النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أوْ بَوْلٍ
وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلٍ بن ◌ُنَيْفٍ.
قَالَ أَبُو عيسى: حَدِيثُ أبي أيُّوبَ أحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأْصَحُّ. وَأَبُو أَيُّوبَ
اسْمُهُ: خَالِدُ بنُ زَيْدٍ، وَالزُّهْرِيُّ اسْمُهُ: مُحَمَّدُ بِنُ مُسْلِم بن عُبَيْدِ الله بنِ شِهَاپٍ
الزُّهْرِيُّ و کنیتہ: آبُو بَكْرٍ
وكله واحد، يُعَدُّ في أهل المدينة، روى عنه: أبو سلمة، وأبو زيد مولاه، وأم معقل، توفي
في أيام معاوية ظه، قاله ابن الأثير، وقال الحافظ: له ولأبيه صحبة، (وأبي أمامة
وأبي هريرة ﴿ وسهل بن حنيف).
أما حديث عبد الله بن الحارث: فأخرجه ابن ماجه وابن حبّان(١)؛ قاله الحافظ، وأما
حديث معقل: فأخرجه أبو داود وابن ماجه (٢)، وأما حديث أبي أمامة: فلم أقف عليه، وأما
حديث أبي هريرة: فأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣) مرفوعًا بلفظ: ((إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى
حَاجَةٍ، فلا يَسْتَقبِلِ القِبْلَةَ ولا يَسْتَدِرْها))، وأخرجه أيضًا ابن ماجه والدارمي، وأما حديث
سهل بن حنيف: فأخرجه الدارمي (٤).
قوله: (حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وأبو أيوب اسمه: خالد بن زيد) قال الحافظ في ((التقريب)): خالد بن زيد بن
كُلَيْب الأنصاري أبو أيوب، من كبار الصحابة، شهد بدرًا ونزل النبيُّ ونَ﴿ِ حين قَدِمَ المدينة
عليه، مات غَازِيًا بالروم، سنة (٥٠) خمسين، وقيل بعدها. انتهى.
(والزهري اسمه: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وكنيته: أبو بكر).
هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَةَ
ابن كلاب القرشي الزهري، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة؛ كذا
في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)) هو أحد الأئمة الأعلام؛ وعالمُ الحجاز والشام، قال
الليث: ما رأيت عالمًا قطّ أجمع من ابن شهاب، وقال مالك: كان ابن شهاب من أسخی
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣١٧)، وابن حبان. حديث (١٤١٩).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٠)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣١٩).
(٣) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٥)، وابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣١٣)، والدارمي. حديث
(٦٧٤).
(٤) الدارمي، كتاب الطهارة. حديث (٦٦٤).

٦٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب فِي الَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ
قَالَ أَبُو الوَليدِ المَكِّيُّ: قَالَ أبو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ إذْرِيسَ الشَّافعِيُّ: إنَّمَا مَعْنَى قَوْلٍ
النَّبِيِ وَّهِ: ((لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بِبَوْلٍ وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا)): إنَّمَا هذَا فِي
الفَيَافِي، وَأمَّا فِي الكُنُفِ المَبْنِيَّةِ لَهُ رُخْصَةٌ فِ أنْ يَسْتَقْبِلَهَا، وَهَكَذَا قَالَ إسحاقُ بن
إِبْرَاهيم. وَقَالَ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ رحمه الله: إنَّمَا الرُّخْصَةُ مِن النَّبِيِّ نَّهِ فِي اسْتِدْبَارِ
القِيْلَةِ بِغَائِطِ أوْ بَوْلٍ، وَأمَّا اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ فَلا يَسْتَقْبِلُهَا، كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ في الصَّحْرَاءِ وَلا
فِي الْكُنُفِ أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ.
الناس، وتقيًّا، ما له في الناس نظير، مات سنة (١٢٤) أربع وعشرين ومئة. انتهى.
قوله: (قال أبو الوليد المكي) هو: موسى بن أبي الجارود المكي أبو الوليد، صاحب
الشافعي، عن: ابن عيينة والبُوَيطِيِّ وجماعة، وعنه: الترمذي، وثّقه ابن حِبَّان، كذا في
((الخلاصة)).
(قال أبو عبد الله الشافعي) هو: الإمام الشافعي أحد الأئمة المشهورين، اسمه: محمد
ابن إدريس، وتقدَّم ترجمته في المقدّمة، (إنما هذا في الفيافي) على وزن الصحاري ومعناه،
واحدها: الفَيْفَاءُ بمعنى: الصحراء، (فأما في الكُنُف المبنية): جمع كنيف، أي: البيوت
المتخذة لقضاء الحاجة، (له رخصة في أن يستقبلها) جزاءُ ((أما))، أي: فجائز له أن يستقبل
القبلة فيها، (وهكذا قال إسحاق) هو: إسحاق بن راهويه، ثقة حافظ مجتهد قرينُ الإمام
أحْمَدَ بْنِ حَنْبلٍ، تقدَّم ترجمته في ((المقدمة)) ؛ فمذهب الشافعي وإسحاق: أن استقبال القبلة
واستدبارها بالغائط والبول حرام في الصحراء، وجائز في البنيان؛ ففرَّقا بين الصحراء
والبنيان؛ قال الحافظ في ((الفتح)): وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا؛ قال الجمهور؛
وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق، وهو أعدل الأقوال، لإعماله جميع الأدلة. انتهى.
(وقال أحمد بن حنبل) هو: الإمام أحمد بن محمد بن حَنْبَلٍ، أحد الأئمة الأربعة
المشهورين، تقدم ترجمته في ((المقدمة))، (إنما الرخصة ..... إلخ) حاصل قوله: أنه لا
يجوز الاستقبال في الصحراء ولا في البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما، وعن الإمام أحمد في
هذا روايتان؛ إحداهما هذه التي ذكرها الترمذي، والرواية الثانية عنه: كقول الشافعي
وإسحاق المذكور، وعنه رواية ثالثة؛ كما ستعرف.
اعلم: أن الترمذيَّ ذكر في هذا الباب قولَيْن: قول الشافعي، وقول أحمد بن حنبل،
وهاهنا أربعة أقوال؛ فلنا أن نذكرها مع بيان ما لها وما عليها .

٦٣
أبواب الطهارة عن رسول الله ◌َ﴿ / باب فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أوْ بَوْلٍ
قال النووي في ((شرح مسلم)): قد اختلف العلماءُ في النَّهي عن استقبال القبلة بالبول
والغائط على مذاهب:
الأول: مذهب مالك والشافعي، أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط،
ولا يحرم ذلك بالبنيان، وهذا مرويٌّ عن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر،
والشعبي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدَى الرِّوايَتَينِ.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز ذلك لا في الصحراء ولا في البنيان، وهو: قول أبي أيوب
الأنصاري الصحابي، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وأحمد في
رواية.
المذهب الثالث: جواز ذلك في الصحراء والبنيان جميعًا؛ وهو: مذهب عروة بن
الزبير، وربيعة شَيْخِ مالك، وداود الظاهري.
والمذهب الرابع: لا يجوز له الاستقبال في الصحراء ولا في البنيان، ويجوزُ الاستدبار
فيهما؛ وهي إحدى الروايتين: عن أبي حنيفة وأحمد.
واحتج المانعون مطلقًا: بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا، كحديث
سلمان(١) وأبي أيوب(٢) وأبي هريرة (٣) وغيرهم.
واحتج من أباح مطلقًا: بحديث ابن عمر المذكور في الكتاب - يعني: في ((صحيح
مسلم))(٤) : (أَنَّه رَأَى النَّبيَّ ◌َّهِ مُسْتَقْبلًا بَيْتَ المَقْدِسِ مُسْتَدِرًا القِبْلَة)) وبحديث عائشة، أن
النبيَّ نَّهَ بَلَغَه أن ناسًا يَكْرُهُونَ اسْتِقْبَالَ القِبْلَة بِفُرُوجِهِم، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: «أَوَ قَد فَعَلُوهَا؟
حَوِّلُوا مَفْعَدِي إلى القِبْلَة)) رواه أحمد وابن ماجه(٥)، وإسناده حسن.
واحتج من أباح الاستدبار دون الاستقبال: بحديث سلمان، يعني: الذي رواه مسلم (٦)
بلفظ: (لَقَد نَهَانَا أن نُسْتَقْبِلَ القَبْلَةَ بِغَائِطٍ أو بَولٍ، أَو أَن نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمينِ .... )) الحديث.
(١) أخرجه الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (١٦).
(٢) وهو حديث الباب.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٥).
(٤) مسلم، كتاب الطهاره. حديث (٢٦٦).
(٥) أحمد. حديث (٢٥٤٩٦)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٢٤).
(٦) مسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٢).

٦٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أوْ بَوْلٍ
واحتج مَن حَرَّم الاستقبال والاستدبار في الصحراء وأباحهما في البنيان: بحديث ابن
عمر وبحديث عائشة المذكورَيْن، وبحديث جابر قال: ((نَهَى رَسُول اللهِ وَّ أَن نَسْتقبِلَ القِيلَةَ
بِبَولٍ؛ فَرَأيتُه قَبلَ أن يُقْبضَ بِعَامِ يَسْتَقبلُهَا)) رواه أبو داود والترمذي(١) وغيرهما، وإسناده
حسن، وبحديث مروان الأصغر قَالَ: رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَه مُسْتَقبِلَ القِبلةِ ثُمَّ جَلَسَ
يَبُولُ إليها، فَقُلتُ: يَا أبَا عَبْدِ الرَّحمنِ، أَليسَ قَد نُهِيَ عن ذلك؟ فَقَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَن
ذَلِكَ في الفَضَاءِ، فإذَا كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَ القِبْلَةِ شَيءٌ يَسْتُرُكَ، فلا بَأْسَ. رَوَاهُ أبو داود(٢) وغيره.
فهذه أحاديث صحيحة صريحة بالجواز بين البنيان، وحديثُ أبي أيّوب وسَلْمَانَ
وأبي هُرَيْرَةَ وغيرهم وردت بالنهي، فتُحملُ على الصحراء؛ ليُجمع بين الأحاديث، ولا
خلاف بين العلماء: أنه إذا أمكن الجمعُ بين الأحاديث لا يُصَارُ إلى ترك بعضها، بل يجبُ
الجمْعُ بينها والعملُ بجميعها، وقد أمكن الجَمْعُ على ما ذكرناه، فوجَبَ المَصِير إليه. انتهى
كلام النووي بتلخيص .
قلت: رَجَّح النووي مذهبَ مالك والشافعيّ وغيرهما، ورجَّحه أيضًا الحافظ ابن حجر
حيث قال: هو أعدلُ الأقوال؛ لإعماله جميع الأدلة.
وعندي: أولى الأقوال وأقواها دليلًا هو: قول من قال: إنه لا يجوزُ ذلك مطلقًا لا في
البنيان ولا في الصحراء، فإن القانون الذي وضعه رسول الله ◌َّي في هذا الباب لأمته هو:
قوله: ((لا تَستقبلُوا القِبْلَةَ ولا تَسْتذْبِرُوهَا))، وهو بإطلاقه شاملٌ للبنيان والصحراء، ولم يغيِّره
وَّ في حق أمته؛ لا مطلقًا ولا من وجه.
فأما حديث عائشة ((أنَّ النبيَّ نَّهَ بَلَغَهُ أنَّ ناسًا يَكْرَهُونَ اسْتِقِبَالَ القِبْلَةَ بِفُرُوجِهِم ..... ))
إلخ الذي ذكره النووي، وقال: إسناده حسن، فهو حديث ضعيف منكرٌ لا يصلُحُ للاحتجاج،
قال الحافظ الذهبي في («الميزان)): خالد بن أبي الصَّلتِ عن عراكِ بن مالك عن عائشة:
((حَوِّلُوا مَفْعَدتِي نَحْو القِبْلَةِ، أَوَ قَد فَعَلُوهَا؟)) لا يَكاد يعرفُ، تفرَّدَ عنه خالدٌ الحذَّاءُ، وهذا
حديث منكر، فتارة رواه الحذاء عن عراك، وتارة يقول: عن رجل عن عراك، وقد روى عن
خالد بن أبي الصلت: سُفيانُ بن حصين، ومبارك بن فَضَالة، وغيرهما، وذكره ابن حِبَّان في
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٣)، والترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٩).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١١).

٦٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أُوْ بَوْلٍ
((الثقات))، وما علمتُ أحدًا يعرض إلى لينه، لكنَّ الخبر منكر. انتهى.
وقال البخاري: خالد بن أبي الصَّلت عن عِرَاكٍ مرسلٌ، كذا في ((التهذيب))، وقال ابن
حَزْم في ((المحلى)): إنه ساقط؛ لأن راويه خالد الحذاء، وهو ثقة عن خالد بن أبي الصلت،
وهو مجهول لا ندري من هو، وأخطأ فيه عبد الرزاق، فرواه عن خالد الحذاء عن كثير بن
الصَّلْت، وهذا أبطل وأبطل؛ لأن خالدًا الحذَّاء لم يدرك كثير بن الصَّلت. انتهى.
ولو صحَّ هذا الحديثُ لما كانت فيه حُجَّةٌ على تغيير ذلك القانون ونسخه؛ لأن نصه وَّلـ
يبين أنه إنما كان قبل النهي؛ لأن من الباطل المحالِ أن يكون رسولُ الله ◌َّ نهاهم عن
استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك، وهذا ما لا يظنه مسلم، ولا
ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكارُ ذلك عليهم، فلو صَحَّ؛ لكان منسوخًا بلا شك.
وأما حديث جابر: قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَن نَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ بِبَولٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أن
يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقِلُهَا))(١) .
فهو أيضًا ليس بدليل على نسخ ذلك القانون؛ قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)): في
الاحتجاج به نظر؛ لأنها حكايةُ فعل لا عموم لها، فيحتملُ أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون
في بنیان ونحوه. انتهى.
وقال القاضي الشوكاني في ((النيل)): إنَّ فعله وََّ لا يعارضُ القولَ الخاصَّ بنا؛ كما تقرَّر
في الأصول. انتهى.
وأما حديث ابن عمر: ((أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ◌َّرَ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ مُسْتَدِرًا القِبِلَةَ))(٢).
فهو أيضًا لا يدلُّ على نسخ ذلك القانون؛ لما مَرَّ في حديث جابر آنفًا.
وأما حديث مروان الأصغر فهو أيضًا لا يدلُّ على نسخ ذلك القانون؛ لأن قول ابن عمر
فيه: ((إنَّمَا نُهِيَ عن ذَلكَ في الفَضاءِ)) يحتمل أنه قد عَلِمَ ذلك من رسول الله وََّ، ويحتملُ أنه
قال ذلك استنادًا إلى الفعل الذي شاهده ورواه، فكأنه لما رأى النبيَّ وَّه في بيت حفصة
مستدبرًا القبلة فَهِمَ اختصاصَ النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حُجَّةً، فإذا جاء الاحتمال
بطل الاستدلال.
(١) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٩).
(٢) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٤٥)، ومسلم، كتاب الطهارة. حديث (٢٦٦).

٦٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أوْ بَوْلٍ
فالحاصل: أن أولى الأقوالِ وأقواها عندي - والله أعلم - هو قول من قال: إنه لا يجوز
الاستقبال والاستدبار مطلقًا؛ قال القاضي الشوكاني في ((النيل)): الإنصاف الحُكْمُ بالمنع
مطلقًا، والجزم بالتحريم، حتى ينتهضَ دليلٌ يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة. ولم
نقف على شيء من ذلك، انتهى.
وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): والمختار - والله الموفق -: أنه لا يجوز الاستقبال
ولا الاستدبار في الصحراء ولا في البنيان؛ لأنا إن نظرنا إلى المعاني؛ فقد بيَّنّا أن الحرمة
للقبلة، ولا يختلف في البادية ولا في الصحراء، وإن نظرنا إلى الآثار، فإن حديث أبي أيوب
عَامٌّ في كل موضع، معلِّل بحرمة القبلة، وحديث ابن عمر لا يعارضه، ولا حديثُ جابر،
لأربعة أوجه:
أحدها: أنه قول، وهذان فعلان، ولا معارضة بين القول والفعل.
الثاني: أن الفعل لا صيغةً له، وإنما هو حِكَايةُ حالٍ، وحكاياتُ الأحوال معرَّضَةٌ
للأعذار والأسباب، والأقوالُ لا محتَمَلَ فيها من ذلك.
الثالث: أن القول شرع مبتدأ، وفعله عادة، والشرع مقدَّم على العادة.
الرابع: أن هذا الفعل لو كان شرعًا لما تستَّر به. انتهى.
وقد قال ابن العربي قبل هذا: اختلف في تعليل المَنْع في الصحراء، فقيل: ذلك لحرمة
المصلِّين، وقيل: ذلك لحرمة القبلة، ولكن جاز في الحواضر للضرورة، والتعليلُ بحرمة
القبلة أولَى؛ لخمسة أوجه:
أحدها: أن الوجه الأول؛ قاله الشعبي؛ فلا يلزم الرجوع إليه.
الثاني: أنه إخبار عن مغيَّب، فلا يثبت إلَّا عن الشارع.
الثالث: أنه لو كان لحُرْمة المُصَلِّين؛ لما جاز التغريبُ والتشريقُ أيضًا؛ لأن العورة لا
تخفى معه أيضًا عن المصلِّين، وهذا يعرف باختبار المعاينة.
الرابع: أن النَّبي ◌َّهِ إنما علل بحرمة القبلة؛ فرُوي أنه قال: ((مَن جَلَسَ لِبَولٍ قُبَالةً
القِبْلَةَ، فَذَكَرَ فَانْحَرَفَ عَنْهَا؛ إجلالاً لها لم يَقُم مِن مَجْلسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ)) أخرجه البزَّار(١).
(١) لم أجده في المسند، وأورده الزيلعي في ((نصب الراية)) (٦٥/٢) وخرجه من حديث الحسن ربه، ونسبه لابن
جرير في ((تهذيب الآثار)).

٦٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ مِن الرُّخصَةِ في ذَلِك
٧- باب مَا جَاءَ مِن الرُّخصَةِ في ذَلِك [ت٧، ٧٢]
[٩] (٩) حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، ومُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ،
حَدَّثَنَا أبي، عَن مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق،
الخامس: أن ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحُرْمَةَ إنما هي للقبلة، لقوله: ((لا تَسْتَقْبِلُوا
القِبْلَةَ))، فذكرها بلفظها، فأضاف الاحترام لها. انتهى.
قلت: الظاهر أن الحرمة إنما هي للقبلة، والله تعالى أعلم.
ولو صحَّ حديثُ البزَّار الذي ذكره ابن العربي، لكان قاطعًا في ذلك؛ لكن لم نَقِف على
سنده، فالله أعلم بحالِ إسناده.
٧ - باب: ما جاء مِن الرُّخْصَّة في ذلك
أي: في استقبال القبلة بغائط أو بول.
[٩] قوله: (حدثنا محمد بن بشار) هو: بُنْدَارٌ الحافظ، ثقة، (ومحمد بن المثنى) بن
عُبَيْد العَنَزِيُّ أبو موسى البصري المعروف بالزَّمن، مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثَبْتُ، من
العاشرة، وكان هو وبندار فَرَسي رِهَانٍ، وماتا في سنة واحدة؛ کذا في ((التقریب»، روی:
عن معتمر، وابن عيينة، وغُنْدَرٍ، وخلق، وعنه: الأئمة الستة، وخلق، قال محمد بن يحيى:
حجة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومئتين؛ كذا في ((الخلاصة)). (قالا: نا وهب
جرير) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزدي البصري، ثقة، عن: أبيه، وابن عون، وشعبة،
وخلق، وعنه: أحمد، وإسحاق، وابن معين ووثقه، مات سنة (٢٠٦) ست ومئتين، (نا أ.
جريرُ بنُ حازم، ثقة؛ لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدَّث من حفظه، مات
سنة (١٧٠) سبعين ومئة بعد ما اختلط، لكن لم يحدِّث في حال اختلاطه؛ كذا في
((التقريب)). (عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطّلبي المدني، نزيل العراق، إمام المغازي،
صَدُوق يدلِّس، ورُمِيَ بالتَّشُّع والقَدَرِ، مات سنة (١٥٠) خمسين ومئة، ويقال: بعدها؛ كذا
في ((التقريب))، وقال في ((القول المسدَّد)): وأما حمله - أي: ابن الجوزي - على محمَّد بن
إسحاق فلا طائل فيه، فإن الأئمة قَبِلُوا حديثه، وأكثر ما عِيبَ فيه: التدليسُ والرواية عن
المجهولين، وأما هو في نَفْسِهِ فصدوق، وهو حجة في المغازي عند الجمهور. انتهى.
قُلْتُ: الأمر كما قال الحافظ، فالحَقُّ أن محمد بن إسحاق في نفسه صدوقٌ صالحٌ

٦٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ مِن الرُّخصَةِ في ذَلِك
للاحتجاج، وقد اعترف به العينيُّ وابن الهُمام من الأئمة الحنفية؛ قال العينيُّ في ((عمدة
القاري شرح البخاري)): ابن إسحاق من الثقات الكِبارِ عند الجمهور. انتهى. وقال ابن
الهُمام في ((فتح القدير)): أما ابن إسحاق، فثقة ثقة لا شبهَةَ عندنا في ذلك، ولا عند محقِّقي
المحدِّثين. انتهى.
تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)): اختلف أهلُ الجرح والتعديل في ((ابن إسحاق)) ما
لم يختلف في غيره؛ حتى إنه قال مالك بن أنس: إن قُمْتُ بين الحَجَرِ الأسود وبَابِ الكعبةِ
لحلفت أنه دَجَّال كَذَّاب، وقال البخاريُّ: إنه إمام الحديث، وقال ابن الهُمام: إنه ثقة ثلاث
مرات، وقال حافظ الدنيا: إنه ثقة، وفي حفظه شيء، وأما البيهقي: فيتكلّم فيه في كتابه
((الأسماء والصفات))، واعتمده في كتاب: ((القراءة خلف الإمام))، فالعجب. وعندي أنه من
رواة الحسان، كما في ((الميزان)) ويمكن أن يكون في حفظه شيء. انتهى كلامه بلفظه.
قلت: جروح مَن جرح في ابن إسحاق كلُّها مدفوعةٌ، والحق أنه ثقةٌ قابلٌ للاحتجاج؛
قال الفاضل اللكنوي في ((إمام الكلام)): محمد بن إسحاق، وإن كان متكلَّمًا فيه من جانب
كثير من الأئمة، لكن جروحهم لها محاملُ صحيحةٌ، وقد عارَضَهَا تعديلُ جمع من ثقات
الأمة؛ ولذا صرَّحَ جمع من النقاد بأن حديثه لا ينحظّ عن درجة الحسن، بل صحّحه بعض
أهل الإسناد، وقال في ((السعاية)): والحق في ابن إسحاق هو التوثيق. انتهى.
وقال ابن الهمام في ((فتح القدير)): وهو، أي: توثيق ابن إسحاق هو الحق الأبلج، وما
نقل عن مالك، لا يثبت، ولو صحَّ لم يقبله أهل العلم، كيف وقد قال شعبة فيه: هو أمير
المؤمنين في الحديث، وروى عنه: مثل الثوري، وابن إدريس، وحمَّاد بن زيد، ويزيد بن
زُرَيْع، وابن عُلَيَّة، وعبد الوارث، وابن المبارك، واحتمله أحمد وابن معين وعامَّة أهل
الحديث غفر الله لهم ... إلى أن قال: وإن مالكًا رجع عن الكلام في ابن إسحاق،
واصطَلَحَ معه، وَبَعَثَ إليه هدية، انتهى كلام ابن الهُمام.
فأما قول صاحب ((العرف الشذي)): وأما البيهقي .... إلى قوله: ((فالعجب))؛ فلم يذكر
ما تكلم به في ((الأسماء والصفات)) في ابن إسحاق، حتى ينظر فيه أنه هو قابلٌ للعجب أم
لا، ولو سُلِّم أنه قابلٌ للعجب؛ فصنيع العينيّ أعجبُ، فإنه يتكلّم في ابن إسحاق ويجرِّحه إذا
وقع هو في إسناد حديث يخالف مذهب الحنفية، ويوثّقه ويعتمده إذا وقع في إسناد حديثٍ
يوافق مذهبهم؛ ألا ترى أنه قال في ((البناية)) في تضعيف حديث عبادة في القراءة خلف الإمام

٦٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ مِن الرُّخصَةِ فِي ذَلِك
عَن أبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَ أَنْ
نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأيْتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلَهَا. [د: ١٣، جه: ٣٢٥
٩
حم: ١٤٤٥٨].
ما لفظه: في حديث عبادةَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ بن يَسَارٍ، وهو مدلِّس، قال النووي: ليس فيه
إلَّا التدليسُ، قلت: المدلِّس إذا قال: ((عن فلان)) لا يحتج بحديثه عند جميع المحدِّثين مع
أنه كذَّبه مالك، وضعَّفه أحمد، وقال: لا يصحُّ الحديث عنه، وقال أبو زرعة الرازي: لا
يصح الحديث عنه، وقال أبو زرعة الرازي: لا يقضى له بشيء. انتهى كلامه.
فانظر كيف تكلَّم العيني في ابن إسحاق هاهنا، وقال في ((عمدة القاري)) في تصحيح
حديث أبي هريرة: ((التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ والتَّصفِيقُ للنِّساءِ، ومَن أشَارَ في الصَّلاةِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ
فَلیُعِدها))(١) ما لفظه: إسناد هذا الحديث صحيحٌ، وتعلیل ابن الجوزي بابن إسحاق ليس
بشيء؛ لأن ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور. انتهى كلام العيني.
فانظر هنا كيف اعتمد على ابن إسحاق، ولم يبال بتدليسه أيضًا، مع أنه روى هذا
الحديث عن يعقوب بن عتبة بـ ((عن))، وكذلك صنيعه في عدة مواضع من كتابه، فاعتبروا
يا أولي الأبصار.
(عن أبان بن صالح) وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم، فجهَّله، وابن عبد البر فضعَّفه؛ قاله
الحافظ في ((التقريب))، (عن مجاهد) هو: ابن جبر: بفتح الجيم وسكون الموحدة،
أبو الحَجَّاج المخزومي، مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العِلْمِ، من أوساط
التابعين، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة، وله ثلاث وثمانون، (عن ج.
هو: ابن عبد الله بن عمرو بن حَرَام، بمهملة وراء، الأنصاريُّ ثم السَّلميُّ، بفتحتين، صحابيُّ
ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين.
قوله: (فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) استدلَّ به مَن قال بجواز الاستقبال والاستدبار
في الصحراء والبنيان، وجعله ناسخًا لأحاديث المَنْع، وفيه ما سلف من أنها حكاية فعل لا
عموم لها، فيحتمل أن يكون لعذر.
(١) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٣٦٩)، وأبو داود. حديث (٩٤٤).

٧٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ مِن الرُّخصَةِ في ذَلِك
وَفِي الْبَابِ: عَن أبي قَتَادَةَ، وعَائِشَةَ، وعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ .
قَالَ أَبُو عيسى: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي هذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[١٠] (١٠) وَقَد رَوَى هذا الحديثَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَن أبي الزُّبَيْرِ، عَن جَابٍ،
قوله: (وفي الباب عن أبي قتادة، وعائشة، وعمار) أما حديث أبي قتادة: فأخرجه
الترمذي(١) بعد هذا، وأما حديث عائشة: فأخرجه أحمد (٢) وقد تقدَّم لفظه، وأما حديث
عمار: فأخرجه الطبراني في ((الكبير))، قال: ((رَأيْتُ النبيَّ ◌َّهِ مُسْتَقبلَ القِبْلَةِ بعدَ النَّهي لِغَائِطِ
أو بَولٍ)»(٣) .
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد»: فيه جعفر بن الزبير، وقد أجمعوا على ضعفه.
قوله: (حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب) قال في ((المنتقى)): رواه الخمسة
إلَّا النسائي. انتهى.
قال في ((النيل)): وأخرجه أيضًا البزَّار وابن الجارود وابن خُزَيْمَة وابن حبَّان والحاكم
والدار قطني(٤)، وحسَّنه الترمذي، ونُقل عن البخاري تصحيحُه، وحسَّنه أيضًا البزار،
وصحَّحه أيضًا ابن السَّكن، وتوقَّف فيه النووي، لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث في
رواية أحمد وغيره، وضعَّفه ابن عبد البر بأبان بن صالح القرشي، قال الحافظ: ((ووهمَ)) في
ذلك؛ فإنه ثقة بالاتفاق، وادعى ابن حَزْمِ أنه مجهولٌ، فغلط. انتهى.
[١٠] قوله: (وقد روى هذا الحديث ابن لَهِيعة) هو: عبد الله بن لَهِيعَة - بفتح اللام وكسر
الهاء - ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري القاضي، صدوق، خَلَّط بعد احتراق
كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدلُ من غيرهما، وله في مسلم بعضُ شيءٍ
مقرون، كذا قال الحافظ في ((التقريب))، ويجيء باقي الكلام عليه عند كلام الترمذي عليه،
(عن أبي الزُّبَيْرِ) اسمه: محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ، بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم
(١) الترمذي، كتاب الطهارة. حديث (١٠).
(٢) أحمد. حديث (٢٥٤٩٦).
(٣) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٣٦/٢)، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) (٢٠٦/١) ونسبه للطبراني في
((الکبیر)» ولم أجده فيه.
(٤) ابن الجارود في ((المنتقى)). حديث (٣١)، وابن خزيمة. حديث (٥٨)، والدارقطني (٥٨/١). حديث (٢)،
والحاكم (٥٥٢).

٧١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ مِن الرُّخصَةِ فِي ذَلِك
عَن أبي قَتَادَةَ: أنَّهُ رأى النبي ◌َّهِ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ. [ضعيف الإسناد].
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، حدثنا ابْنُ لَهِيعَة، وحَدِيثُ جَابِرٍ عَن النبي ◌َِّ أصحُ مِن
حَدِيثِ ابْنٍ لَهِيعَةَ. وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ عنْدَ أهْلِ الحَديثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
القَطَّانُ وَغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ.
[١١] (١١) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ [بْنُ سُلَيمْانَ]، عَن عُبَيْد الله بن عمَرَ، عَن
مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَن عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّنَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
الراء، الأسدي المكي، صدوق إلَّا أنه يدلِّس، كذا في ((التقريب)»، قلت: هو من رجال
الكتب الستة، (عن أبي قتادة) الأنصاري المدني، شهد أُحُدًا وما بعدها، ولم يصحَّ شهوده
بدرًا، مات سنة (٥٤) أربع وخمسين.
قوله: (وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه يحيى بن سعيد القطّان وغيره) قال
يحيى بن معين: ليس بالقوي، وقال مسلم: تركه وكيعٌ ويحيى القَطَّانُ وابن مهديٍّ؛ كذا في
((الخلاصة))، وقال: أطال الحافظ الذهبيُّ الكلامَ في ترجمته في ((ميزان الاعتدال)).
قلت: ومَعَ ضعفه: فهو مدلِّس أيضًا كما عرفْت، وكان يدلِّس عن الضعفاء، قال الحافظ
في ((طبقات المدلسين)): عبد الله بن لهيعة الحضرمي، قاضي مصر، اختلط في آخر عمره،
وكثر عنه المناكير في روايته، وقال ابن حبَّان: كان صالحًا، ولكنه كان يدلِّس عن الضعفاء.
انتھی.
[١١] قوله: (حدّثنا عبدة) هو: هو ابن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، عن:
هشام بن عروة والأعمش، وطائفة، وعنه: أحمد، وإسحاق، وهناد بن السري، وأبو كُرَيْب،
وخلق، وثقه أحمد وابن سعد والعِجْلِيُّ، مات سنة (١٨٧) سبع وثمانين ومئة، (عن عبيد الله بر
عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَرِيّ المدني، أحد الفقهاء السبعة،
والعلماء الأثبات، قال النسائي: ثقة ثَبْتُ، مات سنة (١٤٧) سبع وأربعين ومئة، (عن
محمد بن يحيى بن حَبَّن) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن منقذ الأنصاري المدني؛ ثقة
فقيه، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما، مات سنة (١٢١) إحدى وعشرين ومئة، (عن عمه
واسع بن حَبَّان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة: ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني
المدني، صحابيٌّ، ابن صحابيٍّ وقيل: بل ثقة من كبار التابعين؛ قاله الحافظ.

٧٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ البَوْلِ قائِماً
رَقِيتُ يَوْماً عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأيْتُ النَّبِيَّ وَ﴿ عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلِ الشَّأُمِ مُسْتَدْبِرَ
الكَعْبَةِ. [خ: ١٤٨، م: ٢٦٦، ن بنحوه: ٢٣، د بنحوه: ١٢، جه بنحوه: ٣٢٢، حم: ٤٥٩٢، طا بنحوه:
٤٥٥، مي بنحوه: ٦٦٧].
قَالَ أَبُو عيسى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٨- باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ البَوْلِ قائِماً [ت٨، ٨٢]
[١٢] (١٢) حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ،
قوله: (رقيت) أي: علوت وصعدت، (على بيت حفصة) هي: أخت ابن عمر، قال ابن
سيد الناس في ((شرح الترمذي)): قوله: ((على بيت حفصة)) وقع في رواية: ((عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ
لَنَا)» وفي أخرى: ((ظهر بيتنا)»، وكلها في الصحيح، وفي رواية لابن خُزَيمةَ(١): ((دَخَلْتُ عَلَى
خَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَصَعِدتُ ظَهْرَ البَيْتِ)) وطريق الجمع أن يقال: أضاف البيت إليه على سبيل
المجاز، لكونها أخته، وأضافه إلى حفصة؛ لأنه البيت الذي أسكَنَها فيه رَسُولُ اللهِ وَلِّ، أو
أضافه إلى نفسه، باعتبار ما آل إليه حاله؛ لأنه ورث حفصة دون إخوته؛ لكونه شقيقها .
انتھی .
(فرأيت النبي ◌َّقر على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) استدل به من قال بجواز
الاستقبال والاستدبار ورأى أنه ناسخ، واعتقد الإباحة مطلقًا، وبه احتج من خَصَّ عَدَم
الجواز بالصحاري ومن خصَّ المنع بالاستقبال دون الاستدبار في الصحاري والبنيان، وقد
عرفت ما فيه من أنها حكاية فِعْلٍ لا عُمُوم لها، فيحتمل أن يكون لعذرٍ، وأنَّ فعله وَ لا
يعارِضُ القَولَ الخاصَّ بالأمة؛ قاله الشوكانيُّ في ((النيل)).
٨ - بَابُ مَا جَاءَ في الثَّهْي عَنِ البَولِ قَائمًا
[١٢] قوله: (حدّثنا علي بن حُجْر) بضم الحاء وسكون الجيم، ابن إياس السعديُّ
المروزي، نزيل بغداد ثم مَرْو، ثقة حافظ روى عن: شَريكِ، وإسماعيل بن جعفر، وهِقْل بن
زياد، وهُشَيْم، وخلائق، وعنه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي ووثّقه، مات سنة
(٢٤٤) أربع وأربعين ومئتين، (أنا شَريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوقٌ
(١) ابن خزيمة. حديث (٥٩).

٧٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ البَوْلِ قائِماً
عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَن أَبِيهِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: مَن حَدَّثَكُمُ أنَّ النَّبِيِّ ◌ِ كَانَ
يَبُولُ قَائماً فَلا تُصَدِّقُوَّهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّ قَاعِداً. [ن: ٢٩، جه بنحوه: ٣٠٧].
قَالَ: وفي الباب: عَن عُمَرَ، وَبُرِيْدَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةً.
قَالَ أَبُو عيسى: حَدِيثُ عَائِشَةَ أحْسَنُ شَيْءٍ فِي البَابِ وَأُصَحُّ.
يخطئ كثيرًا، تغيَّر حفظه منذ ولي قضاء الكوفة، كذا في ((التقريب))، وقال في ((الخلاصة)):
روى عن: زياد بن عِلاقَةَ، وزُبيدْ، وسلمة بن كُهَيْلٍ، وسِمَاك، وخلق، وعنه: هُشَيْم،
وعَبَّاد بن العَوَّام، وابن المبارك، وعلي بن حُجْر، وأمم، قال أحمد: هو في أبي إسحاق
أثبَتُ من زُهَيْر، وقال ابن معين: ثقة يغلظُ، وقال العجلي: ثقة، قال يعقوب بن سفيان: ثقة
سيِّئ الحفظ، مات سنة (١٧٧) سبع وسبعين ومئة، (عن المِقْدَامِ) بكسر الميم (ابن شُرَبْح)
بضم الشين مصغرًا ابن هاني بن يزيد الحارثي الكوفي، ثقة، روى عن أبيه، وعنه: ابنه یزید،
ومسعر وغيرهما، وثقه أبو حاتم وأحمد والنسائي، (عن أبيه) شُرَيح بن هاني أبي المقدام من
كبار أصحاب عليٍّ، روى عن: أبيه وعمر، وبلال، وعنه: ابنه المِقْدَام، والشعبي؛ وثقه ابن
معين، وهو مخضرم.
قوله: (من حدَّثكم أن النبي وَل﴿ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه) فيه دليلٌ على أن رسول الله
وَ﴿ ما كان يبولُ قائمًا، بل كان هديه في البول القعود، ولكن قول عائشة هذا لا ينفي إثباتَ
مَنْ أَثْبَتَ وقوعَ البول منه حالَ القيام، كما سيأتي في الباب الذي بعده.
قوله: (وفي الباب عن عمر، وبريدة) أما حديث عمر: فأخرجه ابن ماجه والبيهقي(١)،
وأما حديث بريدة: فأخرجه البزَّار مرفوعًا بلفظ: ((ثَلاثٌ من الجَفاءَ: أن يَبُولَ الرَّجُلُ قائمًا،
أو يَمْسَحَ جَبْهَتَه قَبلَ أن يَفرُغَ مِن صلاتِهِ، أو يَنْفُخَ فِي سُجُودِهِ))(٢)، كذا في ((النيل))، وفي
الباب أيضًا عن جابر قال: ((نهى رسُولُ اللهِ وَّهِ أن يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا)). أخرجه ابن ماجه(٣)،
وفي إسناده عدي بن الفضل؛ وهو متروك.
قوله: (حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصحُ) حديث عائشة هذا أخرجه
أيضًا: أحمد والنسائي وابن ماجه، وفي إسناده شريكُ بن عبد الله النخعي، وقد عرفْتَ أنَّه
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣٠٨)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٤٩٦).
(٢) أخرجه البزار (٢٦٦/١). حديث (٥٤٧- كشف)، والطبراني في «الأوسط)). حديث (٥٩٩٨).
(٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة. حديث (٣٠٩).

٧٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ البَوْلِ قائِماً
وحديثُ عُمَرَ إنَّما رُوِيَ مِن حَدِيثٍ عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ أبِي المُخَارِقِ، عَن نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، عَن عُمَرَ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ وَ [وَأْنا] أبولُ قَائِماً، فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ، لَا تَبُلْ
قَائِماً)). فَمَا بُلْتُ قَائِماً بَعْدُ. [ضعيف، جه: ٣٠٨].
قَالَ أَبُو عيسى: وَإِنَّمَا رَفَعَ هَذَا الحَدِيثَ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ أبِي المُخَارِقِ، وَهُو
ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ: ضَعَّفَهُ أيُّبُ السَّخْتِيَانِيُّ، وتَكَلّمَّ فِيهِ. وَرَوَى عُبَيْدُ الله عَن
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بَّهِ: مَا بُلتُ قَائِماً مُنْذُ أسْلَمْتُ.
صدوق يخطئ كثيرًا، وتغير حفظه منذ ولي الكوفة، قال الحافظ في ((الفتح)): لم يثبت عن
النبي ◌ََّ في النهي عن البَولِ قائمًا شيءٌ، كما بينته في ((أوائل شرح الترمذي)). انتهى كلام
الحافظ .
قلت: فالمراد بقول الترمذي: ((حديثُ عائشة أحسنُ شيء في هذا الباب وأصُ))؛ أي:
هو أقل ضعفًا وأرجحُ مما ورد في هذا الباب، والله تعالى أعلم.
قوله: (وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المُخَارق .... ) إلخ
أخرجه ابن ماجه والبيهقي من هذا الطريق(١)، (فما بُلتُ قائمًا بعدُ) بالبناء على الضم، أي:
بعد ذلك، (وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخَارق) بضم الميم وبالخاء
المعجمة، أبو أمية المعلِّم البصري نزيل مكة، (وهو ضعيف عند أهل الحديث) قال الحافظ
ابن حَجَر في مقدمة ((فتح الباري)): عبد الكريم بن أبي المُخَارق أبو أمية البصري نزيل مكة،
متروك عند أئمة الحديث. انتهى، (ضعفه أيوب السَّختيانيُّ) بفتح المهملة بعدها معجمة ساكنة
ثم مثناة فوقية مكسورة ثم تحتانية وآخره نون، هو: أيوب بن أبي تميمة كيسان البصري، ثقة
ثَبْتُ حجة، من كبار الفقهاء، تقدَّم ترجمته في ((المقدمة))، (وروى عبيد الله عن نافع عن ابن
عمر قال: قال عمر: ما بُلْتُ قائمًا منذ أسلَمْتُ) أخرجه البزَّار(٢)، قال الحافظ الهيثمي في
(مجمع الزوائد)): رجاله ثقات، وهذا الأثر يدلُّ على أن عمر ما بال قائمًا منذ أسلَمَ؛ ولكن
قال الحافظ في ((فتح الباري)): قد ثبت عن عمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنهم بالوا
قيامًا . انتهى.
(١) تقدم حديث عمر قريبًا .
(٢) البزار. حديث (١٦٠ - زخار).

٧٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب الرُّخْصَة فِي ذلِك
وَهَذَا أصَحُّ مِن حَدِيثٍ عَبْدِ الكَرِيمِ. وحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَمَعْنَى
النَّهْيِ عَنِ البَوْلِ قَائِماً: عَلَى التَّأَدِيبِ لا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَن عَبْدِ الله بْنِ
مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ مِنَ الجَفَاءِ أنْ تَبُولَ وَأنْتَ قَائِمٌ.
٩- باب الرُّخْصَة في ذلِك [ت٩، م٩]
[١٣] (١٣) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأعْمَشِ،
(وهذا) أي: حديث عمر الموقوف (أصُ من حديث أبي المخارق)، لضعفه، (وحديث
بريدة في هذا غير محفوظ) قال العيني في ((شرح البخاري)) في قول الترمذي ((في هذا نظر))؛
لأن البزار أخرجه بسند صحيح، قال: حدّثنا نصر بن علي، حدثنا عبد الله بن داود، حدّثنا
سعيد بن عبيد الله، حدثنا عبد الله بنُ بريدة عن أبيه، أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((مِنَ الجَفَاءِ أن
يَبُولَ الرَّجلُ قائمًا .... ))، الحديث، وقال: لا أعلم رواه عن ابن بُرَيدَة إلَّا سعيد بن
عبد الله. انتهى كلام العيني.
قلت: الترمذيُّ من أئمة هذا الشأن، فقوله: ((حديث بريدة في هذا غير محفوظ)) يعتمد
عليه، وأما إخراج البزار حديثه بسند ظاهره الصحّة؛ لا ينافي كونه غير محفوظ.
قوله: (ومعنى النهي عن البول قائمًا: على التأديب، لا على التحريم) يدلُّ عليه حديثُ
أبي حذيفة الآتي في الباب الذي بعده، (وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: إن من
الجفاء) قال في ((الصراح)): جفا بالمد ((بدى وستم))(١) يقال: جفوته فهو مَجْفُوٌّ، ولا تقل:
جَفَيتُ، وفلان ظاهر الجِفْوَة بالكسر، أي: ظاهر الجفاء. انتهى.
وقال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): الجفاء: ترِك البر والصلة، وغلظ الطبع،
(وأنت قائم) جملة حالية، وهذا الأثر ذكره الترمذي هكذا معلّقًا، ولم أقف على مَن وصله.
٩ - بابُ ما جَاءَ مِنَ الرُّخْصةِ في ذلكَ
[١٣] قوله: (حدّثنا هناد) تقدم، (نا وكيع) تقدم، (عن الأعمش) هو: سليمان بن مهران
الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورع، ولكنه يدلِّس، من
الخامسة، كذا في ((التقريب))، وقال في ((مقدمته)) الخامسة: الطبقة الصغرى من التابعين،
الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش. انتهى.
وقال في ((الخلاصة)): رأى أنساً يبول. انتهى.
(١) كلمة فارسية بمعنى: سوء وظلم.

٧٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب الرُّخْصَة فِي ذلِك
عَن أبِي وَائِل، عَن حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ أتى سُبَاطَةَ قَوْم فَبَالَ عَلَيْها قَائِماً، فَأَتَيْتُهُ
بوَضُوءٍ، فَذَهَبْتُ لأَنَّأَخَّرَ عَنْهُ، فَدَعَانِي حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
[خ مختصراً: ٢٢٥، م: ٢٧٣، ن: ١٨، د: ٢٣، جه مختصراً: ٣٠٥، حم: ٢٢٧٣٠، مي مختصراً: ٦٦٨].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَمِعْتُ الجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ
عَنِ الأَعْمَشِ، ثُمَّ قَالَ وَكيعٌ: هذا أصَحُ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ فِي المَسْحِ،
وَسَمِعْتُ أبا عَمَّار الحسينَ بْنَ حُرَيثٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
(عن أبي وائل) اسمه: شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة
عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة.
قوله: (أتى سُبَاطة قوم) بضم السين المهملة بعدها موحدة، هي: المَزْبَلةُ والكُناسة تكون
بفناء الدور مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدُّ فيها البول على البائل، وإضافتها
إلى القوم إضافةُ اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، (فأتيته بوَضوء) بفتح الواو،
(فدعاني حتى كنت عند عقبيه) وفي رواية البخاري: ((فأشار إِليَّ))، قال الحافظ: ليست فيه
دلالة على جواز الكلام في حال البول؛ لأن هذه الرواية بيَّنت أن قوله في رواية مسلم: ((إِنَّهُ
كَانَ بالإِشَارةِ لا بِاللَّفْظِ)) قال: وأما مخالفته وَّلّ لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء
الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النَّظارة، فقد قيل فيه: إنَّهُ وَِّ [كَانَ] مشغولاً بمصالح
المسلمين، فلعلَّه طال عليه المجلس، حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر، واستدعى
حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعلَّه يمر به، وكان قدامه مستورًا بالحائط، أو لعلّه فعله؛
لبيان الجواز، ثم هو في البول، وهو أخفُّ من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكلُّف، ولما
يقترن به من الرائحة، والغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذَّل والدنوٍّ من
الساتر، روى الطبراني(١) من حديث عصمة بن مالك قال: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ اللهِوَ لّ في
بَعْضِ سِكَكِ المَدِينةِ، فَانْتَهَى إلى سُبَاطَةٍ قَوم، فَقالَ: يَا حُذَيْفَةُ، اسْتُرني ... )) فذكر الحديث.
وظهر منه: الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة، وكأنّ حذيفة لما وقف خلفه عند عقبه
استدبره، وظهر أيضًا أن ذلك كان في الحضر لا في السفر. انتهى.
(١) الطبراني في ((الكبير)) (١٧٩/١٧). حديث (٤٧٢). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٧/١): رواه الطبراني في
(الكبير)) وفيه الفضل بن المختار، وهو منكر الحديث يحدث بالأباطيل.

٧٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب الرُّخْصَة فِي ذلِك
قَالَ أَبُو عيسى: وَهِكَذَا رَوَى مَنْصُورٌ، وَعُبَيْدَةُ الضَّبِّيُّ، عَن أبِي وَائِلٍ، عَن
حُذِيفَةَ، مِثلَ رِوايةِ الأَعْمَشِ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ أبي سُلَيْمَانَ، وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَن
أبِي وَائِلٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعبةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ، عَن خُذَيْفَةَ
أُصَحُّ. وقدْ رَخَّصَ قوْمٌ من أهلِ العلمِ فِي البَولِ قائماً.
قوله: (وهكذا روى منصور) هو: ابن المعتمر السّلَمي أبو عَتَّاب الكوفي، أحد الأعلام
المشاهير، عن إبراهيم، وأبي وائل، وخلق، وعنه: أيوب، وشعبة، وزائدة، وخلق، قال أبو
حاتم: متقن لا يخلِّط ولا يُدلِّس، وقال العِجلي: ثقة ثَبْتُ، له نحو ألفي حديث، قال زائدة:
صام منصورٌ أربعين سنة، وقام ليلها، توفي سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومئة، (عُبَيْدة) بضم
العين مصغّرًا (الضبي) بفتح الضاد المعجمة وشدة الموحدة المكسورة، هو: عُبَيْدة بن معتب،
روى عن: إبراهيمِ النَّخعيِّ، وأبي وائل، وعنه: شعبة، وهُشَيْم، قال ابن عدي: مع ضعفه
يكتب حديثه، علَّق له البخاري فَرْدَ حديثٍ، كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)):
ضعيف واختلط بآخره، (وحديث أبي وائل عن حذيفة أصَحُّ) يعني: من حديثه عن المغيرة،
قال الحافظ في ((الفتح)): هو كما قال الترمذي، وإن جنح ابن خُزَيمَةَ إلى تصحيح الروايتين؛
لكون حَمَّاد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل
سمعه منهما؛ فيصح القولان معًا؛ لكن من حيث الترجيحُ: رواية الأعمش ومنصورٍ
- لاتفاقهما - أصح من رواية حمَّاد وعاصم؛ لكونهما في حفظهما مقال. انتهى.
قلت: الظاهر أن الروايتين صحيحتان، ورواية الأعمش ومنصور أصح، والله أعلم.
وحديث حذيفة هذا، أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
قوله: (وقد رخّص قوم من أهل العلم في البول قائمًا)، واحتجوا بحديث الباب.
وأجابوا عن حديث عائشة الذي أخرجه الترمذي في الباب المتقدِّم: بأنه مستند إلى
علمها؛ فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت: فلم تطلع هي عليه، وقد
حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وعن حديثها الذي أخرجه أبو عَوَانَةً في ((صحيحه))
والحاكم (١)، قالت: ((مَا بَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ قَائِمًا مُنْذُ أَنْزِلَ عَلَيهِ القُرْآنُ)) بأنه أيضًا مستند إلى
علمها، فقد ثَبَتَ أن بوله وَّهِ عند سُباطة قوم كان بالمدينة، كما جاء في بعض الروايات
(١) أبو عوانة في (صحيحه)). حديث (٣٧٥)، والحاكم. حديث (٦٦٠) وصححه على شرط الشيخين.

٧٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب الرُّخْصَة فِي ذلِك
قَالَ أبُو عِيسَى: وعَبيدةُ بنُ عمرٍو السَّلْمَانِيُّ روَى عنُه إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، وعَبِيدَةُ
من كِبارِ التابِعِينَ، يُرْوَى عَن عَبِيدَةَ أنَّهُ قَالَ: أسلمتُ قبلَ وفاةِ النَّبِيِّ بَّهِ بسنتَيْنِ،
وعُبيدةُ الضَّبِّيُّ صاحِبُ إِبراهِيمَ هو: عُبيدةُ بنُ مُعَتِّبِ الضَّبِّيُّ، ويكْنَى: أبَا
عبدِ الگریم.
الصحيحة، قال الحافظ في ((الفتح)): وقد بيَّنًا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمَّن الرد على ما نفته
من أن ذلك لم يَقَع بعد نزول القرآنِ، وقد ثبت عن عُمَرَ وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهُم
بَالُوا قِيامًا، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة، إذا أمن الرشاش، ولم يثبت عن النبي ◌َّ
في النهي عنه شيء. انتهى.
قال قوم بكراهة البول قائمًا إلَّا من عُذْرٍ، واستدلُّوا بحديثَي عائِشَة المذكورَيْن، وقد
عرفت الجواب عنهما، وقالوا: إن بوله بَلّ قائمًا كَان لهُذْرٍ.
فقيل: فعل ذلك؛ لأنه لم يجد مكانًا للجلوس؛ لامتلاء الموضع بالنجاسة.
وقيل: كان ما يقابله من السباطة عاليًا ومن خلفه منحدرًا متسفلًا لو جلس مستقبل
السباطة سقط إلى خلفه، ولو جلس مستدبرًا لها بدت عورته للناس.
وقيل: إنما بال قائمًا؛ لأنها حالة يؤمن معها خروجُ الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه
قريبًا من الدار، قال الحافظ: ما رواه عبد الرزاق عن عُمَرَ رَُّّه قال: ((البَولُ قَائمًا أَحْصنُ
للدُّبُرِ))(١).
وقيل: السبب في ذلك ما روى الشافعي(٢) وأحمد: أن العربَ كانت تستشْفي لوجع
الصلب بذلك، فلعلَّه كان به.
وروى الحاكم والبيهقي (٣) من حديث أبي هريرة قال: ((إنما بال رسول الله،وَ ل ◌َه قائمًا؛
الجرح كان في مأبضه))، والمأبَضُ بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة: باطن الركبة، فكأنه
لم يتمكن لأجله من القعود، قال الحافظ في ((الفتح)): لو صح هذا الحديث لكان فيه غِنّی
عن جميع ما تقدَّم؛ لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي.
(١) أخرجه البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٤٩٨). وذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٢٧٢٤٤) وعزاه
لعبد الرزاق.
(٢) انظر ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي. تحت حديث (٢٣٠)، و((السنن الكبرى)) له. تحت حديث (٤٩٢).
(٣) الحاكم. حديث (٦٤٥)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٤٩٢).

٧٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلله / باب مَا جَاءَ فِي الاسْتِتارِ عِنْدِ الحَاجَةِ
١٠- باب مَا جَاءَ في الاسْتِتارِ عِنْد الحَاجَةِ [ت١٠، ١٠٢]
[١٤] (١٤) حدثنا قتيبةُ بنُ سعِيدٍ، حَدَّثَنَا عبدُ السَّلام بِنُ حرْبِ المُلائيُّ، عَن
الأَعْمَشِ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا أَرَادَ الحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ
مِنَ الأَرْضِ. [ مي: ٦٦٦].
قَالَ أَبُو عيسى: هكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أنَسٍ هَذَا
الحَديثَ. ورَوَى وَكِيعٌ، و[أبُو يحْيَى] الحِمَّانِيُّ،
والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البَول عن قعود، وسلك أبو عوانة
في ((صحيحه)) وابن شاهين فيه مسلكًا آخر؛ فزعما أن البول عن قيام منسوخ، واستدلًا عليه
بحديثَي عائشة، يعني المذكورين، الصواب: أنه غير منسوخ. انتهى كلام الحافظ.
تنبيه: قال صاحب ((العرف الشذي)): إن في البول قائمًا رخصةً، وينبغي الآن المَنْعُ عنه؛
لأنه عمل غير أهل الإسلام. انتهى بلفظه.
قلت بعد التسليم: إن البولَ قائمًا رُخْصَةٌ، لا وجه للمنع عنه في هذا الزمان، وأما عمل
غير أهل الإسلام عليه؛ فليس موجبًا للمنع.
١٠ - بَابٌ: في الاسْتِتَارِ عِنْدَ الحَاجَةِ
[١٤] قوله: (نا عبد السلام بن حرب الملائي) أبو بكر الكوفي، أصله بصري: ثقة
حافظ، فقوله: (إذا أراد الحاجة) أي: قضاء الحاجة، والمعنى: إذا أراد القعود للغائط أو
للبول (حتى يدنو من الأرض) أي: حتى يقرب منها محافظةً على التستُّر واحترازًا عن كشف
العورة، وهذا من أدب قضاء الحاجة، قال الطيبي: يستوي فيه الصحراءُ والبُنيان؛ لأن في
رفع الثوب كَشْفَ العورة، وهو لا يجوز إلَّ عند الحاجة، ولا ضرورةَ في الرَّفْعِ قبل القرب
من الأرض.
قوله: (هكذا روى محمد بن ربيعة) الكلابي الرؤاسي، أبو عبد الله، ابن عم وكيع،
الكوفي، عن الأعمش، وهشام بن عروة، وابن جُرَيْج، وطائفة، وعنه: أحمد، وابن معين،
وزياد بن أيوب، وخلق، وثقه ابن معين وأبو داود والدارقطني، (وروى وكيع والحمَّاني)
بكسر المهملة وشدة الميم، وهو: عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحيى الكوفي، عن
الأعمش، وعنه: ابنه يحيى، وأبو كريب، وثقه ابن معين وضعفه أحمد وابن سعد، كذا في

٨٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاءَ فِي الاسْتِتَارِ عِنْد الحَاجَّةِ
عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ((كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا أَرَادَ الحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ
حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ)). [د: ١٤].
وكِلا الحَدِيثَيْنِ مُرْسَلٌ، وَيُقَالُ: لَمْ يَسْمَعِ الأعْمَش مِن أنَسٍ وَلا مِن أَحَدٍ مِن
أصْحَابِ النَّبِيِّ وَسِ، وَقَدْ نَظَرَ إلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: رَأيْتُهُ يُصَلِّي، فَذَكَرَ عَنْهُ
حِكَايةً فِي الصَّلاةِ،
((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): لقبه بَشْمين، صدوق يخطئ، ورمي بالإرجاء، من
التاسعة، مات سنة اثنتين ومثتين. انتهى.
(عن الأعمش قال: قال ابن عمر .... إلخ) فحديث وكيع [و] الحمَّاني عن الأعمش
عن ابن عمر، وأما حديث عبد السلام بن حرب ومحمد بن ربيعة: فعن الأعمش عن أنس،
(وكلا الحديثين) أي: حديث أنس وحديث ابن عمر رضيه (مرسل) أي: منقطع، وصورة
المرسل: أن يقول التابعي: ((قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّلِ كَذَا))، أو: ((فُعِلَ بِحَضْرتِهِ كَذَا))، أو نحو
ذلك، ولا يذكر الصحابي، وقد يجيء عند المحدِّثين - رحمهم الله - المرسل والمنقطع
بمعنى، والاصطلاح الأول أشهرُ، وذكر السيوطي هذا الحديث في ((الجامع الصغير)) وقال:
رواه أبو داود والترمذي عن أنس وابن عمر، والطبراني في ((الأوسط)) (١) عن جابر. انتهى.
وقال المُناويُّ في ((شرح الجامع الصغير)): وبعض أسانيده صحيحٌ!
قلت: والحديث أخرجه أيضًا أبو داود والدارمي(٢).
(ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس .... إلخ). قال علي بن المديني: الأعمش لم
يسمع من أنس بن مالك، إنما رآه رؤية بمكة يصلِّي خلف المقام، فأما طرق الأعمش عن
أنس: فإنما يرويها عن يزيد الرقاشي عن أنس، كذا في ((كتاب المراسيل)) لابن أبي حاتم،
ويزيد الرقاشي هذا هو يزيد بن أبان الرقاشي، أبو عمرو البصري، القاصُّ، زاهد، ضعيف،
وقال الحافظ المنذري في ((تلخيص السنن)) بعد نقل كلام الترمذي هذا: وذكر أبو نعيم
الأصفهانيُّ أن الأعمش رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى وسمع منهما، والذي قاله
الترمذي هو المشهور. انتهى.
(١) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٥١١٨). وقال الهيثمي: وفيه الحسين بن عبيد الله العجلي، قيل فيه: كان
يضع الحديث.
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (١٤)، والدارمي، كتاب الطهارة. حديث (٦٦٦).