النص المفهرس
صفحات 1-20
ـيجـ ٧ بلو تقرب سُبْنَ النََّا الَى عَبْدُ الرَّحُ تأليف أَِّ لُونِى لِيُّ الجُزءُ الثَّانِى الناشر مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي ت : ٨٦٨٦٠٥ الطبعة الأولى للكتاب ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م 0 كافة حقوق الطبع والنشر محفوظة 0 الناشر مكتبة التربية الإسلامية للإحياء التراث الإسلامي ١٤ ش سويلم من ش الهرم خلف مسجد الأنصار الطالبية ت : ٨٦٨٦٠٥ بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ الحَمْد للّه تعالى نحمدُهُ، ونستعينُ به ونستغفرُهُ، ونَعُوْذُ بِاللَّه تعالى من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، مَنْ يَهْد اللَّهُ تعالى، فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادى له . وأشهدُ أن لا إله إلّا اللَّهُ وحده لا شريك لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ. أمَّا بَعْدُ : فإِنَّ أَصْدَقَ الحديث : كتابُ اللَّه تعالى، وأُحْسنَ الْهَدْى، هدى محمدٍ صلى اللَّهُ عليه وآله وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وكلّ ضلالة فى النار . فهذا هو الجُزْءُ الثَّانِى من ((بَذْلِ الإِحسان))، أَقدِّمُهُ للباحثين، بعد أنْ ظَلّ حبيس المطبعة نحو عام ، بَلْ أُكْثُرُ، ولولا لطفُ اللَّه تعالى، لطال أمدُهُ وتأخّر، وذلك بسبب حَرْب الخليج التى زكا أُوَارُها ، واشتدَّ ضرامُها ، فللَّه الأمرُ من قبلُ ومن بَعْدُ . وقد أودعتُ فيه ما نمى إليه علمى ، وبلغه فهمى ، وكابَدْتُ فيه من الجُهْد ، ما أكلُ تقديره لأهل العلم بالنَّقْد ، وفى كُلّ هذا أحاولُ أن أتجَنَّبَ - مَا استطعتُ - التقصيرَ فيما اشتَرَطْتُهُ على نفسى أن يكون كتاباً جامعاً عملياً الشتات ما تفرَّق فى هذا الفنّ . ذلك أننى لم أُدَعْ مسألةً - إلَّا ما نَّ عَنِّى - تمُّ بِى إِلَّا قَبْتُ فيها وجوه النّظر ، وأَطَّلْتُ فيها التأمُّل والسَّهر ، فكم من ليالٍ أنفقْتُها فى تصويب تحريف - ٣ - ٠٠% حديثٍ أو غابٍ ، أو تقويم تصحيفٍ ، يمرُّ عليه القارىءُ مُرُوْرَ العَابر ، حتى إِنَّه ليهونُ أنْ يكتبَ المرءُ عِدَّة صفحاتٍ ، من حُرِّ اللَّفظ وشريف المعنى ، فيكونُ أخفَّ عليه من تصويب تحريفٍ ، يستتبعُهُ العَنَاءُ المعَّى ، والنَّصبُ المنَصَّب ومع كلِّ ذلك ، بقيت أشياءُ للمُتعقّبِ ، مع حرصى على إتقان عملى تقريباً لطلابه، ولكن صدق القائلُ(١): لو عُوْرضَ كتابٌ سَبْعين مَّةٌ لوجد فيه خطأ ، أبى اللَّهُ أن يكون كتابٌ صحيحاً غيرُ كتابِهِ . فَقَد وَقَعَ لى فى الجُزْءِ الأوَّلِ قليلٌ من الأُوْهَامِ ، بعضُها من سَبْق القلمِ ، وبعضُها ممَّا ندَّ عن الفهم، وبعضُها بسبب ما وقعَ فى النَّصِّ مِنْ ◌ِوَجٍ . أمَّا الزّياداتُ فِى التَّخْرِيجَاتِ، والفَوَائِدُ والتَّعْليقاتُ، فَحَدِّثْ عن ذلك ولا حَرَج ، بحيثُ لو أُوْدَعتُها كتاباً ، لجاءَ فى مجلدٍ لطيفٍ، فَأَنَا أُنَبّهُ على بَعْضِها(٢) ، وَأُوْدِعُ باقيه فى المُسْتَدركِ الَّذِى سَأَجْعَلُهُ فى حَاتِمةِ الجُزْءِ (١) هو المُزَنى، صاحب الشافعى رحمهما اللَّهُ تعالى. (٢) ومن الظاهر من هذا البعض ما يلى : الأول: أننى فى (٢٠٩/١) بعد قول الإمام أحمد ( هو وهم) . # قلت : ( وعلة ذلك أن قتادة بصرى ولما دخل معمر البصرة .... إلخ ) فقد سبق قلمى فى هذه العبارة وإلا فالذى رواه عن معمر هو عبد الرزاق فما دخل أهل البصرة هنا !! وإنما صواب العبارة : وعلة ذلك أن قتادة بصرى ، وقد قال ابن معين : إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه ، إلا عن الزهرى وابن طاووس ، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا ، فهذا الحديث من أوهام معمر - رحمه الله - . الثانى: (٢١٨/١) أن قلت: وسنده صحيح لكن قال أبو حاتم ... ولم يظهر لى وجه الخطأ .... إلخ . * قلت : ثم علمت وجه الخطأ وهو أن إبراهيم بن سعد يرويه عن الزهرى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية عن أبى أيوب . أخرجه الطبرانى فى الكبير والطحاوي فى الشرح وابن عدى (٢٤٧/١) فقد خالف = -٤ - الثَّالِثِ - إنْ شَأْءَ اللَّهُ تعالى -، وَكَذَلِكَ فِى كُلِّ جُزْءٍ، أَجْعَلُ فى آخِرِهِ ذَيْلَاً عَلَى الجُزْءِ السَّبِقِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ العِبَرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِيلاءٍ النَّقْصِ عَلَى جُمْلَةِ البَشَرِ ثمَّ إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُشِيْرِ إِلى شَىءٍ ، أَلْمحتُ إليه فى مُقَدِّمة الجُزْءِ الأَوَّلِ ، وَأَجْعَلُهُ أَصْلَاً ، يَكونُ عليه المُعَوَّلُ ، ذَلِك أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلى العِلْمِ عنْدَ العَوَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِنْدَ العُلَمَاءِ الأَعْلَامِ، لَّمَّد الطََّعَ عَلَى الجُزْءِ الأوَّلِ مِن كِتَابِى هَذَا، أَنْكَرَ صَنِيعِى، وَقَرْطَمَ الكَلَامَ ، وَجَعَلَهُ جُذَاذَاً، وَصَارِ يَهْذِى كَالمَحْمُوم ، ويتكلّمُ بِكَلامٍ غَيْرِ مَفْهومٍ ، ويقولُ : أَتُّ شىءٍ يُفِيْدُهُ النَّاسُ مِنْ ذِكْرٍ اختلافِ الطُّرُقِ، وَمَا عَمَلُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ، وَعِلْمُ الحِدِيْثِ نَضَجَ ثُمَّ احْتَرَقَ؟ !! ، ثُمَّ رَدُّهُ عَلَى العُلَمَاءِ بِدَغْوَى التعقُّبِ ، شَهْوَةٌ خفيَّةٌ ، وَتَرْكُهُ إِلَّى أَعْجَبُ، عَلَى أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ لَو كَأنَ لابُدَّ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلِ بِالعِلْمِ، فَعَلَيْهِ بتحقيقِ ((جَامِعِ العُلُوْمِ))، وَ(( كلمة الإِخْلَاصِ )) أَوْ غَيْرِهَا من كُتُبِ ابْنِ رَجَبٍ !! وَأُمُّ شَىءٍ مِنَ العِلْمِ لَدَى المُتَأْخِّرِيْنَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِ المُتَقَدَّمِيْنَ، فَيَأْكُلُونَ لُحُوْمَهُمْ وَهِى مسمومةٌ ، بِدَعوى التَّحْقِيقِ ، وَمَا هُوَ إِلَّا حبُّ الظُّهْرِ ، الَّذِى يَقْصِمُ الظُّهُوْرَ! فَلَمَّا بَلَغَنِى قَوْلُهُ الَّذِى يُعِيْذُ فِيهِ وَيُبْدِى - وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ قَبْل عَشْرٍ سِنِنَ - ، عَلِمتُ أَنَّ الاشْتِغَالَ بَتَفْهِيْمِ أمثالِهِ لا يُجْدى، فلا يُنْكُرُ هَذَا العِلْمَ وَالتبخُّرَ فِيْهِ = إبراهيم بن سعد عامة أصحاب الزهرى إذ رووه عنه عن عطاء بن يزيد الليثى عن أبى أيوب بينما إبراهيم بن سعد جعل شيخ الزهرى فيه هو عبد الرحمن بن يزيد بن جارية ، وقد نبه على ذلك ابن عدى عند تخريجه للحديث ... والله أعلم . الثالث: فى (٣٤٣/١) قلت: لعل ذلك من هشام بن عمار فكان فى حفظه ضعف . ؟ قلت : لم يتفرد به هشام بل تابعه حيوة بن شريح ، قال : حدثنا ابن عياش به . أخرجه أبو داود (٣٩) والبيهقى (١٠٨/١، ١١٠) وحديث الباب الذى هو برقم (٣٩) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى (١٢٣/١) من طريق ابن وهب. أخبرنى يونس بسنده سواء . إلّا مَنْ بِضَاعَتُهُ مُزْجَاةٌ، وَمَنْ جَهِل شيئاً عَادَاهُ ، فَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ باللَّه، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ : إِنَّ عِلْمَ الحَدِيْثِ نَضَحَ ثُمَّ احْتَرَقَ ، لَا يَكَادُ یَجْرِى عَلَى خُفٍ وَلَا حَافٍ ، وَصَدَقَ القائِلُ: كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ، والعِبَارَةُ تَحْتَمَلُ مَعَنِّى غَيْرَ هَذَا مَزْبورٌ فِى الدَّفَاتِرِ ، لكنَّهُ أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ الدَّمِّ لأهْلِهِ ، فَأُخْبَيْتُ أَنْ أَقُوْلَ قَوْلاً - لِيَتَعلَّمَ بِهِ - فَخْرُجَ مِنْ جَهْلِهِ . فَإِنَّ الحُكْمَ على ما فى الصُّدُورِ دَفِينٌ ، لَيْسَ مِن شِيْمَةِ أَصْحَابِ الذِّيْنِ والوَرَعِ الثَّخِيْنِ، وَلَوْ كَأْنَ تَبِْنُ الخَطأ من الصَّوَابِ ، يُعدُّ لَوْنَاً مِنْ الاغْتِيَابِ ، فَلَا نَعْلَمُ أُحَدَأْ من النَّاسِ إلَّا جَانَفَهُ، وَارِتَكَبهُ وَقَارَفَهُ، وَإِنَّما هَذَا مَذْهَبٌ لِبَعْضِ الخَامِلِيْنَ، فَهُوَ بِالرَّدِّ قمينٌ، فَإِنَّ مُنَاقَشَةَ العُلَماءِ مِنَ السَّالِفِيْنَ أَوِ الْمُعَاصِرِيْنَ فِى بَعْضِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَيْسَ حَطَّاً عَلَيْهم ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُوْنَ غيبةً مُحَرَّمَةً، وَكَيْفَ يَكُوْنُ تعقُّبُنَا لِكُبَرَاءِ شُيُوخِنَا وَأَئِمَّتِنَا ، وعُلَمَاءِ سَلَفِنَا طَعْنَاً عَلَيْهِمْ وَبِهِمْ ذُكِرْنَا ، وَبِشُعَاعٍ ضِيَائِهِمْ تَبْصَّرْنَا، وَبَاقْتِفَاءٍ وَاضِحِ رُسُوْمِهِمْ تَمَيَّزْنَا، وَبِسُلُوكِ سَبْلِهِمْ عَنِ الهَمَجِ تَحَيَّْنَا، بَلْ مَنْ أُنْعَمَ النَّظَرَ وَأَعْمَلَ الفِكْرَ، وَجَدَ أُنَّ بَيَانَ مَا أَهْمَلُوا، وتَسْدِيْدَ مَا أَغْفَلُوا هُوَ غَايَةُ الإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةَ يومَ وَضَعُوا الْكُتُبَ، أَوْ تَكَلَّمُوا فى العِلْمِ، إِنَّمَا كَانُوا يُرِيدُوْنَ بَيَانَ وَجْه الحَقِّ ، فَإِذَا أَخْطَأُ الوَاحِدُ مِنْهُمْ ، كَأْنَ هَذا نَقِيْضَ مَا أُحَبَّ وَقَصَدَ، فَالنَّنْبِيهُ عَلَى خَطَئِهِ مِنْ أَجْلِ إِعَادَةِ الأَمْرِ إِلى قَصْدِهِ وَمَحْبُوِهِ وَاجِبٌ عَلَى كُلُّ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، - والعِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ - ، إِذْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ هَؤْلَاءِ الأُثْمَةِ مَعْصُوْمَاً مِنَ الزَّلَلِ ، وَلَا آمِنَاً مِنْ مُقَارَفَةِ الخَطَّلِ ، وَإِنْ كَأْنَ مَا يُتَعقَّبُ بِهِ عَلَيْهِمْ لَا يُسَاوِى شَيْئًاً فِى جَنْبِ مَا أَحْرَزُوْهُ مِنَ الصَّوَابِ، فَشَكَرَ اللَّهُ مَسْعَاهُمْ، وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَأْوَاهُمْ، وَأَلحْقَنَا بِهِمْ بِوَاسِعِ إِحْسَانِهِ وَمَنِّهِ، وَحَسْبُنَا أَنْ نَسُوْقَ عَلَى كُلِّ مسألةٍ دليلَهَا - ٦ - العلمىَّ حَتَّى لا نُرمَى بِسُوْءِ القَصْدِ ، أَوْ بِشَهْوَةِ النَّقْدِ . وَأَنَا عِندَمَا نَبَّهْتُ عَلَى أَشْيَاءَ رَكِبَ فِيْهَا بَعْضُ المُتَقَدّمِيْنَ أَو المُتَأْخِرِيْنَ خِلَافَ الصَّوَابِ ، وَتَجَّد بَعْضُهم فيها، حَتَّى ضَاقَ عَطَنَّهُ عَنْ تَحْرِيْرِ الجَوَابِ ، مَا كُنْتُ بِطَاعنٍ فِى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا قَاصِدٍ بِذَلِكَ تَنْدِيْدَاً لَهُ ، وَإِزْرَاءً عَلَيْهِ ، وَغَضَّأَ مِنْهُ، بَل اسْتِيضَاحاً لِلصَّوَابِ، وَاسْتِرِبَاحاً للثّوابِ ، مَعَ وَافِرِ التَّوْقِيرِ لَهُمْ والإِجْلَالِ، إِذْ ((مَا نَحْنُ فِيمَنْ مَضَى إلَّا كَبَقْلٍ فِى أُصُوْلِ نَخْلِ طُوَالٍ))(١) وَأَنَا مَع وَضْعِى هَذَا الكتابَ، مَا أُبُرِّئُّ نَفْسى وَلا كتابى من الخَطَأِ الَّذى لا يكادُ يَخْلو منه تَصْنِيفٌ، ولا يخلُصُ من تَوَغُلِهِ تأليفٌ ، وَأَنَا أعوذُ بِاللَّهِ - بارىءِ النَّسَم - ، مِنْ كُلِّ مَا طَغَى فيه القَلَمُ ، وَجَرَى مِنِّى عَلَى الوَهَمْ وَأَعوذُ بِهِ من كُلِّ متكلّف يتَبَّعُ فيه علَّ العَثَرَاتِ ، وَيُحْصِى مَا وَقَعَ فِيْهِ مِن الفَلْتَاتِ، وَجُلُّ هَمِّهِ إِضْهَارُ الغَلَطَاتِ ، وطُّ الحَسَناتِ ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إِنْسَانٌ أَنْ لَا يُخْطِى فِى شىءٍ مِنَ الْعِلْمِ لَمَا حَصُلَ لَهُ مُرَادُهُ مَهْمَا فَعَلَ وَهَيْهَاتٍ، فَلَيْس إلى العِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأْ سَبِيْلٌ ، إلاَّ بتفضُّلِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَواتِ. بَلْ إِنِّى أُعْتَرِفُ فيه بكمالِ القُصُوْرِ ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الصَّفْحَ عَمَّ جَرَى به القلمُ بهذه السُّطُوْرِ ، وأقولُ لِلنَّاظِرِ فِى كِتَابى هَذَا : لَا تَأْخُذَنَّ فِى نَفْسِك عَلَّى شَيْئاً وَجَدْتَهُ فِيْهِ مُغَايِرًا لِفَهْمِكَ ، فَإِنَّ الْفُهُومَ قَدْ تَخْتَلِفُ، وَلَقَّلَمَا تَنَّفِقُ الدُقُوْلُ كُلُّهَا وَتَأْتْلِفُ، وَلَوْلَا اخْتِلَافُ الأَنْظَارِ لَبَارَتِ السِّلَعُ ، وَهُدَّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعُ ، فَإِنْ رُمْتَ الوُقُوْفَ عَلَى زَلَّةٍ لِى فِى مِثْلِ هَذَا العَمَلِ الَّذِى هُوَ كَالْبَحْرِ العَيْلَمِ، فَلَا شَكَّ أَنَّكَ وَاجِدٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ، بَلْ هُوَ مِنَ المَحَامِدِ، وَالسَّعِيْدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ ، وَحُسِبَتْ سَقَطَاتُهُ، وَأُحْصُوا عَلَيْهِ هَنَاتِهِ لِأُنَّ هَذَا يَدُلُ عَلَى نُدْرَتِهَا بِجَنْبِ حَسَنَاتِه وَالْجَوَادُ يَكْبُو، وَالنَّارُ - بَعْد أَوَارِهَا - تَخْبُو، (١) هذا قول أبى عمرو بن العلاء، رواه عنه الخطيب فى مقدمة ((موضح الأوهام)) (٥/١). - ٧ - وَالصَّارِمُ يَنْبُو، وَالفَتَّى قَدْ يَصْبُو. وَلَا يَخْفَى عَلَيكَ أَنَّ التَّعَقُّبَ عَلَى الكُتُبِ الطَّوِيْلَةِ سَهْلٌ بِالنِّسْيَةِ لتَأَلِيفِها ، وَوَضْعِهَا وَتَرْصِيْفِهَا، كمَا يُشَاهَدُ فِى الأَيْنِيَةِ القَدِيْمَة ، والهَيَا كِلِ العَظِيْمَةِ ، حَيْثُ يَعْتَرِضُ عَلَى بَانِيْهَا مَنْ عَرَى فَنَّهُ القوى والقُدر، بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَضْعِ حَجَرٍ عَلَى حَجَرٍ ! فَهَذَا جَوَابِى، عَمَّا وَرَدَ فِى كِتَابِى، فَلَّبَّمَا كَأْنَ اْتِرَاضُكَ بَعْدَ هَذا الْبَيَانِ مِنْ تجاهُلِ العَارِفِ ، وَإِلا فَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الزُّيُوْفَ تَدْخُلُ عَلَى أَعْلَى الصَّارِفِ، أمَّا إِنْكَارُ المُشَارِ إِلَيْهِ أَنْ يَكُوْنَ عِنْدَ المُتَأْخِّرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَقَدِّم ، فَتِلْكَ شِئْشِنَةٌ تَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَم !! ، وَكَمّا يَقُوْلُ ابْنُ قُتْيَةَ - رَحِمَهَ اللَّهُ -: ((قَدْ يَتَعَّرُ فِى الرَأْىِ جِلَّهُ أَهْلِ النَّظَرِ، وَالْعُلَمَاءُ المُبَرَّزُوْنَ ، الخَائِفُوْنَ لِلَّهِ الخَاشِعُوْنَ . وَلَا نَعْلَمُ أَن اللَّهَ تَعَالِى أَعْطَى أَحَدَأْ مَوْثِقاً مِنَ الغَلَطِ وَأَمَانًا مِنْ الخَطَأِ ، فَتَسْتَنْكِفُ لَهُ مِنْهُ، بَلْ وَصَلَ عِبَادَهُ بِالعَجْزِ ، وَقَرْنَهُمْ بِالحَاجَةِ ، وَوَصَفَهُمْ بِالضَّعْفِ، وَلَا تَعَلَمُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالِى خَصَّ بالِعِلْمِ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ ، وَلَا وَقَفَهُ عَلَّى زَمَنِ دونَ زَمَنٍ بَلْ جَعَلَهُ مُشْتَرَكاً مَّقْسُوْمَاً بَيْنَ عِبَادِهِ ، يَفْتَحُ للآخِرٍ مِنْهُ مَا أَغْلَقَهُ عَنِ الأَوَّلِ، وَيُنَبِّهُ المُقِلَّ مِنْهُ عَلَى مَا أَغْفَلَ عَنْهُ المُكْثِرُ ، وَيُحْيِهِ بِمُتَأْخِّرٍ يَتَعَقَّبُ قَوْلَ مُتَقَدِّمٍ ، وَتَالٍ يَعْتَرِضُ عَلَى مَاضٍ، وَأَوْ جَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ شَيْئاً مِنَ الحَقِّ أَنْ يُظْهِرَهُ وَيَنْشُرَهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ زَكَاةَ العِلْمِ، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ زَكَاةَ المَالِ)) .. اهـ . وَصَدَقَ أَبُوُ العَّاسِ المُبِرِّدُ إِذْ قَالَ فِى ((الكَامِلِ))، وَهُوَ القَائِلُ المُحِقُ : لَيْسَ لِقِدَمِ العَهْدِ يُفَضَّلُ القَائِلُ، وَلَا لِحِدْثَانِهِ يُهْتَضَمُ المُصِيْبُ ، وَلكن يُعْطِى كُلِّ ما يَسْتَحِقُّ . اهـ . وَمَا أُحْسَنَ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِىُّ فِى مُقَدِّمة (( المُسْتَقصى فى أُمْثَال العَرَب)): (( وَكَأُنِّى بِالعَالِمِ المُنْصِفِ قَدِ الطَلَعَ عَلَيْهِ فَارْتَضَاهُ، وَأَجَالَ فِيْهِ ٠ - ٨ - نَظْرَةَ ذِى علقٍ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلى حُدُوْثِ عَهْدِهِ وَقُرْبِ ميلادِهِ ، لأُنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَجِيْدُ الشَّىءَ وَيَسْتَرْذِلُهُ لِجَوْدَتِهِ وَرَدَاءَتِهِ فِى ذَاتِهِ ، لَا لِقِدَمِهِ وَحُدُوْثِهِ وَبِالجَاهِلَ المَشِطِ قَدْ سَمِعَ بِهِ، فَسَارَعَ إِلَى تَمْزِيْقِ فَرْوَتِهِ ، وَتَوْجِيْهِ المُعَابِ إِلَيْهِ ، وَلَمَّا يَعْرِف نَبْعَهُ من غَرَبِهِ ، وَلَا صَقرَهُ من خَرَبِه، ولا عَجَمَ عُوْدَهُ ، وَلَا نَفَضَ تَهَائِمَهُ وَنُجُوْدَهُ ، وَالَّذِى غَرَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ عَمَلٌ مُحْدَثْ لَا عَمَلْ قَدِيْمٌ ، وَحَسِبَ أَنَّ الأَشْيَاءِ تُنْقَدُ أَوْ تُبَهْرَجُ لِأَنَّها تَلِيْدَةٌ أَوْ طَارِفَةٌ . وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ يَقُوْلُ : إِذَا رَصِيَتْ عَنِّى كِرَامُ عَشِيْرَتِى فَلَا زَأْلَ غَضْبَانَاً عَلَى لِئَامُها)). ﴿ قُلْتُ : وَتَعْقِيِى يَكُوْنُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : - إِمَّا أنْ أَكُوْنَ مُصِيْبَاً فِى قَوْلِى، فَمَا المَانِعُ أَنْ يُقْبَلَ الصَّوَابُ مِنِى؟ . أ ب - وَإِمَّ أَنْ أَكُوْنَ مُخْطِئاً، فَعَلى المُعْتَرِضِ أَنْ يُبَيِّن ذَلِكَ بِالدَّلْيْلِ، فَلَيْسَ قَوِيْمَأْ، وَلَا فِى مِيْزَانِ العَدْلِ كَرِيْماً أَنْ يُقْبَلَ القَوْلُ مِنْ إِنْسَانٍ لِمُجَّدٍ أَنَّهُ قَدِيْمٌ ، وَأَنْ يُرَدَّ عَلَى المُصِيْبِ قَوْلُهُ لَكَوْنِهِ حَدِيْثًا ! وَقَدْ أَجَادَ ابْنُ شَرَفٍ القَيْرَوَانِى (ت: ٤٦٠ هـ ) إِذْ قَالَ : قُلْ لِمَنْ لَا يَرَى المُعَاصِرَ شَيْئاً وَيَرَى لِلأُوَائِلِ التَّقْدِيْمَا وَذَاكَ الحَدِيْثِ سَبْقَى قَدِيْمَا إِنَّ ذَاْكَ القَدِيْمَ كَأْنَ حَدِيثَاً وَمَعَ مَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالِى بِهِ مِنَ الصَّوَابِ ، وَأَجْرَاهُ عَلَى يَدَتَّى بَيْنَ دَتْى هَذَا الكِتَابِ ، فَلَا أُفْخَرُ بَعَمَلِى وَلَا أَزْهُو ◌ِهِ فِى الآفَاقِ، مَعَاذَ اللَّهِ! وَهَلْ يَقِى مَعَ النَّاسِ اليَوْمَ مِنَ العِلْمِ - إِذَا ذُكِرَ الأُوَّلُ - إِلَّ فَضْلُ بُزَاقٍ ؟! وَقَدْ - وَاللَّهِ - أَنْفَقْتُ عَلَيْهِ النَّفِيْسَ وَالغَالِ، وَكَابَدْتُ هِ مِنَ - ٩ - المَشَقَّةِ ، مَا يَطُوْلُ بِهِ المَقَالُ، حَتَّى فُبْحَتْ سَمَاءُ يُسْرِهِ ، فَكَانَتْ أَبْوَابَاً ، وَزُحْزِحَتْ جِبَالُ عُسْرِهِ ، فَكَانَتْ سَرَاباً . وَإِنِّى لَأَرْجُو أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ مَنَارَ هَذَا الكِتَابِ، وَيَتْفَعَ بِعُلُوْمِهِ الَّاخِرَةِ ، وَأَنْ يُثْبَنِى بِهِ جَمِيْلَ الذِّكْرِ فِى الدُّنْيَا، وَجَزِيْلَ الأُخْرِ فِى الْآخِرَةِ ، وَأَنْ يَكُوْنَ مِنَ الثَّلاثِ الَّتِى يَنْقَطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ إِذَا مَأْتَ إلَّا مِنْهَا، وَأَنْ أَثَالَ بِهِ الدَّرَجَاتٍ بَعْدَ الوَفَاةِ بِئْتِفَاعِ كُلِّ مَنْ عَمِلَ بِعُلُوْمِهِ، أَوْ نَقْلَ عَنْهَا، ضَارِعَاً إِلَى مَنْ يَنْظُرُ مِنْ عَالِمٍ فِى عَمَلِى، أَنْ يَسْتُرَ عِثَارِى وَزَلَلِى، وَيَسُدَّ بِسَدَادِ فَضْلِهِ خَلَلِى(١) . وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ زَادَاً إِلى حُسْنِ المَصِيْرِ إِلَيْهِ ، وَعَتَادَاً إِلى يُمْنِ القُدُوْمِ عَلَيْهِ ، إِنَّهُ بِكُلِّ جَمِيْلٍ كفيلٌ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيُلُ . قَالَهُ بِلسَانِهِ وقَّدَهُ بِبَنَانِهِ راجى عَفْوَ رَبِّهِ الغَفُور أَبُو إِسْحَقَ الحُونِتُّ الأَثْرِتُى عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. رجب الفرد / ١٤١١هـ (١) وهذا هو اللائق بأهل العلم والفضل، فإن الرفق فى إسداء النصح إلى المخالف من أعظم الدوافع إلى قبول الحق ، وقد كنت ارتكبتُ ما يخالف هذا المنهج مع الأخ نجم عبد الرحمن خلف ، فأغلظتُ له فى النصح فى مقدمتى لكتاب (( الصمت)) لابن أبى الدنيا، فإنى أعتذر له عن كل شىءٍ لا تعلّق له بالمعنى العلمى، وقد اعتذرت له قبل ذلك وبلغه، وها أنا أعتذر له علناً ، برجاء أن تطيب نفسُهُ، فيقبل عذرى، أمَّا الشدّةُ فيحسنُ أن تكون مع المكابر الذى يدفع برأيه الفاسد فى نحر النصوص واللَّهُ المستعان . - ١٠ - . تنبيه: عَتَبَ عَلَّى بعضُ الأُخْبَابِ، وَلَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الرِّضَى مِنْهُمْ - وَلَا مِنِّى - ما كتبهُ الأُخُ أَبُو عَبْد الرّحمن الأثرى فِى إِهْدَائِهِ لى كتابَ «صِفَةِ المُنَافِقِ؛ للفريابى فَقَدْ خَلَعَ عَلَّ من صفاتِ الكَمَالِ ، وَجَمِيْلِ الخِصَالِ ما ليس فَّى عُشْرُ مِعْشَارِهِ . وَإلى هُؤُلاءِ الأُخْبَاب أَقُوْلُ: لَقَدْ أَنْكَرْتُ هَذَا عَلى الأَخِ أَشَدَّ الإِنْكَار ، وقُلْتُ لَهُ: لو قِيْلَ هَذَا الكَلَامُ لِأَمْثَالِ الْبُخَارِىِّ لَاسْتَكْثَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَيْهِ ، وَمَا قُلْتَهُ فِّى - وَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكْ صَادِقُ النَّةَ فِيْهِ - هُوَ بِعَيْنِهِ الهِجَاءُ عَنْ طريق المَدْحِ !! ، فإنَّ الكلامَ إذا لم يُصَادِفْ مَحِلاً، لَمْ يَكُنْ إلَّا ذَمَّأْ ، وَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبَدِّلَهُ بَعْد مَا نَشَدْتُهُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُغَيِّرَهُ، فَأَبِّى وزعم لى أن تَغْيِيرَهُ بغير اختيارِهِ خِيَانَةٌ ، فكتبتُ بِدُوْن ◌ِلْمه حاشيةً فى آخر مقدِّمَتِهِ للكتاب أُسْتَنْكِرُ صَنِيْعَهُ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مَشْيَخْهٍ قَبْلَ الأَوَانِ ، لستُ لَهَا بِأَهْلٍ . وَقَدْ كَأْنَ هَذَا خُلُق أُهْلِ العِلْمِ، وَنَحنُ عَلَى دَرْبِهِمْ سَائِرُوْنَ وَلَستُ أَنْسَى مَا وَقَعَ لِى مَعَ شَيْخِنَا الإِمامِ حَسَنَةِ الأَيَّامِ، نَاصرِ الدِّيْنِ الأَلْبَانِى، حفظَهُ اللّهُ، وَمَتَّعَ بِهِ، لَمَّا أهديتُهُ (( كتاب البعث)) لابنٍ أَبِى دَاوُدَ، وكانَ النَّاشِرِ كَتَبَ عَلى لَوْحَةِ الكِتَابِ (( خَرَّج أحاديثه الشَّيْخُ الحُوَيْنَى السَّلَفِىّ))، قَالَ لِى: مَا هَذَا؟ وَأَشَار إلى كَلِمَةِ (( الشَّيْخِ))، فَاعْتَذَرتُ عَنْهَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِى، فَأَنْكَرَهَا عَلَّى، وَوَاللَّهِ لَقَد عَظُمَ الشَّيْخِ بَعْدَها فِى عَيْنِ ، وَقَدْ كَأْنَ - قَبْلُ - مَكَانُهُ فِى القَلْبِ كَذَلك مِنِّ، وحَسْبُك أُنُّه مَعَ شَهَادَةِ التَّابِهِيْنَ لَهُ بِالإِمَامَةِ فِى هَذَا القَنِّ ، لَمْ يَكْتُبْ عَلَى لَوْحَةٍ كُتُبُهُ إِلَّ اسْمَهُ المُجَرَّدَ ، مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ - مِمِّنْ قَوْلُهُمْ بِجَانِبِ قَوْلِهِ كَصَرِيرٍ بَابٍ ، أَوْ طَنْنِ ذُبَابٍ، يَكْتُبُ عَلَى كُبه : (( تألِيفُ الإِمَامِ الحَافِظِ الفقيه الأصولى النظارِ المُجْتَهد ... )) زَاعِمَا أَنَّه من التَّحدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّه تعالى، وَهُنَا - ١١ - تَزِلُ الأَقْدَامِ ، وتَكْثُرِ الأَوْهَامُ . وأمَّا قولُ الأخ فى شأنى: ((بل ما نظنُّ أنه - هو - قد رأى مثل نفسه )) فمعاذ اللّهِ أن يكون رأيى فى نفسى كذلك، وأنا الحقيق بقول القائل: لأبى السلامَ علَّ من يلقانى واللّهِ ! لو علموا قبيح سريرتى ولبئتُ بعد كرامةٍ بهوان ولأعرضوا عنی وملُّوا صحبتى فوالله! ما ظننتُ بنفسى خيراً، وأَنَّى يأتى منها ؟! بل يوجّدُ - بحمد الله - فى هذه الأمة من أساطين العلماء ، وسادة الزهاد والورعين مالا تصلُ قامتى إلى قدم واحدٍ منهم، فكيف يقال ((ما رأى مثل نفسه))، إلا إن كان للعبارة تتمةً كأن تكون: ((فى التفريط واقتراف الذنب )) أو نحوها . وأعوذ بالله من شر نفسى وسىء عملى . ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلاً للذين آمنوا ... ﴾ . وَبِالجُمْلَةِ: فَإِنِّى أُنْكِرُ مَا ذَكَرَهُ أُخُوْنَا فِى إِهْدَائِهِ إِى، لأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحِلاً، وَقَدْ رَأْيتُ بَعْضَ النَّاسِ نَسَبَ إلَى فى بعض تَحْقيقاتِهِ أَقْوالاً لَمْ أَقُلْهَا، وَلَمْ تَخْطُر ◌ِى على بَالٍ ، فَأُقَرِّرُ هُنَا أَنِى غَيْرُ مَسْئُوٍ عَنْ مَدْحٍ مادحٍ ، أَوْ وَهَمِ وَاهِمٍ، إِنَّمَا أُسْأَلُ عَمَّا نَطْقَ بِهِ لِسَانِى، وَخَطَّهُ بَنَانِى، وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ ، وَعَلَيْهِ التَكْلَانُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَّا قُوّةٍ إِلَّ بِهِ . - ١٢ - ٤٤ - بَأْبُ التَّوْقِيْتِ فِى المَاءِ ٥٢ - أُخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِئَّ، وَالحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، عَنْ أبِى أُسَامَةَ، عَنِ الولِيْدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَيْهِ ، فَأْلَ: سُلَ رَسُوْلُ الله صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ المَاءِ وَمَا يَنُوْبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسَّبَاعِ، فَقَالَ : ((إِذَا كَأْنَ المَاءُ قُلْتَيْنِ، لَمْ يَحْمِلِ الحَبَثَ)). ٥٢ - إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ .. ويأتى برقم (٣٢٨). * الحسينُ بْنُ حريث هو أبْنُ الحسن بْنٍ ثابت، أبو عمَّار المروزى أخرج له الجماعة إلا ابن ماجة . وثقهُ المصنِّفُ، وابن حبان، ومسلمة بن قاسم فى ((الصلة)). * أبو أسامة، هو: حمَّدُ بنُ أسامة بن يزيد القرشى، الكوفى أخرج له الجماعة . قال أحمدُ : (( كان ثبتاً، ما كان أثبته!، لا يكادُ يُخطىء)). ووثقه ابنُ معين ، وابنُ سعدٍ ، والعجلُّ فى آخرين . فالعجبُ من الأزدِّ، أوردهُ فى (( الضعفاء)) ثُمَّ حكى عن سفيان بن وكيع أنه قال : ((إنى لأعجبُ كيف جاز حديثُ أبي أسامة ، كان أمرُهُ بَيِّناً ، وكان = - ١٣ - = من أسرق الناس لحديث جيّدٍ)) اهـ . وحكى الذهبُّ فى ((الميزان)» أن الأزدىّ نقل هذا الكلام عن سفيان الثورىّ فلعله قصد سفيان بن وكيع فسبق قلمُهُ ، وعلى كل حالٍ فلم يُبال الذهبُّ به ، وقال : (( أبو أسامة لم أوردْهُ لشىءٍ فيه، ولكن ليُعرف أنَّ هذا القول باطٌ)). قُلْتُ : وهذا حقٌّ ، ولا يُقبل من سفيان بن وكيع هذا القول فى أبى أسامة ، فقد كان ضعيفاً ، ومن المعروف أن جرح الضعيف للثقة مردودٌ كما صرّح به النقاد كابن حبان والذهبِّ والعسقلانى وغيرهم. والأزدعى أيضاً ، فضعيفٌ ، وكان ذلق اللسان . قال الذهبيّ فى ((السير)) (٣٨٩/١٣) يُعلّقُ على تضعيف الأزدىّ للحارث ابن محمد : (( قُلْتُ : هذه مجازفة! ليت الأزدَّ عرف ضعف نفسه )) وقال فى مكان آخر منه (٣٤٨/١٦) : (( وعلى الأزدى فى كتابه ((الضعفاء)) مؤاخذات، فإنَّهُ ضعَّف جماعة بلا دليل ، بل قد يكونُ غيرُه قد وثقهم )) . وقد قال ابن حبان : (( من المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح)). مع أنه قد يظهر للأزدىّ من العذر ما لا يظهر لسفيان بن وكيع ، وذلك أن عادة المصنفين فى ((الضعفاء)) أنهم قد يوردون الثقة لأجل أّ مغمزٍ فيه ، كما يفعلُ ابنُ عديّ والعقيلى وغيرهما ، وإن كان ما أوردوه ليس بجرحٍ ، والله أعلمُ . - ١٤ - = * الوليدُ بنُ كثيرٍ هو أبو محمدٍ المدنُّى المخزومى. أخرج له الجماعةُ ، وهو ثقةٌ جليلٌ . وثقه ابنُ معين ، وابنُ راهويه ، وأبو داود ، وعيسى بنُ يونس ، وإبراهيمُ ابنُ سعدٍ ، وابنُ حبان . وقال الساجى : ((صدوقٌ، ثبتٌ، يُحتجُّ به)). وأغربَ أبو بكر بنُ العربى - رحمه الله - فقال فى ((أحكام القرآن)) (١٤٢٠/٣) : ((وقال الشافعُّ بحديث القلتين، ورواه عن الوليد بن كثير حُسْنَ ظّ به ، وهو مطعون فيه، والحديث ضعيفٌ)). كذا قال !! ولم يُصِبْ، لأننا لم نجد أحداً طعن على الوليد بن كثير إلاَّ أبْنَ سعدٍ ، فقال: ((كان له علمٌ بالسيرة والمغازى ، وله أحاديث ، وليس بذاك)) . فهذا جرحٌ مبهم لا يعول عليه مع ثبوت التوثيق الصادر من أئمةٍ هم أمكن من ابن سعدٍ فرادى ، فكيف وهم مجتمعون ، ولو قصد ابنُ العربى رحمه الله أن أَّ راوٍ تُكُلُّم فيه فهو مطعون عليه ، فلن يسلم من ذلك أحد ، مع أن عبارته تشعر أن الأكثرين جرحوا الوليد بن كثير ، وليس ثمَّ إلَّ ابنُ سعد فيما وقفت عليه . أما قول الساجى وأبى داود: ((كان إباضياً)) فهذا لا يضرّه مع ثبوت صدقه وضبطه . والله الموفق . * محمَّدُ بْنُ جعفرٍ هو ابنُ الزبير بْنِ العَوَّام المدنُّى. = - ١٥ - = أخرج له الجماعةُ . وثقه الدارقطنى، وأثنى عليه ابن إسحق . وقال ابنُ سعدٍ : ((كان عالماً، وله أحاديثُ)). * عبد الله بن عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن المدنّى. أخرج له الجماعةُ ، إلاَّ ابْنَ ماجة . وثَّقه المصنِّفُ ، وأبو زرعة ، ووكيع، وابنُ سعدٍ ، والعجلُّى، وابنُ حبَّان . والحديثُ أخرجه أبو داود (٦٣)، وابنُ أبى شيبة فى ((المصنّف)) (١٤٤/١)، وعبدُ بن حميدٍ فى ((المنتخب)) (٨١٧) وعنه ابن الجوزى فى ((التحقيق)) (٧/٩/١)، وابن جريرٍ فى ((التهذيب)) (١١٠٦ - مسند ابن عباس )، وابنُ حبان (١١٨)، والطحاويُّ فى ((المشكل)) (٢٦٦/٣) وابن الأعرابى فى ((معجمه)) (ج٧/ق١/١٣٤)، والدار قطنى (١٣/١ - ١٤)، والحاكمُ (١٣٢/١ - ١٣٣)، والبيهقى (٢٦٠/١، ٢٦١)، والضياء فى ((المختارة)) (ج ٧١/ق ٢/٥٠١) والجوزقانى، فى ((الأباطيل)) (٣٢١)، من طرقٍ عن أبى أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عن محمد بن جعفر ، عن عبد الله - المكبر - ، عن ابن عمر به وقد رواه عن أبى أسامة - هكذا - خَلْقٌ ، منهم : (( إسحق بنُ راهويه ، وأبو بكر ، وعثمان ابنا أبى شيبة ، ومحمد بن العلاء، ويعقوب بنُ إبراهيم الدورقُى، وأبو عبيدة بنُ أبى السفر ، ومحمد ابنُ عبادة، وحاجبُ بنُ سليمان ، وهارون بن عبد الله، وأحمدُ بنُ جعفر ؟ - ١٦ - = الوكيعى ، والحسين بنُ حريث، وهنَّادُ بنُ السَّرِئِ، والحسنُ بنُ علّ ابن عفان، وعبدُ بن حميدٍ، وموسى بن عبد الرحمن الكندى )). قال الحاكمُ : (« هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ، فقد احتجا جميعاً بجميع رواته، ولم يُخرجاه، وأَظُنُّهما - والله أعلمُ - لم يخرجاهُ لخلافٍ فيه على أبى أسامة على الوليد بن كثير)). اهـ . وصحّحُه الشافعى وأحمد وأبو عبيد وابنُ خزيمة ، وابنُ حبان ، والطحاويُ، والدار قطنى، وابن دقيق العيد (١) - كما فى ((طبقات الشافعية)) (٢٤٥/٩) - لابن السبكىّ، والعلائى فى جزء مفردٍ لهُ، والحافظ ابن حجر والشوكانى ، وشمس الحق آبادى ، والمباركفورى ، وأحمد شاكر، والألبانى فى آخرين وجوّدهُ ابنُ معين - كما يأتى - وقال ابن حزم فى ((المحلى)) (١٥١/١) : ((صحيحٌ ثابتٌ، لا مغمز فيه)). وقال الجوزقانى : ((هذا حديثٌ حسنٌ )). وحسَّنهُ النووى فى ((المجموع)) (١١٢/١)، وابنُ تيمية فى ((الفتاوى)) (٤١/٢١) وقال: ((وأمَّا حديثُ القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديثٌ حسنٌ يُحتجُّ به . وقال ابنُ مندة : ((على شرط مسلم)) ! . (١) وذكر الزيلعى فى ((نصب الراية)) (١٠٥/١) عنه أنه ضعفه فى ((الإمام)) فلعله رجع إلى التصحيح ، وابنُ السبكى يذكر أشهر آراء صاحب الترجمة . والله أعلم . - ١٧ - = كذا ، والصواب أنه على شرط الشيخين جميعاً كما قال الحاكمُ . * قُلْتُ : وقولهم هذا هو الصوابُ ، لا ريب فى ذلك ، ولكن خالف بعض الأئمة ، فضعَّفوا هذا الحديث . قال ابنُ عبد البر فى ((التمهيد)) (٣٣٥/١): وأمَّا ما ذهب إليه الشافعى (١) من حديث القُلَتين، فمذهبٌ ضعيفٌ من جهة النظر ، غيرُ ثابتٍ من جهة الأثر ، لأنه حديثٌ تكلّم فيه جماعةٌ من أهل العلم بالنقل )). اهـ . ﴿ قُلْتُ: وقد صنَّف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى - رحمه الله - جزءاً ردَّ فيه ما ذكره ابنُ عبد البر (٢) وغيرهُ، ولم أرهُ. ويمكن إجمال ما ذكروه من الطعن فيما يلى : ١ - أنَّ الحديث مضطربُ السَّند . وذلك أن مداره على الوليد بن كثير ، فقيل عنه ، عن محمد بن جعفر ابن الزبير ، وقيل : عنه ، عن محمد بن عباد بن جعفر . وتارة يروى عن =: (١) وقال أبو بكر بنُ العربى فى ((أحكام القرآن)) (١٤٢٥/٣): : (( ألا ترى أن الشافعى تعلق بحديث القلتين ، وجعله تقديراً، وخفى عليه أن الحديث ليس بصحيح ، اهـ . وقال أيضاً فى ((عارضة الأحوذي)) (٨٤/١) : (( وحديث القلتين مداره على مطعون عليه أو مضطرب فى الرواية)). وكذا قال أبو محمد على بن زكريا المنبجى فى ((اللباب فى الجمع بين السنة والكتاب» (٩٠/١ - ٩١)، وليس فيه شىءٌ من التحرير، وسيأتى الجوابُ مفصلاً إن شاء الله تعالی .. (٢) ذكر ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فى ((الفتاوى)) (٤١/٢١ - ٤٢). - ١٨ - = عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر . قالوا : وهذا اضطرابٌ يقدح فى صحة السند ، فإن الثقات المتقنين لا يقع منهم مثلُ هذا ، فدلَّ ذلك على أن الرواة لم يحكموه. ٢ - أَنَّهُ مضطربُ المتن أيضاً . فإن فى بعض ألفاظه : ((إذا كان الماء قُلَّتين )). وفى بعضها : ((إذا بلغ الماء قدر قُلَّتيْن أو ثلاثٍ)). والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها . ومنهم من يقولُ : ((إذا بلغ الماءُ أربعين قُلَّةً)). فهذا اضطرابٌ يوجبُ ضعف الحديث . ٣ - أَنَّهُ مُعَلَّ بالوقف . فأوقفه مجاهدٌ على ابن عمر . واختلف فيه عليه . وقد اختلف فيه على عبيد الله أيضاً ، رفعاً ووقفاً . ورجح شيخا الإِسلام أبو الحجاج المزى، وأبو العباس ابن تيمية وقفه ، وسبقهما البيهقى فى ((سننه)) وقفه من طريق مجاهد، وجعله الصواب . ٤ - أَنَّهُ شاذٌ . قالوا : (( أمَّا الشذوذ ، فإن هذا حديثٌ فاصل بين الحلال والحرام ، والطاهر والنجس ، وهو فى المياه كالأوسق فى الزكاة ، والنُّصب فى الزكاة ، فكيف = - ١٩ - = لا يكون مشهوراً شائعاً بين الصحابة ينقله خلَفٌ عن سلفٍ، وحاجة الأمة إليه أعظم من حاجتهم إلى نصاب الزكاة ؟! فإن أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة ، والوضوء بالماء الطاهر فرضٌ على كل مسلم ، فيكون الواجبُ نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول ووجوب غَسْله ، ونقل عدد الركعات ، ونظائر ذلك . ومن المعلوم أنَّ هذا لم يروه غير ابن عمر ، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافعٌ، وسالمٌ ، وأيوبُ ، وسعيد بن جبير ؟ وأين أهلُ المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنَّة التى مخرجُها من عندهم ، وهم إليها أحوجُ الخَلْق لعزة الماء عندهم؟ ! .... فأتُّ شذوذٍ أبلغُ من هذا؟)). قُلْتُ : والجوابُ عمَّا ذكروه من وجوهٍ : * الأوَّلُ: أنَّ ما وقع فى سنده من الاختلاف فغيرُ فادحٍ فى صحّته ، كما يأتى . وقد رواهُ من تقدَّم ذكرُهم ، عن أبى أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبد الله - المكبر - ابن عبد الله بن عمر ، عن أُبه . وقد اختلف على محمد بن جعفر فيه . فرواه جمعٌ عن أبى أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عنه ، عن عبيد الله - المُصَّعَّرِ - ابن عبد الله بن عمر ، عن أبيه . فصار شيخُ محمد بن جعفر هو ((عبيدُ الله)) المصغر، لا ((عبد الله)) المكُبَّرِ . أُخرجه المصنِّفُ، ويأتى برقم (٣٢٨)، والدارمى (١٥٢/١)، وابنُ خزيمة ( ج١ / رقم ٩٢ )، وابنُ حبَّان (١١٨)، والطحاوىُّ فى =. - ٢٠ -