النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَلفيه / باب مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ لِكلِّ صَلاةٍ الحَدِيثُ فقال: هَذَا إِسْنَادٌ مَشْرِقِيٍّ. قَالَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن الحَسَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن حَنْبلٍ يَقُولُ: ما رأيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بن سعيدِ القَطَّان. [٦٠] (٦٠) حدثنا مُحمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سعيدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ - هو: ابنُ مَهْدِيٍّ - قالا: حَدَّثَنَا سُفْيانُ بن سَعيدٍ، عَن عَمْرِو بن عَامِرٍ الأنْصارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ ابن مالِكٍ يَقُول: كَانَ النَّبِيُّ ◌َةِ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، أبو الحسن بن المديني، البصري، ثقة، ثَبْتُ، إمام، أعلَمُ أهلِ عصره بالحديث وعِلَلهِ، حتى قال البخاري: ما استصغَرْتُ نفسي إلَّا عنده، وقال القطّان: كنا نستفيدُ منه أكثر مما يستفيدُ منا، وكذلك قال شيخه ابن عيينة، وقال النسائي: كأن الله خلق عليًّا لهذا الشأن. قوله: (هذا إسناد مشرقي) أي: رواة هذا الحديث أهلُ المشرق، وهم أهل الكوفة والبصرة، كذا في بعض الحواشي. [٦٠] قوله: (نا يحيى بن سعيد) هو القطان، (نا سفيان بن سعيد) هو: الثوري، (عن عمرو بن عامر الأنصاري) الكوفي، ثقة. قوله: (كان النبيِ وَال﴿ يتوضأُ عند كل صلاة) قال الحافظ، أي: مفروضة، وظاهرهُ: أن تلك كانت عادَتُهُ، قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه خاصَّة، ثم نسخ يوم الفتح بحديث بُرَيْدَة، يعني: الذي أخرجه مسلم(١)؛ ((أنه ◌َّةِ صَلَّى الصَّلَوَات يومَ الفَتْحِ بوضُوء واحدٍ))، قال: ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا، ثم خَشِيَ أن يُظَنَّ وجُوبُهُ، فتركه؛ لبيان الجواز، قال الحافظ: وهذا أقرب، وعلى التقدير الأول: فالنسخ كان قبل الفتح، بدليل حديث سويد بن النعمان، فإنه كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمان. انتهى. قلت: وحديث سُوَيْد بن النعمان الذي أشار إليه الحافظ: أخرجه البخاري(٢) وغيره، قال: ((خَرَجْنَا مع رَسُولِ اللهِ وَهِ عامَ خَيْبَرَ حتَّى إذَا كُنَّا بالصَّهباءِ، صلَّى لنَا رَسُولُ اللهِ وَه العَصْر، فلمَّا صلَّى دعا بالأَطْعِمَة، فلَم يُؤْتَ إلَّا بالسَّويق، فأكَلْنَا، وشَرِبْنَا، ثمَّ قامَ النَّبِيُّ وَه إلى المَغْرِبِ فَمَضمَضَ، ثُمَّ صلَّى لنَا المَغْرِبَ، ولم يَتَوضَّأ)). (١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٧٧). (٢) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢١٥). ٢٠٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَاله / باب مَا جَاءَ أنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ قُلْتُ: فَأَنْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ. [خ: ٢١٤، ن: ١٣١، د: ١٧١، جه: ٥٠٩، حم: ١١٩٣٧، مي: ٧٢٠]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ حُمَيْدٍ، عَن أنَسٍ حَدِيثٌ جید غَرِيبٌ حَسَنٌ. ٤٥- باب مَا جَاءَ أنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ [ت٤٥، ٤٥٢] [٦١] (٦١) حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ مَهْدِيٍّ، عَن سُفْيَانَ، عَنِ عِلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَن سُلَيمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَن أبيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ، فَلَمَّا كَانَ عامَ الفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ كُلَّها بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ومَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًاً لَمْ تَكُنْ فَعَلْتَهُ؟ قَالَ: ((عَمْداً صَنَعْتُهُ)). [م: ٢٧٧، ن: ١٣٣، د: ١٧٢، جه مختصراً: ٥١٠، حم: ٢٢٤٦٤]. (قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟) في رواية البخاري(١): قلتُ: ((كَيْفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ؟» والقائل: عمرو بن عامر، والمراد الصحابة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري وغيره. ٤٥- بَابٌ مَا جَاءَ أنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوضُوءٍ واحِدٍ [٦١] قوله: (عن سفيان) هو: ابن سعيد الثوري، (عن علقمة بن مرثد) بفتح الميم والثاء وسكون الراء بينهما، وثَّقه أحمد والنسائي. قوله: (عمدًا صنعته) أي: لبيان الجواز، قال القاري في ((المرقاة شرح المشكاة)) الضمير راجع للمذكور، وهو: ((جمعُ الصلوات الخمس بوُضُوء واحدٍ والمَسْحُ عَلَى الخُقَّين))، ((وعمدًا)) تمييز أو حالٌ من الفاعل؛ فقُدِّم اهتمامًا بشرعية المسألتين في الدِّين واختصاصهما، ردًّا لزعم من لا يرى المسح على الخفين، وفيه دليل على أن من يقدِرُ أن يصلِّي صلواتٍ كثيرةٍ بوضوء واحد؛ لا تكره صلاته إلَّا أن يَغْلِبَ عليه الأخْبَثَانِ، كذا ذكره الشراح. لكن رجوع الضمير إلى مجموع الأمرين؛ يُوهِمُ أنه لم يكن يَمْسَحُ على الخُفَّيْنِ قبل (١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢١٤). ٢٠٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ أنَّهُ يُصَلِّ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وروَى هذا الحَدِيثَ عِلِيُّ بنُ قادِمِ، عَن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وزَادَ فِيهِ: تَوَضَّأَ مَرّةً مَرّةً. قَالَ: وَرَوَى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ هَذَا الحَدِيثَ أيْضاً عَن مُحارِبٍ بنِ دِثارٍ، عَن سلَيْمانَ بنِ بُرَيْدَةَ: أنَّ النَّبِيِّ وَهَ كَانَ يَتَوضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ. ورَواهُ وكِيعُ، عَن سفْيَانَ، عَن مُحارِبٍ، عَن سلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَن أبِيهِ. قَالَ: ورَوَاهُ عبد الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ عَن سفْيَانَ، عَن مُحارِبٍ بنِ دِثارٍ، عَن سلَيْمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ مُرْسِلًا وهَذَا أَصَحُ مَن حدِيثِ وكِيعٍ. الفتح، والحالُ أنه ليس كذلك، فالوجه: أن يكون الضمير راجعًا إلى الجَمْعِ فقط، أي: جمع الصلوات بوضوء واحد. انتهى كلامه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح): وأخرجه مسلم والنسائي(١) وابن ماجه. قوله: (وروى هذا الحديث علي بن قادم) الخزاعيُّ الكوفيُّ، صدوق، (وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضًا عن محارب بن دثار) أي: كما رواه عن علقمة بن مرثد، فهذا الحديث - عند سفيان - عن شيخين: علقمة بن مرثد، ومحارب بن دثار، كلاهما عن سليمان بن بُرَيْدَة (مرسل) أي: هذا مرسل، وفي نسخة قلمية صحيحة: ((مرسلًا)) وهو الظاهر. (وهذا أصح من حديث وكيع) أي: هذا المرسل الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي وغيرُه، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، بدون ذكر: ((عن أبيه))؛ أصحُّ من حديث وكيع الذي رواه عن سفيان، عن محارب، مسندًا بذكر: ((عن أبيه))، ووجه كون المرسَل أصحُّ؛ لأن رواته أكثرُ، والمرسلُ: قول التابعيّ: ((قال رسُولُ اللهِ وَّهِ كذا أو فعل كذا))، والمسند: ما اتَّصل سنده مرفوعًا إلى رسول الله وَّلـ تنبيه: اعلم أن سفيان رَوَى هذا الحديث عن شيخين، علقمةً بن مرثد، ومحارِب بنِ دثَارٍ، واختلاف أصحاب سفيان في روايته مرسلًا ومسندًا: إنما هو في روايته عن محارب لا في روايته عن علقمة؛ فإن أصحابه لا يختلفون في روايته عن علقمة في الإسناد والإرسال، بل كلهم متفقون في روايته مسندًا، وهذا ظاهر على مَن وَقَفَ على طرق الحديث، ولم يَقِف (١) النسائي في ((الكبرى)). حديث (١٣٤). ٢٠٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاءَ أنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ والعَمَلُ عَلَى هَذَا عندَ أهلِ العِلْمِ: أنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ: اسْتِحْبَاباً وإرادَةَ الفَضْلِ. وَيُرْوَى عَن الإفريقيِّ، عَن أبِي غُطَيْفٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((مَن تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ الله لَهُ به عَشْرَ حَسَنَاتٍ)). وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ. [ر: ٥٩]. على هذا صاحبُ ((الطيب الشذي)) فاعترض على الترمذيِّ، حيث قال: ولعلَّ الحقَّ خلافه، ثم هذا المعترض يظنُّ أن بين الإرسالِ والرفع منافاةً، فإنه قال في شرح قول الترمذي: ((وهذا أصحُّ من حديث وكيع)) أي: روايةُ الإرسال أصحُ من رواية الرفع: وجه الصحة كونُ المرسِلِینَ أکثرَ ممن رفعه. انتھی. والأمر ليس كذلك؛ وهذا ظاهر، فإن رواية الإرسال أيضًا مرفوعة. قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم ... إلخ) قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)): في هذا الحديث أنواعٌ من العلم؛ منها جوازُ الصلوات المفروضات والنوافل بوضوءٍ واحد ما لم يحدث، وهذا جائز بإجماع من يعتدُّ به، وحكى الطحاويُّ وابن بظَّال عن طائفة، أنهم قالوا: يجبُ الوضوء لكلِّ صلاة، وإن كان متطهِّرًا، واحتجُوا بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وما أظنُّ هذا المذهَب يصحُّ عن أحد، ولعلَّهم أرادوا استحبابَ تجديد الوضوء عند كل صلاة، ودليلُ الجمهور: الأحاديث الصحيحة، منها: هذا الحديث، وحديث أنس، وحديث سويد بن النعمان، وفي معناه أحاديثُ كثيرةٌ، وأما الآية الكريمة: فالمراد بها - والله أعلم - إذا قمتم مُحْدِثينَ. انتهى کلام النووي مختصرًا . وقال الحافظ في ((الفتح)): اختلف السلفُ في معنى الآية، فقال الأكثرون: التقديرُ: إذا قمتم إلى الصلاة مُحْدثينَ، وقال آخرون: بل الأمرُ على عمومه من غير تقدير حذفٍ، إلَّا أنَّه في حَقِّ المُحْدِث: على الإيجاب، وفي حق غيره: على النَّدب، وقال بعضهم: كان على الإيجاب، ثم نسخ، فصار مندوبًا، ويدلُّ لهذا ما رواه أحمد وأبو داود(١) عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري، ((أن رَسُولَ اللهِ وَّهِ أُمرَ بالوضُوءِ لِكُلِّ صلاةٍ، طاهرًا كانَ أو غَيْرَ طَاهرٍ، فلمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وُضِعَ عَنْهُ الوضُوءُ إلَّا مِن حَدَثٍ))، ولمسلم (٢) من حديث بُرَيْدة: ((كان النَّبيُّ (١) أحمد. حديث (٢١٤٥٣)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٤٨). (٢) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٧٧). ٢٠٥ أبواب الطهارة عن رسول الله يهديه / باب مَا جَاءَ فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ وَالمَرأةِ مِن إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَفِي البَابِ عَنِ جَابِر بْنِ عَبْدِ الله: أنَّ النَّبِيَّ وَِّ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. ٤٦- باب مَا جَاءَ في وُضُوءِ الرَّجُلِ وَالمَرأةِ مِن إنَاءٍ وَاحِدٍ [ت٤٦، ٤٦٢] [٦٢] (٦٢) حدثنا ابْنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن عَمْرِو بْنِ دينارٍ، عَن أبي الشَّعثاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ، قَالَت: كُنْتُ أغْتَسلُ أنا وَرسولُ اللهِ وَظَلَّ مِن إناءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنابَةِ. [خ: ٢٦٣، م: ٣٢٢، ن: ٢٣٦، د: ٧٧، جه: ٣٧٧، حم: ٢٦٢٥٧، مي: ٧٤٩] . وَّهِ يَتَوَضَّأ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ فلمَّا كان يومُ الفَتْحِ صَلَّى الصَّلواتِ بِوضُوءٍ واحدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ فَعَلتَ شيئًا لم تَكُنْ تَفْعِلُهُ! فَقالَ: عمدًا فَعَلْتُهُ(١))) أي: لبيان الجواز، وسيأتي، حديث أنس في ذلك. انتهى كلام الحافظ. قلت: (وإرادة الفضل) بالنصب: عطف على ((استحبابًا)) أي: وطلبًا للفضيلة والثواب، لا على الوجوب. قوله: (وفي الباب عن جابر بن عبد الله) أخرجه ابن ماجه(٢). ٤٦ - بَابٌ: في وضُوءِ الرَّجُلِ والمرْأةِ مِن إِنَاءٍ واحِدٍ [٦٢] قوله: (عن عمرو بن دينار) المكي أبي محمد الأثرم الجُمَحِيِّ مولاهم، ثقة ثَبْتُ، من الرابعة، (عن أبي الشعثاء) اسمه جابر بن زيد الأزدي ثم الجَوفي البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)) روى عن ابن عباس، فأكثر، ومعاوية، وابن عمر، وعنه: عمرو بن دينار، وقتادة، وخلق، قال ابن عباس: هو من العلماء. انتهى. قوله: (وضوء الرجل) بضم الواو؛ لأن المراد الفعل. قوله: (كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله وَّهِ) يحتملُ أن يكونَ مفعولًا معه، ويحتمل أن يكون عطفًا على الضمير، وهو: من باب تغليب المتكلِّم على الغائب؛ لكونها هي السبب في الاغتسال، فكأنها أصل في الباب؛ قاله الحافظ. (١) عند مسلم: ((عمدًا صنعته)). (٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥١١). ٢٠٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ وَالمَرأةِ مِن إِنَاءٍ وَاحِدٍ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهو قَوْلُ عَامَّةِ الفُقَهاءِ: أنْ لا بَأُسَ أنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ مِن إناءٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَليٍّ، وعَائِشَةَ، وَأَنَسٍٍ، وَأُمِّ هانِيٍ، وَأُمّ صُبيَّةَ الجُهَنِيَّةِ، وَأَمِّ سَلَمَةَ، وابنِ عُمَرَ. قَالَ أَبُو عيسى: وأبُو الشَّعثَاءِ اسْمُهُ: جَابِرُ بنُ زَيْدٍ . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: (وهو قول عامة الفقهاء .... إلخ) قال النووي في ((شرح مسلم)): وأما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو: جائز؛ بإجماع المسلمين، لهذه الأحاديث التي في الباب. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): نقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، أنه كان يَنْهَى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قَوم، وهذا الحديث حُجَّة عليهم. انتهى. وَتَعَقَّبَ العيني على الحافظ، فقال: في نظره نظر؛ لأنهم قالوا: ((بالاتفاق)) دون الإجماع، فهذا القائل لم يَعْرف الفرق بين الاتفاق والإجماع. انتهى كلام العيني. قلت: قال النووي: هو جائز بإجماع المسلمين، كما عرفت، فنظر الحافظ صحيحٌ بلا مرية، ونظر العيني مردودٌ عليه. قوله: (وفي الباب: عن علي، وعائشة، وأنس، وأم هانئ، وأم صُبَيَّة، وأم سلمة، وابن عمر): أما حديث علي فأخرجه أحمد (١)، وأما حديث عائشة، وأنس فأخرجه البخاري (٢) وغيره، وأما حديث أم هانئ فأخرجه النسائي(٣)، وأما حديث أمِّ صُبَيَّة؛ بصاد مهملة وموحّدة مصغرًا: فأخرجه أبو داود والطحاوي(٤)، وأما حديث أم سلمة، فأخرجه ابن ماجه والطحاوي(٥)، وأما حديث ابن عمر: فأخرجه مالك في ((الموطأ)) والنسائي وابن ماجه(٦). (١) أحمد. حديث (٥٧٣). (٢) تقدم ذكره مرارًا . (٣) النسائي، كتاب الطهارة. حديث (٢٤٠). (٤) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٧٨)، والطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٩١). (٥) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٨٠)، والطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٨٥). وأخرجه البخاري، كتاب الحيض. حديث (٣٢٢) فعزوه للصحيح أولى. (٦) مالك. حديث (٤٦)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (٧١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٨١). ٢٠٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ فَضْلٍ طَهُورِ المَرأة ٤٧- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ فَضْلٍ طَهُورِ المَرأة [ت٤٧، ٤٧٢] [٦٣] (٦٣) حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وكِيعٌ، عَن سُفْيانَ، عَن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَن أبِي حَاجِبٍ، عَن رَجُلٍ مِن بَنِي غِفَارٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهُ عَن فَضْلٍ طَهُورِ المَرأةِ. [حم: ٢٠١٣٢]. قَالَ: وفي البابِ عَن عَبْدِ الله بْنِ سَرْجسٍ. ٤٧ - بَابُ كَرَاهِیةٍ فَضْلٍ طَهُورِ المرأةِ [٦٣] قوله: (عن سفيان) هو: الثوري، (عن سليمان التيمي) هو: ابن طَرْخَان، أبو المعتمر، البصري، نزل في التيم، فنسب إليهم، ثقة، عابد من الرابعة، (عن أبي حاجب) اسمه: سوادة بن عاصم العَنَزِيّ البصري، صدوق، يقال: إن مسلمًا أخرج له، من الثالثة، (عن رجل من بني غفار) هو: الحكم بن عمرو؛ قاله الحافظ. قوله: (عن فضل طهور المرأة) أي: عما فضل من الماء بعد ما توضَّأتِ المرأة منه. قوله: (وفي الباب: عن عبد الله بن سرجس) بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة، صحابي، سكن البصرة، وحديثه أخرجه ابن ماجه(١) بلفظ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلّ أن يغتسل الرجلُ بِفَضْلٍ وَضُوءِ المَرْأَةِ، والمَرْأةُ بِفَضْلِ الرَّجلِ، ولكن يشرعان جميعًا)). قال ابن ماجه - بعد إخراجه - ما لفظه: الصحيح هو الأول، والثاني وَهمٌ. انتهى. قلت: أراد بالأول حديثَ الحكم بن عمرو الآتي؛ فإنه أخرجه قبل حديث عبد الله بن سَرْجِس، وأراد بالثاني حديثَ عبد الله بن سرجس، وفي الباب: ما أخرجه أبو داود والنسائي(٢) من طريق حُمْيْد بن عبد الرحمن الحميري، قال: ((لقيت رجلًا صَحبَ النبيَّ ◌َّ أربع سنين، فقال: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَن تَغْتَسلَ المَرْأةُ بِفَضْلِ الرَّجلِ، ويَغْتَسِلَ الرَّجل بِفَضلِ المَرْأةِ، ولَيَغْتَرِفَا جَميعًا)). قال في ((الفتح)): رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعلَّه على حُجَّة قوية. انتهى. وقال في ((البلوغ)): إسناده صحيح، قال أحمد: قيده بما إذا خَلَت به؛ لأن أحاديث الباب ظاهرةٌ في الجواز إذا اجتمعا، ونقل الميمونيُّ عن أحمد، أن الأحاديث الواردة في منع التَطهُّر بفَضْل (١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٧٤). (٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٨١)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث (٢٣٨). ٢٠٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَالِ مِ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ فَضْلٍ لَهُورِ المَرأة قَالَ أبُو عِيْسَى: وكَرِهَ بعضُ الفُقَهاءِ الوُضُوءَ بِفَضْلٍ طَهُورِ المَرْأةِ. وهُو قَولُ أحْمَدَ وإِسْحَاقَ: كَرِهَا فَضْلَ طَهُورِهَا، ولَمْ يَرَيَا بفضْلِ سُؤْرِهَا بَأْساً. [٦٤] (٦٤) حدثنا مُحمَّدُ بن بَشَّارٍ ومَحْمُودُ بن غَيْلانَ قالا: حَدَّثَنَا أبو دَاوُد، عَن شُعبَةَ، عَن عَاصِم، قَالَ: سَمِعْتُ أبا حَاجِبٍ يُحَدِّثُ عنِ الحَكَم بن عَمْرٍو الغِفارِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ وَلَ نَهَى أنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورِ المَرْأةِ أوْ قَالَ: بِسُؤْرِها . [د: ٨٢]. المرأة، وفي جواز ذلك مضطربةٌ، قال: لكن صحَّ عن عدَّة من الصحابة المَنْعُ فيما إذا خَلَت به، وعُورِضَ بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة؛ منهم: ابن عباس، والله أعلم. انتهى. اعلم أن لأحمد في هذه المسألة قولين؛ أحدهما: هذا الذي ذكره الترمذي؛ وهو المشهور، والثاني: كقول الجمهور، قال ابن قدامة في ((المغني)): اختلفت الرواية عن أحمد، والمشهور عنه: أنه لا يجوِّز ذلك إذا خَلَت به، والثانية: يجوز الوضوءُ به للرجال والنساء، اختارها ابن عَقِيلٍ، وهو قول أكثر أهل العلم. قوله: (وكره بعض أهل العلم الوضوءَ بفَضْل المرأة، وهو قول أحمد وإسحاق .... إلخ). قال الحافظ في ((الفتح)): صح عن: ((عبد الله بن سَرجِس الصحابيِّ، وسعيد بن المسيِّب، والحسن البصري؛ أنهم منعوا التطهُّر بفضل المرأة وبه)). [٦٤] قوله: (قالا: نا أبو داود) هو: الطيالسي، ففي رواية أبي داود: ((حدثنا ابن بَشَار، قال: حدثنا أبو داود، يعني: الطيالسي)) وأبو داود الطيالسيُّ اسمه: سليمان بن داود بن الجارود البصريُّ، أحد حفاظ الإسلام، والطيالسي بفتح الطاء وخفة التحتية وكسر اللام: منسوب إلى بيع الطَّيالسةِ، جمع طيلسان، وهو نوع من الأردية، (عن عاصم) هو: ابن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال أحمد: ثقة، من الحفاظ، (عن الحكم) بفتح الحاء والكاف (ابن عمرو الغفاري)، ويقال له: الحكم بن الأقرع، صحابي، نزل البصرة. قوله: (نهى عن أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) قيل: النهي محمولٌ على التنزيه، بقرينة أحاديث الجواز الآتية في الباب الآتي، (أو قال) وقال: (بسؤرها)؛ شكٌّ من شعبة. ٢٠٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَاله / باب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِك قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌّ، وأبو حَاجِبٍ اسْمُهُ: سَوَادَةُ بنُ عَاصِمِ. وقال مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ في حَديثِهِ: نَهَى رسولُ الله ◌ِيَةِ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجلُ بِفَضْلٍ طَّهُورِ المَرْأةِ. ولَمْ يَشُكَّ فِيهِ مُحمَّدُ بنُ بَشّارٍ. [ن: ٣٤٢، جه: ٣٧٣، حم: ١٧٤٠٧]. ٤٨- باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في ذَلِك [ت٤٨، ٤٨٢] [٦٥] (٦٥) حدثنا قُتَيْبةُ، حَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ، عَن سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عَن عِكْرِمةَ، عنِ ابن عبّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أزْواج النَّبِيِّ نَّهَ في جَفْنَةٍ، فَأَرادَ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ يَتَوَضأَ مِنْهُ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ الله! إنِّي كُنْتُ جُنُباً، فَقَالَ: ((إنَّ المَاء لا يُجْنِبُ)). [د: ٦٨، جه: ٣٧٠]. قوله: (هذا حديث حسن) قال الحافظ في ((الفتح)): حديث الحكم بن عمرو أخرجه أصحاب السنن، وحسَّنه الترمذيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان، وأغرب النووي، فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه. ٤٨ - بَابُ الرُّخْصَة في ذلِك [٦٥] قوله: (نا أبو الأحوص) اسمه سلام بن سُلَيْم الكوفي الحافظ، قال ابن معين: ثقة، متقن، (عن عكرمة) هو: عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس، أصله بَرْبَرِيٌّ، ثقةٌ تَبْتُ عَالِمٌ بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، كذا في ((التقريب)). قوله: (بعض أزواج النبي (وَ ل18) هي: ميمونة رَّا؛ لما أخرجه الدار قطنيُّ(١) من حديث ابن عباس عن ميمونة، قالت: ((أجنبتُ فاغتسلتُ من جَفْنَة، ففَضَلت فيها فَضْلٌ، فجاء النبيُّ وَّ، يغتسلُ منه، فقلت له، فقال: الماءُ ليسَ عَلَيهِ جَنَابةٌ، واغتسل منه)). (في جفنة) بفتح الجيم وسكون الفاء، أي: قصعة كبيرة، وجمعه جِفان، (إني كنت جنبًا) بضم الجيم والنون، والجنابة: معروفة، يقال منها: أَجْنَبَ بالألف وجَنُبَ على وزن قَرُبَ، فهو جُنُبُّ، ويطلق على الذكر والأنثى والمفرد والتثنية والجمع، (إن الماء لا يُجْنِبُ) بضم الياء وكسر النون ويجوز فتح الياء وضم النون، قال الزعفراني: أي: لا يصير جنبًا؛ كذا في ((المرقاة)). وحديث ابن عباس هذا: يدلُّ على جواز التطهُّر بفضل المرأة، وحديث الحَكَم بن عمرو (١) الدارقطني (٥٢/١). حديث (٣). ٢١٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِك قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو قَوْلُ سفْيانَ الثوْرِيِّ ومَالِكٍ والشَّافِعيِّ. الغفاريِّ الذي تقدَّم في الباب المتقدِّم يدل على النهي عن ذلك، وقد جُمِعَ بينهما بأن النهي محمولٌ على ما تساقط من الأعضاء؛ لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء؛ وبذلك جَمَعَ الخَطَّابي، وبأن النهي محمولٌ على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز، قيل: إن قول بعضٍ أزواج النبي ◌َّهِ: ((إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا)) عند إرادته وَّرَ التوضؤ بفضلها؛ يدل على أن النَّهي كان متقدِّمًا؛ فحديث الجواز ناسخٌ لحديث النهي، والله تعالى أعلم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وقال الحافظ في ((البلوغ)): وصحَّحه ابن خزيمة، وقال في ((الفتح)): وقد أعله قومٌ بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين؛ لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحملُ عن مشايخه إلَّا صحیح حدیثهم. انتھی. وأخرج أحمد ومسلم(١) عن ابن عباس؛ ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يَغْتَسِل بِفَضْلٍ مَيْمُونَةَ))، وأخرج أحمد وابن ماجه(٢) عن ابن عباس عن ميمونة؛ ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرَ تَوَضَّأْ بِفَضْلٍ غُسْلِهَا مِنَ الجَنَابةِ)). قوله: (وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي)؛ قال النووي في ((شرح مسلم)): وأما تطهير الرجل بفضلها، فهو جائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء؛ سواء خَلَت به أو لم تَخْلُ، قال بعض أصحابنا: ولا كراهة في ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة به، وذهب أحمد بن حنبل وداود: إلى أنها إذا خَلَت بالماء واستعملته، لا يجوز للرجل استعمالُ فضلها، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري، وروي عن أحمد كمذهبنا، وروي عن الحسن وسعيد بن المسيِّب كراهة فضلها مطلقًا، والمختار: ما قاله الجماهير؛ لهذه الأحاديث الصحيحة في تطهيره وَّيم مع أزواجه، وكُلُّ واحد منهما يستعمل فضل صاحبه، ولا تأثير للخَلوَةِ. انتهى. قلت: هذا الاختلافُ في تطهير الرجل بفَضْلِ المرأة، وأما تطهير المرأة بفَضْل الرجل، فقال النووي: جائز بالإجماع، وتعقّبه الحافظ: بأن الطحاويَّ قد أثْبَتَ فيه الخلاف، واعلم: (١) أحمد. حديث (٣٤٥٥)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٢٣). (٢) أحمد. حديث (٢٦٢٦١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. وسننها. حديث (٣٧٢). ٢١١ أبواب الطهارة عن رسول الله وَل﴿و / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ٤٩- باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ [ت٤٩، ٤٩٢] [٦٦] (٦٦) حدثنا هَنَّادٌ والحسَنُ بن علِيِّ الخَلَّالُ وغَيْرُ واحِدٍ قالوا: حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَن الوَليدِ بنِ كَثِيرٍ، عَن مُحَمَّدِ بن گَعْبٍ، أن الإمام أحمد ومن تبعه حَمَلوا حديث ميمونة على أنها لم تَخْلُ به، قال ابن تيمية في ((المنتقى)): أكثر أهل العلم على الرخصة للرجُلِ من فَضلِ طهور المرأة، والأخبار بذلك أصحُ، وكرهه أحمد وإسحاق إذا خلت به، وهو قول عبد الله بن سرجس، وحملوا حديث میمونة على أنها لم تخلُ به جمعًا بینه وبین حدیث الحكم. انتهى. قلت: في هذا الحمل نَظَرٌ، فإن الخَلوَة عند الإمام أحمد كما في ((المغني)) لابن قدامة: استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل في استعماله؛ لأن أحمد قال: إذا خَلَت به فلا يُعْجبُني أن يغتسل به، وإذا شرعا فيه جميعًا فلا بأس به، وظاهر أن ميمونة ﴿ّا خَلَت به، كيف هو وقد قالت: ((أَجْنَبْتُ فَاغْتَسلتُ من جفنةٍ، فَفَضَلَت فيها فَضْلَةٌ فجَاءَ النَّبِيُّ وَلَّهِ .. )) إلخ، كما في رواية الدارقطني(١)، فكيف يصحُّ حمل حديث ميمونة على أنها لم تَخْلُ به، وأما ما نقل الميمونيُّ عن أحمد من أنه قال: الأحاديثُ من الطرَفَيْن مضطربةٌ، فأجاب عنه الحافظُ: بأنه إنما يصار إليه عند تعذّر الجمع، وهو ممكنٌ بأن يحملُ أحاديث النهي على ما تَسَاقَطَ من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، أو يحمل النهي على التنزيه. جمعًا بين الأدلة. انتهى. قلت: حمل النهي على التنزيه هو أولى، والله تعالى أعلم. ٤٩- بَابٌ مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ [٦٦] قوله: (والحسن بن علي الخلال) الحُلوانيُّ الرَّحانيّ المكي، روى عن: عبد الرزاق، ووكيع، وعبد الصمد، وخلق، وعنه: الأئمة الستة، كان ثقة ثبتًا متقنًا، توفي بمكة سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومئتين، (نا أبو أسامة) هو: حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة ثَبْتٌ، ربما دلَّس، وكان بآخره يحدِّث من كتب غيره، من کبار التاسعة، مات سنة (٢٠١) إحدى ومئتين، وهو ابن ثمانين، (عن الوليد بن كثير) المدني ثم الكوفي، وثقه ابن معين وأبو داود، (عن محمد بن كعب) بن سُلَيْم بن أسد القرظي المدني، (١) الدارقطني (٥٢/١). حديث (٣). ٢١٢ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ عَنِ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن رَافعٍ بن خَدِيجٍ، عَن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قيلَ: يا رسول الله، أنَتوَضَّأُ مِن بِثْرِ بُضَاعةَ، وهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فيها الحِيَضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتْرُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ : وكان قد نزل الكوفة مدة، ثقة، عالم، من الثالثة، ولد سنة (٤٠) أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي ◌َّر؛ كذا في ((التقريب)). (عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَدِيجٍ) قال الحافظ في ((التقريب)): عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَدِيج يأتي في عُبَيْد الله بن عبد الرحمن، ثم قال فيه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري، ويقال: ابن عبد الله، هو راوي حديث بِتْرِ بُضَاعة، مستورٌ، من الرابعة. انتهى. قلت: فالحق أنه ليس بمستور كما ستعرف. (عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ) بضم الخاء المعجمة، اسمه: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري، له ولأبيه صحبة، استصغر بأُحُدٍ، ثم شهد ما بعدها، وروى الكثير، ماتَ بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين؛ كذا في ((التقريب)). قوله: (قيل: يا رسول الله أنتوضأ) كذا في النسخ الحاضرة بالنون والتاء بصيغة المتكلِّم مع الغير، قال الحافظ في ((التلخيص)): قوله: ((أتتوضأ)) بتاءين: خطاب للنبي وَّل. انتهى. قلت: والظاهر هو ما قال الحافظ؛ ففي رواية قاسم بن أصْبَغ في ((مصنَّفه)): ((قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّك تَتَوضَّأ من بِتْرِ بُضَاعَةَ .... )) الحديث، (من بئر بضاعة) بضم الباء الموحدة، وأجيز كسرها، وبالضاد المعجمة، وحكي بالصاد المهملة، وهي: بئر معروفة بالمدينة؛ قاله ابن الملك، وقال الطيبي؛ نقلًا عن التوربشتي: بُضَاعَة: دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم، (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض) بكسر الحاء المهملة وفتح التحتية: جمع حِيضَة؛ بكسر الحاء وسكون التحتية، وهي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض، (ولحوم الكلاب والنَّتْن) بفتح النون وسكون التاء وتکسر، وهي الرائحة الكريهة، والمراد - هاهنا -: الشيء المنتن؛ كالعذرة والجيفة. قال ابن رسلان في ((شرح سنن أبي داود)): وينبغي أن يضبط بفتح النون وكسر التاء، وهو الشيء الذي له رائحة كريهة من قولهم: نَتِنَ الشَّيءُ بكسر التاء، يَنْتَنُ بفتحها، فهو نَيٌِّّ. انتهى. ٢١٣ أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ((إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)). [٥: ٦٦، حم: ١٠٨٦٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حَسَنٌّ، وقَدْ جَوَّدَ أبو أُسامَةَ هذا الحَديثَ، فَلَمْ يَرْوِ أحَدٌ حديثَ أبي سعيدٍ في بِتْرِ بُضَاعةَ أحْسَنَ مِمَّا رَوَى أبو أُسامَةَ، وقَدْ رُوِيَ هذا قال الطيبي معنى قوله: ((يلقى فيها)): أن البئر كانَت بِمَسيل من بعض الأودية التي يحتملُ أن ينزل فيها أهلُ البادية، فتلقى تلك القاذورات بأفنية منازلهم، فيكسحها السيل، فيلقيها في البئر، فعبّر عنه القائلُ بوجه يُوهِمُ أن الإلقاء من الناس لقلَّة تدتُّنهم، وهذا مما لا يجوِّزه مسلم، فأَنَّى يظن ذلك بالذين هم أَفضَلُ القرون وأزكاهم. انتهى. قلت: كذلك قال غير واحد من أهل العلم، وهو الظاهر المتعين، (إن الماء طهور) أي: طاهر مطهِّر، قال القاري في ((المرقاة)): قيل: الألف واللام للعهد الخارجيّ، فتأويله: إن الماء الذي تسألون عنه، وهو ماء بئر بضاعة؛ فالجواب مطابقيٌّ لا عمومٌ كليٍّ؛ كما قاله الإمام مالك. انتهى. وإن كان الألف واللام للجنْسٍ، فالحديث مخصوصٌ بالاتفاق؛ كما ستقف، (لا يُنَجِّسه شيء)؛ لكثرته؛ فإن بئر بضاعة؛ كان بئرًا كثير الماء، يكون ماؤها أضعافَ قُلَّتَيْن، لا يتغيّر بوقوع هذه الأشياء. والماء الكثير لا ينجِّسه شيء ما لم يتغيَّر. قال العلّامة الشاه ولي الله الدهلويُّ في ((حجة الله البالغة)): قوله وَّهِ: ((المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ)) معناه: المعادن لا تنجس بملاقاة النجاسة إذا أخرجَت ورُمَيَت ولم يتغيّر أحدُ أوصافه، ولم تفحش، وهل يمكنُ أن يظنَّ ببئر بضاعة أنها كانت تستقرُّ فيها النجاساتُ، كيف: وقد جرت عادة بني آدم بالاجتناب عما هذا شأنه، فكيف يَسْتَقِي بها رسولُ الله ◌َلا بل كانت تقع فيها النجاساتُ من غير أن يقصد إلقاؤها؛ كما تشاهد من آبار زماننا، ثم تخرج تلك النجاسات، فلمَّا جاء الإسلام سألوا عن الطهارة الشرعيَّة الزائدة على ما عندهم، فقال رسولُ اللهِ بَّهِ: ((المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ)) يعني: لا ينجس نجاسة غير ما عندكم. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن، وقد جوَّد أبو أسامة هذا الحديث) أي: رواه بسند جيد، وصحَّحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم؛ قاله الحافظ في ((التلخيص))، وزاد في ((البدر المنير)): والحاكم (١) وآخرون من الأئمة الحفاظ. (١) الحاكم. حدیث (٥٦٥) من حديث ابن عباس. ٢١٤ أبواب الطهارة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ الحديثُ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَن أبي سعيدٍ، وفي البابِ عنِ ابن عبَّاسٍ، وعَائِشَةَ. فإن قلت: في سند هذا الحديث: عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَدِيج، وهو مستور؛ كما قال الحافظ في ((التقريب))، فكيف يكون هذا الحديث صحيحًا أو حسنًا؟ قلت: صحَّح هذا الحديثَ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وهما إماما الجَرْحِ والتعديل، وأيضًا صحَّح هذا الحديثَ الحاكمُ وغيره، وذكر ابن حبَّان عبيد الله هذا في ((الثقات))؛ فَثَبَتَ أنه لم يكن عند هؤلاء الأئمة مستورًا، والعبرة لقول من عَرَفَ لا بقول من جهل. فإن قلت: قال ابن القطّان في كتابه ((الوهم والإيهام)): إن في إسناده اختلافًا: فقومٌ يقولون: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الله بن رافع، ومنهم من يقول: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ومنهم من يقول: عبد الله، ومنهم من يقول: عن عبد الرحمن بن رافع؛ فيحصل فيه خمسةُ أقوالٍ، وكيف ما كان: فهو لا يعرف له حالٌ ولا عينٌ؛ كذا في ((تخريج الهداية)) للزيلعي. وقال الحافظ في ((التلخيص)): وأعلَّه ابن القطّان بجهالة راويه عن أبي سعيد واختلافٍ الرواة في اسمه واسم أبيه. قلت: أما إعلاله بجهالة الراوي عن أبي سعيد: فليس بشيء، فإنه إن جهله ابن القطان، فَقَد عَرَفَهُ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وأما إعلاله باختلافِ الرواةِ في اسمه واسم أبيه: فهو أيضًا ليس بشيء؛ لأن اختلاف الرواة في السند أو المتن لا يوجبُ الضعفَ إلّا بشرط استواءٍ وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدِّم، ولا يعلُّ الصحيح بالمرجوح؛ وهاهنا: وجوه الاختلاف ليست بمستوية، بل رواية الترمذي وغيره التي وقع فيها: ((عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج)) راجحة، وباقي الروايات مرجوحةٌ، فإن مدار تلك الروايات على محمَّد بن إسحاق، وهو مضطربٌ فيها، وتلك الروايات مذكورةٌ في سنن الدارقطني، فهذه الرواية الراجحة تقدَّم على تلك الروايات المرجوحة، ولا تعلُّ هذه بتلك. (وفي الباب: عن ابن عباس، وعائشة): أما حديث ابن عباس: فأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبَّان(١) بلفظ: ((إنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسهُ شَيءٌ)) ورواه أصحاب السنن بلفظ: ((إنَّ المَاءَ لا يُجْنِبُ))(٢)، وفيه قصة. (١) أحمد. حديث (٢١٠١)، وابن خزيمة. حديث (٩١)، وابن حبان. حديث (١٢٤٢). (٢) انظر الحديث السابق. رقم (٦٥). ٢١٥ أبواب الطهارة عن رسول الله وَال﴿و / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وقال الحازميُّ: لا يعرف مجوَّدًا إلَّا من حديث سِمَاك بن حَرْب عن عكرمة، وسِمَالٌ مختلف فيه، وقد احتجَّ به مسلمٌ، كذا في ((التلخيص)). وأما حديث عائشة: فأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) وأبو يعلى والبزار(١) وأبو علي بن السكن في ((صحاحه)) من حديث شَرِيك بلفظ: ((إنَّ المَاءَ لا يُنجِّسهُ شَيءٌ))، ورواه أحمد(٢) من طريق أخرى صحيحة، لكنه موقوف؛ كذا في ((التلخيص)). قلت: وفي الباب أيضًا عن جابر بلفظ: ((إنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ))، وفيه قصة، أخرجه ابن ماجه(٣)، وفي إسناده أبو سُفْيَان طريفُ بنُ شِهَابٍ، وهو ضعيف، متروك، وقد اختلفَ فيه على شَريك الراوي عنه. وهاهنا : فوائد متعلقة بحديث الباب؛ فلنا أن نذكرها : الفائدة الأولى: اعلم أن بئر بضاعة كانت بئرًا معروفة بالمدينة، ولم تكن غديرًا ولا طريقًا للماء إلى البساتين، والدليل على ذلك: أنها لو كانت غديرًا أو طريقًا للماء إلى البساتين، لم تُسَمَّ بئرًا؛ قال في ((القاموس)): بئر بُضاعة؛ بالضم، وقد يكسر: بالمدينة، قُطْرُ رأسها ستة أذرع. انتهى. وقال في ((النهاية)): هي بئر معروفة بالمدينة. انتهى. وقال أبو داود في ((سننه)) (٤): سمعت قتيبة بن سعيد، قال: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها، قال: أكثر ما يكون الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقصتْ؟ قال: دون العورة، قال أبو داود: وقدَّرت أنا بئر بضاعة بردائي، مددته عليها، ثم ذرعته فإذا عَرْضُها ستة أذرع، وسألتُ الذي فتح لي بابَ البستان، فأدخلني إليه: هل غيِّر بناؤها ؟ قال: لا، ورأيتُ فيها ماءً متغيِّرَ اللون. انتهى. وأما قول صاحب ((الهداية)): إن ماء بئر بضاعة كان جاريًا بين البساتين، وكذا زعم الطحاوي أن بئر بضاعة كانت طريقًا للماء إلى البساتين؛ فَغَلِطٌ لا دليلَ عليه. قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)): وقول صاحب الكتاب: ((إن ماءها كان جاريًا (١) أبو يعلى. حديث (٤٧٦٥)، والطبراني في ((الأوسط)). حديث (٢٠٩٣)، والبزار (١٣٢/١- كشف). (٢) أحمد. حديث (٢٤٤٥٧). (٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٥٢٠). (٤) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٦٧). ٢١٦ أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ أَنَّ المَاءَ لا يُتَجِّسُهُ شَيْءٌ إلى البساتين)) هذا رواه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (١) عن الواقدي، فقال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أبي أحمد بن أبي عمران، عن أبي عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، عن الواقدي، قال: كانت بئر بضاعة طريقًا للماء إلى البساتين. انتهى. وهذا سند ضعيف مرسلٌ، ومدلوله على جريانه غير ظاهر. قال البيهقي في ((المعرفة)): وزعم الطحاوي أن بئر بُضَاعةَ كان ماؤها جاريًا لا يستقرُّ، وأنها كانت طريقًا إلى البساتين، ونقل ذلك عن الواقديِّ، والواقديُّ لا يحتج بما يسنده فضلًا عما يُرْسِلُهُ، وحال بئر بضاعة مشهورٌ بين أهل الحجاز بخلافِ ما حكاه. انتهى ما في ((نصب الراية)). وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)): وأما قوله: ((إن ماء بئر بضاعة كان جاريًا بين البساتين)) فهو كلام مردودٌ على مَن قاله، وقد سبق إلى دعَوى ذلك، وجَزَمَ به الطحاوي؛ فأخرج عن أبي جعفر بن أبي عمران، عن محمد بن شجاع الثلجي، عن الواقدي قال: (كانت بئر بضاعة طريقًا للماء إلى البساتين))، وهذا إسناد وَاوٍ جدًّا، ولو صحَّ لم يثبت به المرادُ؛ لاحتمال أن يكون المرادُ أن الماء كان ينقل منها بالسَّانيةِ إلى البساتين، ولو كانت سَيْحًا جاريًا لم تسمَّ بئرًا. انتهى كلام الحافظ. قلت: العجب من الطّحَاوِيِّ: أنه أسنده من طريق محمَّد بن شجاع الثلجيٍّ، عن الواقدي، وجزم به، ومحمد بن شجاع الثلجيُّ كذاب، قال الذهبي في ((الميزان)): محمد بن شجاع الثلجي الفقيه البغداديُّ أبو عبد الله، صاحب التصانيف، قال ابن عدي: كان يضع الحديث في التشبيه، وينسبها إلى أهْل الحديث يَثْلُبُهُم بذلك، قال الذهبيُّ: جاء من غيرِ وجهٍ أنه كان ينال من أحمد وأصحابه، يقول: أيْش قام به أحمد ؟! وقال زكريا الساجي: محمد بن شجاع كذّاب احتال في إيطال الحديث؛ نصرةً للرأي. انتهى كلام الحافظ الذهبي. والواقديُّ متروك قد استقرَّ الإجماع على وَهَنِهِ، ومع هذا: لم يدرك عهد النبيِّ وَلٍّ ولا عصر الصحابة ﴿ه، فإنَّه مات سنة سبع ومائتين، ولم يذكر من أخذ هذا عنه؛ فكيف يعبأ بقوله هذا . ثم قول الواقدي هذا معارضٌ بقوله الآخر، فحكى البلاذُريُّ في ((تاريخه)) عن الواقدي؛ أنه قال: تكون بئر بضاعة سبعًا في سبع، وعيونها كثيرة؛ فهي لا تنزح. انتهى. (١) الطحاوي في ((معاني الآثار)) تحت حديث (٥). ٢١٧ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ الفائدة الثانية: حديثُ الباب قد استدلَّ به الظاهرية على ما ذهبوا إليه من أنَّ الماءِ لا يتنجَّس مطلقًا، وإن تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه بوقوع النجاسة فيه، وأما غيرهم: فكلُّهم خصوه، أما المالكية: فبحديث أبي أمامة مرفوعًا: ((إنَّ المَاءَ لا يُنجِّسهُ شَيءٌ إلَّا ما غَلَبَ عَلَى ريحِهِ وَطَعْمِهِ ولَونِهِ)) أخرجه ابن ماجه (١)، ومذهبهم: أن الماء لا يتنَّس إلَّا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه، وأما الشافعية: فبحديث القُلَّتَينِ(٢)، وهو حديث صحيح كما سَتعرِفُ، ومذهبهم: أن الماء إن كان قُلَّتينٍ لا يتنَجَّس، إلَّا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه، وإن كان دون القلتين يتنَجَّس، وإن لم يتغير أحد أوصافه، وأما الحنفيَّة: فبالرأي، ولهم في هذا الباب اثنا عشر مذهبًا؛ الأول: التحديد بالتحريك، قال الإمام محمد في ((موطئه)) ص ٦٦: إذا كان الحوضُ عظيمًا إن حرَّكت منه ناحية لم تتحرك به الناحية الأخرى، لم يُفسِد ذلك الماءَ ما وَلَغَ فيهِ سَبعٌ ولا ما وقع فيه مِن قَذَرٍ إلّا أن يغلب على ريح أو طعم، فإذا كان حوضًا صغيرًا إن حرّكت منه ناحية تحرَّكت الناحية الأخرى، فولغ فيه السباع أو وقع فيه القذر، لا يتوضأ منه، قال: وهذا كله قول أبي حنيفة. انتهى كلامه. قلت: وهو مذهب أصحابه القدماء. والثاني: التحديد بالكُذْرَةِ، والثالث: التحديد بالصبغ، والرابع: التحديد بالسبع في السبع، والخامس: التحديد بالثمانية في الثمانية، والسادس: عشرين في عشرين، والسابع: العشر في العشر، وهو مذهب جمهور الحنفية المتأخرين، والثامن: خمسة عشر في خمسة عشر، والتاسع: اثنا عشر في اثني عشر، قال صاحب ((التعليق الممجّد)) - بعد ذكر مذهب الظاهرية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، وهذه المذاهب الاثنا عشر للحنفية - ما لفظه: ولقد خضت في بحار هذه المباحث وطَالعْتُ لتحقيقها كتب أصحابنا - يعني: الحنفية - وكتب غيرهم المعتمدة؛ فوضح لنا ما هو الأرجح منها، وهو الثاني - يعني: مذهب المالكية - ثم الثالث - يعني: مذهب الشافعية - ثم الرابع وهو مذهب قدماء أصحابنا وأئمتنا، والباقيةُ مذاهب ضعيفةٌ. انتهى كلامه. قلت: والمذهبُ الرابع، أعني مذهب قدماء الحنفية أيضًا ضعيفٌ لم يقم عليه دليل صحیح. (١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥٢١). (٢) انظر سنن الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٦٧). 7 ٢١٨ أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ فإن قلت: قد احتجَّ الإمام محمَّد على هذا المذهب؛ بما رواه بإسناده أن عُمَرَ بن الخطاب رَُّهُ خرج في رَكْبٍ فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل تَردُ حوضَكَ السِّباعُ؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا؛ فإنا نردُ على السباع وتردُ علينا (١)، قال الحنفية: إن غرض عمر من قوله: ((لا تخبرنا)) أنك لو أخبرتنا لضاق الحالُ؛ فلا تخبرنا؛ فإنا نردُ على السباع وترد علينا، ولا يضرُّنا ورودها عند عدم علمنا، ولا يلزمنا الاستفسار من ذلك، ولو كان سُؤر السباع طاهرًا لما منع صاحبَ الحَوضِ عن الإخبار؛ لأن إخباره لا يضرُّ، قالوا: والحوض كان صغيرًا يتنجَّس بملاقاة النجاسة؛ وإلا فلو كان كبيرًا لما سأل، فكيف قلتم: إن المذهب الرابع لم يَقُم عليه دليلٌ صحيحٌ. قلت: يحتملُ أن يكون غرض عمر من قوله: ((لا تخبرنا)): أن كل ذلك عندنا سواءٌ، أخبرتنا أو لم تخبرنا؛ فلا حاجة إلى إخبارك، وعلى هذا: حمل المالكية والشافعية قوله: ((لا تخبرنا)) [و] لم يقم، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، ثم هذا الاستدلال، موقوفٌ على نجاسة سُؤرِ السباع، وهي ليست بمتفق عليها، بل المالكية والشافعية قائلون بطهارته، وقد ورد بذلك بعضُ الأحاديث المرفوعة. قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)): زادَ رَزينٌ قال: زاد بعضُ الرواة في قول عمر: إني سمعتُ رسول الله وََّ يقولُ: ((لها مَا أخذت في بُطُونِها، وَمَا بَقيَ فَهُوَ لنا طَهُورٌ وشرابٌ)). انتھی . وروى ابن ماجه عن أبي سعيد؛ أن رَسولَ اللهِ وَّرَ سُئلَ عن الحياضِ التي بَيْنَ مكّة والمدينة، تردها السباع والكلاب، والحُمُرُ، وعن الطهارة منها، فقال: ((لها ما حَمَلت فِي بُطُونِها، ولنَا ما غَبَرَ طَهُورٌ))(٢). وروى الدارقطني في ((سننه)) (٣) عن جابر، قيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أنَتَوضَّأ بمَا أفْضَلتِ الحُمُرُ؟ قال: نَعَمْ، وبما أفْضَلتِ السِّبَاعُ. (١) مالك. حديث (٤٥)، والدارقطني (٣٢/١). حديث (١٨)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (١١١٤). (٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٥١٩)، والدارقطني (٢٦/١). حديث (٣٠). (٣) الدارقطني (٦٢/١). حديث (٢). ٢١٩ أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وهذه الأحاديث تؤيِّد ما قال المالكية والشافعية من أن غَرَضَ عمر من قوله: ((لا تخبرنا)): أن كل ذلك عندنا سواءٌ، أخبرتنا أو لم تخبرنا؛ فلا حاجة إلى إخبارك؛ فتفكّر. والحاصل: أن الاستدلال بقول عمر المذكورِ على المَذْهَب الرابع؛ ليس بمستقيم؛ على أنه ليس فيه ما يدلُّ على ما في المذهب الرابع من التحرِيكِ وتحديده. فإن قلتَ: كَيْف قلتم: إن المذهب الرابع أيضًا ضعيفٌ لم يقم عليه دليلٌ صحيح، وقد أقام عليه الحنفية دلائلَ من الكتاب والسنة: قال صاحبُ ((البَحْرِ الرائق)): استدلَّ أبو حنيفة على ما ذكره الرازيُّ في ((أحكام القرآن)) بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والنجاسات - لا محالة - من الخبائث؛ فحرَّمها الله تعالى تحريمًا مهمًا، ولم يفرِّق بين حالة اختلاطها وانفرادها بالماء؛ فوجب تحريم كل ما تيقنا فيه جزءًا من النجاسة، ويكون جهةُ الحظر من النجاسة أولى من جهة الإباحة؛ لأن الأصل أنه إذا اجتمع المحرِّم والمبيحُ قدِّم المحرِّم، ويدلُّ عليه من السُّنة قولُهُ مَّهِ: ((لا يَبُولنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائم ثُمَّ يغتسلُ فيهِ مِنَ الجَنَابةِ))(١)، وفي لفظ آخر: ((وَلا يَغْتَسل فيهِ مِن جَنَابةٍ)) ومعلوم: أن البول القليل في الماء الكثير لا يغيِّر لونه ولا طعمه ولا رائحته، ويدلُّ - أيضًا - قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُم مِن مَنَامِهِ، فَليغسل يَدَهُ ثَلاثًا قبلَ أن يُدْخِلَهَا فِي الإناءِ، فَإِنَّه لا يَدْرِي أيْنَ بَاتَت يَدُهُ))(٢)، فأمر بغسل اليد احتياطًا من نجاسة أصابته من مَوضِع الاستنجاء، ومعلومٌ: أنها لا تغيرُ الماء، ولولا أنها مفسدةٌ عند التحقيق لما كان للأمر بالاحتياط معنى، وحكم النبي ◌َّ بنجاسته بولوغ الكلب بقوله: ((طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكلبُ أن يُغْسَلِ سَبْعًا))(٣) وهو لا يغيّر، وهذا كلام الرازي. والحاصل: أنه حيث غَلَبَ على الظنِّ وجودُ نجاسة في الماء لا يجوزُ استعماله؛ لهذه الدلائل، لا فرق بين أن يكون قلتين أو أكثر، أو أقل، تغيَّر أو لا، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، والتقدير بشيء دون شيء لا بُد من نصٍّ، ولم يوجد. انتهى كلام صاحب ((البحر الرائق)). (١) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٦٨)؛ انظر تخريجه هناك. (٢) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٢٤)؛ انظر تخريجه هناك. (٣) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٩١)؛ انظر تخريجه هناك. ٢٢٠ أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وقال أيضًا: وما صرنا إليه يشهد له الشرع والعقل، أما الشرع: فقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك. وأما العقل: فإنه إذا لم يتيقَّن بعدم النجاسة إلى الجانب الآخر أو يغلب على ظننا - والظن كاليقين - فقد استعملت الماء الذي فيه نجاسة يقينًا، وأبو حنيفة لم يقدِّر ذلك بشيء، بل اعتبر غلبة ظن المكلَّف؛ فهذا دليل عقليٌّ مؤيّد بالأحاديث الصحيحة المتقدِّمة، فكان العملُ به متعينًا، انتهى. قلت: هذه الدلائلُ كلُّها غير مفيدة: أما الاستدلال بآية: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فلأنَّ هذه الآية تفيدُ تحريم أكل الخبائث لا مُطلقِ استعمالها، بقرينة ما قبله، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ فإن الحلَّ والحرمة غالبًا يستعملان في المأكولات؛ ولذا فسَّر المفسرون الخبائث بالميتة والدم والخنزير وأمثال ذلك؛ فالمعنى: يحلُّ لهم أكل الطيبات، ويحرِّم أكل الخبائث؛ فإذن: لا تفيد الآية إلَّا حرمة النجاسة المخلوطة بالماء أكلاً لا حُرمةَ مطلقِ استعمالها، ولئِن سلمنا أن المراد تحريمُ استعمال مطلَقِ النجاسة فلا يفيدُ أيضًا، إذ الماء سيالٌ بالطبع مغيِّر لما اختلط به إلى نفسه، إذا غلب عليه، فإذا وقعت النجاسة في ماء، ولم يغلب ريحه أو لونه أو طعمه عليه حصل العلم بأن تلك النجاسة فيه قد تغيّرت إلى طبيعة الماء الغالبِ، ولم تَبْقَ نجاسةٌ خبيثةٌ؛ فينبغي الوضوءُ حينئذ، سواء تحرَّك جانب منه بتحريك جانب منه أو لم يتحرك؛ بخلاف ما إذا غلب ريحه أو طعمه أو لونه، فإنه يعلم مغلوبية الماء وبَقاء النجاسة على حالها؛ فلا يجوز الوضوء، وأما الاستدلال بحديث: ((لا يَبولنَّ ... ))؛ فلأنه - بعد تسليم دلالتهِ على التحريم والتنجُّس - إنما يفيد تنجس الماء الدائم في الجملة لا على تَنَجُّس كل ماء، ولو حمل على الكلية للزم تنجُس الحوض الكبير أيضًا بالْبَولِ، ولا قائلَ به؛ وكذا الاستدلال بحديث الاستيقاظ؛ فإنه لا يدُّل إلَّا على تنجُّس الماء في الجملة لا على الكلية؛ فلا ينتهضُ هذا وأمثاله إلَّا إلزامًا على مَن قال بالطهارة مطلقًا لا تحقيقًا لمذهب أبي حنيفة، وكذا حديث ولُوغ الكلب وأمثاله. وأما شهادةُ العَقْل: فتعارضه شهادةٌ أخرَى، وهي ما مرَّ من كون الماء مغيرًا إلى نفسه؛ وبالجملة: فهذه الدلائل لا تثبت التحديد بالتحريك، وأما التحديد بالقلتين: فقد ثَبَتَ من كلام الشارع بنفسه، وكذا التحديد بالتغير وعدمه ثابتٌ من كلام الشارع ومؤيَّد بشهادة العقل أيضًا، والقياساتُ العقليّة والاستنباطات الفقهيّة من الآيات المبهمة والأحاديث المطلقة. لا