ذلك استحبابٌ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿حَّ
تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وقولِهِ: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]؛ فهذا هو الفرضُ
الملزمُ والبيان المكمّل، وما جاء من بيان هيئته لم يكن بيانًا لمجمَلٍ واجبٍ، فيكون واجبًا،
وإنما كان إيضاحًا لسنة.
الثالث: إن سائر الأحاديث ليس فيها ذكرُ الوضوء، ومنها: ما قال النبيُّ وَّ لأم سلمة إذ
قالت له: ((إني امرأة أشد ضفرَ رأسي؛ فأنقضه للغُسل من الجنابة؟» فقال لها: ((إنَّما يكفيكِ
أن تحثي على رأسِكِ ثلاثَ حثياتٍ من ماءٍ، ثم تَضغَئيه، ثم تفيضي على جسدِكِ الماءَ، فإذَا
أنتِ قد طهرتٍ)). انتهى كلام ابن العربي.

٣٧١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب هَلْ تَنْقُضُ المَرأةُ شَعْرها عِنْدَ الغُسْلِ؟
٧٧- باب هَلْ تَنْقُضُ المَرأةُ شَعْرِها عِنْدَ الغُسْلِ؟ [ت٧٧، م٧٧]
[١٠٥] (١٠٥) حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَن أيُّوبَ بن مُوسَى، عَن
سَعِيدٍ المقبريِّ، عَن عبدِ الله بن رافعٍ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَت: قُلتُ: يا رسول الله،
قلت: في كل من الأجوبة الثلاثة عندي نظر: أما في الأول: فلأن ظاهر حديث ميمونة
وحديث عائشة هو الجَمْعُ كما عرفت، أما في الثاني: فلأن المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى
تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣] هو الاغتسال الشرعيُّ الذي ثبتَ عن رسولِ اللهِ وَّه في غسل الجنابة،
وكذا المرادُ بقوله تعالى: ﴿فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦] هو التطهُّر الشرعيُّ، وأما في الثالث: فلأنَّ
عدم ذكر الوضوء في بعضٍ أحاديث غُسلِ الجنابة؛ ليس بدليلٍ على أنه ليس بواجبٍ في غسل
الجنابة، كما لا يخفى على المتأمِّل؛ هذا ما عندي، والله تعالى أعلم.
٧٧ - باب هَل تَنْقُضُ المَرَأَةُ شَعْرَهَا عِنْدَ الغُسْلِ؟
[١٠٥] قوله: (نا سفيان) هو: ابن عيينة، كما في رواية أبي داود، (عن أيوب بن
موسى) ابن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، الفقيه الكوفي، من رجال الكتب الستة، قال
ابن المديني: له نحو أربعين حديثًا، وثقه أحمد، وقال يحيى: أصيب مع داود بن عليٍّ في
سنة ثلاثين ومئة، له في البخاري فرْدُ حديث، (عن المَقْبُريِّ) وفي رواية مسلم: ((عن سعيد بن
أبي سعيد المقبري))، قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين.
انتهى. قلت: هو من رجال الكتب الستة، (عن عبد الله بن رافع) المخزومي المدني، مولى
أم سلمة، ثقة من الثالثة، روى عن: مولاته أم سلمة، وأبي هريرة، وعنه: سعيد المقبري،
وابن إسحاق، وثقه أبو زرعة، (عن أم سلمة) بفتح السين وكسر اللام، واسمها: هند بنت
أبي أمية، واسم أبي أمية: سُهيل، ويقال له: زاد الراكب، كانت عند أبي سلمة بن
عبد الأسد، فهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا، فولدت له هناك زينبَ، وولدت
له بعد ذلك: سلمة، وعمر، ودرة، ومات أبو سلمة في جمادى الأخرى، سنة (٤) أربع من
الهجرة، فتزوَّج رسولُ اللهِ وَّرِ أَمَّ سَلَمَة في ليال بقينَ من شوال، سنة أربع، وتوفيت سنة
(٥٩) تسع وخمسين، وقيل: سنة (٦٢) ثنتين وستين، والأول أصحُّ، قال أبو نعيم
الأصبهاني: وصلَّى عليها سعيد بن زيد، وهو غلطٌ، والصحيح: أبو هريرة، وقُبِرت بالبقيع،
وهي ابنة أربع وثمانين سنة، كذا في ((تلقيح فهوم أهل الأثر، في عيون التاريخ والسير))
للحافظ ابن الجوزي.

٣٧٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / باب هَلْ تَنْقُضُ المَرأةُ شَعْرها عِنْدَ الغُسْلِ؟
إِنِّي امْرَأَةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رأسِي، أفأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ قَالَ: ((لا، إنمَا يَكْفِيكِ أنْ
تَحْثِي عَلَى رأسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ مِن مَاءٍ، ثُمَّ تُفيضي عَلَى سَائرٍ جَسَدِكِ المَاءَ فَتَظْهُرِينَ
- أَوْ قَالَ : - فَإِذَا أنتِ قَدْ تَطَهَّرْتِ)). [م: ٣٣٠، ن: ٢٤١، د: ٢٥١، جه: ٦٠٣، حم: ٢٦١٣٧،
مي: ١١٥٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهلِ العِلْم:
أنَّ المَرأةَ إذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنَابَةِ فَلَمْ تَنْقُضْ شَعْرَهَا أن ذلِكَ يُجْزِئُهَا بَعْدَ أنْ تُفِيضَ
المَاءَ عَلَى رأسِهَا .
قوله: (إني امرأة أشد) بفتح الهمزة ويضم الشين، أي: أُحْكِمُ (ضفر رأسي) أي: بنسجه
أو فتله؛ بالضاد المفتوحة المعجمة والفاء الساكنة: نسج الشعر، وإدخال بعضه في بعض،
والضفيرة: الذؤابة؛ قاله القاري، وقال النووي: بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور
المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدِّثين والفقهاء وغيرهم، ومعناه: أحكمُ
فتلَ شعري، وقال الإمام ابن بري في الجزء الذي صنَّفه في لَحنِ الفقهاء: من ذلك قولُهُم في
حديث أم سلمة: ((أشُدُّ ضَفْرَ رَأسي)) يقولونه بفتح الضاد وإسكان الفاء، وصوابه: ضم الضاد
والفاء، جمع ضفيرة؛ كسفينة وسُفن، وهذا الذي أنكره ليس كما زَعَمَه، بل الصوابُ جواز
الأمرين، ولكل واحدٍ منهما معنّى صحيحٌ، ولكن يترجَّح ما قدَّمناه، لكونه المرويَّ المسموع
في الروايات الثابتة المتَّصلة، (أفأنقضه لغسل الجنابة) أي: أفرِّقه لأجلِهِ حتَّى يصل الماءُ إلى
باطنه، وفي رواية مسلم: ((أفأنقضه للحَيْضَةِ والجنابةِ))، (قال: لا؛ إنما يكفيك) بكسر
الكاف، (أن تحثي) بكسر مثلثة وسكون ياء، أصله تحثيين، كـ ((تَضرِبِين)) أو ((تَنْصُرِين)) فحذف
حرف العِلَّة بعدَ نقل حركته أو حذفِهِ وحذف النون للنصبٍ، كذا في ((مجمع البحار)) قال
القاري: ولا يجوز فيه النصبُ، والحثيُّ: الإثارة، أي: تصبِّ، (ثم تُفيضي): من الإفاضة،
عطف على ((تحثي)) أي: تُسيلي، (فتطهرين) أي: فأنت تطهرين.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلَّا البخاريّ.
قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة، فَلَم تَنْقُض
شعرها؛ أَنَّ ذلك يجزئها بعد أن تفيضَ الماء على رأسها) مذهب الجمهور: إن المرأة إذا
اغتسلت من الجنابة أو الحيض: يكفيها أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات، ولا يجبُ عليها
نقضُ شعرها، وقال الحسن وطاوس: يجب النقضُ في غُسلِ الحيض دون الجنابة، وبه قال
أحمد، ورجّح جماعة من أصحابه؛ أنه للاستحباب فيهما .

٣٧٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ تَحْتَ كلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً
٧٨- باب مَا جَاءَ أنَّ تَحْتَ كَلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً [ت٧٨، ٧٨٠]
[١٠٦] (١٠٦) حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الحَارِثُ بنُ وَجِيهٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
مَالِكُ بنُ دِينَارٍ، عَن محمَّدٍ بن سِيرِينَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَيِّ قَالَ:
واستدلَّ من قال بوجوب النَّقض في غُسل الحيض دون الجنابة: بقوله ◌َّةٍ لعائشة:
((وانْقُضِي رأسكِ وامْتَشطي)).
واستدلَّ الجمهور: بحديث أم سلمة المذكور في الباب، وفي رواية لمسلم (١): ((للحيضةِ
والجنابة))، وحملوا الأمر في قوله وَله: ((وانْقُضِي رأسكِ)) على الاستحباب، جمعًا بين
الروايتين، أو يجمع بالتفصيل بين من لا يصلُ الماء إلى أصوله بالنَّقضِ؛ فيلزم؛ وإلا فلا؛
هذا خلاصة ما ذكره الحافظ في ((الفتح)).
وقيل: إن شعر أم سلمة كان خفيفًا، فعلم وَلِّ أنه يصلُ الماء إلى أصوله.
وقيل: بأنه إن كان مشدودًا نقض؛ وإلا لم يجب نقضه؛ لأنه يبلغُ الماءُ أصولهُ.
قال صاحب ((سبل السلام)): لا يخفى أن حديث عائشة كان في الحجِّ؛ فإنها أحرمت
بعمرة ثم حاضت قبل دخول مكّة، فأمرَها وَّ﴿ أن تنقُضَ رأسَها وتمتشطَ وتغتسلَ بالحجِّ،
وهي حينئذٍ لم تطهُر من حيضها، فليس إلَّا غُسلَ تنظيفٍ لا حَيْضِ، فلا يعارضُ حديث أم
سلمة أصلًا؛ فلا حاجة إلى هذه التأويلات التي في غاية الركاكة؛ فإن خفة شعر هذه دون
هذه يَفْتَقرُ إلى دليل، والقولُ بأن هذا مشدُود وهذا غير مشدودٍ، والعبارة عنهما من الراوي،
بلفظ ((النَّقضِ)) دعوى بغير دليل. انتهى.
٧٨ - باب مَا جَاءَ أَنَّ تَحْتَ كُلِّ شعرةٍ جَنَابَةً
[١٠٦] قوله: (نا الحارث بن وَجيوٍ) بالواو والجيم والياء التحتانية والهاء، بوزن فَعِيل،
وقيل: بفتح الواو وسكون الجيم بعدها موحدة، الراسبي أبو محمد البصري، ضعيف؛ كذا
في ((التقريب))، (نا مالك بن دينار) البصري الزاهد أبو يحيى، صدوق، عابد، وثقه
النسائي (٢)، مات سنة (١٣٠) ثلاثين ومئة، (عن محمد بن سيرين) الأنصاري البصري، ثقة،
ثَبْتُ، عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنَى، من الثالثة، مات (١١٠) سنة عشر
(١) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٣٠).
(٢) والدارقطني.

٣٧٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ أنَّ تَحْتَ كلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ
(تَحْتَ كلِّ شَعْرَةٍ جَنَابةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعَرَ وَأَنْقُوا البَشَرَ)). [ضعيف: د: ٢٤٨، جه: ٥٩٧].
[قَالَ]: وفي البابِ عَن عَلِيٍّ، وَأنسٍ.
ومئة، رَوَى عن مولاه أنس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وطائفة، من كبار التابعين، وعنه:
الشعبي، وثابت، وقتادة، ومالك بن دينار، وخلق كثير، قال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا عاليًا
رفيعًا فقيهًا إمامًا كثيرَ العلم، وقال أبو عوانة: رأيتُ ابن سيرين في السوق فما رآه أحدٌ إلَّا
ذكرَ اللهَ، ورُوِيَ أنه اشترى بيتًا، فأشرفَت فيه على ثمانين ألف دينارٍ، فَعَرَضَ في قلبِهِ شيءٌ
فتر که.
قوله: (تحت كل شعرة جنابة) فلو بقيت شعرةٌ واحدة لم يصل إليها الماءُ؛ بقيت جنابة،
والشعرُ؛ بفتح الشين وسكون العين: للإنسان وغيره، فيجمعُ على شعورٍ، مثل فَلسٍ وقُلُوسٍ،
ويفتح العين؛ فيجمع على أشعارٍ؛ مثل سَبَب وأسْبَابٍ، وهو مذكَّر، الواحدُ شعرَة، والشِّعرَة،
بكسر الشين على وزن سدرةٍ شعر الرُّكب للنساء خاصَّة؛ قاله في ((العُبَاب))، (فاغسلوا الشَّعرَ)
بفتح العين وسكونها، أي: جميعه؛ قال الخطابي: ظاهر هذا الحديث يوجبُ نقضَ القرون
والضفائر، إذا أراد الاغتسال من الجنابة؛ لأنه لا يكون شعره مغسولًا إلَّا أن ينقضها، وإليه
ذهب إبراهيم النخعيُّ، وقال عامَّة أهل العلم: إيصال الماء إلى أصول الشعر، وإن لم ينقض
شعره، يجزيه، والحديث ضعيف. انتهى، (وأنقوا البشر): من الإنقَاء: نِّفُوا البشرَ من
الأوساخ؛ لأنه لو منع شيء من ذلك وصول الماء، لم يَرتَفِع الجنابةُ، والبَشَرُ؛ بفتح الباء
والشين، قال الجوهري في ((الصحَّاح)): البَشرُ: ظاهرُ جِلدِ الإنسان.
قوله: (وفي الباب: عن علي، وأنس):
أما حديث علي: فأخرجه أحمد وأبو داود(١)، عنه قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ وَلَه يقول:
((مَنْ تَرَكَ مَوضع شعرةٍ من جَنابةٍ لم يُصِبْهَا المَاءُ، فَعَلَ اللهُ بهِ كَذا وكَذا مِنَ النَّارِ))، قال عليٍّ:
((فَمِن ثَمَّ عاديتُ شَعْري))، زاد أبو داود: ((وكان يجزُّ شعرهُ نَظُبه)) كذا في ((المنتقى))، وقال
الحافظ في ((التلخيص)): إسناده صحيحٌ؛ فإنه من رواية عطاء بن السَّائب، وقد سمع منه
حمّاد بن سلمة قبلَ الاختلاط؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث حمَّاد؛ لكن قيل: إن
الصَّوابَ وَقْقُهُ على عليٍّ. انتهى.
(١) أحمد. حديث (٧٢٩)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٢٤٩)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها.
حدیث (٥٩٩).

٣٧٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ أنَّ تَحْتَ كلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ الحَارثِ بن وَجِيهٍ حديثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُه إلَّا مِن
حديثهِ. وهُو شَيْخٌ ليس بِذَاكَ، وقَدْ رَوى عَنْهُ غَيْرُ وَاحدٍ منَ الأئِمَّةِ، وقَدْ تفرَّدَ بهذا
الحَديثِ عَن مَالِكِ بن دِينَارٍ، ويُقَالُ: الحَارِثُ بنُ وجِيهِ، ويُقَالُ: ابنُ وجْبَةَ.
وأما حديث أنس: فأخرجه أبو يعلى والطبراني في ((الصغير))(١)، وفيه: ((يا أنسُ، بالغ
في الاغْتِسالِ في الجَنَابةِ؛ فإنَّكَ تَخْرُجُ من مُغْتَسَلكَ، وليْسَ عليكَ ذَنْبٌ ولا خطيئةٌ، قال:
قُلت: كيفَ المبالغةُ، يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: تبلُّ أصُولَ الشَّعْرِ، وتُنقي البشرةَ ... )) الحديث،
وفيه: محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو ضعيف؛ قاله الهيثمي.
وفي الباب أيضًا عن أبي أيوب، أخرجه ابن ماجه(٢) في حديث، فيه أداءُ الأمانةِ،
وغُسلِ الجَنَابةِ: ((فإنَّ تحتَ كُلِّ شَعرةٍ جَنَابَةً)) وإسناده ضعيفٌ؛ كذا في ((التلخيص)).
قوله: (حديث الحارث بن وجيه غريب ... إلخ) وأخرجه أبو داود وابن ماجه
والبيهقي (٣)، قال الحافظ في ((التلخيص)): مداره على الحارث بن وَجيهٍ، وهو ضعيفٌ جدًّا،
قال أبو داود: الحارث حديثه منكر، وهو ضعيف، وقال الشافعي: الحديث ليس بثابتٍ،
وقال البيهقي: أنكره أهل العلم بالحديث البخاريُّ وأبو داود وغيرهما. انتهى كلام الحافظ.
(وهو شيخ ليس بذلك)، وفي بعض النسخ: ((وهوَ شَيْخٌ ليسَ بذاكَ)) أي: بذاك المقام
الذي يُوثقُ به، أي: روايته ليست بقوية، كذا في الطيبي، وظاهره: يقتضي أن قوله: ((وهو
شيخ)) للجَرْحِ، وهو مخالف لما عليه عامَّة أصحابِ الجَرْح والتعديل: من أن قولهم: ((شَيْخ))
من ألفاظ مراتب التعديل، فعلى هذا يجيء إشكالٌ آخرُ في قول الترمذي؛ لأن قولهم: ((ليس
بذاكَ)) من ألفاظ الجرح اتفاقًا؛ فالجمع بينهما في شخصٍ واحدٍ جمعٌ بين المتنافیین؛
فالصواب: أن يحمل قوله: ((وهو شيخ)) على الجرح؛ بقرينة مقارنته بقوله: ((ليس بذاك)) وإن
كان من ألفاظ التعديل، ولإشعاره بالجرح؛ لأنهم وإن عدُّوه في ألفاظ التعديل صرَّحوا أيضًا
بإشعاره بالقرب من التجريح، أو نقولُ: لا بد في كون الشخص ثقةً من شيئين: العدالة،
والضبط؛ كما بين في موضعه، فإذا وجد في الشخص العدالةُ دونَ الضبط؛ يجوزُ أن يعدّل
(١) أبو يعلى. حديث (٣٦٢٤)، والطبراني في ((الصغير)). حديث (٨٥٦)، وقال الهيثمي (٢٧١/١ -٢٧٢): رواه
أبو يعلى والطبراني في ((الصغير)) وزاد ... وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو ضعيف.
(٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٥٩٨).
(٣) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٧٩٧).

٣٧٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوء بَعْدَ الغُسْل
٧٩ - باب مَا جَاءَ في الوُضُوء بَعْدَ الغُسْل [ت٧٩، ٧٩٠]
[١٠٧] (١٠٧) حدثنا إسْمَاعيلُ بن مُوسى، حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن
الأَسْوَدِ، عَن عَائِشَة: أنَّ النَّبِيَّ وَلَه كَانَ لا يَتَوَضأُ بَعْدَ الغُسْل. [د بنحوه: ٢٥٠، ن: ٢٥٢،
جه: ٥٧٩، حم: ٢٣٨٦٨] .
باعتبار الصفة الأولى، ويجوز أن يجرَّح باعتبار الصفة الثانية، فإذا كان كذلك؛ لا يكونُ
الجمعُ بينهما جمعًا بين المتنافيين؛ كذا في السيد جمال الدين - رحمه الله - كذا في
((المرقاة)).
٧٩ - باب الوضُوء بَعْدَ الغُسْلِ
[١٠٧] قوله: (حدثنا إسماعيل بن موسى) الفَزَاريُّ أبو محمد ابن بنت السُّديِّ، قال
النسائي: ليس به بأس، قال ابن عَدي: أنكروا منه الغُلُوَّ في التَّشُّع؛ كذا في ((الخلاصة))،
وقال في ((التقريب)): صدوق يخطئُ، ورُميَ بالرَّفض.
قوله: (كان لا يتوضأ بعد الغسل) أي: اكتفاءً بوضوئه الأول في الغسل، أو باندِرَاج
ارتفاعِ الحدثِ الأصغَرِ تحت ارتفاع الأكبر، بإيصال الماء إلى جميع أعضائه وهو رخصة؛
قاله القاري، قلت: المعتمدُ هو الأول، والله تعالى أعلم.
وفي رواية ابن ماجه(١): لا يتوضأُ بَعْدَ الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ، قال في ((المنتقى)) - بعد ذكر
هذا الحديث -: رواه الخمسة، وقال في ((النيل)): قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: ليس في النسخ الموجودة عندنا: قول الترمذي.
وقال القاضي الشوكاني: قال ابن سيد الناس - في شرح الترمذي -: تختلف نسخ
الترمذي في تصحيح حديث عائشة، وأخرجه البيهقي(٢) بأسانيد جيدة.
وفي الباب: عن ابن عمر مرفوعًا، وعنه موقوفًا: أنه قال - لمَّا سُئلَ عن الوضُوء بعد
الغُسْلِ -: وأيُّ وضوء أعمُّ مِنَ الغُسْلِ، رواه ابن أبي شيبة(٣)، وروى ابن أبي شيبة(٤) أيضًا أنه
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٧٩).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٢٤٩، ٨١٨).
(٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٤٣).
(٤) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٤٥).

٣٧٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ: إِذَا التَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وهذَا قَوْلُ غَيْرٍ واحدٍ مِن أهْلِ العِلْم: أصحابِ النَّبِيِّ وَيه
والتَّابعينَ: أنْ لا يَتَوَضَّأَ بعد الغُسلِ.
٨٠- باب مَا جَاءَ: إذَا التَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ [ت٨٠، ٨٠٢]
[١٠٨] (١٠٨) حدثنا أبو مُوسى محمَّدُ بنُ المُثنّى، حَدَّثَنَا الوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ، عَنِ
الأوْزَاعيِّ،
قال لرجل - قال له: إنِّي أتوضَّأ بعد الغسل فقال -: لقد تعمَّقتَ، وروي عن حذيفة أنه قال:
أمَا يَكْفِي أحدَكُم أن يَغْسِلَ من قَرْنِهِ إلى قدمه (١)، وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة،
ومن بعدهم؛ حتى قال أبو بكر بن العربي: إنَّه لم يختلف العلماء: أنَّ الوضوء داخلٌ تحت
الغسْلِ، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارةٍ الحدثِ، وتقضي عليها؛ لأن موانعَ الجنابة
أكثر من موانع الحدث، فدخل الأقل في نية الأكثر، وأجزأت نية الأكبر عنه. انتهى.
فإن قلت: كيف يكون حديثُ البَابِ صحيحًا، وفي إسناده: شريك بن عبد الله النخعي،
وهو وإن كان صدوقًا، لكنه يخطئ كثيرًا، وتغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة؟.
قلت: قال أحمد: هو في أبي إسحاق أثبت من زهير، وقد روي حديث الباب عن
أبي إسحاق، ثم لم ينفرد هو في روايته، بل تابعه زهير في رواية أبي داود، وأخرجه البيهقي
بأسانيد صحيحة كما عرفت.
قوله: (هذا قول غير واحد من أصحاب النبي ◌ّ و ... إلخ) بل لم يختلف فيه العلماء،
كما صرح به ابن العربي.
٨٠ - باب مَا جَاءَ إذَا التَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ ... إلخ
المراد بـ ((الخِتَانَانِ)): خِتَانُ الرجل، وخِفَاضُ المَرْأةِ، وختان الرجل هو: مقطع جلدة
كمرته، وخفاض المرأة هو: مقطع جلدةٍ في أعلى فرجها، تُشبه عُرفَ الدِّيكِ، بينهما وبين
مدخل الذكر جِلدةٌ رَقيقةٌ، وإنما ثُنِّيَا بألف واحد تغليبًا، وله نظائر، وقاعدته: ردُّ الأثقلِ إلى
الأخف، والأدنى إلى الأعلى.
[١٠٨] قوله :
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٥١).

٣٧٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ: إِذَا التَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ
عَن عبْدِ الرَّحمنِ بن القَاسِم، عَن أبيهِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: إذا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ
فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ، فَعَلْتُّهُ أَنَا وَرسولُ اللهِوَلَهِ فَاعْتَسَلْنَا. [م بمعناه: ٣٥٠، جه: ٦٠٨، حم:
٢٤٧٥٣، طا بمعناه: ١٠٤].
قَالَ: وفي الباب عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَعَبْد الله بنِ عَمْرٍو، وَرافعٍ بن خَدِيجٍ.
(عن عبد الرحمن بن القاسم ) بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي المدني، ثقة جليل،
قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، عن: أبيه، وأسلم العدوي، وعنه: شعبة، ومالك،
وخلق، [و] وثقه أحمد، وابن سعد، وأبو حاتم، مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومئة، (عن
أبيه) أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما
رأيت أفضل منه، من الثالثة، مات سنة (١٠٦) ست ومئة على الصحيح؛ كذا في ((التقريب)).
قلت: هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، روى عن: عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس،
وابن عمر، وطائفة، وعنه: الشعبي، والزهري، وخلق، قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا فقيهًا
إمامًا كثير الحدیث.
قولهم: (إذا جاوز الختان الختان) الأول: بالرفع، والثاني: بالنصب، والختان: هو
مَوضِعُ القَطع من فرج الذكر والأنثى، وهو أعم من أن يكون مختونًا أم لا، والمراد بمجاوزة
الختان الختان: الجماع، وهو غيبوبة الحَشَفَةِ، وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص: ((إذا
التقى الخِتانانِ، وتوارتِ الحشفةُ؛ فَقَد وَجَبَ الغُسْل))، أخرجه ابن ماجه(١)، (وجب الغسل)
- بضم الغين المعجمة - اسم للاغتسال، (فعلته) الضمير راجع إلى مصدر جاوز، (أنا
ورسول الله وَّة) بالرفع أو النصب، (فاغتسلنا) ظاهره: أنها تعني بغير إنزال، وأنه ناسخ
لمفهوم حديث: ((إنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ»(٢).
قولهم: (وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، ورافع بن خديج):
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان(٣)، ولفظه: ((إذَا جَلسَ بَيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ ثُمَّ
جَهَدَها، فَقَد وَجَبَ عَلَيهِ الغُسلُ)) ولمسلم، وأحمد: ((وإن لم يُنزِل)). وأما حديث عبد الله بن
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٦١١) وهو حديث صحيح.
(٢) سيأتي في الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (١١٠).
(٣) البخاري، كتاب الغسل. حديث (٢٩١)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٤٨).

٣٧٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهـ / باب مَا جَاءَ: إِذَا التَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ
[١٠٩] (١٠٩) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وكيعٌ، عَن سفْيَانَ، عَن عَلِيِّ بْنِ زَيدٍ، عَن
سعيد بن المُسَيَّبِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ النبيُّ وَّهُ: ((إِذَا جَاوزَ الخِتَانُ الخِتَانَ
وجَبَ الغُسْلُ)). [م بنحوه: ٣٤٩، حم: ٢٤٥١٦، طا بنحوه: ١٠٤].
عمرو: فأخرجه ابن ماجه (١)، وتقدم لفظه، وأما حديث رافع بن خديج: فَأَخْرَجَهُ أحمد(٢)،
والحازمي في كتاب ((الاعتبار))، ولفظه: قال: ((نَادَاني رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَأنَا عَلَى بَطن امْرَأْتي،
فقُمْتُ ولم أُنزِلْ، فاغتسلتُ وخَرَجْتُ إلى رسولِ اللهِ لَّه ... )) الحديث، وفيه: فقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَله: ((لا علَيكَ، الماءُ من الماءِ»، قال رافع: ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ بعد ذلكَ بالغُسل. قال
الحازمي بعد رواية هذا الحديث: هذا حديث حسن. قال الشوكاني في ((النيل)): في تحسينه
نظر؛ لأن في إسناده رشدين، وليس من رجال الحسن، وفيه أيضًا مجهول. انتهى.
قلت: الأمر كما قال الشوكاني.
[١٠٩] قوله: (عن علي بن زيد) بن جدعان التيمي البصري، أصله حجازي، ضعيف،
روى عن ابن المسيب، وعنه: قتادة، والسفيانان، والحمادان، وخلق. قال أحمد،
وأبو زرعة: ليسَ بالقويِّ، وقال ابن خزيمة: سيُ الحِفْظِ، وقال شعبة: حدثنا علي بن زيد
قبل أن يختلط، وقال يعقوب بن شيبة: ثِقة، وقال الترمذي: صدوقٌ، إلَّا أنه ربَّما يرفعُ
الشيء الذي يُوقفهُ غيره.
قوله: (إذا جاوز الختان الختان) قال في ((مجمع البحار)) أي: حَاذى أحدهما الآخر،
سواء تلامَسا أو لا، كما إذا لفَّ الذّكرَ بالثوبٍ وأدْخَلَ. انتهى، قال الشوكاني: ورد الحديث
بلفظ: المُحاذاةِ، وبلفظ: الملاقاةِ، وبلفظ: المُلامسةِ، وبلفظ: الإلصاقِ، والمراد
بـ ((المُلاقَاة)): المحاذاة، قال القاضي أبو بكر: إذا غابَتِ الحَشَفَة في الفَرْجِ فَقد وقعتٍ
الملاقاةُ، قال ابن سيد الناس: وهكذا معنى مس الختان الختان، أي: قاربه وداناه، ومعنى
إلزاق الختان بالختان: إلصاقه به، ومعنى المجاوزة: ظاهر، قال ابن سيد الناس في ((شرح
الترمذي)) - حاكيًا عن ابن العربي -: وليس المراد حقيقة اللمس، ولا حقيقة الملاقاة، وإنما
هو من باب ((المجاز)) و((الكناية)) عن الشيء بما بينه وبينه ملابسة، وهو ظاهر، وذلك: أن
ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمسه الذكر في الجماع، وقد أجمع العلماء على: أنه لو
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٦١١).
(٢) أحمد. حديث (١٦٨٣٧).

٣٨٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وٌَّ / باب مَا جَاءَ: إِذَا التَّقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ عَائِشَةَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قَالَ: وقدْ رُوِيَ هذَا الحَديثُ عَن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ مِن غَيْرٍ وجْهٍ: ((إِذَا
جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ فقدْ وَجَبَ الغُسْلُ)). وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْم من أصْحابٍ
النَّبِيِّ وََّ، مِنْهُمْ: أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمَانُ، وعَلِيٍّ، وعَائِشَةُ، والفُقَهَاءِ مِنَ التّابعِينَ
ومَنْ بَعْدُهُمْ، مِثْلِ: سفْيَانَ الثَّوْريِّ، والشَّافعِيِّ، وأحْمَدَ، وإِسْحَاقَ، قَالُوا: إذا التَّقَى
الخِتَانَانِ وجَبَ الغُسْلُ.
وَضَعَ ذكرهُ على خِتانِها، ولم يُولِجْهُ لم يجب الغسل على واحد منهما، فلا بد من قدر زائد
على الملاقاة، وهو ما وقع مصرحًا به في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: ((إذا
التَّقَى الخِتَانانِ وتَوَارَتِ الحشفةُ؛ فقَد وَجَبَ الغُسلُ))، أخرجه ابن أبي شيبة(١). انتهى.
قلت: وأخرجه ابن ماجه أيضًا .
قوله: (حديث عائشة: حديث حسن صحيح)، والحديث: صححه ابن حبان، وابن
القطان، وأعله البخاري بأن الأوزاعي أخطأ فيه، ورواه غيره، عن عبد الرحمن بن القاسم
مرسلًا، واستدل على ذلك بأن: أبا الزناد قال: سألت القاسم بن محمد: سمعْتَ في هذا
الباب شيئًا؟ فقال: لا، وأجاب مَن صَحَّحهُ: بأنه يحتمل: أن يكون القاسم كان نسيه، ثم
تذكر فحدث به ابنه، أو كان حدَّث به ابنه ثم نسي، ولا يخلو الجوابُ عن نظرٍ. قال
الحافظ: وأصله في ((مسلم)) (٢) بلفظ: ((إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبها الأربعَ، ومَسَّ الختانُ الختانَ؛
فَقد وَجَبَ الغُسلُ))، وقال النووي: هذا الحديث أصله صحيح، لكنه فيه تغير، وتبع في ذلك
ابن الصَّلاح.
قوله: (وهو قول أكثر أهل العلم ... إلخ) قال النووي: اعلم: أن الأمة مُجتمعة الآن
على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وكانت جماعة من الصحابة على أنه:
لا يجب إلَّا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماعُ بعد الآخرين. انتهى.
وقال ابن العربي: إيجابُ الغسل: أطبق عليه الصَّحابةُ ومن بعدهم، وما خالف فيه إلَّا
داود، ولا عبرةَ بخلافهِ. قال الحافظ في ((الفتح)): وأما نفي ابن العربي الخلاف؛ فمعترضٌ،
(١) ابن أبي شيبة. حديث (٩٥٦).
(٢) مسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٤٩).