النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليزر / باب مَا جَاءَ فِي الاسْتِتَارِ عِنْدِ الحَاجَةِ
والأعْمَشُ اسْمُهُ: سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرانَ، أبُو مُحَمَّدِ الكاهِلِيُّ وَهُوَ مَوْلِى لَهُمْ،
(والأعمش اسمه: سليمان بن مهران) بكسر الميم، وكنيته: أبو محمد، ثقة، حافظ
عارف بالقراءة، ورع لكنه يدلُّس، وهو من صغار التابعين الذين رأوا الواحِدَ والاثنين، ولم
يثبت لبعضهم السماع من الصحابة ، ولد سنة (٦١) إحدى وستين، ومات سنة (١٤٨)
ثمان وأربعين ومئة، (الكاهلي، وهو مولى لهم) أي: نسبة الأعمش إلى قبيلة ((كاهل)) من
جهة أنه مولَى لهم لا من جهة أنه هو منهم صُلْبِيَّةً، قال ابن الصلاح في ((مقدِّمته)): النوع
الرابع والستون: معرفة الموالي من الرواة والعلماء، وأهمُّ ذلك معرفة الموالي المنسوبين إلى
القبائل بوصف الإطلاق، فإن الظاهر في المنسوب إلى قبيلة - كما إذا قيل: فلان القُرَشِيّ -
أنه منهم صُلْبِيَّة، فإذن: بيان من قيل فيه: قرشي؛ من أجل كونه مولّى لهم مهمٌّ. انتهى.
فائدة: اعلم أن من الموالي من يقال له: ((مولى فلان، أو لبني فلان)) والمراد به مولى
العَتَاقَة، وهذا هو الأغلب في ذلك، ومنهم من أطلق عليه لفظ ((المَولَى)) والمراد به ولاء
الإسلام، ومنهم أبو عبد الله البخاري، فهو محمد بن إسماعيل الجُعْفِيُّ مولاهم، نُسِبَ إلى
ولاء الجُعْفيِّينَ؛ لأن جده - وأظنه الذي يقال له: الأحنف ـ أسلم، وكان مجوسيًّا، على يد
اليمان بن أخنس الجُعْفِيِّ، وكذلك الحسن بن عيسى الماسَرْجِسِيُّ مولى عبد الله بن المبارك،
إنما ولاؤه له من حيث كونه أسلم - وكان نصرانيًّا - على يديه، ومنهم من هو مولَى بولاء
الحلف والموالاة، كمالك بن أنس الإمام، ونفره هم أَصْبَحِيُّونَ صُلْبية، ويقال له: التيمي؛
لأن نفره ((أصْبَحَ)) موالٍ لـ ((تيم قريش)) بالحلف، وقيل: لأن جده مالك بن أبي عامر كان
عَسِيفًا على طلحة بن عبيد الله التيمي، أي: أجيرًا، وطلحة يختلف بالتجارة، فقيل: هو مولى
التيميين؛ لكونه مع طلحة بن عبيد الله التيمي، وهذا قسم رابع، كما قيل في مقسم: إنه مولى
ابن عباس؛ للزومه إياه، كذا في ((مقدمة ابن الصلاح)).
فائدة أخرى: قال ابن الصلاح في ((مقدمته)): روينا عن الزهري، قال: قدمتُ على
عبد الملك بن مروان، فقال: مِن أَيْنَ قَدِمْتَ يا زُهْرِيُّ ؟ قلت: من مكة، قال: فمن خَلَّفْتَ
بِها يَسُودُ أَهَلهَا ؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت:
من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية
لينبغي أن يَسُودُوا، قال: فَمَن يسود أَهْلَ اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن كَيْسَانَ، قال: فمن
العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به
عطاء، قال: إنه لينبغي! قال: فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال:

٨٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهو / باب مَا جَاءَ فِي الاسْتِتَارِ عِنْد الحَاجَةِ
قَالَ الأعمَشُ: كانَ أبِي حَمِيلًا، فَوَرَّثَهُ مَسْرُوقٌ.
فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال:
قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، عَبْدٌ نُوبي أعتقته
امرأة من هُذَيْلٍ، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مِهْرَان، قال: فمن العرب
أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت:
الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن
يسود أهل البصرة؟ قال: قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قال: قلت: من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي،
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري! فَرَّجْتَ
عني، والله ليَسُودَنَّ الموالي على العرب، حتى يُخطَبَ لها على المنابر، والعَرَبُ تحتها،
قال: قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه، مَن حَفِظَهُ ساد، ومن ضيعه سقط.
وفيما نرويه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: لما ماتَ العبادلة، صار الفقه في
جميع البلدان إلى جميع الموالي إلَّا المدينة، فإن الله حصَّنها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة
سعيدَ بْنَ المسيِّب غير مدافع، قلت: وفي هذا بعضُ الميل، لقد كان حينئذ مِن العرب غير
ابن المسيِّب فقهاءُ أئمة مشاهير. انتهى كلام ابن الصلاح.
(قال الأعمش: كان أبي حَميلاً فورثه مسروق) أي: جعله وارثًا، والحَمِيل: الذي يُحْمَلُ
من بلاده صغيرًا إلى دار الإسلام، كذا في ((مجمع البحار))، وفي توريثه من أمه التي جاءت
معه، وقالت: إنه هو ابنها خلاف، فعند مسروق: أنه يرثها؛ فلذلك ورَّث والد الأعمش،
أي: جعله وارثًا، وعند الحنفية: أنه لا يرثُ من أمه، قال الإمام محمَّد في ((موطئه)): أخبرنا
مالك، أخبرنا بُكَيْر بن عبد الله بن الأَشَجِّ، عن سعيد بن المسيِّب قال: أبَى عمر بن الخطاب
أن يورِّث أحدًا من الأعاجم، إلَّا ما ولد في العَرَب، قال محمد: وبهذا نأخذ؛ لا يورَّث
الحَميلُ الذي يسبَى وتُسْبَى معه امرأة، وتقول: هو ولدي، أو تقول: هو أخي، أو يقول: هي
أختي، ولا نسب من الأنساب يورِّث إلَّا ببينة إلَّا الوالد والولد؛ فإنه إذا ادعى الوالد أنه ابنه
وصدَّقه، فإنه ابنه ولا يحتاج في هذا إلى بينة. انتهى.
ومسروق هذا: هو ابن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه
عابد، مخضرم، من الثانية، كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)): أخذ عن: عمر،
وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وعنه: إبراهيم، والشعبي، وخلق، وعن الشعبي قال: ما

٨٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ في كَرَاهَةِ الاسْتِنْجَاءِ باليمينِ
١١- باب مَا جَاءَ في كَرَاهَةِ الاسْتِنْجَاءِ باليمينِ [ت١١، م١١]
[١٥] (١٥) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي عُمَرَ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَن مَعْمَرٍ
عَن يَخْیَی بْنِ أپِي کَثِيرٍ،
عَلِمْتُ أحدًا كان أطلَبَ للعِلْم منه، وكان أعلم بالفتوى من شُرَيْحٍ، وكان شُرَيْحٌ يستشيره،
وكان مسروق لا يحتاج إلى شُرَيْح، مات سنة (٦٣) ثلاث وستين، كذا في ((تذكرة الحفاظ))،
وقال أبو سعد السمعانيُّ: سمي مسروقًا؛ لأنه سُرِقَ في صغره، ثم وجِدَ، وغيّر عمر اسم أبيه
إلى عبد الرحمن، فأثبت في الديوان: مسروق بن عبد الرحمن، كذا في ((التهذيب)).
تنبيه: لم يُشِر الترمذيُّ إلى حديث آخر في الباب، فاعْلَمْ: أنه قد جاء في الباب، عن
أبي هريرة، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه (١)، وعن عبد الله بن جعفر: أخرجه أحمد
ومسلم وابن ماجه(٢)، وعن جابر: أخرجه أبو داود وابن ماجه(٣)، وعن المغيرة: أخرجه
النسائي وأبو داود والترمذي (٤).
١١ - بَابُ كَرَاهِيَة الاسْتِنجَاء بِالیمینِ
[١٥] قوله: (حدثنا محمد بن أبي عمر المكي) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر
العدني، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنيته يحيى، صدوق، صنَّف ((المسند)) وكان لازم ابن
عيينة، لكن قال أبو حاتم: فيه غفلة؛ كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)): روى عن
فُضَيْل بن عياض، وأبي معاوية، وخلق، وعنه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه، مات سنة
(٢٤٣) ثلاثة وأربعين ومئتين.
(عن معمر) بن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، ثقة ثَّبْتُ فاضل، إلّا أن في روايته
عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدَّث به بالبصرة، من كبار السابعة.
(عن يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، اليمامي، ثقة ثَبْتُ، لكنه يدلِّس ويرسل، من
(١) أحمد. حديث (٨٦٢١)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٥)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣٣٧).
(٢) أحمد. حديث (١٧٤٥)، ومسلم، كتاب الحيض. حديث (٣٤٢)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣٤٠).
(٣) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٢)، وابن ماجه. كتاب الطهارة. حديث (٣٣٥).
(٤) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١)، والترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٢٠)، والنسائي، كتاب الطهارة.
حدیث (١٧).

٨٤
أبواب الطهارة عن رسول اللّه وَافِ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهَةِ الاسْتِنْجَاءِ باليمينِ
عَن عَبْدِ الله بْنِ أبِي قَتَادَةَ، عَن أبِيه: أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَهَى أنْ يَمسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ.
[خ: ١٥٣، م: ٢٦٧، ن: ٢٥، د: ٣١، جه: ٣١٠، حم: ٢٢٠١٦، مي: ٦٧٣].
الخامسة، (عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، من الثانية، (عن أبيه) أي:
أبي قتادة الأنصاري السَّلَمِيِّ، فارس رسول الله وَّه، اسمه الحارث بن رِبْعِيٍّ، شهد أحدًا
والمشاهد، مات سنة (٥٤) أربع وخمسين بالمدينة، وهو الأصح.
قوله: (نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه) أي: بيده اليمنى؛ تكريمًا لليمين، والنَّهْيُ في
هذا الحديث مطلقٌ غير مقيَّد بحالة البول، وقد جاء مقيَّدًا، ففي ((صحيح مسلم))(١) عن
أبي قتادة بلفظ: ((لا يُمسِكَنَّ أحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ))، وفي ((صحيح البخاري))(٢) عنه:
((إِذَا بَال أحَدِكُم فَلا يَأْخُذنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ))، قال البخاري في ((صحيحه)): باب لا يمسك ذكره
بيمينه إذا بال. قال الحافظ في ((الفتح)): أشار بهذه الترجمة إلى أن النَّهيَ المُطْلَقَ عَن مَسِّ
الذكر باليمين، كما في الباب قبله؛ محمولٌ على المقيَّد بحالة البول، فيكون ما عداه مباحًا،
وقال بعضُ العلماء: يكون ممنوعًا أيضًا من باب الأولى؛ لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة
في تلك الحالة، وتعقَّبه أبو محمد بن أبي جَمْرَة بأن مظنَّة الحاجة لا تختصُّ بحالة
الاستنجاء، وإنما خصَّ النَّهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطى حكمه، فلما منع
الاستنجاء باليمين منع مس آلته حَسْمًا للمادة، ثم استدلَّ على الإباحة بقوله وَّهَ لَطَلْقِ بن عليّ
حين سأله عن مَسِّ ذَكره: ((إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ))(٣)، فدلَّ على الجواز في كل حال، فخرجَت
حالة البَول بهذا الحديث الصحيح، وبَقِيَ ما عدَاهَا على الإباحة. انتهى.
والحديث الذي أشار إليه صحيح أو حسن، وقد يقال: حمل المطلق على المقيد غير
مُتَّفَقٍ عليه بين العلماء، ومن قال به اشترط فيه شروطًا. لكن نبه ابن دقيق العيد على أن مَحلَّ
الاختلاف إنما هو حيث تتغاير مخارجُ الحديثِ بحيثُ يعدُّ حديثين مختلفين، أما إذا اتحد
المَخْرجُ وكان الاختلاف فيه من بعض الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد بلا خلاف؛
لأن التقييد - حينئذ - يكون زيادة من عدلٍ فتقبل. انتهى ما في ((فتح الباري)).
قلت: لا شك في أن حديث أبي قتادة الذي رواه الترمذيُّ في هذا الباب مطلَقٌ، فالظاهر
(١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٧).
(٢) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٥٤).
(٣) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٨٥). والنسائي. حديث (١٦٥).

٨٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهَةِ الاسْتِنْجَاءِ باليمينِ
وَفِي هذَا الْبَابِ: عَن عَائِشَة، وسَلْمَانَ، وأبي هريرة، وسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ.
هو: أن يحمل على المقيَّد لاتحاد المخرج، وأما حديث أبي قتادة الذي أخرجه البخاري(١)
بلفظ: ((وإذا أَتَى الخَلاءَ، فَلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه))، وإليه أشار الحافظ بقوله: ((أشار بهذه
الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مَسِّ الذكر باليمين، كما في الباب قبله .... إلخ)) ففي
كونه مطلقًا کلامٌ، فتدبّر.
قوله: (وفي الباب: عن عائشة، وسلمان، وأبي هريرة، وسهل بن حُنَيفٍ) أما حديث
عائشة: فأخرجه أبو داود (٢) من طريق إبراهيم عنها بلفظ: ((قالت: كَانت يَدُ رَسُولِ اللهِوَّه
اليُمْنَى لِطُهُورِهِ وطَعَامِه، وكَانَت يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلائِهِ وَمَا كانَ مِن أذّى))، قال المنذري:
إبراهيم لم يسمع من عائشة؛ فهو منقطع، وأخرجه من حديث الأسود عن عائشة بمعناه،
وأخرجه في اللباس من حديث مسروق عن عائشة(٣)، ومن ذلك الوجه: أخرجه البخاري
ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه(٤). انتهى كلام المنذري.
أما حديث سلمان: فأخرجه مسلم(٥) بلفظ: ((قال: نَهَانَا رَسُولُ الله ◌ِّهِ أَن نَسْتَقِبِلَ القِبْلَةَ
لِغَائِطِ أو بولٍ أو نسْتنجِيَ بِاليَمينِ .... )) الحديث.
وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه ابن ماجه والدارمي(٦)، وفيه: ((ونَهَى أن يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ
بِیَمِینهِ)).
وأما حديث سهل بن حنيف، فلم أقف عليه(٧) .
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٥٣).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٣ - ٣٤).
(٣) أبو داود، كتاب اللباس، حديث (٤١٤٠).
(٤) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٦٨)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٨)، والترمذي، كتاب
الجمعة. حديث (٦٠٨)، والنسائي، كتاب الغسل والتيمم. حديث (٤٢١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة
وسننها. حدیث (٤٠١).
(٥) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٢).
(٦) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣١٣)، والدارمي، كتاب الطهارة. حديث (٦٧٤).
(٧) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)). حديث (١٥٩٢٠)، وأحمد. حديث (١٥٥٥٤)، والدارمي، كتاب
الطهارة. حدیث (٦٧٢).

٨٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب الاسْتِنْجَاءِ بِالحِجَارَةِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ اسْمُهُ الحَارِثُ
ابْنُ رِبْعِيّ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ عَامَّة أهلِ العِلْم: كَرِهُوا الاسْتِنْجَاءَ بالْيَمِينِ.
١٢- باب الاسْتِنْجَاءِ بِالحجَارَةِ [ت١٢، م١٢]
[١٦] (١٦) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قِيلَ لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ وََّ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى
الخِرَاءةَ؟
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان(١) بلفظ: ((قَالَ: إذَا شَرِبَ
أحَدَكُمْ، فلا يَتَنفسَ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أتَى الخَلَاءَ، فلا يَمَسَّ ذَكَرَه بيمينه، ولا يَتَمَسَّح بِيَمِينِ)).
قوله: (وأبو قتادة اسمه: الحارث بن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة،
ابن بُلْدُمَةَ، بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة، السَّلمي بفتحتين، المدني، شهد أحدًا
وما بعدها، ولم يصحَّ شهوده بدرًا .
١٢ - بَابُ الاسْتنجَاءِ بالحِجَارةِ
[١٦] قوله: (حدثنا هناه) تقدم، (عن الأعمش) تقدم، (عن إبراهيم) هو إبراهيم بن يزيد
ابن قيس بن الأسود النخعي الكوفي الفقيه، ثقة؛ إلَّا أنه يرسل كثيرًا، (عن عبد الرحمن بن
يزيد) بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي، ثقة.
قوله: (قيل لسلمان) الفارسي، ويقال له: سلمانُ الخَيْرُ، وسئل عن نسبه، فقال: أنا
سلمان ابن الإسلام، أصله من فارس، أسلم مَقْدَمَ النَّبِيِّ وَّ المدينة، وكان من خيار الصحابة
وزهادهم وفضلائهم، والقائلون هم المشركون كما في رواية ابن ماجه، ((قَالَ لَهُ بَعْضُ
المُشْركينَ، وهُم يَسْتَهْزئُونَ بِهِ))، وفي رواية مسلم (٢): ((قالَ لَنَا المُشْرِكُونَ)) (حتى الخِرَاءَة) قال
الخطابي: الخِرَاءَة، بكسر الخاء ممدودة الألف: أدبُ التخلِّي والقعود عند الحاجة، وقال
النووي: الخراءة، بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالمد، وهو: اسم لهيئة الحدث،
وأما نفس الحدث: فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٥٣)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٧).
(٢) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٢).

٨٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَاه / باب الاسْتِنْجَاءِ بِالحجَارَةِ
فَقَالَ سَلْمَانُ: أجَلْ، نَهَانَا أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بغائِطِ أوْ بَوْلٍ، أو أنْ نَسْتَنْجِيَ بالْيَمِينِ،
أوْ [أنْ] يَسْتَنْجِيَ أحَدُنَا بِأَقَلَّ مِن ثَلاثَة أحْجَارٍ،
(أَجَلْ) بسكون اللام: حرف إيجاب بمعنى ((نعم)) (أو أن نستنجي باليمين) الاستنجاء:
إزالة النجاسة بالماء والحجارة، والنهي عن الاستنجاء باليمين: للتنبيه على إكرامها وصيانتها
عن الأقذار ونحوها، (أو أن يستنجي أحدُنَا بأقلَّ من ثلاثة أحجار) وفي رواية لأحمد(١):
((وَلا نَكْتَفيَ بِدُونِ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ))، قال الخطابي: فيه بيانُ أن الاستنجاء بالأحجار، أحدُ
الظُّهَرَينِ، وأنه إذا لم يستعملِ الماء لم يكُن بُدُّ من الحجارة، أو ما يقوم مقامها، وهو: قول
سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وفي قوله: ((أَو أَن يَسْتَنْجِيَ
أَحَدُنَا بِأقلَّ مِن ثلاثةِ أحْجَارٍ)) البيانُ الواضح أن الاقتصار على أقلّ من ثلاثة أحجار لا يجوز،
وإن وقع الإنقاء بما دونها، ولو كان المرادُ به: الإنقاءَ حَسْبُ، لم يكن لاشتراط عدد الثلاث
معنى، إذ كان معلومًا أن الإنقاء يقع بالمَسْحَةِ الواحدة وبالمَسْحَتَينِ، فلما اشترط العدد لفظًا
وعلم الإنقاء فيه مَعنّى دل على إيجاب الأمرين. انتهى مختصرًا.
قال المظهري: الاستنجاء بثلاثة أحجار واجب عند الشافعيّ رحمه الله وإن حصل النقاء
بأقل، وعند أبي حنيفة: النقاء متعيِّن لا العدد. انتهى.
واستدلَّ للشافعي بحديث الباب، واستدل لأبي حنيفة رحمه الله بقوله وَّهِ: (مَن اسْتَجْمَرَ
فَلْيُوتِرْ: مَن فَعَلَ فقد أحْسَنَ، وَمَن لا فَلا حَرَجَ))، قال القاري في ((المرقاة)): هذا يدل دلالة
واضحة على جواز الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار وعدم شرط الإيتار؛ وهو مذهب
أبي حنيفة. انتهى.
قلت: حديثُ ((مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ: مَن فَعَلَ فَقَد أَحْسَنَ، وَمَن لا فَلا حَرَجَ)). أخرجه
أبو داود وابن ماجه(٢) عن أبي هريرة، وهو بظاهره مخالفٌ لحديث سَلْمانَ المذكور في
الباب، وحديثُ سلمان أصحُّ منه، فيقدَّم عليه، أو يُجْمعُ بينهما بما قال الحافظ في ((الفتح))
ما لفظه: وأخذ بهذا ــ أي: بحديث سلمان - الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، فاشترطوا
ألَّ ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها، فيزاد حتى ينقى، ويستحبُّ حينئذٍ
الإيتار؛ لقوله: ((مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتَرْ))، وليس بواجب، لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد قال:
(١) أحمد. حديث (٢٣١٩١).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٣٥)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٣٨).

٨٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَهـ / باب الاسْتِنْجَاءِ بِالحجَارَةِ
أوْ [أن] نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيع أوْ بِعَظْم. [م: ٢٦٢، ن: ٤١، د: ٧، جه: ٣١٦، حم: ٢٣١٩١].
قَالَ أَبُو عيسى: وَفِي البَابِ عَن عَائِشَةَ، وخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، وجَابِرٍ، وخَلَّادِ بْنِ
السَّائِبِ، عَن أبِیه.
((وَمَن لا، فَلا حَرَجَ))، وبهذا يَحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب. انتهى.
وقال ابن تيمية في ((المنتقى)) بعد ذكر حديث أبي هريرة المذكور ما لفظه: وهذا محمولٌ
على أن القَطْعَ على وِتْرِ سُنَّةٌ فيما زاد على ثَلاثٍ؛ جمعًا بين النصوص. انتهى.
(أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) لفظ ((أو)) للعطف لا للشَّكِّ، ومعناه ((الواو)) أي: نهانا عن
الاستنجاء بهما، والرجيعُ: هو الرَّوثُ والعَذِرَةُ: فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه رجع عن حالته الأولى
بعد أن كان طعامًا أو عَلَفًا، والرَّوثُ: هو رجيعُ ذوات الحوافر، وجاء عند أبي داود في رواية
رُوَيْفِع بن ثابت: ((رَجِيع دَابَّةٍ))، وأما عذرة الإنسان فهي داخلٌ تحت قوله بَّهِ: ((إنها رِكْسٌ))،
وأما علة النهي عن الاستنجاء بالرجيع والعظم؛ فيأتي بيانها في ((باب كراهية ما يُسْتَنجَى به)).
قوله: (وفي الباب: عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وجابر، وخَلَّاد بن السائب، عن
أبيه) أما حديث عائشة: فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي(١) بلفظ: ((قَالَتْ: قالَ
رَسُولُ اللهِ وَلَ: إِذَا ذَهَبَ أحَدُكُمْ إِلَى الغَائِطِ فَلَيَذهب مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ فَإِنَّهَا
تُجْزِئُ عَنْهُ))، والحديث سَكَتَ عنه أبو داود ثم المنذري، وأما حديث خزيمة بن ثابت:
فأخرجه أبو داود وابن ماجه(٢) بلفظ: ((سُئِلَ النَّبيُّ وَهِ عَنِ الاسْتطابَةِ، فَقَالَ: بِثَلاثةِ أَحْجَارٍ،
لَيْسَ فِيهَا رَجِیع))، والحديث سكت عنه أبو داود ثم المنذري، وأما حديث جابر: فأخرجه
أحمد (٣) عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((إِذا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُم فَلْيَسْتَجْمِر ثلاثًا))، قال
الهيثمي: رجاله ثقات، وأما حديث السائب والد خَلَّاد: فأخرجه الطبراني في ((الكبير))
و((الأوسط))(٤) عنه؛ أن النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الخَلاءَ، فَلْيَمْسَحِ بِثَلاثةِ أحْجَار))،
قال الهيثمي: وفيه حَمَّاد بن الجَعْدِ، وقد أجمعوا على ضعفهِ.
(١) أحمد. حديث (٢٤٤٩١)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٤٠)، والنسائي، كتاب الطهارة. حديث
(٤٤)، والدارمي، كتاب الطهارة. حديث (٦٧٠).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٤١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣١٥).
(٣) أحمد. حديث (١٣٧١٤).
(٤) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٦٦٢٣)، و((الأوسط)) حديث (١٦٩٦).

٨٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجَاءِ بِالحَجَرَيْنِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَحَدِيثُ سَلْمَانَ فِي هذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُ
أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِن أضْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ وَمَنْ بَعْدَهُم: رأوا أن الاسْتِنْجَاءَ بِالحِجَارَةِ
يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالمَاءِ، إِذَا أنْقَى أثَرَ الغَائِطِ وَالبَوْلِ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِي، وَابْنُ
المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحاقُ.
١٣- باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجَاءِ بِالحَجَرَيْنِ [ت١٣، م١٣]
[١٧] (١٧) حدثنا هَنَّادٌ وقُتيبةُ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَن إسْرَائِيلَ، عَن
أبي إسحاق، عَن أبِي عُبَيدَةَ، عَن عَبْدِ الله، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَِّ لِحَاجَتِهِ، فَقَالَ:
((التَمِسْ لِي ثَلاثَةَ أحْجَارٍ)) قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنٍ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَألقَى
الرَّوثَةَ،
قوله: (حديث سلمان: حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم.
قوله: (وهو قول أكثر أهل العلم ..... إلخ) وهو الحق والصواب، يدلُّ عليه أحاديثُ
الباب.
١٣ - بَاب ما جاء في الاسْتِنْجَاءِ بِالحَجَرِيْنِ
[١٧] قوله: (عن أبي عُبَيْدةَ) هو: ابن عبد الله بن مسعود رَُّه، مشهور بكنيته، والأشهر
أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي، ثقة، والراجح: أنه لا يصح سماعه من
أبيه، كذا في ((التقريب)) (عن عبد الله) هو: ابن مسعود بن غافِلٍ، بمعجمة ثم فاء مكسورة،
ابن حبيب، أبو عبد الرحمن الكوفي، أحد السابقين الأولين، وصاحب النَّعْلَينِ، شهد بدرًا
والمشاهد، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، عن بضع وستين سنة.
قوله: (فأتيته بحجرين وروثة) زاد ابن خُزيمة في رواية له في هذا الحديث: ((إِنَّها كَانَت
رَوَثَة حِمَارٍ))، ونقل التميمي أن الرَّوثَ مختصُّ بما يكون من الخيل والبغال والحمير، وفي
رواية البخاري(١) وغيره: ((فَوَجَدْتُ الحَجَرَيْنِ والتَّمَسْتُ الثَّالثَ فَلَمْ أَجِد فَأَخَذت رَوثَة، فَأَتَيَثُ
بها))، أي: بالثلاثة من الحجرين والروثة، (فأخذ الحَجَرينِ وألقى الرَّوثَةَ) استدلَّ به الطحاوي
على عدم اشتراط الثلاثة، قال: لأنه لو كان مشترطًا لطلب ثالثًا، كذا قال، وغفل رحمه الله
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٥٦).

٩٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَاقوى / باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجاءِ بِالحَجَرَيْنِ
وَقَالَ: ((إنَّها رِكْسٌُ)). [خ: ١٥٦، ن: ٤٢، جه: ٣١٤، حم: ٣٦٧٧].
عما أخرجه أحمدُ في («مسنده)) (١) من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن
مسعود، في هذا الحديث فإن فيه: ((فَأَلْقَى الرَّوثَة وقَالَ: إِنَّها رِكْسٌ، اثتنِي بِحَجَرٍ))، ورجاله
ثقات أثبات، وقد تابع عليه معمرًا أبو شيبة الواسطي، وهو ضعيف، أخرجه الدارقطني(٢)،
وتابعهما عمار بن رُزَيْق أحد الثقات عن أبي إسحاق، وقد قيل: إن أبا إسحاق لم يسمع من
علقمة، لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسيُّ، وعلى تقدير أنه أرسله عنه، فالمرسل
حجة عند المخالفين، وعندنا أيضًا إذا اعتضد؛ قاله الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)).
وتعقّب عليه العينيُّ في ((عمدة القاري شرح البخاري))، ص٧٣٧ ج١ فقال: لم يغفل
الطحاوي عن ذلك، وإنما الذي نسبه إلى الغفلة هو الغافل، وكيف يغفل عن ذلك، وقد ثبت
عنده عدم سماع أبي إسحاق عن علقمة، فالحديث عنده منقطع، والمحدِّث لا يرى العَمَلَ
به، وأبو شيبة الواسطي ضعيفٌ، فلا يعتبر بمتابعته، فالذي يدعي صنعة الحديث، كيف
يرضى بهذا الكلام. انتهى.
قلت: هذا غَفْلَةٌ شديدة من العيني، فإن الطحاويَّ رحمه الله قد احتج بحديث أبي إسحاق
عن علقمة في مواضع من كتابه ((شرح الآثار))(٣) فمنها ما قال: حدَّثنا أبو بَكْرَة، قال: ثنا أبو
داود، قال: ثنا حُدَيج (٤) بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن ابن مسعود، قال: ليت
الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابًا .
سلمنا: أن أبا شيبة ضعيف؛ فلا يعتبر بمتابعته، لكن عَمَّار بن رُزَيق ثقة، وهو قد
تابعهما، فمتابعته معتبرة بلا شك، على أن قول الطحاوي: ((لو كان مشترطًا لطلب ثالثًا)) فيه
نظر، لاحتمال أنه وسي﴿ أخذ ثالثًا بنفسه من دون طلب، أو استنجَى بحجر وطرفَي حجرٍ آخر،
وبالاحتمال لا يصحُّ الاستدلال، قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)): قال ابن الجوزي
في ((التحقيق)): وحديث البخاري ليس فيه حجة؛ لأنه يحتمل أن يكون عليه السلام أخذ
حجرًا ثالثًا مكان الرَّوثةِ، وبالاحتمال: لا يتم الاستدلال. انتهى.
قوله: (وقال: إنها ركس) كذا وقع هاهنا بكسر الراء وإسكان الكاف، فقيل: هي لغة في
(١) أحمد. حديث (٤٢٨٧).
(٢) الدارقطني (٥٥/١). حديث (٥).
(٣) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). حديث (١٢٠٩).
(٤) في نسخة: خديج.

٩١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهو / باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجاءِ بِالحَجَرَیْنِ
قَالَ أبُو عيسى: وَهكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبيع هَذا الحَدِيثَ عَن أبي إِسْحَاقَ، عَن
أَبِي عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله، نَحْوَ حَدِيثٍ إسرائيلَ، وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَعمَّارُ بْنُ رُزَيقٍ، عَن
أبِي إسحاق، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله. وَرَوَى زُهَيْرٌ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَن أبِيهِ الأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَن عَبْدِ الله، وَرَوَى زَكَرِيًّا بْنُ
أبِي زَائِدَةَ، عَن أبي إِسْحَاقَ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزيد، عَن الأسْوَدِ بن يَزِيدَ عَن
عَبْدِ الله. وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرابٌ.
قَالَ أبو عيسى: سَأَلْتُ عَبْدَ الله بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أيُّ الرِّوَايَاتِ فِي هذَا الحَديث
عَن أبي إسْحَاقَ أصَحُّ؟ فَلَمْ يَقْضِ فيهِ بِشَيءٍ. وَسَأَلْتُ مُحمَّداً عَن هذا؟ فَلَمْ يَقْضِ فيهِ
بِشَيْءٍ، وَكَأَنَّهُ رأى حَدِيثَ زُهَيْرٍ، عَن أبي إِسْحَاقَ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن الأَسْوَدِ، عَن
أبِيهِ، عَن عَبْدِ الله أشْبَهَ، وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِهِ: الجَامِعِ.
قَالَ أَبُو عيسى: وَأَصَحُّ شيءٍ في هذَا عِنْدِي حَدِيثُ إِسْرَائيلَ، وَقْيْسٍ، عَن
أبي إسْحَاقَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله، لأنَّ إِسْرَائيلَ أثْبَتُ وَأَحْفَظُ لحديثٍ
أبي إسحاق مِن هَؤُلاءِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذلِكَ قيْسُ بنُ الرَّبِيعِ.
رجْس بالجيم، ويدلُّ عليه رواية ابن ماجه وابن خُزَيْمَة في هذا الحديث، فإنها عندهما
بالجيم، وقيل: الركس: الرجيع، رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة؛ قاله الخطّابي
وغيره. والأولَى أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الرَّوَثِ، كذا في ((فتح الباري)).
قوله: (وهكذا روى قيس بن الربيع) الأسدي أبو محمد الكوفي، صدوق تغيَّر لما كَبِرَ،
وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدَّث به، (وهذا حديث فيه اضطراب) أي: في سنده
اضطراب، فأصحاب أبي إسحاق يختلفُونَ عليه، كما بينه الترمذي، (سألت عبد الله بن
عبد الرحمن) هو: أبو محمد الدارمي، الحافظ صاحبُ ((المسند)) تقدم ترجمته في ((المقدمة))
(سألت محمدًا) هو: الإمام البخاري، (وكأنه) أي: محمدًا البخاري (أشبه) أي: بالصحة
وأقرب إلى الصواب (ووضعه في كتابه الجامع) أي: الجامع الصحيح المشهور بـ ((صحيح
البخاري))، في ((باب: لا يستنجي بروث))، (لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق
من هؤلاء) أي: معمر، وعمار بن رُزَيْقَ، وزهير، وزكريا بن أبي زائدة (وتابعه) أي: إسرائيل
(على ذلك) أي: على روايته عن أبي عُبَيْدَة عن عبد الله، (قيس بن الربيع) بالرفع، فاعل

٩٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجَاءِ بِالحَجَرَيْنِ
قَالَ أبُو عيسى: وَسَمِعْتُ أبَا مُوسى مُحَمَّد بن المُثَنَّى يَقولُ: سَمِعْتُ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَهْدِيٍّ يقولُ: مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِن حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَن
أبي إسحاق، إلَّا لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائيلَ، لأنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ .
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَزُهَيْرٌ فِي أبي إسحاق لَيْسَ بِذَاكَ، لأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ بِأَخَرَةٍ.
((تابع))، (وزهير في أبي إسحاق) أي: في رواية الحديث عن أبي إسحاق (لَيْسَ بذاك)، أي:
ليس بالقوي، (لأن سماعه منه) أي: لأن سماع زهير من أبي إسحاق (بِأَخَرَةٍ) بفتح الهمزة
والخاء، أي: في آخر عمره، ومن نسخة قلمية صحيحة: ((بآخرِهِ)).
اعلم أن الترمذي رحمه الله رجَّح رواية إسرائيل على رواية زهير التي وضعها الإمام
البخاريُّ في «صحيحه)) وعلى روايات مَعْمَر وغيره بثلاثة وجوه:
الأول: إن إسرائيل أثبتُ وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومَعْمَر وغيرهما.
الثاني: إن قيس بن الربيع تَابَع إِسرائيلَ على روايته، عن أبي إسحاق عن أبي عُبَيْدَة، عن
عبد الله .
الثالث: إن سماع إسرائيل من أبي إسحاق ليس في آخِرِ عُمُره، وسماع زهير منه في آخر
عمره.
قلت: في كُلِّ من هذه الوجوه الثلاثة نَظَرٌ، فما قال في الوجه الأول؛ فهو معارض بما
قال الآجُرِّيُّ: سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق، فقال: زهير فوق إسرائيل
بكثير. وما قال في الوجه الثاني، من متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل: فإن شَرِيكًا
القاضِيَ تابع زهيرًا وشريك أوثق من قيس، وأيضًا تابع زهيرًا إبراهيمُ بنُ يوسف عن أبيه،
وابن حمَّاد الحنفيُّ، وأبو مريم، وزكريا بن أبي زائدة. وما قال في الوجه الثالث: فهو
معارض بما قال الذهبي في ((الميزان)): قال أحمد بن حنبل: حديثُ زكريا وإسرائيل عن
أبي إسحاق لَيِّنُ، سَمِعًا منه بِأَخَرَةٍ، فظهر الآن أنه ليس لترجيح رواية إسرائيل وجْهٌ صحيح؛
بل الظاهر أن الترجيح لرواية زهير التي رجَّحها البخاري ووضعَها في ((صحيحه))، قال
الحافظ ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)) ص ٤٠٣: حكى ابن أبي حاتم، عن أبيه
وأبي زرعة: أنهما رَجَّحا رواية إسرائيل، وكأن الترمذي تبعهما في ذلك، والذي يظهر أن
الذي رجَّحه البخاري هو الأرجَحُ، وبيان ذلك: أن مجموع كلام هؤلاء الأئمة مشعرٌ بأنه
الراجِحُ على الروايات كلِّها، أما طريقُ إسرائيل، وهي: عن أبي عُبَيْدَة، عن أبيه، وأبو عبيدة

٩٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجاءِ بِالحَجَرَيْنِ
قَالَ: وَسَمِعْتُ أحْمَدَ بنِ الحَسنِ التِّرْمِذِيَّ يقولُ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن حَنْبَلٍ يقولُ:
إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ عَنِ زَائِدَةً
لم يسمع من أبيه، فيكون الإسناد منقطعًا؛ أو رواية زهير، وهي: عن عبد الرحمن بن
الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود؛ فيكون متصلًا، وهو تصرُّف صحيح؛ لأن الأسانيد فيه
إلى زهير وإلى إسرائيل أثبتُ من بقية الأسانيد.
وإذا تقرَّر ذلك كان دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية؛ لأن الاختلاف على
الحفاظ في الحديث لا يوجبُ أن يكون مضطربًا إلَّا بشرطين؛ أحدهما: استواء وجوه
الاختلاف، فمَتِى رجح أحد الأقوال؛ قُدِّمَ ولا يُعَلُّ الصحيحُ بالمرجوح. وثانيهما: مع
الاستواء أن يتعذّر الجمعُ على قواعد المحدِّثين، أو يغلب على الظن أن ذلك الحافظَ لم
يَضْبِط ذلك الحديث بعينه؛ فحينئذ: يحكم على تلك الرواية وَحْدَها بالاضطراب، ويتوقَّف
على الحكم بصحّة ذلك الحديث لذلك، وهاهنا: يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على
أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٍ منها من مقالٍ، غير الطريقين
المقدَّم ذكرُهُما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنه يمكنُ ردُّ أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي
يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تَابَعَ زُهيرًا، وقد
رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١) من رواية يحيى بن أبي زائدة، عن أبيه عن أبي إسحاق،
كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢) من طريق ليث بن أبي سُلَيْم، عن
عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، كرواية زهير، عن أبي إسحاق، وليثٌ
- وإن كان ضعيف الحفظ - فإنه يعتبر به ويستشهد، فيُعرَفُ أن له من رواية عبد الرحمن بن
الأسود عن أبيه أصلًا. انتهى كلام الحافظ.
قوله: (سمعت أحمد بن الحسن) ابن جُنَيْدِب الترمذيَّ الحافظ الجوَّال، كان من تلامذة
أحمد بن حنبل، روى عن أبي عاصم، والفريابي، ويعلَى بن عُبَيْد وغيرهم، وعنه: البخاري،
والترمذي، وابن خزيمة، وكان أحد أوعية الحديث، مات سنة (٢٠٥) خمس ومئتين، (إذا
سمعت الحديث عن زائدة) هو: ابن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، أحد الأعلام، روى
عن: سماك بن حرب، وزياد بن علاقة، وعاصم بن بَهْدَلَة، وعنه: ابن عيينة، وابن مهدي،
(١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٩٩٥٥).
(٢) ابن أبي شيبة في ((المصنف)). حديث (١٦٥٠).

٩٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجاءِ بِالحَجَرَيْنِ
وَزُهَيْرِ فَلا تُبَالِي أنْ لا [تَسْمَعَهُ] مِن غَيْرِهما، إلَّا حَدِيثَ أبي إسْحَاقَ، وَأبو إِسْحَاقَ
اسْمُهُ: عَمْرُو بنُ عَبْدِ الله السَّبِيعيُّ الهَمْدَانِيُّ، وَأبو عُبَيْدَةَ بنُ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعودٍ لَمْ
يَسْمَعْ من أبيه، وَلا يُعْرَفُ اسمُهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ [العَبْدِيُّ]، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن
عَمْرو بن مُرَّةَ قَالَ: سَألْتُ أبَا عُبَيْدةَ بن عَبْدِ الله: هَلْ تَذْكُرُ مِن عَبْدِ اللهِ شَيْئاً؟ قَالَ:
لا .
وغيرهما، وثقه أبو حاتم وغيره، مات غازيًا بأرض الروم، سنة (١٦٢) اثنتين وستين ومئة،
كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): ثقة ثَبْتُ صاحب سنة، (وزهير) تقدَّم ترجمته آنفًا .
(إلَّا حديث أبي إسحاق)، قال في ((الخلاصة)) قال أحمد: زهير ثَبْتُ سمع من أبي إسحاق
بأخرةٍ، وقال في هامشها نقلًا عن ((التهذيب)): وقال أبو زرعة: ثقة، إلَّا أنه سمع من
أبي إسحاق بعد الاختلاط. انتهى.
(وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهَمْدانيُّ) قال في ((التقريب)): مكثر ثقة
عابد من الثالثة، يعني: من أوساط التابعين، اختلط بِأَخرةٍ ماتَ سنة (١٢٩) تسع وعشرين
ومئة، وقيل: قبل ذلك. انتهى، وقال في ((الخلاصة)): أحد أعلام التابعين، قال أبو حاتم:
ثقة يشبه الزهري في الكثرة، وقال حُمَيْدٌ الرؤاسي: سمع منه ابن عيينة بعد ما اختلط. انتهى.
قلت: هو مدلِّس، صرَّح به الحافظ في ((طبقات المدلسين))، (ولا يعرف اسمه) اسمه
عامر، لكنه مشهورٌ بكنيته، (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم الكوفي، أبو عبد الله
الكرابيسي الحافظ، ربيبُ شعبة، جالسه نحوًا من عشرين سنة، لقبه غُنْدَرٌ، قال ابن معين:
كان من أصحِّ الناس كتابًا، قال أبو داود: مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومئة، وقال ابن
سعد: سنة أربع، كذا في ((الخلاصة))، وقال الحافظ: ثقة صحيح الكتاب إلّا أن فيه غفلة.
انتهى، (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجَمَلِيِّ المرادِيِّ الكوفي الأعمى، ثقة
عابد، كان لا يدلس، ورُمِيَ بالإرجاء.
قوله: (سألتُ أبا عُبَيْدةَ بنَ عبد الله: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا). هذا نصّ
صحيحٌ صريحٌ في أن أبا عُبَيْدَة بن عبد الله بن مسعود، لم يسمع من أبيه شيئًا، وهو القول
الراجح، قال الحافظ في ((التقريب)): أبو عُبَيْدةَ بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته،
والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي، ثقة؛ والراجح أنه لا يصحُّ

٩٥
أبواب الطهارة عن رسول اللّه ◌َ ﴿ / باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجاءِ بِالحَجَرَيْنِ
سماعه من أبيه، وقال في ((تهذيب التهذيب)): روى عن أبيه، ولم يسمع منه؛ ذكره ابن حبَّان
في ((الثقات))، وقال: لم يسمع من أبيه شيئًا، وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) قلتُ لأبي:
هل سمع أبو عُبَيْدَةً من أبيه؟ قال: يقال: إنه لم يسمع. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)):
أبو عُبَيْدةَ لم يسمع من أبيه على الصحيح. انتهى.
تنبيه: قال العيني في ((شرح البخاري))، ردًّا على الحافظ ما لفظه: وأما قولُ هذا القائل:
(أبو عُبَيْدَةَ لم يَسْمَع من أبيه)؛ فمردود بما ذكر في ((المعجم الأوسط))(١) للطبراني من حديث
زياد بن سعد عن أبي الزبير، قال: حدَّثني يونس بن عتَّب(٢) الكوفي، سَمِعْتُ أبا عُبَيْدَةَ بن
عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: كُنْتُ مع النبيِّ وَّهِ فِي سَفَرٍ ..... الحديث، وبِمَا أخرج
الحاكم في ((مستدركه)» (٣) من حديث أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، في ذكر يوسف
عليه السلام، وصحّح إسناده، وبما حسَّن التِّرمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه، منها: ((لَمَّا
كَانَ يَومُ بَدْرٍ جِيءَ بالأسْرَى)»(٤)، ومنها: ((كان في الرَّكْعَتيْنِ الأُولَيْن، كأنَّه على الرَّضفِ))(٥)
ومنها: قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ومن شرط الحديث
الحَسَن: أن يكون متَّصلَ الإسناد عند المحدِّثين. انتهى كلام العيني.
قلت: لا بد للعينيّ أن يثبت أولًا صحة رواية ((المعجم الأوسط)) ثم بعد ذلك يستدلُّ بها
على صحَّة سماع أبي عُبَيْدَة، ودونه خَرْطُ القَتَادِ(٦)، وأما استدلاله على سماعه من أبيه، بما
أخرجه الحاكم وتصحيحه؛ فعجيب جدًّا، فإن تساهله مشهور، وقد ثبت بسند صحيح عن
أبي عُبَيْدةَ نفسه عَدَمُ سماعه من أبيه، كما عرفت، وأما استدلاله على ذلك؛ بما حسِّن
الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه؛ فمبنيٌّ على أنه لم يقِف على أن الترمذي قد يُحَسِّنُ
الحديث مع الاعتراف بانقطاعه، وقد ذكرنا ذلك في ((المقدمة)).
(١) الطبراني في «الأوسط)). حديث (٩١٨٩).
(٢) في ((الطبراني)): خباب، بدل: عتاب.
(٣) الحاكم. حديث (٤٠٩١) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٤) الترمذي، كتاب الجهاد. حديث (١٧١٤).
(٥) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٣٦٦).
(٦) الخرط، قشرك الورق عن الشجرة اجتذابًا بكفك. والقتاد، شجر له شوك أمثال الإبر. يضرب للأمر دونه مانع.
((مجمع الأمثال)).

٩٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ فِي گَرَاهِیَةٍ مَا يُسْتَنْجَی پِهِ
١٤ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ مَا يُسْتَنَّجَى بِهِ [ت١٤، م١٤]
[١٨] (١٨) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَن دَاوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَن
الشَّعْبِيِّ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ :
١٤ - بابُ: ما جاء في كَرَاهِية ما يُستَنّجى به
أي: في بيان الأشياء التي يكره الاستنجاء بها، وقد تقدّم في ((المقدمة)) مبسوطًا أن
إطلاق لفظ ((الكراهية)) جاء في كلام الله ورسوله بمعنى ((التحريم))، والسلف كانوا يستعملون
هذا اللفظ في معناه الذي استعملَ فيه كلامُ الله وكلام رسوله، ولكنَّ المتأخرين اصطلحوا
على تخصيص لفظ ((الكراهية)) بما ليس بمحرَّم، وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل
منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث؛ فغلط في ذلك.
[١٨] قوله: (نا حفص بن غياث) بمعجمة مكسورة وياء ومُثلَّثة، ابن طلق بن معاوية
النخعي، أبو عمر الكوفي، القاضي، ثقة، فقيه، تغيَّر حفظه قليلاً في الآخر، من الثامنة،
أي: من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، كذا في ((التقريب)»، وقال في ((مقدمة فتح
الباري)): أجمعوا على توثيقه والاحتجاج به إلَّا أنه ساء حفظه في الآخر، فمن سمع من كتابه
أصُّ ممن سمع من حفظه، روى له الجماعة، (عن داود بن أبي هند) القشيري مولاهم، ثقة
متقن، إلَّا أنه يهم بِأَخَرَةٍ، روى عن ابن المسيِّب، وأبي العالية، والشعبي، وخلق، وعنه:
يحيى بن سعيد قرينه، وقتادة كذلك وشعبة، والثوري، وخلق؛ وثقه أحمد والعِجْلِيُّ وأبو حاتم
والنسائي، مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومئة؛ كذا في ((التقريب)) و((الخلاصة))، (عن
الشعبي) هو: عامر بن شَرَاحِيلَ الشعبي - بفتح الشين - أبو عمرو، ثقة مشهور، فقيه فاضل،
من الطبقة الوسطى من التابعين، قال مكحولٌ: ما رأيت أفقه منه، وكذلك قال أبو مِجْلَز،
قال الشعبي: أدركتُ خمس مئة من الصحابة، قال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عباس
في زمانه، والشعبي في زمانه، توفي سنة ثلاث ومئة، كذا في ((التقريب)) و((الخلاصة))، (عن
علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثَبْتُ فقيه، عابد، من كبار التابعين، عن:
أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وطائفة، وعنه: إبراهيم النخعي،
والشعبي، وخلق، قال ابن المديني: أعلم الناس بابن مسعود علقمةٌ والأسودُ، قال ابن
سعد: مات سنة (٦٢) اثنتين وستين. كذا في ((التقريب)) و((الخلاصة)).

٩٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ اه / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ مَا يُسْتَنْجَى بِهِ
((لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بِالعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إنْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ)). [م: ٤٥٠،
حم: ٤١٣٨] .
وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَسَلْمَانَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عُمَر.
قوله: (لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام) جمع عَظْم، وتقدَّم معنى ((الرَّوث)) في الباب
المتقدِّم، (فإنه زاد إخوانكم من الجن) قال الطيبيُّ: الضمير في ((فإنه)) راجعٌ إلى الرَّوثِ
والعظام، باعتبار المذكور، كما ورد في ((شرح السنة)) و((جامع الأصول))، وفي بعض نسخ
((المصابيح))، وفي بعضها و((جامع الترمذي)): ((فإنَّها))، فالضمير راجعٌ إلى العظام، والرَّوتُ
تابعٌ لها، وعليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِجَرَةً أَوْ لَمَّوَ أَنفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] انتهى. وقال
ابن حجر: وإنما سكت عن الرَّوث؛ لأن كونه زادًا لهم إنما هو مجاز، لما تقرَّر أنه لدوابهم.
انتهى. كذا في ((المرقاة))، وفي رواية مسلم(١) في ((قصة ليلة الجن)) وسألوه عن الزاد، فقال:
((لَكُم كُلُّ عَظْمِ ذُكِرَ اسمُ اللهِ عَلَيه يقعُ فِي أَيْدِيكُم أوفَرَ ما يَكونُ لَحْمًا، وكلُّ بَعْرَة لِدَوابِكُمْ،
فقالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فَلا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ الجِنِّ))، وحديث الباب يدلُّ على أنَّه لا
يجوزُ الاستنجاء بالروث والعظم، والعلة أنهما من طعام الجن: العظام لهم، والروتُ
لدوابِهِم، وروى الدارقطنيُّ(٢)، عن أبي هريرة: ((أنَّ النبيَّنَ ◌ّهُ نَهى أن يُسْتَنجَى بِرَوثٍ أو
عَظْم، وقَالَ: إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ))، قال الدار قطنيُّ بعد روايته: إسناده صحيح، وهذا الحديث
يدلُّ على أنَّ العلة أنهما لا يطهِّرانَ، قال في «سبل السلام)): علّل في رواية الدارقطني بأنهما
لا يُطَهِّران، وعلَّل بأنهما من طعام الجنِّ، وعلِّلتِ الروثة بأَنَّها رِكْسٌ، والتعليل بعدم التطهير
فيها عائدٌ إلى كونها رِكْسًا، وأما عدم تطهير العظم: فإنه لَزِجٌ لا يتماسكُ فلا ينشِّف النجاسة،
ولا يقطع البِلَّة، قال: ولا تنافي بين هذه الروايات، فقد يعلّل الأمر الواحد بعللٍ كثيرةٍ.
قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة، وسلمان، وجابر، وابن عمر): أما حديث أبي هريرة
فأخرجه البخاري(٣) في ((كتاب الطهارة))، وفي ((باب ذكر الجن))، وأما حديث سلمان،
فأخرجه الجماعة إلَّ البخاري(٤)، كذا في ((نصب الراية)»، وأما حديث جابر: فأخرجه
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٥٠).
(٢) الدارقطني (٥٦/١). حديث (٩).
(٣) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٥٥)، وكتاب مناقب الأنصار، حديث (٣٨٦٠).
(٤) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٢)، وأبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٧)، والنسائي، كتاب الطهارة.
حديث (٤١)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣١٦).

٩٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ مَا يُسْتَنْجَى بِهِ
قَالَ أبو عيسى: وَقَدْ رَوَى هذَا الحَدِيثَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرُهُ، عَن دَاوُدَ بْنِ
أبِي هِنْدٍ، عنِ الشَّعْبِيِّ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله: أنّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَّه لَيْلَةَ الجِنِّ
الحَدِيثَ بِطُولِهِ، فقال الشَّعْبِيُّ: إنَّ النبيَّ نَّهِ قَالَ: ((لا تَسْتَنْجُوا بالرَّوْثِ وَلا
بِالعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إحْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ)). وَكَأَنَّ رِوَايةَ إِسْماعيل أصَحُّ مِن رِوايةٍ
حَفْصِ بْنِ غِیَاتٍ.
مسلم (١) عن أبي الزبير، عنه بلفظ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ لَ أن يُتَمَسَّحَ بِعَظُم أو بَعْرٍ)). وحديث
ابن مسعود المذكور في الباب: أخرجه أيضًا النسائي إلَّا أنه لم يذكر: ((زَادُ إِخْوَانِكُم مِنَ
الجِنِّ))، كذا في ((المشكاة)).
قوله: (وقد روى هذا الحديث إسماعيلُ بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر
البصري المعروف بـ ((ابن علية))، ثقة حافظ، من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، روى
عن: أيوب، وعبد العزيز بن رُفَيْعُ ورَوح بن القاسم، وخلق، وعنه: أحمد، وابن راهويه،
وعلي بن حُجْر وخلق كثير، قال شعبة: ابن علية ريحانةُ الفقهاءِ، قال أحمد: إليه المنتهى في
التثبُّت، وقال ابن معين: كان ثقة مأمونًا ورعًا تقيًّا، (الحديث بطوله) بالنصب، أي: أتمَّ
الحديثَ بطوله، وأخرج الترمذي هذا الحديث بطوله في ((تفسير سورة الأحقاف))، ومسلم في
((كتاب الصلاة)) في ((باب الجهر بالقراءة في الصبح)) و((القراءة على الجن))، قال الترمذي(٢)
في ((التفسير)): حدّثنا علي بن حُجْرٍ، نا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، عن الشعبي، عن
علقمة، قال: ((قلت لابْنِ مسعود: هل صَحِبَ النبيَّ وٍَّ ليلةَ الجِنِّ منكم أحَدٌ؟ قال: ما صَحِبهُ
منَّا أحدٌ، ولكنِ افْتَقدْنَاهُ ذَاتَ ليلةٍ، وهو بمكّة؛ اغتيل: استُطِير: ما فُعل به؟ فبتنا بِشَرِّ لَيْلَة
بَاتَ بِهَا قومٌ، حَتَّى إذا أصْبَحْنَا، أو: كان في وجه الصبح، إذا نَحْنُ بهِ يَجيءُ مِن قبلِ حِرَاء،
قالَ: فذكروا الذي كانوا فيه، قال: فقال: أتاني دَاعي الجِنِّ فأتَيتُهُم فَقَرَأْتُ عَلَيْهم، قَالَ:
فَانْطَلَقَ، فأرَانَا آثارَهُم وآثارَ نِيرَانِهم))، قال الشعبي: سألوه الزاد، وكانوا من الجزيرة، فقال:
كُلُّ عظْم يُذْكَرُ اسمُ اللهِ يقعُ في أيديكم أوفَرَ مَا كَانَ لَحمًا، وكُلُّ بَعْرَةٍ أو رَوثةٍ عَلَفٌ لَدَوابِّهم؛
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَلا تَسْتَنْجوا بِهِما، فَإِنَّهُما زادُ إْوَانِكُم من الجِنِّ)»، هذا حديث حسن
صحيح، (وكأن رواية إسماعيل أصحُّ من رواية حفص بن غياث) والفرق بين روايتيهما: أن
(١) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٣).
(٢) الترمذي، كتاب تفسير القرآن. حديث (٣٢٥٨).

٩٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلهو / باب مَا جَاءَ فِى الاسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عنْدَ أهلِ العِلْمِ. وَفِي الْبَابِ: عَن جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ ضًَّا.
١٥- باب مَا جَاءَ في الاسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ [ت١٥، ١٥٢]
[١٩] (١٩) حدثنا قُتَيْبَةُ ومُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبي الشَّوَارِبِ البَصْريُّ قَالا:
حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن مُعاذَةَ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أن يَسْتَطِيبُوا
رواية إسماعيل مقطوعةٌ ورواية حفص بن غياث مسندَةٌ، ووجه كون رواية إسماعيل أصحُّ: أن
حفصًا خالفَ أصحابَ داود بن أبي هند، فَرَوَى هذه الرواية مسندةً، وهُم رَوَوها من قول
الشعبيِّ، قال النووي في ((شرح مسلم)): قال الدارقطني: انتهى حديثُ ابن مسعود عند قوله:
((فَأَرَانَا آثارَهُم وآثَارَ نِيرَانِهِم))، وما بعده من كلام الشعبي، كذا رواه أصحاب داود الراوي عن
الشعبي وابن علية وابن زريع وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم، هكذا قال الدارقطني
وغيره، ومعنى قوله: ((إنه مِن كلام الشعبيِّ)) أنه ليس مرويًّا عن ابن مسعود بهذا الحديث،
وإلا فالشعبي لا يقولُ هذا الكلام إلَّا بتوقيف عن النبي ◌َّ. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن جابر وابن عمر)، كذا في النسخ الموجودة عندنا، وهو تَكْرارٌ.
١٥- بَاب: الاسْتِنْجاءِ بِالمَاءِ
[١٩] قوله: (حدثنا قتيبة ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) الأمويُّ البصريُّ،
صدوق، من كبار العاشرة، روى عن: عبد الواحد بن زياد، وأبي عوانة، ويزيد بن زُرَيْع،
وعنه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وقال: لا بأس، وابن ماجه، مات سنة (٢٤٤) أربع
وأربعين ومئتين، (عن قتادة) بن دِعَامَة السدوسيِّ البصريِّ، ثقةٌ تَبْتُ، يقال: ولد أكمه، وهو
رأس الطبقة الرابعة، قال ابن المسيِّب: ما أتانا عراقيٍّ أحفظ من قتادة، وقال ابن سيرينَ:
قتادة أحفظُ الناس، وقال ابن مهدي: قتادة أحفظُ من خمسين مثل حُمَيْد، تُوِّي سنة (١١٧)
سبع عشرة ومئة، وقد احتج به أرباب الصِّحَاح، كذا في ((التقريب)) و((الخلاصة))، قلت: لكنه
مدلِّس، (عن معاذة) بنت عبد الله العدوية، أم الصهباء البصرية العابدة، قال ابن معين: ثقة
حجة رَوَت عن: علي، وعائشة، وعنها: أبو قِلابَة، ويزيد الرشك، وأيوب، وطائفة، قال
الذهبي: بلغني أنها كَانَت تُحْيِي الليل، وتقول: عجبتُ لعين تنام، وقد عَلَمَت طُولَ الرقاد في
القبور، قال ابن الجوزي: توفيت سنة (٨٣) ثلاث وثمانين.
قوله: (قالت) أي: للنساء (أن يستطيبوا) أي: أن يستنجوا، والاستطابة: الاستنجاء،

١٠٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي الاسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ
بِالمَاءِ، فإِنِّي أسْتَحْيِيهِمْ، فإنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهَ كَانَ يَفْعَلُهُ. [ن: ٤٦، حم: ٢٤٣١٥].
وَفِي الْبَابِ: عَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله البَجَلِيِّ، وَأَنَسٍ، وَأبي هُرَيْرةَ.
قَالَ أبُو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ أهلِ العِلْمِ: يَخْتَارُونَ الاسْتِنْجَاءَ بِالمَاءِ، وَإِنْ كانَ الاسْتِنْجَاءُ
بِالحِجَارَةِ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّهُمُ استَحِبُّوا الاسْتِنْجَاءَ بِالمَاءِ وَرَأوْهُ أفْضَلَ، وَبِهِ يَقولُ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وإِسْحَاقُ.
(فإِنِّي أستحييهم) أي: من بيان هذا الأمر، (كان يفعله) أي: الاستنجاء بالماء.
قوله: (وفي الباب عن جرير بن عبد الله البجلي، وأنس، وأبي هريرة) أما حديث جرير بن
عبد الله؛ فأخرجه ابن خُزيمة في ((صحيحه)(١) من حديث إبراهيم بن جرير، عن أبيه: ((أنَّ النبيَّ
وَ﴿ِ دَخَلَ الغَيْضَةَ، فَقَضَى حَاجَتْهُ، فَأْتَاهُ جَرِيرٌ بِإِداوَةٍ مِن مَاءٍ، فَاسْتَنجَى مِنْهَا وَمَسَحَ يَدَهُ
بالتُّرابِ))، قال الحافظ في ((التقريب)): إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجليِّ، صدوق، إلّا أنه لم
يسمع من أبيه، وقد روى عنه بالعنعنة، وجاءت روايةٌ بصريح التحديث، لكن الذنب لغيره.
وأما حديث أنس: فأخرجه الشيخان(٢) بلفظ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ يَدْخُلُ الخَلاءَ،
فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِن مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنجِي بِالمَاءِ».
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه(٣) مرفوعًا: قالَ: نَزَلَت
هذِهِ الآيةُ فِي أهْلٍ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُقَلِهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]
قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلَت فيهم هذه الآية، وسنده ضعيف، وفي الباب أحاديثُ
صحيحةٌ أخرى، ومن هنا: ظهر أن قول مَن قال من الأئمة: ((إنه لم يصحَّ في الاستنجاء
بالماء حدیثٌ)) ليس بصحيح.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والنسائي.
قوله: (وعليه العمل عند أهل العلم؛ يختارون الاستنجاء بالماء، وإن كان الاستنجاء
بالحجارة يُجْزِئ عندهم .... ) إلخ: قال العيني: مذهبُ جمهور السلف والخلف، والذي
(١) ابن خزيمة. حديث (٨٩).
(٢) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٥٠)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٧١).
(٣) الترمذي، كتاب التفسير. حديث (٣١٠٠)