النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
حُجْر - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ حُجْر : حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ نُعَيْمِ
ابْنِ أَبِى هِنْدٍ ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ:
(لأَنَا بِمَا مَعُ الدَّجَّالِ أَعْلَمُ مِنْهُ، إِنَّ مَعَهُ نَهْرًا مِنْ مَاءِ وَنَهْرًا مِنْ نَارِ . فَأَمَّا الَّذِى تَرَوْنَ أَنَّهُ
نَارٌ، مَاءٌ، وَأَمَّا الَّذَى تَرَوْنَ أَنَّهُ مَاءٌ، نَارٌ ، فَمَنْ أَذْرَكَ ذَلَكَ مِنْكُمْ فَأَرَادَ الْمَاءَ فَلْيَشْرَبْ
مِنَ الَّذِىِ يَرَهُ أَنَّهُ نَارٌ ، فَإِنَّهُ سَيَجِدُهُ مَاءً)) .
قَا أَبُو ◌ِمَسْعُود: هَكَذَا سَمِعْتُ النَّبِىَّ ◌َهِ يَقُولُ .
١٠٩ - (٢٩٣٦) حدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّد، حَدَّثَنَا شَيْبَان،
عَنْ يَحْبَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((أَلَ
أُخْبِرُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَدِيثًا مَا حَدَّثَهُ نَبِىُّ قَوْمَهُ؟ إِنَّهُ أَعْوَرُ ، وَإِنَّهُ يَجِىءُ مَعَهُ مِثْلُ الْجَنَّة
وَالنَّارِ ، فَالَّتِى يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَُّ، هِىَ النََّرُ، وَإِنِّى أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ كَمَّا أَنْذَرَ بِ نُوحٌ قَوَهُ » .
١١٠ - (٢١٣٧) حدّثَنَا أَبُو خَيْئَمَة زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، حَدَّثَنِى يَحْبَى بْنُ جَابِرِ الطَّائِىُّ - قَاضَى
حمْصَ - حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ الْحَضْرَمِىِّ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلاَبِىَّ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرََّزِىُّ - وَاللَّفَظُ لَهُ - حَدَّثَنَا
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدََّاَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْنَى بْنِ جَابِرِ الطَّائِىِّ ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ،
قَالَ: ذَكَرِ رَسُولُ اللهِ عَهُ الدَّجَّالَ ذَتَ غَدَةٌ، فَخَفَّضَ فِيهَ وَرَفَّعَ ، حَتَّى ظَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ
٠
النَّخْلِ ، فَلَمَّ رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا. فَقَالَ: (( مَا شَأَنْكُمْ؟)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله،
ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَةً ، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ ، حَتَّى ظَنَتَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَقَالَ : «غَيْرُ
۔
بعد: ((انطلقت معه)) ولم يقل: ((معهما)) وكذا جاء الحديث بعد لأبى مسعود وحده من
رواية على بن حجر وإسحق وعقبة بن عامر ، وهو أبو أسد الجهنى والى مصر ، له صحبة
أيضا . قال مسلم : حدثنا محمد بن مهران الرازى ، حدثنا الوليد بن مسلم وروه (١) عن
ابن ماهان : حدثنا محمد بن صفوان ، والصواب ابن مهران كما لغيره .
(١) فى ز : وروى .

٤٨٢
كتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
الدَّجَّالِ أَخْوَفُنى عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَكَسْتُ
فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ، وَالله خَلِيفَتِى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ،
مے
كأَنِّى أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنِ ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلَيَقْرأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهُفِ .
إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينَا وَعَثَ شِمَالاً . يَا عِبَادَ الله، فَاثُبُوا))
قُلْنَا: يَارَسُولَ الله، وَمَا لَبِثُهُ فِى الأَرْضِ؟ قَالَ: « أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ ، وَيَوْمٌ كَشَهْرِ،
وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَسَنَةٍ ،
أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَةُ يَوْم؟ قَالَ: ((لاَ، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)) . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللـه، وَمَا إِسْرَاعُهُ
فِى الأَرْضِ؟ قَالَ: ((كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَتّهُ الرِّيحُ. فَيَأْتِى عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ
وقوله: (( ذكر الدجال فخفض فيه ورفع)) يعنى - والله أعلم - صوته من كثرة ما تكلم
فى أمره فخفض مرة لطول الكلام وراحة تعبه ، ورفع مرة لتبليغ مَنْ يأبى عنه وإسماع من
بعد. وقد يكون خفض فى (١) أمره وشأنه، وهو أنه على الله كما قال: ((هو أهون
على الله من ذلك))(٢) ليتبين حاله وعقبى دعواه وفضيحته، واضمحلال أمره [ وما
رفع](٣) من فتنتة وعظيم المحنة به، والتخويف من أمره، كما قال: (( ما من نبى إلا وقد
أنذر قومه)).
وقوله: (( غير الدجال أخوفنى عليكم)» : كذا روايتنا فيه عن القاضى الشهير بنون
آخره، وكذا هو فى كتاب القاضى التميمى والجيانى وغيره من شيوخنا ، وسمعنا على أبى
بحر: ((أخوفى)) بغير نون، وكذا فى غير مسلم، فقد رويناه: ((أخوف لى)) (٤) وقرأته
على الحافظ أبى الحسين بن سراج بن عبد الملك فى / كتاب قاسم بن ثابت فى حديث عبد
الله بن حوالة: ((أخوفنى)) بالنون. قال ثابت: فيه لغه أخرى : (( وأخوفى)) بغير نون،
ومعنهاهما : أخوف منى ، لغة مسموعة فى ذلك ، وأنشد ثابت عليها .
١٢١ /أ
منا بركض الجياد فى السلف
نحن بغرس الوادى أعلمنا
وأنشد فى اللغة الأخرى :
لنافعى أحوجى منكم لتعليمى
(١) فى ح: من .
(٢) حديث رقم (١١٤) من هذا الكتاب .
(٣) فى ح : وما وقع.
(٤) الترمذى، ك الفتن، ب ما جاء فى فتنة الدجال ٤/ ٢٤٢ (٢٢٤٠).

٤٨٣
کتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ ، وَالأَرْضَ فَتُنْبتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحتهُمْ ، أَطْوَلَ
مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ . ثُمَّ يَأْتِى الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ
قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِهِمْ شَىْءٍ مِنْ أَمْوَلِهِمْ. وَيَمُرُّ
بِالْخِرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِى كُنُوزَكِ فَتَبَعَّهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّخَّلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً
وأنشد (١) يعقوب :
بخرس أفقر(٢) منكم لتعليمى (٣)
قال أبو مروان بن سراج: أفعل المستودع معنى المفاضلة الذى لابد أن يذكر معه من لفظ:
((اختصر)) ووضع موضع لفظ ((استكبر)) (٤)، صنعته العرب لحبها الاحتضار ووضعت
((أعلمنى)) موضع ((علمى)) بكذا ، يزيد على علمى بكذا ، فلما تضمن معنى المصدر
ووضع موضعه أظهر معه الضمير الذى يظهر مع المصدر. وتقدم تفسير (( قطط)) و((طافئة)).
وقوله: ((إنه خارج حُلّة [ بين ] (٥) الشام والعراق)): كذا رويناه: ((حَلّة)) بفتح
الحاء واللام مشددة والتاء المفتوحة من طريق السمرقندى والشنتجالى عن السجزى قيل : معنى
ذلك : أى قبالة وسمت ، وفى كتاب العين : والحلة موضع حزن وصخور ، وسقطت هذه
الكلمة من رواية العذرى ، ورواه بعضهم عن ابن الحذاء ((حُله )) بضم الحاء ، وهاء الضمير
أى نزوله وحلوله وكذا قيده فى كتاب التميمى ، وعلى هذا اللفظ ذكره ابن أبى نصر الحميدى
فى كتابه ، وروى الهروى فى غريبه هذا الحرف خلة بالحاء معجمة مفتوحة ، وتشديد اللام -
وفسره بأنه ما بين البلدين .
وقوله: ((فعاث يميناً وعاث شمالاً)) بعين مهملة وثاء مثلثة فعل ماض . العيث :
الفساد والإسراع فيه . يقال : عاث يعيث ، ووقع فى كتاب التميمى أيضا عن الجيانى :
((فعاث يمينا، وعاث شمالا)) بكسر الثاء منونة اسم فاعل ، وهو بمعناه يقال فيه أيضا : عثى
يعثى عشيانا .
وقوله : (( يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم جمعة (٦))): ما جاء بعد يفسر أنّه على
ظاهره غير متأول .
وقولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم قال: (( لا ، أقدر له قدرة)) : هذا حكم مخصوص
بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع ، ولولا ذلك ووكلنا فيه إلى اجتهادنا لكانت الصلاة فيه
(١) فى الرسالة وح : وأنشده .
(٤) فى ح : استكثر .
(٣) فى ح : لتعليم.
(٢) فى ز : أفقرى .
(٦) فى ح : كجمعة .
(٥) من ح.

٤٨٤
كتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
مُمْتَلِئًا شَبَابًا ، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ
وَجْهُّهُ ، يَضْحَكُ . فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهِ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ
الْبَيْضَاءِ شَرْقِىَّ دمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّهِ عَلَى أَجْنحَة مَلَكَّيْنِ، إِذَا طَأَطَأَ رَأَسَهُ
قَطَرَ ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّر مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤْ . فَلاَ يَحَلُّ لكافرَ يَجَدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّ مَاتَ،
وَنَفَسُهُ يَنْتَهِى حَيْثُ يَنْتَهِىَ طَرْفُهُ ، فَيَطْلَبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابَ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ. ثُمَّ يَأْتِى عِيسَى
عند الأوقات المعروفة فى غيره من الأيام .
وقوله: (( فتروح عليهم سارحتهم))، قال الإمام : السارحة هى الماشية ، التى تسرح
بالغداة إلى مراعيها . قال خالد بن جنبة: السارحة: الإبل والغنم ، والسرح والسارحة واحد.
قال القاضى : قال صاحب العين : السرح : ما يغدى به ويراح من السائمة .
وقوله: ((أطول ما كانت ذرى)): أى أعالى أسنمه.
وقوله: ((وأسبغه ضروعاً)). أى أطوله لكثرة اللبن .
وقوله: ((وأمده خواصر)): أى لكثرة امتلائها من الشبع.
وقوله : ((فيصبحون ممحلين)): أى أصابهم المحل .
وقوله: (( فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل))، قال الإمام : هى فحول النحل . وفى
الحديث : (( ضرب يعسوب الدين بذنبه)) [ كذا ](١) رئيس الدين ، وسيد الدين [ هاهنا
الجماعات . ولم يرد أمير النحل ] (٢) ومعناه: فارق أهل الفتنة. وفى حديث آخر : ((هذا
يعسوب قريش)) أى سيدها .
قال القاضى : الذى ذكره ، هو قول لابن قتيبة ، وبعض أهل اللغة أن اليعسوب أمير
النحل [ خاصة ] (٣) ولا ذكورها ، لكنه كنى بذلك عن الجماعة ؛ لأن أميرها متى طار تبعته
جماعة. وتقدم الكلام على قوله: ((أسبغه ضروعا، وأمده خواصر))، ومعنى ((أسبغه)):
أى أكمل [ وأعظم ] (٤) لكثرة لبنها، وكذلك: ((أمده خواصر)) لكثرة شبعها .
وقوله: ((فقطعه جزلتين)) بفتح الجيم ، أى قطعتين . وحكاه ابن دريد بكسر الجيم .
وقوله: ((رمية الغرض)): قيل: يجعل بين الجزلتين بمقدار رمية الغرض (٥). وعندى أن
رمية الغرض هنا بمعنى التقديم على قوله: ((يقطعه جزلتين)) وبعد قوله: ((فيضربه بالسيف))
أى كأنه قال : فيضربه بالسيف ليقسمه فيصيبه إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين ، فاختصر
(١) فى ح : أراد .
(٤) من ح .
(٣) فى ح : المراد .
(٢) سقط من ح .
(٥) فى ح : غرض .

٤٨٥
كتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ الله مِنْهُ ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ، وَيُحَدُِّهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِى
الْجَنَّةَ . فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أَوْحَى اللهِ إِلَى عِيسَى: إِنِّى قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لى،َ لَآَيَدََّن
لأَحَدَ بِقِتَالِهِمْ ، فَحَرِّزْ عِبَادِى إِلَى الطُّورِ . وَيَبْعَثُ اللَهِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلَّ
الكلام واكتفى بقوله: (( رمية الغرض)) لدلالتها على ذلك.
وقوله: (( بين مهرودتين))، قال الإمام : أى فى شقتين أو فى حلتين . وقال شمر: قال
بعض العرب : إن الثوب يصنع بالورس ثم بالزعفران فيجىء لونه مثل لون الحوذانة(١)،
فذلك الثوب المهرود . قال القتبى: هو عندى خطأ من النقلة، وأراه: ((مهروّتين))،
يقال: هريت العمامة : إذا لبستها صفراء وكأنّ فعلتُ منه : هروت . وقد روى هذا الحرف:
((مهرودتين)) بالدال وبالذال. ((مهرودتين)) بالدال يعنى المهملة مأخوذ من الهرد. والهرد
الشق ، وكأن المعنى بين شقتين ، والشقة نصف الملاءة . قال أبو بكر : قول من قال : إن
صوابه مهروتين فيه خطأ ، لأن العرب لا تقول : هروت الثوب ، لكن هريت . ولا يقال:
أيضا : هربت إلا فى العمامة [وحدها ] (٢) ، فليس له أن يقيس الشقة على العمامة ؛ لأن
اللغة رواية .
وقوله : الهرد : هو الشق ، خطأ ؛ لأن العرب لا تسمى الشق للإصلاح(٣) هرداً بل
يسمون الإحراق والفساد هردًا . قال ابن السكيت : هرد القصّار الثوب وهرته : إذا (٤)
أحرقه، وهرد فلان عرض أخيه وهرته . وهذا يدل على الإفساد والقول فى الحديث عندنا :
((بين مهرودتين)) الدال والذال، أى بين ممصرتين، كما (٥) جاء فى الحديث (٦): كما لم
يسمع الصير [ الصحناة ] (٧)، وكذلك التقاء الحرف إلى غير ذلك مما لم يسمع إلا فى
الحديث . والممصرة من الثياب : هى التى فيها صفرة خفيفة .
قال القاضى : ذكر أبو عمرو المطرز فى يواقيته : ثوب مهرد : إذا كان مصبوغا
بالصبب، وهو ماء ورق السمسم ، وثوب مهرد : إذا كان كلون المشمش ، ويقال : الهردى.
قال بعضهم : ولا أحقه الثوب المهرود الذى يصبغ بالمعروف ، والعروق يقال لها : الهرد.
قال القاضى : الذى قاله صاحب الجمهرة وقد رأيت مثله لأبى العلاء المقرى قال: هرد
ثوبه ، وقاله ابن دريد إذا صبغه بالهرد ، وهو صبغ يسمى العروق . وقال الجيانى : هى
الكركم ، ولم يذكر هذا أبو حنيفة فى كتاب النبات .
وقوله: ((إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ)) مثل الحديث الذى
(١) فى ز : الجودانة .
(٣) فى ح : الإصلاح .
(٢) فى ح : خاصة .
(٥) فى ح : على .
(٤) فى ز : أو .
(٦) انظر: أبو داود، ك الملاحم، ب خروج الدجال عن أبى هريرة (٤٣٢٤).
(٧) انظر: غريب الحديث للهروى ٢/ ٤٢، ابن الأثير فى النهاية ٦٦/٤.

كتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
٤٨٦
حَدَب يَنْسِلُونَ ، فَيَهُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُخَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخرُهُمْ
فَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذْهَ، مَرَّةً، مَاءٌ وَيُخَصَرُ نَبِىُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ
رأسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمَّ خَّرًا مِنْ ماتَةٍ دِينَارِ لأَحَدَكُمُ الْيَوَّمَ . فَيَرْغَبُ نَبِىُّ اللـه عِيسَى
وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اَللهِ عَلَيْهِمُ النَّغَفََ فِىَ رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
فى أول الكتاب(١): ((يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس)). وقوله: (( جمان کاللؤلؤ)):
الجمان: حبوب فضة صبغت على مثال اللؤلؤ . قال ابن دريد : وقد تسمى اللؤلؤ جمانا ،
فسمى هاهنا ما يقطر من الماء جمانا لشبهه بها ، وشبهه باللؤلؤ .
وقوله : (( فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهى حيث ينتهى طرفه))
بكسر الحاء وبفتح فاء (( نفسه)). معنى قوله: ((لا يحل)) قيل: لا يمكن، ومعناه عندى :
واجب وحق، كما قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية(٢) / [ أى ] (٣) حق
واجب. ووقع فى بعض الروايات عن ابن الحذاء: (( فلا يحل لكافر يجد نفس ريحه وله
وجه))، ولعله أبين. وأما من رواه: (( يحل)) بالضم فليس بشىء ، إلا أن يكون بعده :
(بکافر)) فیکون له وجه .
١/١٢٢
[وقوله: ((فمسح (٤) عن وجوههم)) معناه - والله أعلم - إما على ظاهره على طريق
التنزل والتبرك ، أو إشارة عن كشف ما نزل بهم من الخوف .
وقوله: (( مثلكم حتى يدركه بباب لدّ (٥) فيقتله )) بضم اللام ، قال ابن دريد : له
موضع ، وذكر هذا الحرف . وقال غيره : هذا جبل وفى كتب بنى إسرائيل أنه يقتله بجبل
الزيتون كما قدمناه ] (٦). وقوله: أو (( [ لا يريدان ] (٧) لأحد بقتالهم)) أى لا قدرة .
وقوله: (( فحرز عبادى إلى الطور)): كذا روايتنا فيه عن عامتهم بالراء أولاً ، وعند
بعضهم: (( فحوز))، وصوبه بعضهم ورآه (٨) وجه الكلام ، ومعناهما عندى متقارب، وإن
جوز فالواو بمعنى: نج عبادى إلى [ الطور] (٩)؛ ليمتنعوا فيه من يأحوج [ومأجوج](١٠)
(١) أى أول كتاب الصحيح ، فى كتاب الإيمان ، وقد جمع - رحمه الله - بين حديثين منفصلين ؛ لأن
قوله: ((يقطر رأسه ماء فى حديث رقم (٢٧٤) برواية محمد بن إسحق المسيّبى عن عبد الله بن عمر
رضى الله عنهما، وهذا فى باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، وقوله: (( كأنما خرج من
ديماس)) فى حديث رقم (٢٧٢) برواية محمد بن رافع وعبد بن حميد عن أبى هريرة - رضى الله عنه -
وهو آخر أحاديث الإسراء، وليس فيه: ((يقطر رأسه ماء))، بل فيه: (( ولقيت عيسى ، فإذا ربعة
أحمر كأنما خرج من ديماس)) . .
(٢) الأنبياء : ٩٥ .
(٤) فى ح : فيمسح ، وكذا فى الحديث .
(٦) سقط من ح .
(٨) فى ح : ورواه .
(١٠) ساقطة من ح ، واستدركت بهامشها .
(٣) فى هامش ح .
(٥) بلدة قريبة من بيت المقدس .
(٧) فى ح : يدان ، وكذلك فى الحديث .
(٩) ساقطة من ز، والمثبت من ح .

٤٨٧
كتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِىُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ، فَلاَ يجِدُونَ فِى الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلا
مَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنُهُمْ ، فَيَرْغَبُ نَبِىُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللـه . فَيُرْسِلُ اللهَ طَيَّرًا
كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ ، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطَرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ الله . ثُمَّ يُرْسِلُ الله مَطَرًّا لاَ يَكُنُّ مِنْهُ
بَيْتُ مَدَّرٍ وَلاَ وَبَرَ ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزََّفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبتِى ثَمَرَتَكَ،
وَرُدِّى بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تََّكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظَلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَرَكُ فِى الرِّسْلِ،
وأزلهم عن طريقهم . وجرد بالراء بمعنى : اجعل الطور موضع حذرهم منهم وجهة
امتناعهم. ورواه بعضهم: ((حدّر)) بالدال ، ومعناه : أنزلهم إلى جهته أو ردّهم واصرفهم
إليه. قال ابن عرفة أصعد فى الأرض : ذهب مبتدئا ، ولا يقال فى الرجوع : انحدر .
وقوله: (( حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم)»: لعله لما
ينالهم من المسبغة والحاجة إلى ما يأكلون أو ما يحرثون به ، لشدة حرصهم - والله أعلم ..
وقوله : ((فيرسل الله عليهم النغف (١))) هو بفتح النون والغين المعجمة، قال الإمام:
هى دود فى أنوف الإبل والغنم ، واحدتها نغفة (٢) ، ومنه يقال للرجل المحتقر : إنما أنت
نغفة .
وقوله: (( فيصبحون فرسى )) هو مقصور، أى قبلى ، واحدهم فريس ، من فريس(٣)
الذئب الشاة : إذا قبلها .
وقوله: ((فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة)) : هى الأرض التى لا نبات فيها ،
والصعيد الزلق : الذى تزل عنه الأقدام .
٠
قال القاضى : روينا هذا الحرف عن الأسدى بالفاء والقاف معا ، وفتح اللام وسكونها
معاً ، ولم يضبطه عن الصدفى إلا بالقاف وحده ، والوجوه التى رويناها عن الأسدى كلها
صحيحة ، ذكرها أبو زيد الأنصارى قال : يقال للمرآة : زلفة ، وزلفة . وحكى ابن
الأعرابى عن ابن عباس فى تفسير قوله: (( كأنها زلفة)) أى مرآة . وحكى ثعلب مثله عن
أبى زيد ، وقال غيره : الزلف : المصانع . قال أبو عبيد : والزلف : الأجاجيز الخضر .
قال ابن دريد وربما سميت المصانع إذا امتلأت زلفا ، ورأيت فى بعض حواشى شيوخى :
الزلفة : المحارة .
وقوله: ((فيومئذ تأكل العصابة)) كذا رواية الجميع وعند ابن سعيد: (( فيوشك )) بدل:
((فيومئذ)) .
وقوله: ((ويستظلون بقحفها)) : أى بمعقد قشرها يعنى الرمانة ، والقحف أعلى
(١) فى ز : النغب .
(٣) فى ح : فرس .
(٢) فى ز : نغبة .

٤٨٨
كتاب الفتن / باب ذكر الدجال وصفته وما معه
حَتَّى أَنَّ اللَّفْحَةَ مِنَ الإِبلِ لَتَكْفِى الْفِئَامَ مِنَ النَاسِ ، وَاللّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِى الْقَبِيلَةَ مِنَ
النَّاسِ ، وَاللَّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِى الْفَخِذَ مِنَ النَّاسَِ. فَبَيْنِمَا هُمَّ كَذَلِكَ إِذْ بَعَّثَ اللَّهُ ريحًا
طِيّةٌ، فَتَأْخُلُهُمْ تَحْتَ آَبَاطِهِمَّ، فَتَقْبِضَّ رُوحَ كَلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمَ ، وَيَبْقَى شَرَارُ
النَّاسِ، يَتَهَرَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ )) .
١١١ - ( ... ) حدّثنا عَلَىُّبْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ . قَالَ ابْنُ حُجْر : دَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهمَا فِى حَدَيْثُ
الآخَرِ عَنْ عَبَّدَ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بَّنِ جَابِرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ مَّا ذَكَرْنَا. وَزَادَّ بَعْدَ قَوْله:
((لَقَدَّ كَانَ بِهَذَه، مَرَّةً، مَاءٌ)): (( ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمْرِ، وَهُوَ جَبَّلُ
بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَيَقُولُونَ : لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِى الأَرْضِ، هَلُّمَّ فَلْتَقْتُلْ مَنْ فِى السَّمَاءِ ،
فَيَرْمُّونَ بِتُشَّبِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تُنَّبَهُمْ مَخْضُوَبَةً دَمَا)) .
وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ : ((فَإِنِّى قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِى، لاَ يَدَىْ لأَحَدِ بِقْتَالِهِمْ)) .
الجمجمة ، شبههم به . والرِّسل ، بكسر الراء : اللبن ، وقد تقدم، واللقحة ، بكسر اللام :
التى تحبلت من الإبل ، وجاءت هاهنا فى البقر أيضا والغنم ، وقد جاءت فى القرأن فى
الرياح. قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾(١)، أى تحمل الندى ثم تمجه فى السحاب،
و کله بمعنی الأول .
وقوله : (( يكفى الفيام من الناس )) بكسر الفاء بعدها ياء باثنتين تحتها ، أى الجماعة .
وبعضهم لا يجيز إلا الهمز ، وبعضهم ينكر فيه الهمز .
وقوله: ((يكفى الفخذ من الناس)): هى جماعة القوم من نسب ، وهى دون البطن .
١٢٢/ ب قال ابن / فارس : لا يقال فى هذا إلا بسكون الخاء خلاف الجارحة ، فتلك يقال فيها :
((فخذ)) بكسر الخاء وسكونها وبكسر الفاء أيضاً ، قاله الخليل .
و((جبل الخمر)) بفتح الجيم، وهو جبل بيت المقدس . والخمر : الشجر الملتف الذى
يستتر به من فيه .
(١) الحجر : ٢٢ .

٤٨٩
كتاب الفتن / باب فى صفة الدجال ... إلخ
(٢١) باب فى صفة الدجال ، وتحريم المدينة عليه
وقتله المؤمن وإحيائه
١١٢ - (٢٩٣٨) حدّثّنى عَمْرٌوَ النَّاقدُ وَالحَسَنُ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد،
وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَالسِّيَاقُ لِعَبْد - قَالَ: حَدَّثَنِى. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - يَعْقُوبُ -
وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد - حَدَّثْنَا أَبِى عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ الله
ابْنُ عَبْد الله بْن عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا سَعيد الْخُدْرِىَّ قَالَّ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ يَوْمًا حَدِيثًا
طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ. فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: ((يَأْتِى، وَهُو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نقَابَ
الْمَدِينَةِ ، فَيَنْتَهِى إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِى تَلِى الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَتَذْ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ
النَّاسِ، أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ. فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّلُ الَّذِى حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ عَّ
حَدِيثَهُ . فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْبَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِى الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ :
١
وقوله: (( علم على أنقاب المدينة)) : طرفها وفجاجها .
قال الإمام : قال القنازعى : قال الأخفش : أنقاب المدينة : طرقها وفجاجها .
قال القاضى : قال صاحب العين : النَّقْب والنَّقَب : الطريق فى رأس الجبل . والنقب
فى الحائط وغيره نقب يخلص منه إلى ما وراءه ، وهذا أشبه من الأول بأن الظاهر من أبوابها
وفوهات طرقها التى يدخل إليها منها ، ويعضده قوله فى البخارى: (( لها سبعة أبواب ،
على كل باب ملكان)) (١). وروايتنا فيه فى حديث عمرو الناقد والحلوانى : (( نقاب)) بغير
ألف ، جمع نقب أيضا .
وقوله: (( أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكّون فى الأمر ؟ فيقولون : لا ، فيقتله ثم
يحييه)). قال الإمام: إظهار المعجزة على يدى الكذاب لا تصح ، فيقال: لم ظهرت على
يدى الدجال وهو كذاب ؟ فيقال : لأنه يدعى الربوبية ، وأدلة الحدوث تحيل ما ادعاه
وتكذبه، والنبى يدّعى النبوة وهى غير مستحيلة فى البشر ، وأتى بالدليل الذى لم يعارضه
شىء فصدق . وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة فى كتابنا المترجم بقطع لسان النابح .
قال القاضى : قد تقدم قبل بيان فى هذا . وقول مَنْ قال للدجال حين قال له :
(١) البخارى، ك الحج ، ب لا يدخل الدجال المدينة ٢٨/٣ .

-
٤٩٠
ـسـ
كتاب الفتن / باب فى صفة الدجال ... إلخ
لا . قَالَ : فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ . فَيَقُولُ حينَ يُحْيِيه: وَالله، مَا كُنْتُ فيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً
مِنِّى الآنَ. قَالَ : فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ)) .
قَالَ أَبُو إِسْحَقَ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ.
( .. ) وحدّثْنى عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان ، شُعَيَبْ عَنِ
الزُّهْرِىِّ فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ .
١١٣ - ( ... ) حدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ قُهْزَاذَ - مِنْ أَهْلِ مَرْوَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ
الله بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى حَمْزَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِى الْوَدَّكِ، عَنْ أَبِى سَعيد
الْخُدْرِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّمَ: (( يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجَّلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،
فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ - مَسَالِحُ الدَّجَّالِ . فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ ؟ فَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَاَ
الَّذِى خَرَجَ . قَالَ : فَيَقُولُونَ لَهُ : أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِربِّنَا؟ فَيَقُولُ: مَا بِربِّنَا خَفَاءً فَيَقُولُونَ :
اقْتُلُوهُ . فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ . قَالَ :
فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَاهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِى ذَكَرَ
رَسُولُ اللهِ عَْ. قَالَ : فَيَأْمُرُّ الدَّجَّلُ بِهِ فَيُتَّحُ. فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُوهُ. فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ
وَبَطْنُهُ ضَرْبًا . قَالَ : فَيَقُولُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِى؟ قَالَ : فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ.
أتشكون فقالوا : لا ، مع أن إظهار ما أظهر لا تقوم له به حجة عند عاقل فى كونه إلهًا ؛
لظهور النقص ودلائل الحدث ، وتشويه الصورة ، وشهادة التكذيب عليه ، ولكن لعلهم قالوا
ذلك تقية - كما قدمنا - وخوفًا منه ، أو دافعوا الأمر وظنوا أن الله لا يقدره على هذا ولا
يفعله له ولا (١) يقدره [ بأمر حين أراد قتله بعد، كما لم يقدره ](٢) عليه ثانية حين أراد
قتله بعد، كما جاء فى الحديث ، ويكون قولهم : لا . أى لا شك فيك ، بل نوقن
بكذبك، فإن المؤمنين ما يشكو فيه ، ومن شك فيه كفر كمن أقرّ بربوبيته. وغالطوه بقولهم:
لا، مدافعة، ولاحتمالها، أو يكون مجاوبة بـ ((لا)) من فى قلبه مرض ومن اتبعك(٣) من
اليهود والكفار.
وجاء فى آخر هذا الحديث من رواية السمرقندى : قال أبو إسحق يعنى ابن سفيان .
يقال : إنّ الرجل هو الخضر - عليه السلام . وكذا قال معمر فى جامعه بإثر هذا الحديث .
ء
والمسالح : القوم يستعد بهم فى المراصد ويرتبون لذلك ، وسموا بذلك لحمل السلاح .
(١) فى ح : كما لم .
(٣) فى ح: اتبعه .
(٢) سقط من ح .

٤٩١
كتاب الفتن / باب فى صفة الدجال ... إلخ
قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُؤْشَرُ بِالمتْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ يَمْشِى الدَّجَّالُ
بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ. ثُمَّيَقُوَلَّ لَهُ: فُمَّ. فَيَسْتَوِى قَائِمًا. قَالَ: ثُمَّيَقُولُ لَهُ: أَنُؤْمِنُ بِىَ؟ فَيَقُولُ:
مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إلَّ بَصِيرَةً. قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لاَ يَفْعَلُ بَعْدِى بِأَحَدٍ مِنَ
النَّاسِ . قَالَ : فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لَيَذْبَحَهُ ، فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتَهُ إِلَى تَرْقُوَتَهِ نُحَاسًا، فَلاَ
يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ : فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ ، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى
النَّارِ ، وَإِنَّمَا أُلْقِىَ فِى الْجَنَّةِ)).
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) .
وقوله: ((فيأمر الدجال به فيشج ، فيقول: خذوه وأشجوه)) (١): كذا رويناه من طريق
العذرى والشنتجالى ، وغيرهم بالشين المعجمة بعدها باء بواحدة وحاء مهملة ، ومعناه :
مدوه. زاد بعضهم : على بطنه . والشبح : مد الشىء بين أوتاد ليجف ، وشبحت الرجل :
إذا مددته كالمصلوب ، وشبح المضروب : مده . رويناه عن السمرقندى وابن ماهان :
((فيشجوه فيشج)) بحذف الباء وبالجيم من الشج ، وهو الجرح فى الرأس . والأول أصح ،
ويدل عليه ما جاء بعده من ضربه .
وقوله: ((فيؤمر به فيؤشر بالمنشار)): كذا هو هنا ((يؤشر)) بالواو ((بالمنشار)) بالهمز
وهو صحيح، ويقال بالنون منها أيضا. وقد جاء بعد هذا / فى الحديث الآخر بالنون من ١٢٢/ ب
رواية السمرقندى .
والترقوة ، بفتح التاء وضم القاف وتخفيف الواو وفتحها : العظم الذى بين ثغرة النجر
والعاتق .
(١) فى الحديث رقم (١١٣) من هذا الكتاب : وشجوه .

٤٩٢
كتاب الفتن / باب فى الدجال وهو أهون على الله عز وجل
(٢٢) باب فى الدجال وهو أهون على الله عز وجل
١١٤ - (٢٩٣٩) حدّثنا شهَابُ بْنُ عَبَّاد الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْد
الرُّؤَاسِىُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِد، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً ،
قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدُ النَّبِىَّ ◌ََّ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ ممَّا سَأَلَتُ. قَالَّ: (( وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ ؟ إِنَّهُ
لاَ يَضُرُّكَ)) . قَالَ: قُلَتُ: يَا رَسَّوَلَ اللهَ، إِنَّهُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالأَنْهَارَ . قَالَ :
((هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللـه مِنْ ذَلِكَ )) .
١١٥ - ( .. ) حدّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثْنَا هُشَيِّمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْس،
عَنِ الْمُغيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدُ النَّبِىَّ ◌َّهَ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مَمَّا سَأَلْتُهُ. قَالَّ:
(وَمَا سُؤَالُكَ ؟)). قَالَ : قُلْتُ : إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبَّزٍ وَلَحْمٍ ، وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ.
قَالَ : ((هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذَلِكَ)) .
وقوله: (( وما ينصبك منه)) : أى ما يتعبك من أمره فيشغلك من خوفه . قال ابن
دريد: يقال : أنصبه المرض ونصبه وأنصبه أعلى . قال : وهو تغير الحال من مرض أو تعب.
وقوله : فى هذا الحديث قلت : إنهم يقولون : إن معه الطعام والأنهار ، قال : هو
أهون على الله من ذلك ، أى من أن يجعل ما يخلقه على يده مضلاً للمؤمنين ومشككا
لقلوب الموقنين ، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانا وليرتاب الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ،
كما قال له الذى قتله ثم أحياه: ((ما كنت قط فيك أشد بصيرة منى الآن)) لا أن قوله: ((هو
أهون على الله من ذلك)) أى أنه ليس شىء من ذلك معه ، بل أن يجعل ذلك آية على
صدقه ، فكيف وقد جعل الآية على كذبه وكفره ظاهرة بقراءة (١) من لا يقرأ زيادة على
شواهد كذبه من صدقه ونقصه .
قال القاضى : ونزول عيسى المسيح وقتله الدجال حق صحيح عند أهل السنة ؛ لصحيح
الآثار الواردة فى ذلك ؛ ولأنه لم يرد ما يبطله ويضعفه ، خلافا لبعض المعتزلة والجهمية ،
ومن رأى رأيهم من إنكار ذلك، وزعمهم أن قول الله تعالى عن محمد عَّ: ﴿خَاتَمَ
النَّبيّينَ﴾ (٢)، وقوله عَّهُ: ((لا نبى بعدى))(٣) وإجماع المسلمين على ذلك وعلى أن شريعة
(١) فى ح : يقرؤها .
(٢) الأحزاب : ٤٠ .
(٣) سبق فى ك الفضائل، ب فضائل على، حديث رقم (٣٠).

٤٩٣
كتاب الفتن / باب فى الدجال وهو أهون على الله عز وجل
( .. ) حدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثْنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ . ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ
ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدَ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً ،
كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بَنْ حُمَّيْدٍ . وَزَادَ فِى حَدِيثِ
يَزِيدَ : فَقَالَ لى: (( أَىْ بُنَىَّ)) .
الإسلام باقية غير منسوخة إلى يوم القيامة - يرد هذه الأحاديث . وليس كما زعموه ؛ فإنه
لم يرد فى هذه الأحاديث أنه يأتى بنسخ شريعة ولا تجديد أمر نبوة ورسالة ، بل جاءت بأنه
حكم مقسط ، يجىء بما يجدد ما تغير من الإسلام ، وبصلاح الأمور والعدل ، وكسر
الصليب ، وقتل الخنزير ، أن إمام المسلمين منهم كما قال - عليه السلام .
وأما قوله: (( ويضع الجزية)) : فليس معناه : أنه يسقطها عمن تجب عليه بخلاف
شريعتنا ، بل قيل : يسلم الكافر فلا يبقى مَنْ يعطى جزية ، وقد يقال : إنه يقهر جميع
الكفرة حتى لا يبقى له معاند ولا مقاتل ، إلاّ مَنْ أسلم أو ألقى بيده ، أو أعطى الجزية
صاغراً ، ويكون وضع الجزية : أى يوظفها على كل من كفر ؛ لا أنّه يسقطها .

٤٩٤
كتاب الفتن / باب خروج الدجال ومكثه فى الأرض ... إلخ
(٢٣) باب فی خروج الدجال ،ومکثه فی الأرض ، ونزول عيسى
وقتله إياه ، وذهاب أهل الخير والإيمان ، وبقاء شرار
الناس وعبادتهم الأوثان ، والنفخ فى الصور
وبعث من فى القبور
١١٦ - (٢٩٤٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللّه بْن مُعَاذ الْعَنْبَرِىُّ؛ حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ
النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوَبَ بْنَ عَاصِمٍ بَنِ عُرْوَةَ بْنٍ مَسْعُودِ الثَّقَفِىِّ يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرو، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِى تُحَدِّثُ به؟
تَقُولُ: إنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللّه! أَوْ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله، أَوْ كَلَّمَةً
نَحْوَهُمَا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلِ أمْرًاً
عَظيمًا، يُحَرَّقُ الْبَيْتُ، وَيَكُونَ، وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( يَخْرُجُ
الدَّجَّلُ فِى أُمَّتَّى فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ - لاَ أَدْرِى: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ
عَامًا - فَيَبْعَثُّ الله عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنَّ مَسْعُودِ، فَيَطْلبُهُ فَيُهْلِكُهُ. ثَمَّ يَمْكَّثُ
النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ. ثُمَّ يُرْسِلُ الله رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ، فَلاَ
يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةً مِنْ خَيْرِ أَوْ إِيمَان إِلَّ قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ
أَحَدَكُمْ دَخْلَ فِى كَبَدْ جَبَل لَدَّخَلَتْهُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَقْبِضَهُ)) . قَالَ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُول الله
عَِّ. قَالَ: ((فَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِى خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَمِ السِّبَاعِ، لاَ يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا ، وَلاَ
قوله فى حديث عبد الله بن عمرو: (( يخرج الدجال فيمكث أربعين ، لا أدرى أربعين
يومًا أو شهرًا أو عاماً)) قد تقدم فى الحديث قبله (١) بيانه «أربعين يومًا))، ورفع شك عبد
الله بن عمرو كذلك فى حديث الجساسة: (( أربعين ليلة)).
وقوله: ((فى كبد جبل)): فى وسطه وداخله . وكبد كل شىء : وسطه .
وقوله: ((ويبقى شرار الخلق فى خفة الطير وأحلام السباع)) : أى فى مسارعتهم
وخفتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات كطيران الطير ، وفى الإفساد والعدوان وظلم بعض
لبعض فى خلق السباع العادية .
(١) حديث رقم (١١٠) من هذا الكتاب .

كتاب الفتن / باب فى خروج الدجال ومكثه فى الأرض ... إلخ
٤٩٥
يُنْكُرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلاَ تَسْتَجِيبُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا ؟
فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأوْثَانِ. وَهُمْ فِى ذَلِكَ دَارٌ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْئَهُمْ ثُمَّيُنْفَخُ فِى الصُّورِ،
فَلاَ يَسْمَعَّهُ أَحَدٌ إِلَّ أَصْغَى لِيْتًا وَرِفَعٍ لِيَا. قَالَ : وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضََ
إِبله. قَالَ : فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ الله - أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ الله - مَطَرًا كَأَنَّهُ
الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ - نُعْمَانُ الشَّاكُّ - فَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَعُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ
قيامٌ يَنْظُرُونَ . ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾(١).
قال: ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ . فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْف تسْعَمائَة
وَتَسْعَةً وتَسْعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شيبًا. وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَِّقَ﴾(٢).
١١٧ - ( .. ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ يَعْقُوَبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :
سَمَعْتُ رَجُلاً قَالَ لِعَبِّدِ اللهِ بْنِ عَمْرو: إنَّكَ تَقُولُ: إنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إلى كَذَا وَكَذَا .
وقوله: ((إلا أصغى ليتا ورفع ليتا)) ، قال الإمام: يصغى ليتًا : يميل ، يقال : صغا
يَصْغَى، وصَغِى يَصْغَى ، ويقال: صغاك معك (٣) وصَغْوك معه أى ميلك .
قال القاضى: فى هذا الحديث: ((أصغى)) وهو صحيح فى المعدى رباعى . قال
صاحب العين : أصغيت إليه سمعى : أى أملته وصغا يصغو ، أو يصغى صغوا : إذا مال .
وحكى غيره: صغيت أيضا ، وكذلك صغى إليه سمعى، وصغى / بالفتح والكسر. ١٢٣/ ب
وحكى الحربى (٤): أصغيت إليه ، لغة فى غير المعدى أيضا.
قال الإمام : والليت : صفحة العنق ، وهو جانبه .
وقوله: ((يلوط حوض إبله)): أى يطيبه(٥) ويصلحه . أصل اللوط : اللصوق .
((والملتاط لا يورث)) (٦) أى اللاصق بالقوم فى النسب . قال صاحب الأفعال : لاط الحوض
لَوْظًا ولَيْطًا : إذا أصلحه ، والشىء بالشىء : ألصقه ، وألاط الولد بأبيه نسبه إليه .
وقوله : ((كأنه الطل أو الظل)) ، قال القاضى : الأشبه أن يكون الأصح من هذين
اللفظين اللذين شكّ فيهما الراوى ((الطل)) بالطاء المهملة ، وقد وصفه فى الحديث الآخر
((أنه كمنى الرجال)).
(١) الصافات : ٢٤ .
(٢) القلم : ٤٢ .
(٣) فى ح : معه .
(٤) انظر: غريب الحديث ٢/ ٨٥١.
(٥) فى ح : ليطينه .
(٦) أخرجه الخطابى فى مسنده عن على بن حسين . انظر: غريب الحديث ١٣/٣.

كتاب الفتن / باب خروج الدجال ومكثه فى الأرض ... إلخ)
٤٩٦ -
فَقَالَ: لَقَدْ هُمَمْتُ ألا أحَدَّثَّكُمْ بِشَىْءٍ . إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلِ أمْرًاً عَظِيمًا .
فَكَانَ حَرِيقَ البَيْت - قَالَ شُعْبَةُ: هَذَا أوْ نَحْوَهُ - قَالَ عَبْد الله بْنُ عَمْروَ: قَالَ رَسُولُ
اللـه عَّةُ: ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِى أَمَّتَى)) وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُّعَاذٍ . وَقَالَ فِى
حَديثه: ((فَلا يَبْقَى أحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَان إلا قَبَضَتْهُ » .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر : حَدَّثَنِى شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّاتٍ . وَعَرَضْتُهُ عَلَيْهِ .
١١٨ - (٢٩٤١) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ، عَنْ أبى
حَّانَ، عَنْ أبى زُرْعَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَفَظْتُ مِنْ رَسُول اللـهَ عَّه حَدِيثًا
لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ . سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَ يَقُولُ: ((إِنَّ أوَّلَ الآياتَ خُرُوجَا طُلُوعُ الشَّمْسِ
مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّبَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحَّى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِها ،
فَالأَخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا » .
( ... ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبى، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أبى
زُرْعَةَ، قَالَ : جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِالَدِينَةِ ثَلاثَةُ نَفَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ ، فَسَمِعُوهُ وَهُوَ
يُحَدِّثُ عَنِ الآيات: أنَّ أوَلَها خُرُوجًا الدَّجَّلُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَهِ بْنُ عَمَرَو: لَمْ يَقُلْ مَرْوَانُ
شَيْئًا، قَدْ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ. سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِلَّه
يَقُولُ. فَذَكَر بِمِثْلِهِ .
( .. ) وحدّنا نَصْرُ بْنُ عَلَىَّ الجَهَضَمِىُّ، حَدَّثْنَا أَبُو أحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أبى
حَيَّانَ، عَنْ أبى زُرْعَةَ، قَالَ: تَذَاكَرُوا السَّاعَةَ عِنْدِ مَرْوَانَ . فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرو :
سَمَعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ. بِمِثْلِ حَدِيثِهِما. وَلَم يَذْكُرْ ضُحى.
وقوله: ((فذلك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ))) (١) معناه: ومعنى ما فى كتاب الله عزوجل
من ذلك - والله أعلم مراد نبيه [ من ] (٢) هذا الحديث - وأن المراد به : شدة الأمر
وصعوبة الحال ، كما يقال : كشفت الحرب عن ساقها . قال الشاعر :
قد حددت بکم الحرب فجدوا
وشمرت عن ساقها فشدوا
وأصله أن المجد فى الأمر شمر إزاره ، ويرفعه عن ساقه . وهو هنا بين لأنه ذكر قبله
أن (( يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون))(٣). قال : فذلك يوم يجعل
الولدان شيبا ، وذلك ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ .
(١) القلم : ٤٢
(٢) ساقطة من ز ، والمثبت من ح .
(٣) فى ح : تسعين .

٤٩٧
كتاب الفتن / باب قصة الجساسة
(٢٤) باب قصة الجساسة
١١٩ - (٢٩٤٢) حدّثنا عَبْدُ الْوَارث بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَجَّاجُ بْنُ
الشَّاعر، كلاهُمَا عَنْ عَبْد الصَّمَد - وَاللَّفْظُ لعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَد - حَدَّثَنَا أَبِى
عَنْ جَدِّى، عَنِ الْحُسَيْنَ بْنِ ذَكْوَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةً، حَدَّثَنَى عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ
الشَّعْبِىُّ شَعْبُ هَمْدَانَ ؛ أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسِ ، أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْس - وَكَانَتْ
مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ - فَقَالَ: حَدِّثَيْنِى حَدِيثًا سَمَعْتِيهِ مِنْ رَسُول اللـهِ عَّهُ ، لاَ تُسْنديه
إِلَى أحَدٍ غَيْرِهِ . فَقَالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ لَأَفْعَلَنَّ. فَقَالَ لَّهَ: أَجَلْ ، حَدِِّنِى. فَقَالَتْ:
نَكَحْتُ أَبْنَ الْمُغِيرَةَ - وَهْوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْش يَوْمَئِذ - فَأُصيبَ فِى أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ
رَسُول الله عَّهُ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُّ عَوْفٍ، فِى نَفَرَ مِنْ أَصْحَابٍ
رَسُولَ اللهِ عَّهُ، وَخَطَنِى رَسُولُ اللهِ عَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدَ، وَكُنْتُ قَدْ حُدِّلْتُ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّنَى فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ)) فَلَمَّا كَلَمَّنَى رَسُولُ اللهَِيه
حديث الجساسة
وفى حديث فاطمة بنت قيس: (( نكحت ابن المغيرة - وهو من خيار شباب قريش
يومئذ - وأصيب فى أول الجهاد مع رسول الله عَّه، فلما تأيمت)) وذكرت حديثها ، قال
القاضى أبو الوليد الكنانى : المشهور فى أمر فاطمة مع زوجها هذا أن تأيمها منه بطلاق باتٌ
لا بموت .
قال القاضى : ما قاله صحيح ، وكذلك جاء بإثر هذا الحديث من الطريق الآخر ،
وكذلك جاء فى كتاب الطلاق (١) وفى الموطأ(٢) وسائر المصنفات (٣). ففهم أبو الوليد أن هذا
مخالف له ، ولعل قولها: ((أصيب فى أول الجهاد مع رسول الله عَّه)) إنما أرادت به عد
فضائله وذكر مناقبه كما ابتدئت بالثناء عليه وهو قولها: (( [ وهو ] (٤) من خيار شباب
قريش))، ثم ذكرت خبر تأيمها منه. وإذا كان هذا لم يكن فيه معارضة مع الأخبار الأخر .
(١) ب المطلقة ثلاثا، الأحاديث (٣٦ - ٥٤).
(٢) ك الطلاق، ب ما جاء فى نفقة المطلقة برقم (٦٧) .
(٣) انظر: البخارى ، ك الطلاق ، ب قصة فاطمة بنت قيس ٧/ ٧٤ .
(٤) ساقطة من ح .

٤٩٨
كتاب الفتن / باب قصة الجساسة
قُلْتُ: أَمْرِى بَيَدَكَ، فَأَنْكِحْنِى مَنْ شِئْتَ. فَقَالَ: ((انْتَقَلى إِلَى أُمِّ شَرِيك)) وأُمُّ شَريك
امْرَأَةٌ غَنَّةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِى سَبِيلِ اللـه ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّفَانُ . فَقُلْتُ:
سَأَفْعَلُ . فَقَالَ : ((لاَ تَفْعلى، إِنَّ أُمَّ شَريك امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الصِّفَانِ ، فَإِّى أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ
عَنْك خمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ ، فَيَرَىَ الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ ،
وَكِنِ اثْتَقِى إِلَى ابْنِ عَمَّكِ، عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِوَ ابْنِ أُمِّ مَكْثُومٍ)) وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى فِهْرِ،
فِهْرَ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ مِنَ الْبَطَنِ الَّذِىَ هِىَ مِنْهُ . فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ. فَلُمَّا انْقَضَتْ عِدََّى سَمَعْتُ
نَدَاءِ الْمُنَادَى - مُنَادِى رَسُولَ اللهِ عَهُ - يُنَادِى: الصَّلاَةَ جَامعَةٌ. فَخَرَجْتُ إلَى
الْمَسْجِد، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ عَّهُ ، فَكُنْتُ فِى صَفِّالنِّسَاءِ الَّتِى تَلِى ظُهُورَ الْقَوْمِ .
فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ عَهُ صَلاَتَهُ، جَلَسَ عَلَى الَمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقَالَ: ((لِيَلْزَمْ كُلُّ
إِنْسَانِ مُصَلَّهُ)). ثُمَّ قَالَ: (( أَتَدْرُونَ لِمَ جمَعْتُكُمْ؟ )) قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ :
(إِنِّى، وَالله، مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِىَّ ، كَانَ
وقد اختلف فى وقت وفاته ، فقيل : مع على بن أبى طالب باليمن إثر طلاقها ، ذكر
ذلك أبو عمر (١) ، وقيل: بل عاش إلى أيام عمر ، وذكرت له معه قصة فى شأن خالد بن
الوليد ، ذكر ذلك البخارى فى التاريخ (٢). ولعل قولها: ((أصيب مع رسول الله عَّ أول
الجهاد )) بعين القتل إما بجرح أو بشىء الله أعلم بمراده به. وقد مرّ فى الطلاق الاختلاف فى
وقت طلاقه لها وصفته والكلام على ما اشتمل عليه حديثها مما اختص به هناك بحمد الله ،
ومما فى حديثها أيضا مما لم يتقدم الكلام عليه ويستدرك .
قوله عن أم شريك: (( أنها من الأنصار)) قال أبو الوليد: إنما هى قرشية من بنى عامر بن
لؤى اسمها غزيَّةٌ ، وكُنِيت بابنها شريك . قال أبو عمر : يقال : اسمها غزيلة . قال : وقد
قيل : أم شريك الأنصارية ، وأنّ النبى تزوجها ، ولا يصح لكثرة الاضطراب فى ذلك .
وقال غيرهما : الأشبه أنهما اثنتان . وقد ذكر أبو عمر فى التمهيد فى هذا الحديث : اعتدى
عند أم شريك الأنصارية ابنة العكر فانظره .
ومما استدرك فيه قوله: ((انتقلى إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم)) وهو
/ رجل من بنى فهر ، فهر قريش، وهو من البطن الذى هى منه. والمعروف خلاف هذا،
١/١٢٤
(١) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ١٧١٩/٤ بترجمة رقم (٣١٠٤).
(٢) انظر: التاريخ الصغير ٢/ ٥٧ .

٤٩٩
كتاب الفتن / باب قصة الحساسة
رَجُلاً نَصْرَانِيّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ ، وَحَدَّثَنِى حَدِيثًا وَفَقَ الَّذِى كُنْتُ أحَدِّثْكُمْ عَنْ
مَسِيحِ الدَّجَّالِ. حَدَّثَنِى أَنَّهُ رَكِبَ فِى سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ ، مَعَ ثَلاَئِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ ،
فَعِبَّ بِهِمُ الَمَوْجُ شَهْرًا فِى الْبَخَرِ ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا إِلَى جَزِيْرَةٍ فِى الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبٍ
الشَّمْس، فَجَلَسُوا فِى أَقْرُبِ السَّفِينَةِ ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَبَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَر،
لاَ يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبْرِهِ مِنْ كَثْرَةَ الشَّعَرِ. فَقَالُوا: وَيْلَك، مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا
الْجَسَّاسَةُ. قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ، انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِى الدَّيْرِ،
وليس بابن عمها ، بل هى من بنى محارب بن فهر ، وهو ابن بنى عامر بن لؤى ، ليسا من
بطن واحد ، وأما اسم ابن أم مكتوم واسم أبيه فالخلاف فيه كثير ، ما ذكر هنا أحدها وأما
انتقالها فى العدة فنسبه فى الحديث نفسه مبين مذكور قبل فى كتاب الطلاق (١) . وكذلك
قولها : خطبنى فلان وخطبنى رسول الله عَّه على أسامة، وقولها له عَّه: أمرى بيدك .
وأمر النبى لها بالانتقال بعد العدة وهذه خطبة فيها صوابه : أن الخطبة كلها إنما كانت بعد
إحلالها، كما جاء فى كتاب الطلاق. قيل: وفى الموطأ وغيره من قول النبى معَّه لها: ((فإذ
أحللت فأذنينى)) (٢) فلما أحلت ذكرت الخبر ، فجاء فى الكلام هنا تقديم وتأخيره .
قوله: (( ثم أرفؤوا إلى جزيرة))، قال الإمام : قال صاحب الأفعال : أرفأت إلى
الشىء: لجأت إليه ، وأرفأت السفينة : قربتها إلى مرفأها حيث تصلح .
قال القاضى : قال صاحب العين : أرفاتُ السفينة : قربتها من الشط إلى الساحل . قال
غيره : مرفأ السفينة حيث ترسى ، وهى الميناء .
وقوله: ((فجلسوا فى أقرب السفينة))، قال الإمام: يريد القوارب الصغار التى تكون
مع السفينة لقضاء حوائجهم ، والواحد قارب ، ولكنه جاء هاهنا على غير قياس .
قال القاضى : ذهب الكنانى هاهنا إلى أنه إنما أراد بأقرب أخريات السفينة ، وأدانيها
وخواصرها ، كأنه ما قرب منه النزول منها أو كأنه من القرب الذى هو الخاصرة ، وكأنه أنكر
أن يقال: الأقرب للقارب، ويجتمع فاعلا على أفعل، لاسيما ورواية ابن ماهان: (( فى
أخريات))، وفى بعضها: ((فى آخر السفينة))، فساعدته هذه الرواية على التفسير . وأما
الجيانى وغيره فإنما حملوها على ما قاله الإمام .
القارب معروف ، يقال بفتح الراء وكسرها . قال الخليل فى كتابه : القارب سفينة
صغيرة. وذكره أبو عبيد فى مصنفه، [ ويصححه أيضا ](٣) أنّ ابن أبى شيبة رواه فى
(١) فى ب المطلقة ثلاثا، برقم (٥٣).
(٢) الموطأ، ك الطلاق ، ب ما جاء فى نفقة المطلقة رقم (٦٧) .
(٣) فى هامش ح .

كتاب الفتن / باب قصة الجساسة ... إلخ
٥٠٠
فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرَكُمْ بِالأَشْوَاقِ . قَالَ: لَمْا سَمَّتْ لَنَا رَجُلاً فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةٍ . قَالَ
فَانْطَلِقْنَا سِرَاعًا، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانِ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وثَاقًا ،
مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنْقُه، مَا بَيْنَ رُكْبِتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيد. قُلْنَا: وَيْلَكَ ، مَا أَنْتَ ؟
قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِى، فَأَخْبِرُونِى مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ ، رَكَبْنَا
فِى سَفِينَةَ بَحْرِيَّةِ ، فَصَادَفْنَا الْبَحَرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأنَا إِلَى
جَزِيرَتَكَّ هَذِهِ، فِّجِلَسْنَا فِى أَقْرُبِهَا. فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرَ، لاَ
يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةَ الشَّعَرِ. فَقُلْنَا: وَيَّلَكِ، مَاَ أَنْتِ؟ فَقَلَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ.
قُلْنَا: وَمَ الْجَسَّسَةُ ؟ قَالَتَ : اعْمَدُوا إِلَى هَذَا الَرَّجُلِ فِىَ الدَّيْرِ ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ
بِالأَشْوَاقِ . فَأَقْبَنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأَمَّنَ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةٌ . فَقَالَ :
مصنفه(١): ((فقعدوا فى قوارب السفينة)). ثم الجلوس فى أدانى السفينة وأخرياتها لا
تخرج إلى البر ، وليس النزول من هناك فى البحر يسمى جلوسا ولا قعودًا ، فيبعد تأويل
أبى الوليد فيه. وقد جاء بعد هذا فى الحديث الآخر : ((أنَّ السفينة انكسرت بهم ، فخرج
بعضهم على لوح من ألواح السفينة)) ، وقد يجمع بين الحديثين ، ويجعل هذه الألواح التى
خرجوا عليها هى الأقرب جمع قرب وهى الخاصرة ، فتكون هذه الألواح ما وجد من
جوانب السفينة وأواخرها التى هى لها كالخواصر ، وربما سميت بها .
وقوله : الجَسّاسة ، بفتح الجيم وتشديد السين الأولى قيل : سميت بذلك لتجسسها
الأخبار للدجال . وقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ هذه الدابة هى دابة الأرض
التى تخرج آخر الزمان تكلم الناس .
وقوله: ((أهلب كثير الشعر)) وكذا جاء فى الحديث ، وهو تفسير الأهلب . قال
الخليل: الهلب : ما غلظ من الشعر . ورجل أهلب : إذا كان شعر ذراعيه غليظا .
وقوله: ((فإنه إلى خبركم بالأشواق)) : أى بحال شدة شوق .
وقوله: ((فرقنا)) : أى فرغنا .
وقوله: ((فصادفنا / البحر حين اغتلم))، قال الإمام : قال الكسائى : الاغتلام : أن
يتجاوز الإنسان حد ما أمر به من الخير والمباح، ومنه قول عمر: ((إذا اغتلمت عليكم هذه
الأشربة فاكسروها بالماء ))(٢) معناه: إذا تجاوزت حدها الذى لا يسكر إلى حدها الذى يسكر.
١٢٤/ ب
(١) ك الفتن ، حديث رقم (١٩٤٨٢) المجلد الأخير .
(٢) انظر: ابن أبى شيبة فى مصنفه، ك الأشربة، ب فى الرخصة للنبيذ وشربه حديث (٣٩٤١).