النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الظُّهُور
والصُّنابِحِيُّ الَّذِي رَوَى عَن أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ: لَيْسَ لَّهُ سَمَاعٌ مِن رَسُولِ اللهِّهه
واسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عُسَيْلَةَ وَيُكْنَى: أبا عبد الله، رَحَلَ إلى النَّبِيِّ وَّ فَقُبِضَ
النَّبِيُّ بَّهِ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ أَحَادِيثَ. وَالصُّنَابِحُ بْنُ الأَعْسَرِ
الأَحْمَسِيُّ صَاحِبُ النَّبِّ وَّهِ: يُقَالُ لَهُ: الصُّنَابِحِيُّ أيضاً، وَإِنَّمَا حَدِيثُهُ قَالَ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ وَّهِ يقول: ((إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ فَلا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي)). [حم: ١٨٥٩٠].
(والصنابحي الذي روى عن أبي بكر الصديق؛ ليس له سماع من النبي وَل9، واسمه:
عبد الرحمن بن عسيلة ويكنى: أبا عبد الله)؛ قال الحافظ في ((التقريب)): عبد الرحمن بن
عُسَيلَة، بمهملة مصغّرًا، المرادي، أبو عبد الله الصنابحي، ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة
بعد مَوتِ النَّبِي بَّهِ بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. انتهى.
(رحل إلى النبي * فقبض النبي ( 18 وهو في الطريق) روى البخاري في ((صحيحه)(١)
عن أبي الخير عن الصنابحي؛ أنه قال: متى هاجَرْتَ؟ قال: خَرَجْنَا من اليمن مهاجرین،
فقدمنا الجُحْفة، فأقبل راكبٌ، فقلتُ له: الخَبَرَ الخَبَرَ، فقال: دفنا النبي گ ۆ منذ خمس،
قلت: هل سمعتَ في ليلة القدرِ شيئًا؟ قال: أخبرني بلالٌ مُؤَذِّنُ النبيِّرِ أنَّه في السبع في
العشر الأواخر.
(والصنابح بن الأعسر الأحمسي صاحب النبي 18 يقال له: الصنابحي أيضًا) قال
الحافظ في ((التقريب)): الصُّنَابح؛ بضم أوله ثم نون وموخَّدة ومُهْمَلة: ابن الأعسر
الأحمسي، صحابي، سكن الكوفة، ومن قال فيه: الصنابحي؛ فقد وهم. انتهى.
(وإنما حديثه قال: سمعت النبي ( يقول: إني مكاثر بكم الأمم) قال في ((مجمع
البحار)): كَاثَرْتُهُ فَكَثَرْتُهُ؛ أي: غلبته وكنت أكثر منه، يعني: إني أباهي بأكثرية أمتي على
الأُمَم السالفة.
(فلا تقتتلن بعدي) بصيغة النهي المؤكَّد بنون التأكيد: من الاقتتال؛ قال أبو الطيب
السندي في ((شرح الترمذي)): فإن قلتَ: ما وجه ترتّب قوله: ((لا تقتتلن بعدي)) على
المكاثرة؟! قلتُ: وجهه أن الاقتتال مُوجِبٌ لقطع النسل؛ إذ لا تناسُلَ من الأموات؛ فيؤدي
إلى قلة الأمة، فينافي المطلوب؛ فلذلك نهى النبي وَّر عنه؛ فإن قلت: المقتولُ ميتٌ بأجله،
(١) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٤٧٠).

٤٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَل ◌َه / باب مَا جَاءَ أنَّ مِفْتَاحَ الصَّلاة الظُّهُور
٣- باب مَا جَاءَ أنَّ مِفْتَاحَ الصَّلاة الطَّهُورِ [ت٣، ٣٠]
[٣] (٣) حدثنا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّادٌ، ومحمودُ بنُ غَيْلانَ،
فلا وجه لقطع النسل بسبب الاقتتال، قلت: إما أن يقال: إن الإقدام على الاقتتال مفضٍ
بقطع النسل؛ فالنسل باعتبار فعلهم الاختياري، أو يقال: يكون لهم أجلانِ: أجلٌ على تقدير
الاقتتال، وأجل بدونه، ويكون الثاني أطولَ من الأول، وبالاقتتال: يقصر الأجل فتقل
الأمة، وهذا يردُّ عليه أن عند الله لا يكونُ إلَّا أجلٌ واحدٌ. انتهى كلام أبي الطيب.
وحديث الصنابحي هذا أخرجه أحمد في ((مسنده))(١) ص٣٥١ ج ٤ بألفاظ.
تنبيه: اعلم أنه يفهم من كلام الترمذي المذكور أمران: أحدهما: أن عبد الله الصنابحي
الذي روى في فَضْل الطهور صحابيٍّ، والثاني: أن عبد الله الصنابحيَّ هذا غير الصنابحي
الذي اسمه عبد الرحمن بن عُسَيْلة، وكنيته: أبو عبد الله، لكنه ليس هذان الأمران متفقًا
عليهما، بل في كلِّ منهما اختلافٌ، قال الحافظ في ((التقريب)): عبد الله الصنابحي مختلفٌ
في وجوده، فقيل: صحابي مدني، وقيل: هو أبو عبد الله الصنابحي، عبد الرحمن بن
مُسَيْلة، وقال ابن أبي حاتم في ((مراسيله)): عبد الله، الصنابحي، هم: ثلاثة؛ فالذي يروي
عنه عطاء بن يسار هو: عبد الله الصنابحي، ولم تصح صحبته. انتهى، وقال السيوطي في
((إسعاف المبطأ)): عبد الله الصنابحي، ويقال: أبو عبد الله مختلف في صحبته، روى عن:
النبي وَ الر، وعن أبي بكر، وعبادة بن الصامت، وعنه: عطاء بن يسار، وقال البخاري: وهم
مالكٌ في قوله: ((عبد الله الصنابحي)) وإنما هو أبو عبد الله، واسمه: عبد الرحمن بن عُسَيْلة،
ولم يسمع من النبي ◌َّيرِ، وكذا قال غير واحد، وقال يحيى بن مَعِين: عبد الله الصنابحي
یروي عنه المدنُّون یشبه أن تكون له صحبة. انتهى.
٣ - باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطُّهور
بضم الطاء المهملة.
[٣] قوله: (حدثنا هناد وقتيبة) تقدَّم ترجمتهما، (ومحمود بن غيلان) العدوي مولاهم
المروزي، أبو أحمد، أحدُ أئمَّة الأثر، حَدَّث عن سفيان بن عيينة، والفضل بن موسى
السيناني، والوليد بن مسلم، وأبي معاوية، ووكيع، وخلق، وعنه: الجماعة سوى أبي داود،
(١) أحمد. حديث (١٨٥٩٠).

٤٣
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ أنَّ مِفْتَاحَ الصَّلاةِ الظُّهُور
قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ
قال أحمد بن حنبل: أعرَفُ بالحديث صاحبُ سُنَّة، وقال النسائي: ثقة؛ كذا في ((تذكرة
الحفاظ)»، توفي سنة (٢٣٩) تسع وثلاثين ومئتين.
(قالوا: نا وكيع): تقدَّم، (عن سفيان) هو الثوري، وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق
الثوريُّ أبو عبد الله الكوفي، ثقةٌ حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة،
وكان ربَّما دلَّس، مات سنة (١٦١) إحدى وستين ومئة، ومولده سنة (٧٧) سبع وسبعين؛ كذا
في ((التقريب)) و((الخلاصة)).
قلت: قال الحافظ في ((طبقات المدلِّسين)): وهم - أي: المدلِّسون - على مراتب:
الأولى: من لم يوصف بذلك إلَّا نادرًا؛ كيحيى بن سعيد الأنصاري، الثانية: من احتمل
الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلّة تدليسه في جنب ما روى؛ كالثوري، أو
كان لا يدلّس إلَّا عن ثقة؛ كابن عيينة. انتهى.
(وثنا محمد بن بشار) لقبه: بُنْدَارٌ؛ بضم الموحدة وسكون النون، قال الذهبي في ((تذكرة
الحفاظ)): بندار الحافظ الكبيرُ، الإمام محمد بن بشَّار بن عثمان العبدي البصري النَّسَّاج،
كان عالمًا بحديث أهل البصرة، متقنًا مجوِّدًا، لم يرحل، بَرًّا بأمه، ثم ارتحل بعدها، سمع:
معتمر بن سليمان، وغُنْدَرًا، ويحيى بن سعيد، وطبقتهم، حدَّث عنه: الجماعة وخلق كثير،
قال أبو حاتم: صدوق، وقال العِجْلي: ثقة كثير الحديث حائك، قال ابن خُزَيْمة في ((كتاب
التوحيد)) له: حدثنا إمام أهل زمانه في العلم والأخبار؛ محمَّد بن بشَّار، قال الذهبي: لا
عبرة بقول من ضعفه، توفي سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومئتين. انتهى.
وقال الخزرجي ((في الخلاصة)): قال النسائي: لا بأس به، وقال الذهبي: انعقد الإجماع
بَعْدُ على الاحتجاج بِيُندَارِ، انتهى ما في ((الخلاصة)).
(نا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري اللُؤلُؤي
الحافظ العَلَمُ، عن عمر بن ذرِّ، وعكرمة بن عمار، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق،
وعنه: ابن المبارك، وابن وهب أكبر منه، وأحمد، وابن معين، قال ابن المديني: أعلم
الناس بالحديث ابن مهدي، وقال أبو حاتم: إمام ثقة أثبت من القَطّان، وأتقن من وكيع،
وقال أحمد: إذا حدَّث ابن مهديٍّ عن رجل، فهو حجة، وقال القواريري: أملَى علينا ابن
مهديٌّ عشرين ألفًا من حفظه، قال ابن سعد: مات سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومئة بالبصرة
عن ثلاث وستين سنة، وكان يحجُّ كل سنة، كذا في ((الخلاصة)).

٤٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ لجر / باب مَا جَاءَ أنَّ مِفْتَاحَ الصَّلاة الظُّهُور
مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَبْدِ الله بْنَ مُحَمَّدٍ بِنِ عَقِيلٍ، عَن مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَن
عَلِي، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الظُهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِرُ،
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل) - بفتح العين - ابن أبي طالب الهاشمي، أبي محمد
المدني، عن أبيه، وخاله محمد ابن الحنفية، وعنه: ابن عجلان، والسفيانان، وسيجيء كلامُ
أئمة الحديث فيه.
(عن محمد ابن الحنفية) هو: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، الإمام
المعروف بابن الحنفية، أمه: خَولَةُ بنت جَعْفرِ الحنفيةُ؛ نسب إليها، روى عن أبيه وعثمان
وغيرهما، وعنه: بنوه إبراهيم وعبد الله والحسن، وعمرو بن دينار، وخلق، قال إبراهيم بن
الجُنَيْدِ: لا نعلم أحدًا أسند عن عليٍّ أكثر ولا أصحَّ مما أسند محمَّد ابن الحنفية، مات سنة
ثمانين، كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): ثقة، عالم، من الثانية، مات بعد
الثمانين .
قوله: (مفتاح الصلاة الظُهور) بالضم ويفتح، والمراد به: المصدر، وسمى النَّبِيُّ وَله
الظُهورَ مفتاحًا، مجازًا؛ لأن الحدث مانعٌ من الصلاة؛ فالحدث كالقُفْلِ موضوع على
المحْدِثِ حتى إذا تَوضَّأَ انحلَّ الغَلْقُ، وهذه استعارة بديعة لا يقدر عليها إلَّا النبوة، وكذلك
((مِفْتَاحُ الجَنَّةِ الصَّلاةُ))؛ لأن أبواب الجنة مغلقة يفتحها الطاعات، وركن الطاعات الصلاة؛
قاله ابن العربي .
(وتحريمها التكبير) قال المظهري: سمى الدخول في الصلاة تحريمًا؛ لأنه يحرم الأكل
والشرب وغيرهما على المصلِّي؛ فلا يجوز الدخولُ في الصلاة إلَّا بالتكبير مقارنًا به النية.
انتھی .
قال القاري: وهو ركنٌ عند الشافعي، وشرط عندنا، ثم المراد بـ ((التكبير)) المذكور في
الحديث، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِرْ﴾ [المدثر: ٣] هو: التعظيمُ، وهو أعم من خصوص:
((الله أكبر)) وغيره مما أفاده التعظيم، والثابتُ ببعض الأخبار اللفظ المخصوصُ، فيجب العمل
به حتى يكره لمن يحسنه تركه، كما قلنا في القراءة مع الفاتحة وفي الركوع والسجود مع
التعديل؛ كذا في ((الكافي)).
قال ابن الهمام: وهذا يفيد وجوبه ظاهرًا، وهو مقتضى المواظبة التي لم تقترن بترك،
فينبغي أن يعوَّل على هذا، انتهى ما في ((المرقاة)).

٤٥
أبواب الطهارة عن رسول اللّهِ وَليه / باب مَا جَاءَّ أنَّ مِفْتَاحَ الصَّلاةِ الظُهُور
٠
قال ابن العربي: قوله ((تحريمها التكبير)) يقتضي أن تكبيرة الإحرام جُزْءٌ من أجزائها،
كالقيام والركوع والسجود؛ خلافًا لسعيدٍ والزهريِّ، فإنهما يقولان: إن الإحرام يكون بالنية،
وقوله: ((التكبير)) يقتضي اختصاصَ إحرام الصلاة بالتكبير دون غيره من صفات تعظيم الله
تعالى وجلاله، وهو تخصيص لعموم قوله: ﴿وَذَكَرَ أُسْمَ رَيِّهِ، فَصَلَّ﴾ [الأعلى: ١٥] فخص التكبير
بالسُّنَّة من الذكر المطلق في القرآن، لا سيَّما وقد اتصل في ذلك فعله بقوله، فكان يكبِّرِ وَهِ،
ويقول: ((الله أكبر))، وقال أبو حنيفة: يجوزُ بكُلِّ لفظ فيه تعظيمُ الله تعالى، لعموم القرآن،
وقد بينا أنه متعلَّق ضعيف، وقال الشافعي: يجوز بقولك: ((الله الأكبر)) وقال أبو يوسف:
يجوز بقولك: ((الله الكبير)) أما الشافعي؛ فأشار إلى أن الألف واللام زيادة لم تخل باللفظ
ولا بالمعنى، وأما أبو يوسف؛ فتعلَّق بأنه لم يخرج من اللفظ الذي هو التكبير؛ قلنا
لأبي يوسف: إن كان لم يخرج عن اللفظ الذي هو في الحديث فقد خرج عن اللفظ الذي
جاءَّ به الفعْلُ، ففسَّرِ المُظْلَقَ في القول، وذلك لا يجوز في العبادات التي يتطرق إليها
التعليل، وبهذا يردُّ على الشافعي أيضًا؛ فإن العبادات إنما تفعل على الرسْم الوارد دون نَظَرٍ
إلى شيء من المعنى، قال: قال علماؤنا: قوله: ((تحريمها التكبير)) يقتضي اختصاصَ التكبير
بالصلاة دون غيره من اللفظ؛ لأنه ذكره بالألف واللام الذي هو باب شأنه التعريف
كالإضافة، وحقيقة الألف واللام إيجابُ الحُكم لما ذكر ونفيه عما لم يذكر وسلبه عنه، وعبَّر
عنه بعضهم بأنه الحَصْرِ، قال: وقوله: ((تحليلها التسليم)) مثله في حصر الخروج عن الصلاة
على التسليم دون غيره من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة؛ خلافًا لأبي حنيفة،
حيث يرى الخروج منها بكلِّ فعل وقولٍ يضادُّ؛ كالحَدَثِ ونحوه؛ حملًا على السلام، وقياسًا
عليه، وهذا يقتضي خطيطال الحصر، انتهى كلام ابن العربي ملخصًا.
قال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): المثال الخامسَ عَشَرَ رَدُّ المُحْكَم الصريح
من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: ((إذَا أُقِيمت الصَّلاةُ فَكَبِّرْ))(١)، وقوله: ((تحريمها
التكبير))، وقوله: ((لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أحَدِكُم حتَّى يَضَعَ الوضُوءَ موَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ القِبلة
وَيَقُولَ: اللهُ أكبرُ)) (٢) فِهِي نصوصٌ في غاية الصحة؛ فردَّت بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ
اسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى ؛به١]. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٥٧)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٧)، والترمذي، كتاب الصلاة.
حديث (٣٠٣)، وأحمد. حديث (٩٣٥٢).
(٢) الطبراني في ((الكبير)) حديث (٤٥٢٦)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٢٤/٢): رجاله رجال الصحيح.

٤٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ أنَّ مِفْتَاحَ الصَّلاة الظُّهُور
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)). [د: ٦١، جه: ٢٧٥، حم: ١٠٠٩، مي: ٦٨٧ ].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا الحَدِيثُ أصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ وَأحْسَنُ.
وَعَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: هُوَ صَدُوقٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن
قِبَلِ حِفْظِهِ.
(وتحليلها التسليم) التحليل: جعل الشيء المحرَّم حلالًا، وسمِّيَ التسليمُ به، لتحليل ما
كان حرامًا على المصلِّي؛ لخروجه عن الصلاة، وهو واجب، قال ابن الملك: إضافة
التحريم والتحليل إلى الصلاة؛ لملابسة بينهما، وقال بعضهم: أي سبب كون الصلاة محرِّمةً
ما ليس منها التكبيرُ، ومحلَّةَ التسليم، أي: إنها صارَت بهما كذلك، فهما مصدران مضافان
إلى الفاعل، كذا في ((المرقاة))، وقال الحافظ ابن الأثير في ((النهاية)): كأن المصلِّي بالتكبير
والدخول في الصلاة صار ممنوعًا من الكلام والأفعال الخارجةِ عن كلام الصَّلاة وأفعالها،
فقيل للتكبير: ((تحريم)) لمنعه المصلِّي من ذلك، ولهذا سمِّيَت ((تكبيرة الإحرام)) أي: الإحرام
بالصلاة، وقال: قوله: ((تحليلها التسليم)) أي: صار المصلي بالتسليم يحلُّ له ما حُرِّمَ عليه
بالتكبير: من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، كما يحل للمُحْرِمِ بالحجِّ
عند الفراغ منه ما كان حرامًا عليه. انتهى.
قال الرافعي: وقد روى محمَّد بن أسلم في ((مسنده)) هذا الحديث بلفظ: ((وإحْرَامُهَا
التّكْبِيرُ، وإحلالُهَا التَّسْليمُ)) (١).
قوله: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن) هذا الحديث أخرجه أيضًا:
الشافعيُّ وأحمد والبزَّار وأصحاب السنن إلَّا النسائيَّ، وصحَّحه الحاكم (٢) وابن السَّكَن، من
حديث عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن ابن الحنفية، عن علي، قال البزار: لا يعلم عن عَلَيٍّ
إلَّا من هذا الوجه، وقال أبو نُعيم: تفرَّد به ابن عَقيل عن ابن الحنفية، عن علي، وقال
العُقَيْليُّ: في إسناده لين، وهو أصلح من حديث جابر؛ كذا في ((التلخيص)).
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): قال النووي في ((الخلاصة)): هو حديث حسن. انتهى.
(وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلّم فيه بعض أهل العلم من قِبَلٍ
حفظه)، قال أبو حاتم وغيره: ليِّن الحديث، وقال ابن خُزَيْمة: لا يحتجُّ به، وقال ابن
(١) البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٠٩٤).
(٢) الشافعي في ((مسنده)). حديث (١٣٣)، والبزار. حديث (٥٧٥- زخار)، والحاكم، تحت حديث (٤٥٧)،
وقال: أشهر إسناد فيه حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد ابن الحنفية عن علي.

٤٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَليهِ / باب مَا جَاءَ أنَّ مِفْتَاحَ الصَّلاة الُهُور
قَالَ أَبُو عيسى: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: كَانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ،
وَإسحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَالحُمَيْدِيُّ: يَحْتَجُونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ،
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ. قَالَ أَبُو عيسى: وَفِي البَابِ: عَن جَابِرٍ،
وَأبِي سَعِيدٍ.
حبَّان: رديء الحفظ يجيء بالحديث عَلَى غير سَنَنْهِ. فوجبَت مجانبة أخباره، وقال أبو أحمد
الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال أبو زُرْعَة: يختلف عنه في الأسانيد، وقال الفسوي: في
حديثه ضعف، وهو صدوق؛ كذا في ((الميزان)).
(وسمعت محمد بن إسماعيل) يعني البخاري، (يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن
إبراهيم والحميدي يحتجُون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد: وهو مقارب
الحديث) هذا من ألفاظ التعديل، وتقدَّم تحقيقه في ((المقدمة)»، قال الحافظ الذهبيُّ في
((الميزان)) في ترجمة عبد الله بن محمد بن عَقيلٍ بعد ذكر أقوال الجارحين والمعدِّلين: حديثه
في مرتبة الحَسَنِ. انتهى.
فالراجح المعوَّل عليه هو أن حديثَ عليٍّ المذكورَ حَسَنٌ يصلح للاحتجاج، وفي الباب
أحاديثُ أخرَى كلُّها تَشْهَدُ له.
قوله: (وفي الباب عن جابر، وأبي سعيد) أما حديث جابر: فأخرجه أحمد والبزار
والترمذي والطبراني(١)، من حديث سليمان بن قَرْم، عن أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد عنه،
وأبو يحيى القتات ضعيف، وقال ابن عدي: أحاديثه عندي حِسَانٌ، وقال ابن العربي: حديث
جابر أصحُّ شيء في هذا الباب؛ كذا قال، وقد عكس ذلك العُقَيْليُّ، وهو أقعد منه بهذا
الفن، كذا في ((التلخيص)).
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه الترمذي وابن ماجه(٢)، وفي إسناده أبو سفيان طريفٌ،
وهو ضعيف، قال الترمذي: حديث عليٍّ أجودُ إسنادًا من هذا، كذا في ((التلخيص)).
قلت: قد أخرج الترمذيُّ حديث أبي سعيدٍ في ((كتاب الصلاة)) في ((باب ما جاء في
(١) أحمد. حديث (١٤٢٥٢)، والترمذي، كتاب الطهارة. حديث (٤)، والطبراني في ((الأوسط)). حديث
(٤٣٦٤).
(٢) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٢٣٨)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٢٧٦).

٤٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء
[٤] (٤) حدثنا أبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجويْهِ البَغْدَادِيُّ، وَغَيْرُ واحِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْم، عَن أبِي يَحْبَى القَتَّاتِ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ◌ِ﴿َّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مِفْتَاحُ الجنَّةِ الصَّلاةُ، ومِفْتَاحُ
الصَّلاةِ الوُضُوءُ)). [ضعيف والشطر الثاني صحيح بما قبله، حم بنحوه: ١٤٢٥٢].
٤- باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء [ت٤، ٤٠]
[٥] (٥) حدثنا قُتَيْبَةُ وهَنَّادٌ، قالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن شُعْبَةَ،
تحريم الصلاة وتحليلها))، وقال بعد إخراجه حديثَ عليٍّ بن أبي طالب: أجود إسنادًا وأصحُ
من حديث أبي سعيد. انتهى.
وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن زيد(١)، وابن عباس(٢) وغيرهما، ذكر أحاديثهم الحافظ
ابن حجر في ((التلخيص))، والحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)).
.
[٤]
٤ - باب ما يقول إذا دخل الخلاء
بفتح الخاء والمَدِّ، أي: موضعُ قضاء الحاجة؛ سُمِّي به لخلائه في غير أوقات قضاءٍ
الحاجة، وهو الكَنيفُ والحُشُّ والمرفَقُ والمِرْحَاضُ أيضًا، وأصله المكان الخالي، ثم كثر
استعماله حتى تجوَّز به عن ذلك، قاله العيني.
[٥] قوله: (حدثنا قتيبة وهناد، قالا: نا وكيع) تقدَّم تراجم هؤلاء (عن شعبة) بن الحَجَّاج
ابن الورد العَتَكيِّ مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوريُّ
يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فَتَّشَ بالعراق عنِ الرجال وَذَبَّ عن السُّنَّة،
وكان عابدًا، كذا في ((التقريب)). وقال أحمد بن حنبل: كان شعبةُ أُمَّةً وحده في هذا الشأن،
يعني: في الرجال وَبصَرِهِ بالحديث، وقال الشافعي: لولا شعبةُ لما عُرِفَ الحديثُ بالعِراقِ،
ولد شعبة سنة (٨٢) ثنتين وثمانين، ومات سنة (١٦٠) ستين ومئة. كذا في ((تذكرة الحفاظ)).
(١) الدار قطني (٣٦١/١). حديث (٥)، والطبراني في ((الأوسط)). حديث (٧١٧٥). وقال الهيثمي (٢/ ١٠٤):
رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه الواقدي، وهو ضعيف.
(٢) الدارقطني (٣٥٩/١). حديث (١)، والطبراني في ((الأوسط)). حديث (٩٢٦٧)، و((الكبير)). حديث
, (١١٣٦٩).

٤٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء
عَن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ إِذَا دَخَلَ
الخَلاءَ، قَالَ: ((اللَّهَمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ - قَالَ شعبة: وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى :- أعُوذُ بِكَ -
(عن عبد العزيز بن صهيب) البناني، بنانة بن سعد بن لُؤَيِّ بن غالب مولاهم البصريِّ،
عن: أنس وشَهرٍ، وعنه: شعبة، والحمادان، وثّقه أحمد، قال ابن قانع: مات سنة (١٣٠)
ثلاثین ومئة.
(عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجيّ خادم رسول الله وَه خَدَمَه عشر
سنين، صحابي مشهور، مات سنة (٩٢ أو ٩٣) اثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المئة.
قوله: (إذا دخل الخلاء) أي: موضع قضاء الحاجة، وفي ((الأدب المفرد)) للبخاري، من
طريق سعيد بن زيد، عن عبد العزيز، عن أنس، قال: كَانَ النَّبِيُّ ونَ﴿ إِذَا أُرَادَ أن يَدْخُلَ
الخَلاءِ (١) .... ، وأفادت هذه الروايةُ تبيين المراد من قوله: ((إذَا دَخَلَ الخَلاء .... )) أي:
كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده.
قال الحافظ في ((الفتح)): الكلامُ هاهنا في مَقَامَيْنِ:
الأول: هل يختصُّ هذا الذكر بالأمكنة المعدَّة لذلك؛ لكونها تحضُرُها الشياطين؛ كما
ورد في حديث زيد بن أرقم في ((السنن))(٢)، أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلًا في جانب
البيت ؟
الأصحّ: الثاني، ما لم يشرع في قضاء الحاجة.
المقام الثاني: متى يقول ذلك؛ فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفضِّل، أما في الأمكنة
المعدة لذلك، فيقول قبيل دخولها، وأما في غيرها، فيقوله في أول الشروع كتشمير ثيابه
مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيز مطلقًا لا
يحتاج إلى تفصيل. انتهى كلام الحافظ.
قلت: القول الراجحُ المنصورُ؛ هو ما ذهب إليه الجمهور.
(قال: اللهم إني أعوذ بك) أي: ألوذُ والتجئُ، قال ابن الأثير: عُذْتُ به عَوذًا وَعِياذًا
ومعَاذًا، أي: لجأت إليه، والمعاذُ: المصدر والمكان والزمان، (قال شعبة: وقد قال) أي:
عبد العزيز، (مرة أخرى: أعوذ بالله) أي: مكان ((اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ)) يَعني: قال عبد العزيز
(١) البخاري في ((الأدب المفرد)). حديث (٦٩٩).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، حديث (٦)، وابن ماجه، كتاب الطهارة، حديث (٢٩٦).

٥٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ له / باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء
مِنَ الخُبْثِ وَالخَبِيْثِ، أوِ: الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ)). [خ: ١٤٢، م: ٣٧٥، د: ٤، ن: ١٩، جه:
٢٩٨، حم: ١١٥٣٦، مي: ٦٦٩].
مرَّة: ((اللهُمَّ إني أعُوذ بِكَ)) وقال مرَّة أخرى: أعُوذُ بالله، قال العيني في ((عمدة القاري)): وقد
وقع في رواية وهب: فليَتَعَوَّذ باللهِ، وهو يشملُ كلَّ ما يَأتِي به مِن أنواع الاستعاذة من قوله:
((أعوذ بك، أستعيذ بك، أعوذ بالله، أستعيذ بالله، اللهم إني أعوذ بك))، ونحو ذلك من أشباه
ذلك. انتهى.
قلت: الأولى أن يختار من أنواع الاستعاذة ما جاء في الحديث، وقد ثَبَتَ زيادةٌ
((بسم الله)) مع التعوُّذ، فروى العمري حديث الباب بلفظ: ((إِذَا دَخَلْتُمُ الخَلاءَ، فَقُولوا:
بِسمِ اللهِ، أعوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ))، قال الحافظ في ((الفتح)): إسناده على شرط
مسلم .
(من الخُبثِ والخَبِيثِ أو: الخُبُثِ والخَبَائِثِ)، قال الحافظ في ((فتح الباري)): وقع في
رواية الترمذي وغيره: ((أعوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبْث والخبيث، أو: الخُبُثِ والخَبَائثِ)) هكذا على
الشك: الأول بالإسكان مع الإفراد، والثاني بالتحريك مع الجمع، أي: من الشيء المكروه،
ومن الشيء المذموم، أو من ذُكْران الشياطين وإناثهم. انتهى كلام الحافظ.
قلت: وجاء في رواية ((صحيح البخاري))(١) وعامة الروايات: ((اللَّهم إنِّي أَعُوذُ بِكَ من
الخُبُثِ والخَبَائثِ)) من غير شك، قال الحافظ تحت هذه الرواية: الخُبُثُ: بضم المعجمة
والموحدة، كذا في الرواية، وقال الخطّابي: إنَّه لا يجوز غيره، وتُعُقِّبَ بأنه يجوز إسكان
الموحّدة: كما في نظائره، مما جاء على هذا الوجه كـ«كُتُبٍ وكُتْبٍ))، قال النَّووي: وقد
صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم: أبو عبيدة، إلَّا أن يقال: إن ترك
التخفيف أولى، لئلا يشبه بالمصدر، والخُبُثُ: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، یرید:
ذكرَانَ الشياطين وإناثهم؛ قاله الخطّابي وابن حبَّان وغيرهما .
ووقع في نسخة ابن عساكر: قال أبو عبد الله، أي: البخاري: ويقال: الخُبْث، أي:
بإسكان الموحدة، فإن كانت مخفَّفة عن المحرَّكة؛ فقد تقدَّم توجيهه، وإن كانت بمعنى
المفرد؛ فمعناه - كما قال ابن الأعرابي -: المكروه، قال: فإن كان من الكلام فهو الشتم،
وإن كان من المِلَلِ فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٤٢).

٥١
أبواب الطهارة عن رسول الله وَار / باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء
قَالَ أَبُو عيسى: وَفِي البَابِ عَن عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَجَابٍِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أنَس أصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأحْسَنُ.
وحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ: رَوَى هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ
أبِي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ: فَقَالَ سَعِيدٌ: عَنِ القَاسِمِ بْنِ عَوْفِ الشَّيْبَانِيِّ، عَن زَيْدِ بْنِ
أرْقَمَ، وَقَالَ هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ: عَن قَتَادَةَ، عَن زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَمَعْمَرٌ،
عَن قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ: فَقَالَ شُعْبَةُ: عَن زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَنِ
النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَن أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ.
الضارُّ، وعلى هذا؛ فالمراد بـ ((الخبائث)): المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة، ليحصل
التناسب، ولهذا وقع في رواية الترمذي وغيره ..... إلى آخر ما نقلْتُ عباراته آنفًا.
قوله: (وفي الباب: عن علي، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود): أما حديث علي:
فأخرجه الترمذي، وابن ماجه(١)، وأما حديث زيد بن أرقم: فأخرجه أبو داود وابن ماجه(٢)،
وأما حديث جابر: فلم أقف عليه، وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه الإسماعيلي في
((معجمه))(٣)، قال العيني؛ بإسناد جيد: إنَّ النَّبيَّ نَ ﴿ كَانَ إذَا دَخَلَ الغَائِطِ، قال: ((أعُوذُ باللهِ
مِنَ الخُبْثَ والخَبَائِثِ)).
قوله: (حديث أنس أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن) وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله: (وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب) يعني: روى بعض رواته على وجه،
وبعضهم على وجه آخر مخالف له، (روى هشام الدستوائي .... إلخ) هذا بيان الاضطراب،
والدَّسْتَوَائِيُّ: منسوب إلى ((دَسْتَوَاء)) بفتح الدال، كُورةٌ من الأهواز أو قرية، كذا في
«المغني)).
وتوضيح الاضطراب؛ على ما في ((غاية المقصود)) للعلَّامة أبي الطيب - غفر الله له - أن
هشامًا وسعيد بن أبي عَرُوبة وشعبة ومعمرًا كلهم يروون عن قتادة على اختلاف بينهم:
(١) الترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٦٠٦)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٢٩٧).
(٢) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٦)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٢٩٦).
(٣) الإسماعيلي في ((معجمه)). حديث (٣١٦)، وأخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢٦١/٤) تحت
ترجمة أحمد بن عبد الجبار السكوني.

٥٢
أبواب الطهارة عن رسول الله وَاقوى / باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء
قَالَ أَبُو عِيسَى: سأَلْتُ مُحَمَّداً عَنِ هَذَا؟ فَقَالَ: يُحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَتَادَةُ رَوَى
عَنْهُمَا جَميعاً.
فروى سعيد: عن قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم، وروى
هشام: عن قتادة، عن زيد بن أرقم، فبينَ قتادة وزيد بن أرقم: واسطة القاسم، في رواية
سعیدٍ، وليست هي في رواية هشام.
وروى شعبة ومعمر: عن قتادة، عن النضر بن أنس، ثم اختلف، فروى شعبة: عن
قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم، وروى معمر: عن قتادة، عن النضر بن أنس،
عن أبيه. فالاضطراب في موضعين:
الأول: في شيخ قتادة: ففي رواية سعيد: أن قتادة يرويه عن القاسم، عن زيد بن أرقم،
وفي رواية هشام: أنه يرويه عن زيد بن أرقم، وفي رواية شعبة: أنه يرويه عن النضر بن
أنس، عن زيد بن أرقم.
والثاني: في شيخ النضر بن أنس: ففي رواية شعبة: أن النضر يرويه عن زيد بن أرقم،
وفي رواية معمر: أنه يرويه عن أبيه، انتهى ما في ((غاية المقصود)).
(قال أبو عيسى: سألت محمدًا) يعني: البخاري (عن هذا) أي: عن هذا الاضطراب،
(فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا) قال العلامة أبو الطيب في ((غاية المقصود)):
أي: يحتمل أن يكون قتادة سمع من القاسم والنضر بن أنس، كما صرح به البيهقي.
وأخطأ من أرجَعَ الضميرَ من محشِّي الترمذي، إلى زيد بن أرقم والنضر بن أنس،
انتھی .
قلت: الأمر كما قال أبو الطيِّب: إرجاعُ ضميرٍ ((عنهما)) إلى القاسم والنضر بن أنس هو:
الحقُّ، وأما إرجاعه إلى زيد بن أرقم والنضر بن أنس فخطأ. قال العلامة العينيُّ في ((عمدة
القاري شرح البخاري)): قال الترمذي: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطرابٌ، وأشار إلى
اختلاف الرواية فيه، وسأل الترمذيُّ البخاريَّ عنه، فقال: لعلَّ قتادة سمعه من القاسم بن
عوف الشيباني والنضر بن أنس عن أنس، ولم يقض فيه بشيء. انتهى كلام العيني.
وروى أبو داود في ((سننه)) (١) حديث زيد بن أرقم هكذا: ((حدَّثنا عمرو بن مرزوق، أنا
شعبة، عن قتادة عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم، عن رسول الله وَّ ر .... )) إلخ، قال
(١) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٦).

٥٣
أبواب الطهارة عن رسول الله ◌َ﴿ / باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء
[٦] (٦) أْبَرَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن
السُّيوطي: قوله: ((أنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس ... )) إلخ، قال البيهقي في
((سننه))(١): هكذا رواه معمر عن قتادة، وابن علية وأبو الجماهر عن سعيد بن أبي عروبة عن
قتادة، ورواه يزيد بن زُرَيْع وجماعةٌ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف
الشيباني عن زيد بن أرقم، قال أبو عيسى: قلت لمحمَّد، يعني: البخاري؛ أيّ الروايات
عندكم أصحُّ ؟ فقال: لعلَّ قتادة سمع منهما جميعًا عن زيد بن أرقم، ولم يقض في هذا
بشيء، وقال البيهقي: وقيل: عن مَعْمَرٍ عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس، وهو وهمٌ.
انتھی .
فثبت من هذا كله أن إرجاع ضمير ((عنهُمَا)) إلى القاسم والنضر بن أنس هو الحق
والصواب.
تنبيه: قول البخاري المذكور في كلام العيني بلفظ: ((لعلَّ قتادة سمعه من القاسم بن
عوف الشيباني والنضر بن أنس عن أنس)) مخالفٌ لقوله المذكور في كلام البيهقي بلفظ: ((لعل
قتادة سمع منهما جميعًا، عن زيد بن أرقم))، والظاهر - عندي -: أن لفظ ((عن أنس)) المذكور
في كلام العيني؛ سهو من الناسخ؛ فتأمل.
فإن قلت: لا يندفع الاضطراب من كل وجه بقول البخاري: ((فيحتمل أن يكون قتادة
روی عنهما جمیعًا)»!
قلت: نعم، إلّا أن يقال: إن قتادة روى عنهما عن زيد بن أرقم، وروى عن زيد بن أرقم
من غير واسطة، وأما رواية معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه؛ فوهم؛ كما صرح به
البيهقي، والله تعالى أعلم.
[٦] قوله: (حدثنا أحمد بن عبدة الضبي) أبو عبد الله البصري، عن: حماد بن زيد،
وأبي عوانة، وعبد الواحد بن زياد، وخلق، وعنه: مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وثَّقه
أبو حاتم والنسائي، مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومئتين، كذا في ((الخلاصة)) وقال
الذهبي في ((الميزان)): وقال ابن خراش: تكلّم الناس فيه، فلم يصدُقِ ابْنُ خِراشٍ في قوله
هذا، فالرجل حُجَّةٌ. انتهى.
(نا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل الأزرق، البصري الحافظ، مولى جرير
(١) انظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي. تحت حديث (٤٥٩).

٥٤
أبواب الطهارة عن رسول الله وَالدّ / باب ما يقول إذا دَخَلَ الخَلاء
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ قَالَ:
((اللَّهِمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالخَبَائِثِ)). [م: ٣٧٥، د: ٤، مي: ٦٦٩].
قَالَ أَبُو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ابن حازم وأحد الأعلام، عن: أنس بن سيرين، وثابت، وعاصم بن بَهْدَلَة، وابن واسع،
وأيوب، وخلقٍ كثير، وعنه: الثوري، وابن مهدي، وابن المديني، وخلائق، وقال ابن
مهدي: ما رأيت أحفظ منه، ولا أعلم بالسنة، ولا أفقه بالبصرة منه، توفي سنة (١٩٧) سبع
وتسعين ومئة. عن إحدى وثمانين سنة، كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): ثقة ثَبْتُ
فقيه .
قوله: (قالَ: اللهم) معناه: يا الله، (إني أعوذ بك) قال ابن العربي: يعني أَلْجَأ وألوذُ،
والعَوذُ، بإسكان العين، والعياذ والمَعاذ والملجأ: ما سكنْتَ إليه تَقِيَّةً عن محذور، قال: كان
النبي ◌َّهُ معصومًا من الشيطان حتى من المُوَّلِ بِهِ بشرط استعاذته منه، ومع ذلك؛ فقد كان
اللعينُ يَعرضُ له، عَرَضَ له ليلةَ الإسراء، فدفعه بالاستعاذة، وعَرَضَ له في الصَّلاة فشدَّ وثاقه
ثم أطلقه، وكان يخصُّ الاستعاذة في هذا الموضع بوجهين :
أحدهما: إنه خلاءٌ، وللشيطان بعادة الله قدرةُ تسلُّط في الخلاء، وليس له في المَلاء؛
قال ◌َّه: ((الرَّاكِبُ شَيْطانٌ، والرَّاكِبانِ شَيْطانَانِ، والثَّلاثةُ رَكْبٌ))(١).
الثاني: إنه موضع قذر، ينزَّه ذكر الله عن الجريان فيه على اللسان، فيغتنم الشيطان عدم
ذكر الله، فإنَّ ذِكرَهُ يطرده، فلجأ إلى الاستعاذة قبل ذلك، ليعقدها عصمة بينه وبين الشيطان،
حتی یخرج، ولیعلم أمته. انتهى كلامه.
وقال الحافظ في ((الفتح)): كان ◌َّه يستعيذُ إظهارًا للعبودية، ويجهر بها للتعليم. انتهى.
(من الخُبُث) بضم الخاء المعجمة والموخَّدة: جمع خَبيثٍ؛ أي: ذكران الشياطين.
و(الخبائث): جمع خبيثة، أي: إناث الشياطين.
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
(١) الترمذي، كتاب الجهاد. حديث (١٦٧٤) بهذا اللفظ. وأخرجه أيضًا أحمد. حديث (٦٧٠٩)، وأبو داود،
کتاب الجهاد. حديث (٢٦٠٧).

٥٥
أبواب الطهارة عن رسول الله وَيه / باب مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ
٥- باب مَا يَقُولُ إذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ [ت٥٢،٥]
[٧] (٧) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَن إِسْرَائِيلَ ابْنِ
يُونُسَ]،
٥ - بابُ: ما يَقولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ
[٧] قوله: (حدثنا محمد بن حميد بن إسماعيل)؛ كذا في النسخ المطبوعة في الهند،
وإني لم أجد في كتب الرجال رجُلًا اسمه: ((محمد بن حُمَيد بن إسماعيل)) من شيوخ
الترمذي، وفي النسخة المصرية حَدثنا محمد بن إسماعيل، ثَنا حُميد، قال: حدثنا مالك بن
إسماعيل .... )) إلخ، وإني لم أجد في كتب الرجال رجلًا اسمه: ((حُمَيْد)) وهو من تلامذة
مالك بن إسماعيل، ومن شيوخ محمد بن إسماعيل، فتفكّر وتأمَّل.
وقال بعضهم: لعل لفظ ((حميد)) هاهنا زائد في كلتا النسختين؛ والصحيح هكذا: ((حدثنا
محمد بن إسماعيل؛ قال: حدثنا مالك بن إسماعيل))؛ ويدل على ذلك ما قال في ((الدر
الغالي، شرح إرشاد المتجلي)) بعد ما ذكر رواية أنس: ((كان النَّبيُّ وَلِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ قال:
غُفْرَانَكَ)) قال عقب ذلك؛ وكذا رواه البخاري في ((الأدب المفرد))(١). وعنه رواه الترمذي عن
عائشة، وأورد رواية عائشة هذه بهذا المتن والسند، وقال في ابتداء السند: ((حدثنا مالك بن
إسماعيل))، فظهر من هذا ومن النسخة المصرية: أن الترمذيَّ رَوَى هذا الحديث عن محمد بن
إسماعيل، أعني: البخاري، دون محمَّد بن حُميد. انتهى كلامه بلفظه.
(نا مالك بن إسماعيل) بن درهم النَّهْدِيُّ مولاهم، أبو غَسَّان الكوفي الحافِظ، رَوَی عن
إسرائيل، وأسْبَاط بْنِ نصر والحسن بن صالح، وخلق، وعنه البخاري، والباقون بواسطة،
قال ابن معين: ليس بالكوفة أتقن منه، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صحيح الحديث من
العابدين، مات سنة (٢١٩) تسع عشرة ومئتين، كذا في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)):
ثقة، متقن، صحيح الكتاب، عابد، من صغار التاسعة. انتهى.
(عن إسرائيل بن يونس) بن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ الهَمْدَانيّ الكوفي، ثقة، تُكلِّم فيه بلا
حجة، قال أحمد: ثقة ثَبْتٌ، وقال أبو حاتم: صَدُوقٌ من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ولد
سنة (١٠٠) مئة ومات سنة (١٦٢) اثنتين وستين ومئة.
(١) البخاري في ((الأدب المفرد)). حديث (٦٩٣).

٥٦
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ
عَن يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَن أبِيهِ، عَن عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ إِذَا خَرَجَ
مِنَ الخَلاءِ قَالَ: ((غُفْرَانَكَ)). [ر: ٣٠، جه: ٣٠٠، حم: ٢٤٦٩٤، مي: ٦٨٠].
(عن يوسف بن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، روى عن أبيه، وعنه:
إسرائيل، وسعيد بن مسروق، وثّقه ابن حِبَّان، كذا في ((الخلاصة))، وقال الحافظ: مقبول.
(عن أبيه) أي: أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث،
ثقة، من الثالثة، قال ((في الخلاصة)): أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، الفقيه، قاضي
الكوفة، اسمه: الحارث أو عامر، عن: علي، والزبير، وحذيفة، وطائفة، وعنه: بنوه
عبد الله، ويوسف، وسعيد، وبلال، وخلق، وثّقه غير واحد، توفي سنة (١٠٣) ثلاث ومئة.
قوله: (إذا خرج من الخلاء، قال: ((غفرانك))) إما مفعولٌ به منصوب بفعل مقدَّر، أي:
أسألك غفرانك، أو أطْلُبُ، أو مفعولٌ مطلقٌ، أي: اغْفِرِ غفرانَكَ.
وقد ذُكِرَ في تعقيبه بَِّ الخروجَ بهذا الدعاء، وجهان:
أحدهما: أنه استغْفَرَ من الحالة التي اقتضَت هِجْرَانَ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، فإنَّه يذكر الله تعالى
في سائر حالاته إلَّا عند الحاجة.
وثانيهما: أن القوَّة البشريّة قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله عليه: من تسويغ الطعام
والشراب، وترتيب الغذاء على الوجه المناسب لمصلحة البدن إلى أوان الخروج، فلجأ إلى
الاستغفار؛ اعترافًا بالقصور عن بلوغ حَقِّ تلك النعم، كذا في ((المرقاة)).
قلت: الوجه الثاني هو المناسبُ لحديث أنس، قال: ((كَانَ النَّبيُّ وَّهِ إِذَا خَرَجَ مِنَ
الخَلاءِ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي أَذْهبَ عَنِّي الأذَى وعَافَانِي))، رواه ابن ماجه(١).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: سأل المغفرة من تركه ذكر الله في تلك الحالة، ثم قال:
فإن قيل: إنما تركه بأمرِ رَبِّهِ، فكيف يسأل المغفرة عن فعل كان بأمر الله؟
والجواب: إنَّ الترك - وإن كان بأمر الله - إلَّا أنه مِن قِبَلِ نفسه، وهو الاحتياجُ إلى
الخلاء. انتهى.
فإن قيل: قد غُفر له وَله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، فما معنى سؤاله المغفرة؟
يقال: كان النبي وَل﴿ يَطْلُبُ المغفرة من ربه قبل أن يعلمه أنه قد غَفَرَ له، وكان يسألها
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها. حديث (٣٠١).

٥٧
أبواب الطهارة عن رسول الله وَلجر / باب مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ
قَالَ أَبُو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ إِسْرَائِيلَ، عَن
يُوسُفَ بْنِ أبِي بُرْدَةً، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أبِي مُوسَى اسْمُهُ: عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ
الأَشْعَرِيُّ. وَلا نَعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ عَائِشَةَ ﴿يَا عَنِ النَِّّ وََّ.
بعد ذلك؛ لأنه غفر له بشرط استغفاره، ورفع إلى شرف المنزلة بشرط أن يجتهد في الأعمال
الصالحة، والكل له حاصلٌ بفضل الله تعالى؛ قاله ابن العربيِّ.
قوله: (هذا حديث غريب حسن) قال القاضي الشوكانيُّ في ((نيل الأوطار)): هذا الحديث
أخرجه الخمسة إلَّا النسائي، وصحَّحه الحاكم وأبو حاتم، قال في ((البدر المنير)): ورواه
الدارميُّ وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان(١). انتهى.
(ولا نعرف في هذا الباب إلَّا حديث عائشة) قال النووي في ((شرح المهذب»: وهو
حديث حسنٍ صحيح، وجاء في الذي يُقَالُ عقب الخروج مِنَ الخَلاءِ أحاديثُ كثيرٌ ليس فيها
شيءٌ ثابت إلَّا حديث عائشة المذكور؛ قال: وهذا مرادُ الترمذيِّ بقوله: ((ولا يعرف في هذا
الباب إلَّا حديثُ عائشة)) كذا في ((قوت المغتذي))، وقال العيني في شرح البخاري بعد ذكر
حديث عَائِشَة المذكور: أخرجه ابن حِبَّان وابن خُزَيْمَة وابن الجارود والحاكم في
((صحيحهم))، وقال أبو حاتم الرازيُّ: هو أصحُّ شيء في هذا الباب، فإن قلت: لما أخرجه
الترمذي وأبو علي الطرطوسيُّ قالا: هذا حديث غريب حسن، ولا يعرف إلَّا من حديث
إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، ولا يعرف في هذا الباب إلَّا حديثُ عائشة ◌ُوُا.
قلت: قوله: ((غريب)) مردودٌ بما ذكرنا من تصحيحه، ويمكن أن تكون الغرابة بالنسبة إلى
الراوي لا إلى الحديث؛ إذ الغرابة والحُسْنُ في المتن لا يجتمعان، فإن قلت: غرابة السند
بتفرُّد إسرائيل، وغَرَابَةُ المتن لكونه لا يعرف غيره.
قلت: إسرائيلُ مُتَّفَقٌ على إخراج حديثه عند الشيخين، والثقة إذا انفرد بحديث، ولم
يتابع عليه، لا ينقص عن درجة الحسن، وإن لم يرتق إلى درجة الصحّة، وقولهما: ((لا يعرف
في هذا الباب إلَّا حديث عائشة)) ليس كذلك؛ فإن فيه أحاديث وإن كانت ضعيفةً:
منها: حديثُ أنس ﴿َّهِ رواه ابن ماجه(٢): قال: كَانَ ﴿ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قالَ:
((الحَمْدُ للهِ الذِي أذهَبَ عنِّي الأَذَى وعَافَانِي)).
(١) الدارمي. حديث (٦٨٠)، وابن خزيمة. حديث (٩٠)، وابن حبان. حديث (١٤٤٤)، والحاكم. حديث
(٥٦٢، ٥٦٣) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) ابن ماجه، كتاب الطهارة، حديث (٣٠١).

٥٨
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أوْ بَوْلٍ
٦ - باب في النَّهْي عَن اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ [ت٦، م٦]
[٨] (٨) حدثنا سعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ المَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
ومنها: حديث أبي ذر مثله، أخرجه النسائي(١).
ومنها: حديث ابن عباس، أخرجه الدار قطني (٢) مرفوعًا: ((الحَمْدُ لهِ الذِي أَخْرَجَ عَنِّي مَا
يُؤْذِيني، وَأَمْسَكَ عليَّ ما ينفَعُني)).
ومنها: حديث سهل بن خَيْئَمَة نحوه، وذكره ابن الجوزيِّ في ((العلل)) (٣).
ومنها: حديث ابن عمر رّته مرفوعًا أخرجه الدار قطني(٤): ((الحَمْدُ للهِ الذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ
وأبقَى عليَّ قُوَّتَهُ وأذهَبَ عَنِّي أَذَاهُ)). انتهى كلام العيني رحمه الله.
قلت: المراد بقول الترمذي: ((غريب)) من جهة السند؛ فإنه قال: لا نعرفه إلَّا مِن حديثٍ
إسرائيل، ولا منافاة بَيْنَ أن يكون الحديثُ غريبًا من جهة السند وبين أن يكون حسنًا أو
صحيحًا كما تقرَّر في مَقَرِّه، فقول العلامة العيني: «قوله: ((غريب)) مردودٌ بما ذكرنا من
تصحیحه» مردودٌ عليه.
وأما قول الترمذي: ((لا يعرف في هذا الباب إلَّا حديثُ عائشة)) فقد عرفْتَ ما هو المرادُ
منه .
٦ - بابٌ في النَّهِي عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ بِغَائٍِ أو بَولٍ
[٨] قوله: (حدَّثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي) بن حسان المكي القرشي، روى
عن ابن عيينة والحُسَيْن بن زيد العلوي، وعنه: الترمذي، والنسائي ووثقه، مات سنة (٢٤٩)
تسع وأربعين ومئتين.
قوله: (حدّثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمونٍ الهلاليُّ أبو محمد الكوفي، ثم
(١) لم أجده في النسائي، وأخرجه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)). حديث (٥٣٩).
(٢) الدارقطني (٥٧/١). حديث (١٢، ١٣، ١٤، ١٥) عن طاوس مرسلًا، وكذا أخرجه البيهقي في ((الكبرى)).
حديث (٥٣٨) وزاد: ورواه سفيان بن عيينة عن سلمة عن طاوس عن ابن عباس عن النبي ◌َّةُ، ولا يصح وصله
ولا رفعه. وأخرجه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)). حديث (٥٤١).
(٣) أخرجه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)). حديث (٥٣٩).
(٤) لم أجده في ((السنن)) ولا في ((العلل))، وأخرجه ابن السني في ((اليوم والليلة)). حديث (٢٥)، وانظر «كنز
العمال». رقم (١٧٨٧٧).

٥٩
أبواب الطهارة عن رسول الله وَّه / باب فِي التَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أُوْ بَوْلٍ
عَن الزهري عَنِ عَطَاء بنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَن أبي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْل، وَلا
تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلكِنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبوا)) فَقَالَ أبو أيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ
قَدْ بُنِيَتْ مُسْتَقْبَلَ القِبْلَةِ:
المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حُجَّة، إلَّا أنه تغيَّر حفظه بآخر، وكان ربَّما دلَّس، لكن عن
الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، (عن الزهري):
يأتي اسمه وترجمته في هذا الباب، (عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام، ثقة من
الثالثة، (عن أبي أيوب الأنصاري) يأتي اسمه وترجمته.
قوله: (إذا أتيتم الغائط) أي: في موضع قضاء الحاجة، والغائط - في الأصل -:
المطمئن من الأرض، ثم صار يطلق على كل مكان أُعدَّ لقضاء الحاجة، وعلى النَّجو نفسه،
أي: الخارج من الدبر، قال الخطابي: أصله المطمئنُّ من الأرض، كانوا يأتونه للحاجة،
فَكَنَوا به عن نفس الحدث؛ كراهة لذكره بخاصٌّ اسمه، ومن عادة العرب التعقّفُ في ألفاظها
واستعمالُ الكناية في كلامها، وصونُ الألسنة عما تُصَانُ الأبصارُ والأسماعُ عنهُ. (فلا
تستقبلوا القبلة) أي: جهة الكعبة، (بغائط ولا بول) الباء متعلِّقة بمحذوف، وهو حالٌ من
ضمير ((لا تستقبلوا)) أي: لا تستقبلوا القبلَةَ حَالَ كَونكم مقترنين بغائطٍ أو بولٍ، قال
السيوطيُّ: قال أهل اللغة: أصل الغائط: المكانُ المطمئن، كانوا يأتونه للحاجة، فَكَنَوا به
عن نفس الحدث؛ كراهةً لاسمه، قال: وقد اجتمع الأمران في الحديث، فالمراد بـ ((الغائط))
في أوله: المكان، وفي آخره: الخارج، قال ابن العربي: غلب هذا الاسم على الحاجة حتى
صار فيها أعرَفَ منه في مكانها، وهو أحدُ قسمَي المجاز. انتهى كلام السيوطي، (لكن
شرِّقوا أو غرِّبوا) أي: توجهوا إلى جهة المشرق أو المغرب، هذا خطابٌ لأهل المدينة ومَن
قبلته على ذلك السمت ممن هو في جهة الشمال والجنوب، فأما مَن قبلته الغرب أو الشرق
فإنه ينحرف إلى الجَنُوبِ أو الشَّمالِ؛ كذا في ((المجمع)) و((شرح السنة))، (فوجدنا مراحيض)
بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة: جمع ((مِرْحَاض)) بكسر الميم، وهو: البيت
المتخذ لقضاء حاجة الإنسان، أي: التغوُّط؛ قاله النووي، وقال ابن العربي: المراحيض
واحدها: مرحاضٌ، مِفْعال من ((رحض)) إذا غسل، يقال: ثوب رَحيض، أي: غَسيل،
والرُّحَضَاءُ: عَرَقُ الحمَّى، والمِرْحَضَةُ: إناء يُتُوضَّأ به. انتهى.

٦٠
أبواب الطهارة عن رسول الله وَ﴿ / باب فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقِبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أوْ بَوْلٍ
فَتَتْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ الله. [خ: ٣٩٤، م: ٢٦٤، ن: ٢٠، د: ٩، جه: ٣١٨، حم: ٢٣٠٦٧،
طا بنحوه: ٤٥٣، مي: ٦٦٥].
قَالَ أَبُو عيسى: وَفِي الْبَابِ عَن عَبْدِ الله بن الحَارِثِ بن جَزْءِ الزُّبَيْدِيِّ، وَمَعْقِلٍ بن
أبي الهَيْثَمِ - وَيُقَالُ: مَعْقِلُ بنُ أبي مَعْقِلٍ -
(فننحرف عنها) أي: عن جهة القبلة؛ قاله القسطلاني. (ونستغفر الله) قال ابن العربي:
يحتمل ثلاثة وجوه؛ الأول: أن يستغفر الله من الاستقبال، الثاني: أن يستغفر الله من ذنوبه،
فالذنب يذكِّر بالذنب، الثالث: أن نستغفر الله لمن بناها؛ فإن الاستغفار للمذنبين سُنَّة، وقال
ابن دقيق العيد: قوله: ((ونستغفر الله)) قيل: يراد به ونستغفر الله لباني الكَنيفِ على هذه
الصورة الممنوعة عنده، وإنما حَمَلهُم على هذا التأويل: أنه إذا انحرف عنها لم يفعل
ممنوعًا؛ فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب: أنه استغفار لنفسه، ولعل ذلك لأنه استقبل
واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطًا أو سهوًا، فيتذكر فينحرف ويستغفر الله.
فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعلا إثمًا، فلا حاجة به إلى الاستغفار!
قلتُ: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا؛ بناءً على نسبتهم
التقصيرَ إلى أنفسهم في عدم التحفّظ ابتداء. انتهى كلام ابن دقيق العيد.
قال صاحب ((بذل المجهود)): يعني كنا نجلس مستقبلي القبلة نسيانًا عَلى وَفْقِ بناء
المراحيض، ثم ننتبه على تلك الهيئة المكروهة، فننحرف عنها، ونستغفر الله تعالى عنها،
وتأويل الاستغفار لباني الكُنُفِ، بعيدٌ غاية البُعد، قال: وكان بناؤها من الكُفَّار، وبعيدٌ غايةً
البعدِ: أن يكون بناؤها من المسلمين مُسْتَقْبِلِي القبلة. انتهى.
قلت: يمكن أن يكون بناؤها من بعض المسلمين الذين كان مذهبهم جواز استقبالِ القبلةِ
واستدبارِها في الكُنُفِ والمراحيض؛ كما هو مذهب الجمهور، فليس فيه بُعْدٌ غايةَ البعد،
والله تعالى أعلم.
ثم القول بأن المراد: كنا نجلسُ مستقبلي القبلة نسيانًا ... إلخ، فيه: أن النسيان يكون
مرة أو مرَّتين، ولفظ: ((كنا ننحرفُ)) - كما في رواية - يدل على الاستمرار والتكرار، فتفكّر.
قوله: (وفي الباب: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي) صحابي، شهد فتح مصر،
واختط بها دارًا، مات سنة (٨٦) ست وثمانين بمصر، وهو آخر من مات بها من الصحابة.
(ومعقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل) ويقال أيضًا: معقل بن أم معقل،