النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ تعارض هذه التحديدات المصرَّحة؛ كذا أجاب صاحب ((السعاية، حاشية شرح الوقاية))، وهو من العلماء الحنفية. وقد أجاد وأصابَ، ثم قال: والذي أظنُّ أن هذه الأخبار لم تصل إلى الإمام أبي حنيفة أو وصلته وحَمَلها على معنًى لاحَ له؛ وإلا لقال بها حتمًا، ولم يحتج إلى الاستنباط قطعًا، ولقوة دليل الشافعيَّة والمالكيَّة في هذا الباب جوَّز أصحابنا تقليدَهُم في ذلك، بل قلَّدهم أبو يوسف في بعض الوقائع مع كونه مجتهدًا، وقد صرَّحوا بأن المجتهد يحْرُمُ عليه التقليد؛ كما في ((الطريقة المحمدية)) وشرحها ((الحديقة الندية))، وقد جوَّز أئمتنا الحنفية الأخذ في ((باب الطهارة)) بمذهب الغير، ولو كان الأخذ بعد صدور الفعل فاسدًا في مذهبه؛ كما حُكِي أن أبا يوسف اغتسلَ ليوم الجمعة، وصلى بالناس إمامًا ببغداد، فوجدوا في البئرِ الذي اغتسل من مائه فَأْرَةً ميتةً، فأخبر بذلك، فقالَ: نأخذ بقول إخواننا من أهلِ المدينةِ تمسُّكًا بالحديث المرويِّ عن النبيِّ وَِّ أنه قالَ: ((إِذَا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينٍ لم يَحْمل خَبًا)) (١). كذا في ((التتارخانية)) وغيرها، ولعلَّ حرمة التقليد للمجتهد مقيدةٌ بما إذا لم يكن ما قلَّده حكمًا قويًّا موافقًا للقياس داخلًا في ظاهر النصّ، فإذا كان حكمًا ضعيفًا مخالفًا للقياس غير داخل في ظاهر النص يحرُم تقليدُ المجتهد فيه لمجتهد آخر، وهذه المسألة: الحكم فيها قويٌّ؛ لأن عدم التغيُّر بوقوع النجاسة دليلٌ على بقاء الطهارة موافقٌ للقياس داخلٌ في ظاهر النصِّ، وهو حديث القُلَّتَيْنِ. انتهى كلامهما ملخصًا. انتهى كلام صاحب ((السعاية)). الفائدة الثالثة: تمسك الظاهرية بحديث الباب على أن البئر لا تتنجَّس بوقوع النجاسة فيها، قليلًا كان الماء فيها أو كثيرًا، تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغيّر، وقد عرفْتَ: أن حديث الباب وما في معناه ليس على إطلاقه وعمومه، بل هو مخصوصٌ بأحاديث أخرى صحيحةٍ . ولنا أن نذكر ـ هاهنا - مذاهبَ أخرَى في طهارة البئرِ ونجاستها: فاعلَم أنهم اختلفوا فيما إذا وقعت نجاسةٌ في البئر هل تتنجَّس أم لا؟ على مذاهب: الأول: مذهبُ الظاهرية، وقد ذكرناه آنفاً . والثاني: أنه إن تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه يتنجَّس، وإلا لا، وهو مذهب المالكية؛ (١) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٦٧). ٢٢٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَيهِ / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وتمسَّكوا بحديث: ((المَاءُ طَهورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ إلَّا ما تَغَيَّرَ لَونُهُ أو طَعمُه أو رِيحُهُ))، وقد تقدَّم تخريجه. والثالث: إن الماء في البئر إن كان دون القُلُّتَيْنِ يتنجَّس، وإن كان قدر القلتين فصاعدًا لا يتنجس، إلَّا إذا تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، وهو مذهبُ الشافعية؛ وتمسّكوا بحديث القُلَّتَيْنِ، وهو المذهب الراجحُ، وبه عمل الإمام أبو يوسف في بغداد؛ كما عرفْتَ أن أبا يوسفَ اغتَسلَ يوم الجمعة، وصلَّى بالناس إمامًا ببغداد، فوجدوا في البئر الذي اغتَسلَ من مائه فأرةً ميتة، فأخبر بذلك، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة، تمسكًا بالحديث المرويِّ عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((إذا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتينٍ لم يَحْمِل خَبَثًا))؛ كذا في ((التتارخانية)) وغيرها . والرابع: إن كان غديرًا عظيمًا بحيث لا يتحرَّك أحدُ طرفيه بتحريك الآخر لم يتنجَّس؛ وإلا تنَجَّس، وهو مذهب المتقدِّمين من الحنفية. الخامس: إن كان عشرًا في عشر لا يتنجَّس وإلا يتنجَّس، وهو مسلك أكثر المتأخرين من الحنفية . وقد مر في الفائدة الثانية أن للحنفية في الماءِ أربعةَ عَشَرَ مذهبًا، فكلها تجري هاهنا . وهاهنا: مذهب آخر زائد على ما مرَّ خاصّ بالآبار، وهو: ما رُويَ عن محمَّد أنه قال: ((اجْتَمعَ رَأيي وَرَأَيُ أبِي يُوسُفَ على أنَّ مَاءَ البئرِ في حُكْم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من أسفله، ويؤخذُ من أعلاه، فهو كحوض الحمَّام يصبُّ من جانب ويخرج من جانب آخر؛ فلا يتنجس؛ كذا نقله في ((الغنية)) و((فتح القدير)) وغيرهما. ثم إذا تنجَّس ماء البئر، هل يَظْهُرُ بِنَزْحِ الماء أم لا ؟ فقال بشرٌ المريسيُّ: إنه لا يطهر أبدًا؛ لأنه وإن نزح جميع ما فيها يبقى الطين والحجارة نجسًا، فيتنجَّس الماء الجديدُ، فلا سبيل إلى طهارته؛ كذا حكاه ابن الهُمَام والعَينيُّ وغيرهما عنه، وقال غير بشر المريسيِّ من أهل العلم: يطهر البئر بِنَزْحِ الماء. واستدلَّ الحنفية على تنجُّس ماء البئر، وإن كان زائدًا على قَدْر القُلَّتين، وطهارته بنزحِ الماء: بما رواه الطحاويُّ وابن أبي شيبة(١)، عن عطاء؛ أن حبشيًّا وقع في زَمْزمَ، فمات، (١) االطحاوي في ((معاني الآثار)). (١/ ١٧)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) رقم (١٧٢١). ٢٢٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ فأمر ابن الزبير، فَنُزِحَ ماؤها، فجعل الماء لا ينقطعُ فنظر، فإذا عين تَجْرِي من قبل الحجر الأسودِ، فقال ابن الزبير: حَسْبُكُم. قالوا: إسناد هذا الأثر صحيحٌ، ويردُّونَ به حديثَ القُلَّتينِ. قلت: سلَّمنا أن إسناده صحيحٌ؛ لكن قد تقرَّر أن صحة الإسناد لا تستلزمُ صحَّة المتن، ولو سلِّم صحة المتن فيحتملُ أن يكون نزح لنجاسة ظَهرَت على وجه الماء أو تطييبًا للقلوب وتنظيفًا للماء؛ فإن زمزم للشرب لا مِن جهة الوجوب الشرعيٍّ، وقد اعترف به صاحبُ ((السعاية)) من الحنفية؛ حيث قال فيها ص ٤٢٢: وما روي عنهم من النَّزح لا يدلُّ على النجاسة، بل يحتمل التنظيف، والتنزه. انتهى. وأما ما قال صاحبُ ((الجوهر النقي)) من أن الراوي جَعَلَ علَّة نزحها موتهُ دون غلبة دَمِهِ؛ لقوله: ((مَاتَ فأمَرَ أن تُنْزَحَ)) كقوله: ((زَنی مَاعزٌ فَرُچِمَ)). انتهى. ففيه نظر، فإنه ليس فيه دلیل على أن الموت كان علَّة للنزح، إنما فيه أن الزنجيّ مات في زمزم، فأمر بعد ذلك أن تنزح، وأما أن علَّة النزح هَل هي الموتُ أو أمر آخر، فلا يدل عليه لفظ: ((مَاتَ، فَأَمَرَ أن تُنْزَحَ)) ؛ كما قال الطحاوي في ((شرح الآثار)): ليس في حديث أبي الدرداء وثوبان: ((قَاءَ فَأَفَطَرَ)» دليلٌ على أن القيء كان مفطرًا له؛ إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك. انتهى(١). وقال الشيخ العلامة محدِّث الهند الشاه ولي الله في كتابه ((حجة الله البالغة)) ص ١٤٢ ج١: وقد أطال القومُ في فُرُوعٍ موتِ الحيوان في البثْرِ، والعشر في العشر، والماء الجاري، وليس في كلِّ ذلك حديثٌ عن النبيِّ وَّ البتة، وأما الآثار المنقولةُ عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في الزنجيِّ وعليٍّ (٢) في الفأرة، والنخعيِّ والشعبي (٣) في نحو السِّنَّورِ؛ فليست مما يشهد له المحدِّثون بالصحة، ولا مما اتفق عليهِ جمهورُ أهل القرون الأولى، وعلى تقدير صحتها: يمكنُ أن يكون ذلك تطبيبًا للقلوب وتنظيفًا للماء لا من جهة الوجوبِ الشرعيِّ، كما ذكر في كتب المالكية؛ ودون نَفْي هذا الاحتمال خَرطُ القتادِ؛ وبالجملة: فليس في هذا الباب شيءٌ يعتدُّ به ويجبُ العمل عليه، وحديثُ القُلَّتينِ أثبتُ من ذلك كُلِّه بغير شبهة، ومن (١) انظر ((شرح معاني الآثار)) (٩٧/١). (٢) الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٣١). (٣) الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٣٨) و(٣٥). ٢٢٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّة / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَّسُهُ شَيْءٍ المحالِ أن يكون الله تعالى شرع في هذه المسائل لعباده شيئًا زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات، وهي مما يكثر وقوعُهُ وتعمُّ به البلوى، ثم لا ينصُّ عليه النَّبيُّ نَّهَ نصَّا جليًّا، ولا يستفیضُ في الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد فيه. انتهى كلامه. وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)): روى البيهقي(١) من طريق ابن عُيَيْنَة: كُنْتُ أنا بمكّة منذ سبعينَ سنةً لم أرَ صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجيّ ولا سمعتُ أحدًا يقول: نُزِحَت زَمْزَمُ، وقال الشافعي: إن ثبت هذا عن ابن عباس، فلعلَّ نجاسته ظهرت على وجه الماء أو نَزَحَها للتنظيف. انتهى، قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) بعد ذكر قول الشافعي وابن عيينة: وعن أبي عُبَيْدةَ، قال: وكذلك لا ينبغي؛ لأن الآثار جاءت في نعتها أنها لا تُنْزَحُ ولا تُذَمُّ. انتهى. قلت: فهذه الآثار أيضًا تخدش في صحة واقعة نزح زمزم، فإن صحَّتها تخالفُ قوله: (لا تُنْزَحُ))، وكذلك تخالفُ قوله: ((لا تُذَمُ))، فأيُّ مذمة لزمزمَ تكون أقبح من أن يكون ماؤها نجسًا خبيئًا . فإن قلت: أجاب عن ذلك صاحبُ «الجوهر النقي)) ؛ حيث قال: ليس فيه أن ابن عبّاس وابن الزبير، قدرًا على استئصال الماءِ بالنزْحُ(٢)، حتى يكون مخالفًا للآثار التي ذكرها أبو عُبيدة، بل صرَّح في رواية ابن أبي شيبة: بأن الماء لم ينقطع، وفي رواية البيهقيّ: بأن العينَ غلبتهم حتى دست بالقباطي والمطارف. انتهى. قلت: ظن صاحب ((الجوهر النقي)) أن نَزْحَ البئر لا يكونُ إلَّا باستئصالِ مَائها، وليس كذلك؛ ففي ((القاموس)) نَزَحَ البِثْرَ: استَقِى ماءها حتَّى يَنْفَدَ أو يَقِلَّ. انتهى. وأما قول بعضهم: عدم علمهما لا يصحُّ دليلًا؛ فإنهما لم يدركا ذلك الوقتَ وبينه وبينهما قريبٌ من مئة وخمسين سنة. ففيه: أن وقوع الزنجيّ في زمزم وموته فيها، ثم نَزْحَهَا، من الوقائع العظام، والحوادثِ الجسام، فلو كان هذا صحيحًا لم يكن في ذلك الوقت نَسْبًا مَنْسّيًا، بحيثُ لا يعرفه أحدٌ من أهل مكة لا صغير ولا كبير؛ إذ بعيدٌ كُلَّ البعد أن يحدُثَ مثلُ هذه الحادثة بمكّة في زمن ابن (١) البيهقي في ((الكبرى)). (١١٨٤). (٢) في نسخة: بالنضح. ٢٢٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهُ / بَابٌ مِنْهُ آخَر ٥٠ - بَابٌ مِنْهُ آخَرِ [ت٥٠، م٥٠] [٦٧] (٦٧) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَن مُحَمدٍ بن إِسْحَاقَ، عَن مُحَمدٍ بن جَعْفَرٍ بن الزُّبَيْرِ، عَن عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ، عَن ابن عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهُ وهُوَ يُسْأَلُ عنِ المَاءِ يَكونُ في الفَلاةِ مِنَ الأرْضِ ومَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّباعِ والدَّوَابِّ؟ قَالَ: فَقَالَ رسول الله وَّهِ: ((إِذَا كَانَ المَاءُ قُلْتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ)). [ن: ٥٢، د: ٦٣، جه: ٥١٧، حم: ٤٧٨٨، مي: ٧٣١]. عباس وابن الزبير، وهما من صغار الصحابة، ثم لا يعرفه أحدٌ من أهل مكة في زمن سفيان ابن عيينة، وهو من أوساط التابعين، ولو سُلِّم ثبوتُ واقعة نَزْحِ زمزم فلا تدل على أن نزحها كان لنجاسةٍ؛ كما قد عرفتَ. ٥٠- بَابٌ مِنْهُ آخَرُ [٦٧] قوله: (عن محمد بن إسحاق) هو: إمام المغازي، صدوق يدلُّس؛ كذا في ((التقريب))، وقال ابن الهُمّام في ((فتح القدير)) أما ابن إسحاق فثقة لا شبهة عندنا ولا عند محقّقي المحدِّثين. انتهى. وقال العيني في ((عمدة القاري): ابن إسحاق من الثقات الكِبَارِ عند الجمهور. انتهى. وتقدَّم ترجمته في ((باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بوليٍ)) بأبسط من هذا، (عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوَّام الأسديِّ، ثقة، (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطّاب، شقيق سالمٍ، ثقة. قوله: (وهو يسأل) بصيغة المجهول: جملة حالية، (عن الماء يكون في الفلاة مـ. الأرض) قال في ((القاموس)): الفلاة: القَفْرُ، أو المَفَازَةُ لا ماء فيها، أو الصحراء الواسعة، ج: فَلَّا وَفَلَوَاتٌ وَفلي وفلى، (وما ينوبه من السباع والدوابِّ) عطف على ((الماء))، يقال: نَابٌ المكّانَ وأنابه: إذا تردّد إليه مرة بعد أخرى، (قال ◌َّ ه: ((إذا كان الماء قلتين) تثنية (القُلَّة))، وسيأتي بيان معنى القُلَّة، (لم يحمل الخَبَث) بفتحتين: النَّجس، أي: لم يَنُْس بوقوع النجاسة فيه، وفي رواية لأبي داود (١): ((إذا كان المَاء قُلَّتَيْنِ، فإنَّه لا يَنْجُس))، ولفظ الحاكم (٢): «فقال: إذَا كان المّاءُ قُلُّتينٍ، لم ينجّسْهُ شيءٌ» ؛ قال القاضي: الحديث بمنطوقه (١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٦٥). (٢) الحاكم. حديث (٤٥٨) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وزاد: وتركاه للخلاف فيه. ٢٢٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَل﴿ / بَابٌ مِنْهُ آخَر قَالَ عَبْدَةُ: قَالَ مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ: القُلّةُ: هِيَ الجِرارُ، والقُلةُ: التِي يُسْتَقَى فيها . قَالَ أبُو عِيْسَى: وهُوَ قَوْلُ الشافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ، قالوا: إذَا كانَ المَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يُنَجِّسْهُ شيءٌ، ما لم يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ، يدلُّ على أن الماء إذا بلغ قلتين، لم يَنْجُس بملاقاة النجاسة، فإن معنَى ((لم يَحْمِل)) لم يقبل النجاسةَ؛ كما يقال: فلانٌ لا يقبل ضَيمًا؛ إذا امتنع عن قبوله، وذلك إذا لم يتغيّر، فإن تغيَّر نجس؛ ويدلُّ بمفهومه على أنه إذا كان أقلَّ ينجس بالملاقاة، وهذا المفهوم يخص حديث: ((خُلقَ المَاءَ طَهُورًا)) عند من قال بالمفهوم، ومَن لم يقل به أجراه على عمومه؛ كمالك، فإن الماء، قلَّ أو كَثُرَ، لا يَنْجُسُ عنده إلَّا بالتغيُّر، وقال الحافظ في ((التلخيص)): قوله: (لم يحمل الخبث)) معناه: لم ينجس بوقوع النجاسة فيه؛ كما فسره في الرواية الأخرى التي رواها أبو داود وابن حبَّان(١) وغيرهما: ((إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنٍ، لم يَنْجُسْ))، والتقدير: لا يقبل النجاسة، بل يدفَعُهَا عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعُفُ عن حمله لم يكُن للتقييد بالقلتين معنى؛ فإن ما دونهما أولى بذلك، وقيل: معناه لا يقبل حُكْمَ النجاسة، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِيْنَ حُمِلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أي: لم يقبلوا حكمها. انتهى كلام الحافظ. قوله: (قال محمد بن إسحاق: القُلَّة هي الجرَارُ) جمع جرَّة؛ بفتح الجيم، بالفارسية: سبوى، وقال في ((القاموس)): القُلَّة بالضمِّ الحُبُّ العظيم، والجرَّة العظيمة، أو عامَّةً أو مِن الفخَّار، والكوز الصغار، ضِدٌّ، [ج:](٢) كَصُرَدَ وجِبال. انتهى، والحبُّ؛ بضم الحاء المهملة، بالفارسية: خم، وقال الجزري في ((النهاية)): القُلَّة: الحُبُّ العظيم، والجمعُ: قِلالٌ، وهي معروفة بالحجاز. انتهى. قوله: (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق؛ قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ما لم يتغير ريحه أو طعمه) أي: أو لونه؛ واستدلُّوا بحديث الباب، وهو حديثٌ صحيحٌ قابل للاحتجاج، وضعَّفه جماعة، لكن الحقَّ أنه صحيح، قال الحافظ أبو الفضل العراقيُّ في ((أماليه)): قد صحَّح هذا الحديثَ الجَمُّ الغفير من أئمة الحفاظ: الشافعيُّ وأبو عُبَيْد وأحمد (١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٦٥)، وابن حبان. حديث (١٢٤٩). (٢) ليست في الأصل، وأثبتها من القاموس. ٢٢٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / بَابٌ مِنْهُ آخَر وإسحاق ويحيى بن معين وابنُ خُزَيمة والطحاوي وابن حبَّان والدار قطنيُّ وابن مَنْدَه والحاكمُ والخطَّابي والبيهقي وابن حَزم وآخرون؛ كذا في ((قوت المغتذي))، وقال الحافظ في ((فتح الباري)): رواته ثقات وصحَّحه جماعة من أهل العلم. انتهى. وقال فيه أيضًا: الفَصْلُ بالقلتين أقوَى؛ لصحّة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاويُّ من الحنفية بذلك، وقال في ((بلوغ المرام»: صحَّحه ابن خُزَيْمَة وابن حبَّان. انتهى (١). وقال في ((التلخيص)): قال الحاكم صحيحٌ على شرطهما، وقد احتجًا بجمیع رواته، وقال ابن منده: إسناده على شرط مسلم، وقال ابن معين: الحديثُ جيد الإسناد، وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث قد صحَّحه بعضهم، وهو صحيحٌ على طريق الفقهاء؛ لأنه وإن كان مضطربَ الإسناد، مختلفًا في بعض ألفاظه، فإنه يجابُ عنه بجوابٍ صحيحٍ بأن يمكن الجمعُ بين الروايات. انتهى ما في ((التلخيص)). والذين لم يقولوا بحديث القلتين، فمنهم: من اعترف بصحته، واعتذر من العمل به بالإجمال في مَعْنَى القلة؛ قال الحافظ في ((الفتح)): قولُ من لا يعتبر إلَّا التغيُّر وعدمه قويٌّ، لكن الفَصْل بالقلتين أقوى لصحّة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك؛ لكنه اعتذر من القول به؛ فإن القُلَّة في العُرْف تطلق على الكبيرةِ والصغيرةٍ، كالجرَّة، ولم يثبت من الحدیث تقدیرهما؛ فیکون مجملا فلا یعمل به، وقوَّاه ابن دقيق العيد، لكن استدلَّ له غيرهما، فقال أبو عُبَيْد القاسم بن سلَّام: المراد القُلَّةُ الكبيرة؛ إذ لو أراد الصغيرةَ لم يحتج لذكرِ العدد؛ فإن الصغير بَيَّنَ قدر واحدة كبيرة، ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز. والظاهر أن الشارع - عليه السلام - ترك تحديدها على سبيل التوسعة، والعلمُ محيطً بأنه ما خاطب الصحابة إلَّا بما يفهمون فانتفى الإجمال. انتهى كلام الحافظ. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): قال البيهقي في ((كتاب المعرفة)): وقلالُ هَجَرَ كانت مشهورةً عند أهل الحجاز، ولشهرتها عندهم شبَّه رَسُولُ اللهِ وَّ ما رَأى ليلة المعراج مِن نَبَق سدرة المنتهى بقلالِ هَجَرَ، فقال في حديث مالك بن صَعْصَعة: ((رُفِعت إليَّ سِدْرَة المُنْتَهَى، فإذا وَرَقُهَا مثل آذانِ الفِيَةِ، وإذا نَبَقُهَا مثلُ قِلالِ هَجَرَ))، قال: واعتذار الطحاوي في ترك الحديث أصلًا؛ بأنه لا يعلم مقدار القلتين؛ لا يكون عذرًا عند مَن علمه. انتهى. (١) ابن خزيمة. حديث (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩، ١٢٥٣). ٢٢٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / بَابٌ مِنْهُ آخَر وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر كلام البيهقيِّ هذا: فإن قِيلَ: أيُّ ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القُلةِ في حدِّ الماء؟ فالجواب: أن التقييد بها في حديثِ المعراج دالٌّ على أنها كانت معلومةً عندهم بحيثُ يُضْرَبُ بها المثل في الكِبَرِ؛ كما أن التقييد المطلق إنما ينصرفُ إلى التقييد المعهود، وقال الأزهري: القِلالُ مختلفةٌ في قُرَى العَرَبِ، وقِلالُ هَجَرَ أكْبَرُهَا، وقِلالُ هَجَرَ مشهورةُ الصنعة معلومةُ المقدار، والقُلَّة: لفظ مشترك، وبَعْدَ صرفها إلى أحد معلوماتها - وهي الأواني - تَبقى متردِّدة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار: جَعْلُ الشارع الحَدَّ مُقَدَّرًا بعدد، فدل على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدة في تقديره بقلَّتين صغيرتَيْن مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. انتھی. قلت: وقد جاء في حديث ضعيفٍ تقييدُ القُلَّتينِ بقلالِ هَجَرَ، وهو ما روى ابن عديٍّ (١) من حديث ابن عمر: ((إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ مِن قِلالِ هَجَرَ، لم يُنَجِّسهُ شَيءٌ))؛ قال الحافظ في ((التلخيص)): في إسناده المغيرة بن سقلاب، وهو منكر الحديثِ، قال النُّفَيْليُّ: لم يكن مؤتمنًا على الحديث، وقال ابن عدي: لا يتابع على عامة حديثه. انتهى. قلت: قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة المغيرة بن سقلاب: قال أبو حاتم: صالحُ الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به. انتهى. فالاعتذار من القول بحديث القُلُّتَيْنِ بزعم الإجمال في معنى القلة؛ اعتذار باردٌ، ومن الذين لم يقولُوا به اعتذروا بأن الحديثَ ضعيفٌ مضطرب الإسناد، قالوا: إن محمد بن إسحاق يروي تارة عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن ابن عمر؛ كما رواه الترمذي وغيره، وتارة: عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، وتارةً: عنه عن عبيد الله عن أبي هريرة، ثم وقع الاختلاف في شيخ محمد بن جعفر: فقال مرة: عن عبد الله بن عبد الله المُكَبَّر، ومرة: عن عبيد الله بن عبد الله المصغّر. قلت: هذا الاعتذار أيضًا بارد؛ فإن هذا الاختلاف ليس قادحًا مورئًا لضعف الحديث؛ فإن وجوه الاختلاف ليست بمستوية؛ فإن الرواية الصحيحة المحفوظة هي رواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن ابن عمر؛ كما رواها الترمذي وغيره، كذلك رواها جماعة (١) ابن عَدي في ((الكامل)) (٣٥٩/٦). ٢٢٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَليهد / بَابٌ مِنْهُ آخَر كثيرة عن ابن إسحاق؛ قال الدارقطني في ((سننه)) (١): رواه إبراهيم بن سعد وحمَّاد بن سَلَمَة ويزيد بن زُرَيْع وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن نُمَيْر وعبد الرحيم بن سليمان وأبو معاوية الضّرير ويزيد بن هارون وإسماعيل بن عَيَّاش وأحمد بن خالد الوهبي وسفيان الثوري وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد وزائدة بن قُدامَة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ◌َّ. انتهى. وقال الدارقطني (٢) فيه: ورواه عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ◌َّ فكان في هذه الرواية قوة؛ لرواية محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه. انتهى. وأما رواية ابن إسحاق عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: فمدارها على عبد الوهاب بن عطاء، وهو مدلِّس، ورواها عن ابن إسحاق بالعنعنة؛ فهي ضعيفة؛ لمظِنّة التدليس، على أنه قد خالف جمیعَ أصحاب ابن إسحاق. وأما روايته عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة: فليست بمحفوظة؛ قال الدارقطني (٣): نا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد، وعمر بن عبد العزيز بن دينار، قالا : حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، نا محمد بن وهب المسلمي، نا ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ ((أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ القَليب ... )) الحديث. قال الدارقطني (٤): كذا رواه محمد بن وهب عن إسماعيل بن عياش، بهذا الإسناد، والمحفوظ: عن ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه. انتهى. وقد اعتذروا أيضًا: بأن الحديث مضطربُ المتن؛ ففي بعضها: ((قُلَّتَيْن))، وفي بعضها: (قُلَتينِ أو ثَلاثًا))، وفي رواية موقوفة: ((أرْبَعين قُلَّة))، وكذلك في رواية مرفوعة: ((أرْبَعِينَ قُلًَّ)). (١) الدارقطني (١٩/١). حديث (١٤). (٢) الدار قطني (٢١/١) رقم (١٩). (٣) الدارقطني (٢١/١) رقم (١٩). (٤) الدار قطني (٢١/١) رقم (١٩). ٢٣٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَالِهِ / بَابٌ مِنْهُ آخَر قلت: هذا الاعتذار أيضًا بارد؛ فإن هذا الاختلاف أيضًا ليس قادحًا مورئًا للضعف؛ فإن رواية: ((أرْبَعينَ قُلَّة)) التي هي مرفوعة ضعيفةٌ جدًّا، فإن في سندها القاسم بن عبد الله العُمريّ؛ قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): حكى البيهقي عن القاسم بن عبد الله العمري كان ضعيفًا كثير الخطأ . وفي كتاب ابن الجوزي(١): قال أحمد: ليس هو عندي بشيء، كان يكذبُ ویضُ الحديث؛ ترك الناس حديثه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال مرة: كذَّاب خبيثٌ، وقال الرازي والنسائي والأزدي: متروك الحديث؛ وقال أبو زرعة: لا يساوي شيئًا، متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف. انتهى. وقال الزيلعي: في ((نصب الراية)): روى الدارقطني في ((سننه))، وابن عدي في ((الكامل))، والعُقيلِي (٢) في كتابه، عن القاسم بن عبد الله العمريِّ عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا بَلَغَ الماءُ أربعينَ قُلَّة، فإنَّهُ لا يَحْمَلُ الخَبَثَ)) انتھی . قال الدارقطني (٣): كذا رواه القاسم العمري، عن ابن المنكدر عن جابر، وَوَهِمَ في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ، وخالفه رَوحُ بن القاسم وسفيان الثوريُّ ومعمر بن راشد، رَوَوهُ عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا (٤)، ورواه أيوبُ السختيانيُّ عن محمد بن المنكدر من قوله لم يجاوزهُ، ثم روى بإسناد صحيح من جهة روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قال: ((إِذَا بَلَغَ المَاءُ أرْبَعينَ قُلَّة، لَم يَنْجُس)) (٥). انتهى. فرواية: ((أرْبعِينَ قُلَّة)) التي هي مرفوعة؛ لشدة ضعفها؛ لا تساوي رواية: ((قُلَّتينٍ)). وأما رواية: ((أرْبَعينَ قُلَّة)) التي هي موقوفة؛ فهي قول عبد الله بن عمرو، وقوله هذا - وإن كان صحيحًا من جهة السند - فهو لا يساوي رواية: ((قُلَّتينٍ)) التي هي قولُ رَسُول اللهِ وَهِ. (١) ((الضعفاء)) له (١٤/٣). (٢) الدارقطني (٢٦/١). حديث (٣٤)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٤/٦)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٤٧٣/٣). (٣) الدارقطني (٢٦/١). حديث (٣٤). (٤) الدارقطني (٢٧/١). حديث (٣٥). (٥) الدارقطني (٢٧/١). حديث (٣٥). ٢٣١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهُ / بَابٌ مِنْهُ آخَر وقالوا: يَكونُ نَحْواً مِن خَمْسٍ قِرِبٍ. وأما رواية: ((قُلَّتين أو ثَلاثًا)) فقد قال البيهقي في ((المعرفة)): قوله: ((أو ثلاثًا)) شكٌّ وقع لبعض الرواة. انتهى. فرواية ((قُلَّتَين أو ثلاثًا)) بالشك ترجع إلى رواية: ((قُلَّتين)) التي هي خاليةٌ عن الشك. والظاهر أن الشك من حمَّاد بن سلمة، فإن بعض أصحابه يروون عنه: ((قُلِّتَيْن)) وبعضهم: (قُلَّتينِ أو ثَلاثًا))، أو من عاصم بن المنذر؛ فإن كُلَّ من رَوى هذا الحديث غيره عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر؛ إنما رواه بلفظ: ((قُلَّتينٍ)) بغير شك، والله تعالى أعلم. وقد اعتذروا أيضًا بأن الحديث مضطربٌ من جهة المعنى؛ فإن القلة مشتركٌ بين رأس الرجل ورأس الجبل والجَرَّة والقِربة وغير ذلك، ولم يتعيَّن معناها: وإن أريدَ بها الأواني، كالجرَّة والخابية، فلم يثبت مقدارها مع أنها متقاربةٌ جدًّا. قلت: هذا الاعتذار أيضًا ليس بشيء؛ فإن القُلة بمعنَى رأسِ الرجل أو رأسِ الجبل؛ لا يحصلُ بها التحديد البتة. والمقصودُ من الحديث: ليس إلَّ التحديدَ، فلا يجوز أن يراد من القُلَّةِ رأسُ الرجل أو رأس الجبل، فتعيَّن أن المراد من القُلَّة الأواني. ولما كانت قِلالُ هَجَر مشهورةً معروفة المقدار عند العرب، كثيرةَ الاستعمال في أشعارهم، ولذلك شبه رسول الله وَّهُ نَبَقَ سِدْرَة المُنْتَهَى بقِلَال هجر؛ تعيَّن أن تكون هي مرادةً في الحديث، وقد تقدَّم ما يتعلق بهذا، فتذكَّر. والحاصل: إن حديث الباب صحيحٌ قابلٌ للاحتجاج، وكُلُّ ما اعتذروا به عن العمل والقول به؛ فهو مدفوع. قوله: (وقالوا: يكون نحوًا من خَمْسِ قِرَبٍ) جمع قِرْبَة، أي: يكون مقدار القلتين قريبًا من خمس قرب، وذلك نحو خمس مئة رَطلٍ كما في ((السبل)). وقال الجزري في ((النهاية)): القُلَّة الحُبُّ العظيم، والجَمْع: قلَالٌ، وهي معروفة بالحجاز، ومنه الحديث في صفة سدْرَة المنتَهى: ((نَبَقُّهَا مثل قلالِ هَجَرَ)). وهَجَرُ: قرية قريبة من المدينة، وليست هجر البَحْرَينِ، وكانت تعمل بها القِلالُ، تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء، سُمِّيت قلة؛ لأنها تقل، أي: ترفع وتحمل. انتهى كلام الجزري. ٢٣٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ البَوْلِ فِي المَاءِ الرَّاكِد ٥١- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ البَوْلِ في الماء الرَّاكِد [ت٥١، ٥١٢] [٦٨] (٦٨) حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ، حَدَّثَنَا عِبْدُ الرَّزَّاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن هَمَّامٍ بن مُنّبِّهٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبِيِّ ﴿ قَالَ: ((لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَتَوَضّأُ منهُ)). [خ بنحوه: ٢٣٩، م بنحوه: ٢٨٢، ن: ٥٧، د بنحوه: ٦٩، جه مختصراً: ٣٤٤، حم: ٧٤٧٣، مي بنحوه: ٧٣٠]. وقال الشيخ محمد طاهر في ((مجمع البحار)): القُلَّة: جرَّة عظيمة تَسَعُ خمس مئة رطلٍ. انتهى . ٥١- باب كَرَاهِيَة البَولِ في المَاءِ الزَّاكِدِ أي: الساكن الذي لا يجري. [٦٨] قوله: (عن همام بن منبه) بن كامل الأبناوي الصنعاني اليماني، عن أبي هريرة نسخة صحيحة، ومعاوية وابن عباس، وطائفة، وعنه: أخوه وهب ومعمر، وثّقه ابن معين، قال ابن سعد: مات سنة إحدى وثلاثين ومئة. قوله: (لا يبولنَّ) بفتح اللام وبنون التأكيد الثقيلة، (في الماء الدائم)، زاد في رواية البخاري: ((الذي لا يَجْري))، وهو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، (ثم يتوضأ منه) كذا في رواية الترمذي وأحمد وعبد الرَّزاق وابن أبي شيبة وابن حبَّان(١). وفي رواية الشيخين وغيرهما: (ثُمَّ يَغْتَسلُ فيه))، قال الحافظ في ((الفتح)): بضم اللام على المشهور، وقال ابن مالك: يجوز الجزمُ عطفًا على: ((يَبُولنَّ))؛ لأنه مجزوم الموضع بـ ((لا)) الناهية، ولكنه بني على الفتح لتوكيده بالنون. ومنع ذلك القرطبي، فقال: لو أريد النهيُ يقال: ((ثم لا يغتسلنَّ)) فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأن المحل الذي تواردا عليه شيءٌ واحد، وهو الماء، قال: فعدوله عن ذلك يدلُّ على أنه لم يُرد العطفَ، بل نبه على مآل الحال، والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يحتاجُ إليهِ، فيمتنعُ عليه استعماله، ومثله بقوله وَّ: ((لا يَضربنَّ أحدكُمُ امْرَأْتَهُ ضربَ الأمةِ، ثُم يُضَاجِعُهَا)) (٢)، فإنه لم يروه أحد بالجزم؛ لأن المراد النهيُ عن الضرب؛ لأنه يحتاج في (١) عبد الرزاق. حديث (٢٩٩)، وابن أبي شيبة (١٥٠٣)، وابن حبان. حديث (١٢٥١). (٢) يأتي في سنن الترمذي، كتاب التفسير (٣٣٤٣) من حديث عبد الله بن زمعة. ٢٣٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ البَوْلِ فِي المَاءِ الرَّاكِد مآل حاله إلى مضاجعتها؛ فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده، وتقديرُ اللفظ: ((ثُمَّ هُوَ يُضَاجِعُهَا))، وفي حديث الباب: (ثُمَّ هُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)). وتعقب: بأنه لا يلزمُ من تأكيد النهي ألَّا يعطف عليه نَهْيٌ آخر غير مؤكد، لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنّى ليس للآخر. قال القرطبي: ولا يجوزُ النَّصبُ؛ إذ لا تضمر ((أنْ)) بعد (ثُمَّ))، وأجازه ابن مالك بإعطاءٍ ((ثُمَ)) حکم ((الواو)). وتعقَّبه النووي: بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين دون إفراد أحدهما. وضعَّفه ابن دقيق العيد: بأنه لا يلزم أن يَدلَّ على الأحكام المتعدِّد لفظٌ واحدٌ، فيؤخذ النهيُ عن الجَمع بينهما من هذا الحديث إن ثَبَتَت روايةُ النصب، ويؤخذ النهيُ عن الإفراد من حديث آخر. قال الحافظ: وهو ما رواه مسلم(١) من حديث جابر عن النبيِّ وَّهِ: ((أنَّهُ نَهَى عَنِ البَولِ في المَاءِ الرَّاكدِ)»، وعنده من طريق أبي السائب عن أبي هريرة، بلفظ: ((لا يَغْتَسِل أحَدُكُم في الماءِ الدائم، وهو جُنُبٌ))(٢)، وروى أبو داود النهيَ عنهما في حديث واحد، ولفظه: ((لا يُيُولِنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ولا يَغتسل فيهِ مِنَ الجَنَابةِ)»(٣)، انتهى كلام الحافظ. فكل ما ذكر في ((يغتسل)) من الإعراب، يجري في ((يتوضأ)). والحديث بظاهره یدل على تنجُس الماء الراكد مطلقًا، قليلًا کان أو کثیرًا، لكنه ليس بمحمول على ظاهره بالاتفاق، قال العينيُّ في ((عمدة القاري)): هذا الحديث عامٌّ، فلا بد من تخصيصه اتفاقًا بالماء المتبخّر الذي لا يتحرَّك أحدُ طرفيه بتحريك الطرف الآخر، أو بحديث القُلَّتَيْنِ، كما ذهب إليه الشافعيُّ، أو بالعمومات الدالّة على طُهورية الماء ما لم يتغيَّر أحَدُ أوصافه الثلاثة، کما ذهب إليه مالك رحمه الله. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): لا فرق في الماء الذي لا يجري في الحُكْم المذكور بين بول الآدميِّ وغيره، خلافًا لبعض الحنابلة، ولا بَيْنَ أن يَبُول في الماء أو يبولَ في ماءٍ ثم يصبه (١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٨١). (٢) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٨٣). (٣) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٧٠). ٢٣٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَجِ / باب مَا جَاءَ فِي مَاءِ البَحْرِ أنَّهُ طَهُورٌ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفي البابِ عَن جَابِرٍ . ٥٢- باب مَا جَاءَ في مَاء البَحْرِ أنَّهُ طَهُورٌ [ت٥٢، ٥٢٢] [٦٩] (٦٩) حدثنا قُتَيْبَةُ، عَن مَالِكٍ ح. وَحَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعِنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَن صَفْوَانَ بن سُلَّيْمِ، فيه، خلافًا للظاهرية، وهذا كله محمول على الماءِ القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدِّ القليل، وقد تقدَّم قولُ مَن لا يعتبر إلَّا التغير وعدمه، وهو قوي، لكن الفَصْلَ بالقلتين أقوی لصحة الحدیث فیه. انتھی. قلت: الأمر عندي كما قال الحافظ، والله تعالى أعلم. قال: وَنُقِلَ عن مالك أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغيّر، وهو قول الباقين في الكثير، وقال القرطبي: يمكنُ حمله على التحريم مطلقًا على قاعدة سَدِّ الذريعة؛ لأنه يفضي إلى تَنْجِيسِ الماء. انتهى. قلت: ما قال القرطبيُّ حَسَنٌ جَيِّدٌ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري، بلفظ: ((لا يَبُولَنَّ أحدُكُم في الماءِ الدَّائمِ الذي لا يَجري، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ))، وأخرجه مسلم بهذا اللفظ إلَّا أن فيه: ((مِنْهُ)) مكان: ((فيه))، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه. قوله: (وفي الباب: عن جابر) أخرجه مسلم(١) مرفوعًا بلفظ: ((أنَّه نَهَى أن يُبَالَ فِي الماءِ الرَّاكِدِ)). وفي الباب أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: ((لا يَبُولنَّ أحَدُكُم في المَاءِ النَّاقِعِ))(٢). ٥٢- بَابُ مَا جَاءَ في مَاءِ البَحْرِ أنَّهُ طَهُورٌ [٦٩] قوله: (وحدثنا الأنصاري) هو: إسحاق بن موسى الأنصاري، وقد تقدَّم في ((باب ما جاء في فَضْل الظُهور)) أن الترمذيَّ إذا قال: ((الأنصاري)) يريد به إسحاق بن موسى الأنصاريَّ، (عن صفوان بن سُليم) بضم السين وفتح اللام، الزهري مولاهم، المدني، روى عن: ابن عمر، وأبي أمامة بن سهل، ومولاه حُمَيْد بن عبد الرحمن، وعنه: مالك والليث بن (١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٨١). (٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣٤٥). ٢٣٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهه / باب مَا جَاءَ فِي مَاءِ البَحْرِ أنَّهُ طَهُورٌ عَن سَعيدٍ بن سَلمَةَ - مِن آلِ ابن الأزْرَقِ - أنَّ المُغِيرَةَ بن أبي بُرْدَةَ - وهوَ مِن بَنِي عبد الدَّار - أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ أبا هريْرة، يَقُولُ: سأَلَ رجلٌ رسولَ الله وَّهِ، فَقَالَ: يا رسول الله، إنّا نَرْكَبُ البحْرَ ونَحْمِلُ مَعَنا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ: فَإِنْ تَوَضَّأنا بهِ عَطِشْنا، أَفَتَتَوَضّأُ مِن مَاءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((هوَ الطَّهُورُ سعد، وخلق، قال أحمد: ثقة، من خيار عباد الله الصالحين، يستشفى بحديثه، وينزل القطرُ من السماء بذكرهٍ، وقال أنس بن عياض: رأيت صفوان بن سُلَيْم، ولو قيل له: غدًا القيامةُ، ما كان عنده مزيدٌ على ما هو عليه من العبادة، مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومئة، كذا في ((الخلاصة))، قلت: هو من رجال الكتب الستة، (عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق) وثقه النسائي، (أن المغيرة بن أبي بردة) الكناني، روى عن: أبي هريرة، وعنه: سعيد بن سلمة، وثقه النسائي، كذا في ((الخلاصة)). قوله: (سأل رجل) سمى ابن بشكوال السائل: عبد الله المدلجيٍّ. وقال النووي في ((شرح المهذب)) اسمه: عُبَيْد، وقيل: عبد، قال: وأما قول السمعانيّ في ((الأنساب)): اسمه العَرَكيُّ، ففيه إيهام أن العَرَكيَّ اسم عَلَم له، وليس كذلك، بل العَرَكِيُّ وَصفٌ له، وهو ملَّاح السفينة، كذا في (( قوت المغتذي)). (إنا نركب البحر) زاد الحاكم: ((نُريدُ الصَّيد)) قال الزرقاني: المراد من البَحْر: المِلْحُ؛ لأنه المتوهّم فیه؛ لأنه مالح ومٌُّ، وریحه منتن. انتهى. (ونحمل معنا القليل من الماء) وفي رواية أحمد والحاكم والبيهقي: ((قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ رَّهِ يَومًا فَجَاءَ صَيَّادٌ، فقال: يَا رَسُولَ الهِ، إِنَّا نَنْطلِقُ في البَحْرِ، نُريدُ الصَّيدَ، فَيَحمِلُ أحَدُنَا مَعَهُ الإِدَاوَةَ، وَهُوَ يَرْجُو أن يَأْخُذَ الصَّيْدَ قريبًا، فَرُبَّمَا وَجَدَهُ كَذَلِكَ، وَرُبَّمَا لَم يَجِدِ الصَّيدَ حتَّى يَبْلُغَ مِنَ البَحْرِ مَكَانًا لَم يَظُنَّ أن يَبْلِغَهُ، فَلَعَّهُ يَحْتَلِمُ أو يَتَوضَّأ: فإن اغتَسلَ أو تَوَضَّأ بِهِذَا المَاءِ، فَلَعلَّ أحَدَنَا يُهْلِكُهُ العَطَشُ، فَهَل تَرَى في مَاءِ البَحْرِ أن نَغْتَسِلَ بهِ أو نَتَوَضَّأ إذَا خِفْنَا ذلك)) (١). (عَطِشْنَا) بِكسر الطاء، (هو الطهور) بفتح الطاء، أي: المطهّر؛ قال ابن الأثير في ((النهاية))، وقال المَجْد في ((القاموس)): الطَّهُورُ: المصدر، واسم ما يتطهّر به، أو الطاهر المطھِّر. انتهى. (١) أحمد. حديث (٨٨٥٥)، والحاكم. حديث (٤٩٣)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٢). ٢٣٦ أبواب الطهارة عن رسول اللّه وَله / باب مَا جَاءَ فِي مَاءِ البَحْرِ أنَّهُ طَهُورٌ مَاؤُهُ، الحِلَّ مَيْتَتُه)). [ن: ٥٩، د: ٨٣، جه: ٣٨٦، حم: ٨٥١٨، طا: ٤٣، مي: ٧٢٩]. قلتُ: المراد - هاهنا - هو المعنى الأخير، قال الزرقاني، أي: البالغ في الطهارة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ ◌َهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] أي: طاهرًا في ذاته مطهرًا لغيره، قال: ولم يقل في جوابه ((نَعَمْ)) مع حصول الغرض به، لِيَقْرِنَ الحكم بعلَّته، وهي الطهورية المتناهية في بابها. انتهى. قوله: (ماؤه) بالرفع فاعلُ الطَّهُور، (الحل) أي: الحَلال، كما في رواية الدار قطني عن جابر (١) وأنس(٢) وابن عمرو(٣)، (ميتته) بالرفع فاعل الحِلِّ. قال الرافعي: لما عَرَفَ بَّرِ اشتباهَ الأمرِ على السائل في ماء البحر، أَشْفَقَ أن يشتبه عليه حُكم ميتته، وقد يبتلى بها راكبُ البحرِ، فعقَّب الجوابَ عَن سؤاله ببيان حُكْمِ الميتة. وقال غيرُهُ: سأله عن مائِهِ، فأجابه عن مائه وطعامه؛ لعلمه بأنه قد يعوزهم الزادُ فيه كما يعوزهم الماء، فلما جمعَتْهُمُ الحاجة انتظمَ الجوابُ بهما . وقال ابن العربي: وذلك من محاسِنِ الفتوَى أن يُجاءَ في الجواب بأكثَرَ مما يُسألُ عنه؛ تتميمًا للفائدة وإفادةً لعلم آخر غير المسؤول عنه، ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحُكْم كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحل ميتته مع تقدُّم تحريم الميتة؛ أشدُّ توقفًا، قال الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير في ((السبل)): المراد بـ ((الميتة)): ما مات فيه من دوابِّه مما لا يعيشُ إلَّا فيه، لا ما مات فيه مطلقًا؛ فإنه وإن صدق عليه لغةً: أنه ميتة بَحْرٍ؛ فمعلوم أنه لا يُرادُ إلَّا ما ذكرنا، قال: وظاهره حلُّ كل ما مات فيه ولو كان کالكلب والخنزير. انتھی. قلت: اختلف أهلُ العلم في حلِّ غَيرِ السَّمكِ من دوابِّ البحر. فقال الحنفية: يحرم أكلُ ما سوى السَّمكِ. وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلَّ الصِّفدعَ والتِّمْسَاحَ. وقال ابن أبي ليلى ومالك: يباح كل ما في البحر. وذهب جماعة إلى أن ما له نظير من البر يؤكَلُ نظيره من حيوان البحر؛ مثل بقر الماء (١) الدارقطني (٣٤/١). حديث (١). (٢) الدارقطني (٣٥/١). حديث (٨). (٣) الدارقطني (٣٥/١). حديث (٧). ٢٣٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي مَاءِ البَحْر أنَّهُ طَهُورٌ ونحوه، ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر، مثل كلب الماء وخنزير الماء، فلا يحلُّ أكله. وعن الشافعية أقوالٌ: قال الحافظ في (الفتح)): لا خلافَ بين العلماء في حلِّ السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلف فيما كان على صورة حيوان البَرِّ؛ كالآدميٍّ والكلبِ والخنزير والثعبان: فعند الحنفية - وهو قول الشافعية - يحرم ما عدا السمك، وعن الشافعية: الحلُّ مطلقًا على الأصح المنصوص، وهو مذهب المالكية إلَّ الخنزيرَ في رواية. وحجتهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيّدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وحديث: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحلُّ مَيْتَتُهُ))، أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه ابن خُزَيْمة وابن حبَّانُ(١) وغيرهم. وعن الشافعية ما يؤكل نظيره في البر حَلالٌ وما لا فلا، واستثنوا على الأصحِّ ما يعيش في البحر والبر، وهو نوعان: النوع الأول: ما ورد في منع أكله شيء يخصُّه كالضفدع، وكذا استثناه أحمد للنَّهي عن قتله، ومن المستثنى أيضًا: التمساح، لكونه يعدو بِنَابهِ، ومثله القِرْشُ في البَحْرِ المِلْحِ، خلافًا لما أفتى به المُحبُّ الطبري، والتُّعبانُ والعَقْرَبُ والسَّرطانُ والسُّلْحَفَاةُ، للاستخباث والضَّرر اللاحق من السُّمِّ. النوع الثاني: ما لم يرد فيه مَانعٌ فيحلُّ أكله بشرط التذكية؛ كالبَطّ وطَيْرِ الماء. انتهى كلام الحافظ باختصار. وقال العيني في ((عمدة القاري)) ص ٣٠ ج ١: وعندنا يكره أكلُ ما سوى السَّمك من دوابّ البحر، كالسُّلحفاة والضِّفْدَع وخنزير الماء. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما سوى السَّمَكِ خبيثٌ، انتهى كلام العيني. وأجاب الحنفية عن قوله: ((الحلُّ مَيْتَتُهُ)) بأن المراد من الميتة السمكُ لا غيره؛ بدليل حديث ابن عمر ﴿يا قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أُحِلَّت لنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانٍ، فأمَّا المَيْتَتَانِ فالجَرَادُ وَالحُوتُ، وأمَّا الدَّمَانِ فالطِّحَالُ والكَبِدِ)) أخرجه أحمد وابن ماجه(٢). (١) مالك. حديث (٤٣)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٣٣٢)، وابن ماجه (٣٨٦)، وابن خزيمة. حديث (١١١)، وابن حبان. حديث (١٢٤٣). (٢) أحمد. حديث (٥٦٩٠)، وابن ماجه، كتاب الأطعمة. حديث (٣٣١٤). ٢٣٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاءَ فِي مَاءِ البَحْرِ أنَّهُ طَهُورٌ وقالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيّدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]: إنَّ المراد مِن صَيد البحر: مَصيدَاتُ البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل، والمراد من طعامه: ما يطعم من صيده، والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يُصادُ في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه، وهو السمكُ وحده. وقال مَن ذهب إلى حِلِّ جميع ما في البحر من دوابِّه مطلقًا أو مستثنيًا بعضها في تفسير قوله تعالى هذا: إن المراد بـ ﴿صَيِّدُ اُلْبَحْرِ﴾ ما صيد من البحر، والمراد من ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذفه البحر ورماه إلى الساحلِ، والمعنى: أحل لكم أكل جميع ما صدتم من البحر وما قذفه البحر، قال الخازن في ((تفسيره)): المراد بـ ((الصيد)) ما صيد من البحر، فأما طعامه: فاختلفوا فيه، فقيل: ما قذفه البحر ورمى به إلى الساحل، ويروى ذلك عن أبي بكر وابن عمر وأيوب وقتادة. وقيل: ﴿صَيْدُ اُلْبَحْرِ﴾ طريُّه، ﴿وَطَعَامُهُ﴾: مالحه، ويروى ذلك عن سعيد بن جُبَيْر وسعيد بن المسيِّب والسُّديِّ، ويروى عن ابن عباس ومجاهد كالقولين. انتهى. وقال الإمام البخاري في ((صحيحه))(١): قال عمر: صَيدُه: ما اصطيد، وطعامه: ما رمی به. قال الحافظ في ((الفتح)): وصله المصنّف في ((التاريخ)) وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال: لما قَدِمتُ البَحْرَينِ سألني أهلها عما قَذْفَ البَحْرُ، فأمرتهم أن يأكلوه، فلما قدمتُ على عمر، فذكر قصة قال: فقال عمر: قال الله عَزَّ وَجَلَّ في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيِّدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ [المائدة: ٩٦] فصيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف. فإذا عرفتَ هذا كله: فاعلم أن السمك بجميع أنواعه حلالٌ بلا شك، وأما غير السمك من سائر دوابٌّ البحر: فما كان منه ضارًّا يضرُّ أكله، أو مستخبئًا، أو ورد نصٌّ في منع أكله؛ فهو حرام. وأما ما لم يثبت بنصٍّ صريح أكله عن رَسُولِ اللهِ وَ ه أو عن الصحابة رُّ مع وجوده في ذلك العهد؛ فالاقتداء بهم في عدم الأكل هو المتعين، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)) ما لفظه: قال مولانا محمود حَسَن: إن الحِلَّ، أي: في قوله: ((الحلُّ مَيْتَتُهُ)) بمعنى الطاهر، وثَبَتَ الحلُّ بمعنى الطهارة كما في قصَّة صفية بنت حُبَيِّ: ((حَلَّت بالصَّهَبَاءِ))، أي: طهرت من الحيض. انتهى. (١) البخاري تعليقًا، كتاب الذبائح والصيد. باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. ٢٣٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي مَاءِ البَحْر أنَّهُ طَهُورٌ قلت: القولُ بأن المراد من الحِلِّ في قوله ◌َِّ: ((الحِلُّ مَيْتَتُهُ)) بمعنى: الطاهر، غير محمود، بل هو باطل جدًّا. أما أولًا، فلأنه لم يقل به أحد ممن قبله من أهل العلم الذين عليهم الاعتماد. وأما ثانيًا: فلأنه يلزم على هذا أن يكون لفظ الحل حشوًا لا طائل تحته، فإنه يكفي أن يقول: ((هو الطهور ماؤه وميتته)). وأما ثالثًا: فلأن ابن عمر أحَد رواة هذا الحديث عن النبيِّ وَّهِ قد فَهِمَ هو من لَفْظِ الحِلِّ الحلال دون الطهارة. ففي ((التلخيص)): وروى الدارقطني(١) من طريق عمرو بن دينار: عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، أنه سأل ابن عُمَرَ: ((آكُلُ ما طَفَا عَلَى المَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ طافيَه مَيْتَتُهُ))، وقال النبي ◌َّهِ: ((إن ماءَهُ طَهُورٌ وَمَيْتَتُهُ حِلٌّ)، فانظر: إن ابن عمر أراد من لفظ ((الحلال)) ضد ((الحرام)) دون معنى ((الطاهر))، وقد تقرَّر أن راوي الحديث أدرى بمعناه. وقال أيضًا: والمراد بـ ((الميتة)) غير المذبوح؛ فلا يدلُّ على حِلِّ الطافي، قال: وأثر أبي بكر الصديق في الطافي مضطربُ اللفظ. انتهى. قلت: القولُ بأن المراد بـ ((الميتة)) غير المذبوح؛ لئلا يدلّ على حلِّ الطافي مما لا يُصغَى إليه؛ فإن الطافي حلالٌ عند الجمهور، وهو الحقُّ والصواب، يدلُّ على حِلِّهِ ما أخرجه البخاري(٢) في ((صحيحه)) عن عمرو؛ أنه سَمِعَ جَابرًا يَقولُ: ((غزونا جَيشَ الخَبَطِ، وأمّر علينا أبو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعًا شديدًا، فألقى البَحْرُ حُوتًا ميتًا لم يرَ مثله، يقال: له العَنْبَرُ، فأكلنا منه نِصفَ شهر ... )) الحديث، ورواه مسلم أيضًا، وفي رواية عندهما: ((فلما قَدِمنَا المدينة، ذَكَرْنَا ذلك لرسُولِ اللهِ وَلِهِ، فقال: كُلُوا رزقًا أخْرَجَهُ اللهُ؛ أطعِمونَا إن كَانَ مَعكمْ، فأتاهُ بَعْضُهُم بِعُضوٍ فَأَكلهُ)) (٣)، قال الحافظ: يستفاد منه إباحةُ ميتة البحر، سواء مات بنفسه أو مات بالاصطياد، وهو قول الجمهور. انتهى. وقد تقدَّم قول عمر: ((صَيدهُ: ما اصطيد، وطعامه: ما رمى)). (١) الدارقطني (٢٦٧/٤). حديث (٢). (٢) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٣٦٢). (٣) البخاري، كتاب الشركة. حديث (٢٤٨٣)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٣٥). ٢٤٠ أبواب الطهارة عن رسول اللّه ◌َيِ / باب مَا جَاءَ فِي مَاء الْبَحْر أنَّهُ طَهُورٌ قَالَ: وفي البابِ عَن جَابِرٍ، والفِراسِيِّ. وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: ((الطّافِي حَلالٌ))؛ ذكره البخاريُّ(١) معلقًا؛ قال الحافظ: وصله أبو بكر بن أبي شيبة والطحاويُّ والدارقطني، من رواية عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس، قال: أشهدُ على أبي بكر؛ أنه قالَ: ((السَّمَكةُ الطَّافيةُ حَلالٌ))، زاد الطحاوي: ((لمن أرَادَ أكْلُهُ))، وللدارقطني(٢) من وجه آخر، عن ابن عباس عن أبي بكر: ((إنَّ الله ذَبَحَ لكم ما في البحرِ فَكُلُوه كُلَّهُ؛ فإنَّه ذكيّ)). وأما حديث جابر: ((ما ألقَاهُ البَحْرُ أو جَزَرَ عَنْهُ، فَكُلُوه، ومَا مَاتَ فيهِ فَطَفَا، فَلا تَأْكُلُوهُ)). أخرجه أبو داود(٣): فالصحيح أنه موقوفٌ؛ كما حقَّقه الحافظ في ((الفتح))، وقال: وإذا لم يصحَّ إلَّا موقوفًا، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياسُ يقتضي حِلَّهُ؛ لأنه سمك لو ماتَ في البر لأكل بغيرٍ تذكية، ولو نضب عنه الماء أو قتله سمكة أخرى فمات لأكِلَ، فكذلك إذا مات وهو في البحر. انتهى. وأما قوله: ((وأثرُ أبي بَكْرِ الصديق مضطربُ اللَّفظ))؛ فعجيبٌ جدًّا؛ فإنه لم يرو عنه أثر خلاف قوله: ((الطّافي حلالٌ))، البتة، وأما أثره بلفظ: ((إن اللهَ ذبح لكم ما في البَحْرِ ..... )) إلخ، فهو ليس ينافي أثره الأول. قوله: (وفي الباب: عن جابر) هو: ابن عبد الله (والفراسي) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبالمهملة، صحابي. أما حديث جابر: فأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبَّان والدارقطني والحاكم(٤)، من طريق عبيد الله بن مقْسَم، عنه، قال أبو عليٍّ بنُ السَّكن: حديث جابر أصحُّ ما روي في هذا الباب، ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٥) والدارقطني والحاكم من حديث المعافي بن عمران، عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبي الزبير، عن جابر؛ وإسناده حسن، ليس فيه إلَّ ما يخشى من التدليس. (١) البخاري، تعليقًا، كتاب الذبائح والصيد، باب قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، ووصله الدار قطني (٢٦٩/٤) (١٤)، وابن أبي شيبة (١٩٧٥٦). (٢) الدارقطني (٤/ ٢٧٠) (١٦). (٣) أبو داود، كتاب الأطعمة. حديث (٣٨١٥)، وابن ماجه (٣٢٤٧). (٤) أحمد. حديث (١٤٥٩٤)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٨٨)، وابن حبان. حديث (١٢٤٤)، والدارقطني (٣٤/١) (٣)، والحاكم. حديث (٥٠٠). (٥) الطبراني في ((الكبير)) (١٧٥٩).