النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب التوبة / باب قبول التوبة من الذنوب ... إلخ
مُسِىءُ اللَّيْلِ ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ منْ مَغْرِبِهَا)) .
( ... ) وحدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
مسئء الليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها)) ، قال الإمام : المراد بهذا القبول على التائب؛
لأنه قد جرت العادة أن الإنسان إذا نول ما يقبله بسط يده إليه ، وإذا رأى من يحبه بسط يده
إليه ، وإذا نول مايكره قبض يده عنه . فخاطب العرب من حيث تفهم ، وذكر أمثالاً
محسوسة ليوكد معنى ما يريده فى النفس وأما يد الجارجة فمستحيلة على الله - سبحانه.
والبسط والقبض من صفات الأجسام ، واليد قد تطلق فى اللغة على النعمة ، وهذا المعنى
المشهور فى اللسان يقارب ما قلناه ؛ لأن ما يقبله - سبحانه - من قبول توبة عباده من إحدى
نعمه عليهم ، وكذلك مايفعله من النعم بالتائبين .
وأما إثبات اليدين لله - سبحانه - من غير أن تكون يدى جارجة ، بل صفتين من
الصفات قديمة أزلية فأثبتهما القاضى أبو بكر بن الطيب وغيره من أئمتنا ؛ لقوله تعالى: ﴿ لِمَا
خَلَفْتُ بِيَدَيَّ﴾(١) ، فأثبت اليدين هنا صفتين قديمتين ؛ لأن صرف اليد هاهنا عنده إلى النعمة
لا يليق بهذا الموضع ؛ لأن النعمة مخلوقة ولا يخلق مخلوق بمخلوق ، وصرفها إلى القدرة
يمنع منه التثنية ، والقدرة واحدة بلا خلاف .
وأبو المعالى مال إلى نفى ذلك ، وحمل القرآن على التجوز ، وأن المراد أن الله -
سبحانه - خلق آدم بغير واسطة ، بخلاف غيره من بنيه ، فكنى عن ذلك بأنه خلقه بيديه ؛
لأنا إذا لم يكن بيننا وبين ما يكون من الأفعال وسائط عبر عن ذلك بأن يقال : فعلته بنفسى،
وتوليته بيده . والقصد تميز آدم بالاختصاص . وقد يجمع الشىء تفخيما وإن كان واحدًا ،
والعرب تفعل ذلك وهذا المعنى سلك الأئمة فى هذه الآية .
وإن قلنا بإثبات اليد على طريقة القاضى ، فلابد من تأويل الحديث على نحو ما قلناه
لذكر البسط فيه ، وإنما يبقى النظر فى معنى اليد وإضافة هذا الأمر إليها .
قال القاضى : وقيل (٢) يحتمل أن اختصاصه النهار هنا والليل - وإن كانت التوبة
مقبولة أى وقت كانت - فالمراد بذلك أوقات مخصوصة كثلث الليل ، وبعد الزوال ،
والوقتين المشهودين وحضرة النداء ؛ لما جاء من أن أبواب السماء تفتح فيها .
(١) ص : ٧٥ .
(٢) هكذا فى ز ، وفى ح : وقد .

٢٦٢
-
كتاب التوبة / باب غيرة الله تعالى ... إلخ
(٦) باب غيرة اللّه تعالى ، وتحريم الفواحش
٣٢ _ (٢٧٦٠) حدّثنا عُثْمَان بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إسْحَقُ :
أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ ، عَنْ عَبْد اللـه، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((لَيْسَ أحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدَّحُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ،
وَلَيْسَ أحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله، مِنْ أجْلٍ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ )) .
٣٣ - ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنُ نُمَيْر وَأَبُو كُرَيْب، قَالاَ: حَدَّثَنَا
أُبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظَ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ
وَأَبُو مُعَاوِيَّةَ عنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((لَّ
أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله، وَلِذَلِكَ حَرََّ الْفَوَّاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْه
الْمَدْحُ مِنَ الله)) .
٣٤ - ( ... ) حدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّر، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ . قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ يَقُولُ : سَمِعْت عَبْدَ الله بْنَ
مَسْعُودٍ يَقُولُ - قُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. وَرَفَعَهُ - أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ
أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله ، وَلَذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلاَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ
الْمَدْحُ مِن الله، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ)) .
٣٥ - ( ... ) حدّثْنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ
إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( لَيْسَ
أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ أَجَّلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ
مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرََّ الفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلٍ
وتقدم الكلام على قوله: (( ليس أحد أغير من الله)) (١) وقد جاء فى نفس الحديث
تفسير غيرة الله بما رفع الإشكال فى رواية عمرو الناقد قال: ((وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما
(١) انظر: ك اللعان، برقم (١٩).

٢٦٣
كتاب التوبة / باب غيرة الله تعالى ... إلخ
ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ)) .
٣٦ _ (٢٧٦١) حدّثّنا عَمْرُوَ النَّقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيْهَ، عَنْ
حَجَّاجِ بْنِ أَبِى عُثْمَانَ ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِى أَبُو سَلَّمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إنَّ الله يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ ، وَغَيْرَةُ الله أنْ يَأْتِىَ المُؤْمِن مَا حَرَّمَ
عَلَيْهِ)) .
(٢٧٦٢) قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أنَّ أَسْمَاءَ
بِنْتَ أَبِي بَكْرِ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّهَا سَمَعَتْ رَسُولَ الله عَّهُ يَقُولُ: (( لَيْسَ شَىْءٌ أَغْيَرَ مِنَ الله عَزَّ
وَجَلَّ» .
(٢٧٦١) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَبَان بْنُ يَزِيدَ وَحَرْبُ بْنُ
شَدَّاد، عَنْ يَحْيَى بِنِ أبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّةٍ. بِمِثْلٍ
رِوَةٌ حَجَّاجِ . حَدِيثَ أَبِي هُرَيَّرَةَ خَاصَّةً . وَلَمْ يَذْكُرْ حَدَيْثَ أسْمَاءِ .
٣٧ _ (٢٧٦٢) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ أبى بَكْرِ المُقَدِّمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّل، عَنْ
هِشَامٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عُرَوَةَ، عَنْ أسْمَاءَ، عَنِ النَِّيِّ ◌َّهُ؟
أَنَّهُ قَالَ : (( لا شَىْءَ أَغْيَرُ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ)) .
٣٠ - (٢٧٦١) حدّثنا قُتََّةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى أَبْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ
العَلَاء، عَنْ أبيه، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُول الله عَّهُ قَالَ: ((المُؤْمنُ يَغَارُ، وَ اللَّهِ أَشَدُّ
غَيْرًا)) .
حرم عليه)) أى : منعه ذلك وتحريمه له .
وقوله: ((والله أشد غيرة)): الغير والغار والغيرة بمعنى واحد ، كله بفتح الغين ،
وقيل: معنى (( لا شىء أغير من الله)): يحتمل ألا ينبغى لشىء ألا يكون أغير منه فيتعدى
بأخذه ، فى ذلك ، ويبطش من يجده فيما يكره لحينه بما لا يجب ، دون المجىء بما حده
الله من البيئة، ويعجل بالعقوبة، والله تعالى يعذر ويمهل، ولذلك ذكر بعده: (( ولا أحد
أحب إليه العذر من الله )) والله أعلم . وقد كان منه عليه السلام - هذا الكلام بإثر قول سعد
ما قال : لأضربنه بالسيف غير مصفح .

٢٦٤
كتاب التوبة / باب غيرة الله تعالى ... إلخ
( ... ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُّ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ
العَلَاءَ ، بَهَذَا الإِسْنَادِ .
وفى قوله : (( ليس أحد أحب إليه المدح من الله)) فيه تنبيه على عظم الثواب وكثرة
الرغبة فى تسبيح الله وتقديسه ، والثناء عليه واجب هنا على ما تقدم من إرادة الثواب
[للحامد له] (١) والمثنى عليه والمحمد ، وإنما يجب ذلك منه ويأمرهم به ويريهم أجرهم عليه.
وقوله: (( لا أحد أحب إليه العذر من الله)): يحتمل أن يريد للإعذار والحجة ، قال
الله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ (٢) وكذلك قال بعده: (( من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل
الرسل )) ويحتمل أن يريد به الاعتذار من خلقه إليهم ؛ لعجزهم وتقصيرهم فيغفر لهم ، كما
قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٣).
(١) سقط من ح .
(٢) المرسلات : ٦ .
(٣) الشورى : ٢٥ .

٢٦٥
كتاب التوبة / باب قوله تعالى : ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾
(٧) باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ﴾
٣٩ - (٢٧٦٣) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد وَأَبُو كَامِل فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الجَحْدَرِىُّ ،
كلاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ - وَاللَّفْظ لأبَى كَامِلٍ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْتْمِىُّ، عَنْ
أبى عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بَنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِن امْرَأَةُ قُبْلَةٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ عَُّ
فَذَكَرَ ذَلَكَ لَهُ ، قَالَ: فَزَّلَتَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾(١) قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: ألِىَ هَذِه يَا رَسُولَ الله ؟
قَالَ: ((لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتَى)) .
٤٠ _ ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أبيه، حَدَّثْنَا أَبُو عُثْمَانَ،
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّ رَجُلاً أنَى النَّبِىَّ ◌َّهُ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ من امْرَأَةٌ إِمَّا قُبْلَةٌ، أَوْ مَسّاً بَيَد،
أوْ شَيئاً. كأنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ كَفَّارَتَهَا. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ ذَكِّرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ .
٤١ - ( .. ) حدّثْنَا عُثْمَانَ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَيْمِيِّ، بهذا
الإِسْنَاد . قَالَ أصابَ رَجُلٌ مِن امْرَأَةٍ شَيْئًا دُونَ الفَاحِشَةِ ، فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَعَظَّمَ
عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَعَظَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنَى النَِّىَّ ◌َّهُ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ وَالمُعْتَمِرِ .
وقوله: فى الذى أصاب من امرأة قبلة، فذكر ذلك للنبى معَّه، فنزلت: ﴿أَقِمِ
الصَّلاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفَا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ الآية، وفى الحديث الآخر: ((أصاب من امرأة دون
الفاحشة))، وفى الحديث الآخر: ((عالجت امرأة فى أقصى المدينة ، وإنى أصبت منها ما
دون أن أمسها)) : يريد بالمعالجة التناول منها ، ولكن بمدافعة ومشقة والمعالجة : المصارعة.
وقوله: (( ما دون أن أمسها )) يريد به: الجماع ، بدليل الحديث الذى قبله . والمس
والمساس : الجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾(٢).
واختلف الناس فى معنى قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فعن جماعة من
الصحابة والتابعين : أن المراد بالحسنات : الصلوات ، بدليل أول الآية . قالوا : والصلاة
كفارة لصغار الذنوب ، ودل أن القُبلة وشبهها من الصغائر المكفرة بذلك ، وقد جاء فى
(١) هود : ١١٤ .
(٢) البقرة : ٢٣٧ .

٢٦٦
كتاب التوبة / باب قوله تعالى : ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾
٤٢ - ( .. ) حدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ
لَيَحْبَى - قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو الأخْوَصِ، عَنْ سِمَاك ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَبْد اللـه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِىِّ عَلَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
الله، إنِّى عَالَجْتُ امْرَةً فِى أَقْصَى الَدِينَةِ ، وَإِنَّى أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذا،
فَاقْضِ فِىَّ مَا شِئْتَ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. قَالَ : فَلَمْ يَرُّدِّ
النَّبِىُّ عَّهِ شَيْئًا. فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ ، فَأَتْبَعَهُ النَّبِىُّ ◌َّهِ رَجُلاً دَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذه الآيَةَ:
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفَا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى
لِلذَّاكِرِينَ﴾(١) فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَوْمِ: يَانَبِىَّ اللهِ، هَذَاَ لَهُ خَاصَّةٌ؟ قَالَ: ((بَلْ لِلنَّاس كَافَّةً).
٤٣ - ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ العِجْلِىُّ
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ خَالِهِ الأسْوَدَ ، عَنْ
عَبْد الله، عَنِ النَّبِىِّ يَّةِ بِمَعْنَى حَدِيثِ أبِى الأحْوَصِ . وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ : فَقَالَ مُعَاذٌ :
يَارَسُولَ الله، هَذَاَ لَهَذا خَاصَّةً، أوْ لَنَا عَامَّةً؟ قَالَ: (( بَلْ لَكُمْ عَامَّةً)) .
٤٤ _ (٢٧٦٤) حدّثنا الحَسَنُ بْنُ عَلىِّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم، حَدَّثَنَا
هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ عَّهُ
فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، أصَبْتُ حَدَا فأقمْهُ عَلَىَّ. قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُول
الله تٍَّ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنِّى أصَبْتُ حَدَا فَأَقِمْ فِىَّ كِتَابَ اللهِ .
قَالَ: ((هَلْ حَضَرْتَ الصَّلاةَ مَعَنَا؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((قَدْ غُفِرَلَكَ)).
الحديث الآخر أنها (( كفارة لمن اجتنب الكبائر)) (٢) وروى عن مجاهد حسنات هنا : سبحان
الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر . قال الطبرى: والصواب قول من قال :
إنها الصلوات الخمس ؛ لثبوت الخبر بذلك عن النبى - عليه السلام .
وقد مضى فى كتاب الإيمان(٣) الفرق بين الصغائر والكبائر ، ومعنى تسميتها بذلك،
وفى كتاب الصلاة ما تكفره الصلاة من الذنوب.
(١) هود : ١١٤ .
(٢) سبق فى ك الطهار، ب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة برقم (١٤).
(٣) ب بيان الكبائر، برقم (٣٨).

٢٦٧
كتاب التوبة / باب قوله تعالى : ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾
٤٥ _ (٢٧٦٥) حدّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَىِّ الْجَهْضَمِىُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب - وَاَللَّفْظُ لزُمَيْر -
٣٠دورو. ووو
قَالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّر، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ قَالَ:
بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ يَّةُ فِى المسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَارَسُولُ الله ،
إِنِّى أَصَبْتُ حدا ، فَأَقِمْهُ عَلَىَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ عَةِ. ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: يَارَسُولُ الله،
إِّى أصَبْتُ حدا ، فَأَقمهُ عَلَىَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأَقِيمَت الصَّلاةُ . فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِىُّ اللـه
بَّهُ قَالَ أَبُو أمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ عَهُ حِينَ انْصَرَفَ، وَتَبَعْتُ رَسُولَ اللهِ عَُّ
أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُل. فَلَحقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ عَهْ فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، إنِّى أَصَبْتُ
حدًا، فَأَقِمْهُ عَلَىَّ. قَالَ أَبُو أمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (أرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ
بَيْنِكَ ، أَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الوُضُوءَ؟)) قَالَ: بَلَى، يَارَسُولَ الله. قَالَ: ((ثُمَّ
وفى قوله فى الحديث الآخر: ((إنى أصبت حدًا فأقمه علىّ)) فسكت ، إلى قوله :
((أليس قد توضأت؟)) ثم قال: ((وشهدت الصلاة معنا؟)). قال: نعم. قال: ((إن
الله قد غفر لك حدك - أو قال - ذنبك)) يحتمل أن هذا الحديث بمعنى الأول، وأن ذكر
الحد هنا عبارة عن الذنب، لا [ على ] (١) حقيقة ما فيه حد من الكبائر .
وقد أجمع العلماء أن التوبة لا تسقط حدًا من حدود الله إلا الحرابة . فلما لم يحده
النبى - عليه السلام - حمله (٢) على أنه كان مما لا حد فيه ؛ ولأن الصلاة إنما تكفر غير
الكبائر . وقيل : هو على وجهه ، وإنما لم يحده لأنه لم يفسر الحد فيما لزمه ، فسكت
عنه النبى عَّةُ ولم يستفسره لئلا يجب عليه الحد .
قالوا : وفيه حجة على ترك الاستفسار ، وأنه لا يلزم ذلك للإمام إذا كان الكلام
محتملاً والإقرار غير بين ، طلباً [ للتستر ](٣)، بل نبه عنه - عليه السلام - المقر فى غير
هذا الحديث على الرجوع والنزوع عن قراره بقوله: (( لعلك مسست أو قبلت)) (٤) مبالغة فى
الستر على المسلمين ، وقد كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيمًا ، صلوات الله عليه .
واختلف فى معنى قوله: ﴿ظَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾(٥) ، قيل: طرفا النهار:
الغداة والعشى ، فالغداة الصبح ، والعشى الظهر . وقيل : الظهر والعصر . وقيل :
العشى والمغرب .
(١) من ح .
(٣) هكذا فى ز ، وفى ح : الستر .
(٥) هود : ١١٤ .
(٢) هكذا فى ز ، وفى ح : حمل ، بدون هاء .
(٤) أحمد ١ / ٢٣٨، ٢٧٠ عن ابن عباس .
٠

كتاب التوبة / باب قوله تعالى : ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ،
-
٢٦٨ -
شَهِدْتَ الصَّلاةَ مَعَنَا؟)) فَقَالَ: نَعَمْ، يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( فَإِنَّ
اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ - أوْ قَالَ ـ ذَنْبَك)))).
و﴿وَزْلَفَّا مَّنَ اللَّيْلِ﴾: قيل (١): هى المغرب والعشاء . وقيل: العشاء . وقد قرأ
بعضهم ﴿ وَزْلْفَى﴾ بسكون اللام مقصورة .
(١) فى ح : قرئ .

٢٦٩
كتاب التوبة / باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله
(٨) باب قبول توبة القاتل ، وإن كثر قتله
٤٦ - (٢٧٦٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ - وَاللَّفُظُ لابْنِ المُثَنَّى -
قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذِ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أبى الصِّدِيقِ، عَنْ أبى سَعيد
الْخُدْرِىِّ؛ أنَّ نَبِىَّ الله ◌ََّ قَالَ: ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تَسْعَةً وَتَسْعِينَ نَفْسًا،
فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَم أهّلِ الأرْضِ ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ . فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ تَسْعَةٌ وَتَسْعِينَ نَفْساً،
فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟ فَقَالَ: لا . فَقَتَلَهُ، فَكمَّلَ به مائَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمَ أهْلِ الأرْضِ ، فَدُلَّ
وقوله فى الذى قتل تسعة وتسعين ، وسؤاله : هل له من توبة ؟ وقول العالم له :
نعم : هذا مذهب أهل السنة والجماعة ؛ أنّ التوبة تكفّر القتل كسائر الذنوب ، وهو قول
كافة السلف . وما روى عن بعضهم من خلاف ذلك فشديد فى الزجر وتورية فى القول ،
لئلا يجترئ الناس على الدماء .
وقد اختلف في تأويل قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ﴾(١)
معناه : قتله مستحلاً لأجل إيمانه ، وقيل معناه : جزاؤه جهنم إن جازاه . فيكون الخلود
طول الإقامة لا التأبيد ، وقيل : الآية فى رجل بعينه قتل رجلا له عليه دم بعد أخذه الدية ،
ثم ارتد (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾(٣) تفسير
مجملها ، والآية الثانية التى فى الفرقان بقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾(٤).
وقول العالم له: ((انطلق إلى أرض كذا وكذا ، فإنه فيها [ أناس ](٥) يعبدون الله
فاعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك ؛ فيه الحض على مفارقة الإنسان المواضع التى
أصاب فيها الذنوب والأقران الذين ساعدوه عليها ، ومعاداتهم لله تعالى ، مبالغة فى التوبة
وقطع علائقها ، والاستبدال [بذلك](٦) صحبة أهل الخير والصلاح ومن يقتدى به ،
ويتأكد بمشاهدته توبته .
وقوله: (( حتى إذا نصف الطريق)) : أى بلغ نصفه ، يقال : نصف الماء وغيره
الشجرة، أى بلغ نصفها. وقوله: (( نأى بصدره)) : أى نهض وتقدم ليقرب بذلك القدر
من الأرض الصالحة . وأما قياسه إلى إحدى القريتين والحكم بذلك له بعد اختصام ملائكة
الرحمة وملائكة العذاب فيه فذلك - والله أعلم - علامة جعلها الله لهم عند اختلافهم مع
(١) النساء : ٩٢ .
(٣) النساء : ٤٨.
(٥) هكذا فى ز ، وفى ح : قوما .
(٢) انظر: جامع البيان للطبرى ٤ / ٢١٧ .
(٤) الفرقان : ٧٠ .
(٦) فى هامش ح .

٢٧٠
كتاب التوبة / باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله
عَلَى رَجُل عَالمٍ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مائَةَ نَفْس ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ . وَمَنْ يَحُولُ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلى أرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أنَّاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُد اللـهَ
مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إلى أرْضِكَ فَإِنَّهَا أرْضُ سَوْءٌ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إذَا نَصَفَ الطَّرِيقَّ أَتَاهُ
المَوْتُ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ العَذَابِ، فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةَ: جَاءَ
تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إِنَّهُ لَّمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ . فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ
فى صُورَةَ آدَمِىٌّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ . فَقَالَ : قيسُوا مَا بَيْنَ الأرْضَيْن، فإِلَى أَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى،
فَهُوَ لَهُ ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إلى الأرْضِ الَّتِى أرَادَ ، فَقَبَضَتّهُ مَلائِكَةُ الرَّحَمَةِ)) .
قَالَ قَتَادَةُ : فَقَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا؛ أَنَّهُ لَمَّ أَنَاهُ المَوْتُ نَأَى بِصَدرِه .
٤٧ - ( .. ) حدّثَنِى عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أبى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ؛
أَنَّهُ سَمِعَ أبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِىَّ، عَنْ أبِى سَعيدَ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ: (( أنَّ رَجُلًا قَتَلَ تَسْعَةً
وَتَسْعِينَ نَفْسًا، فَجَعَلَ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُ مِنْ تَّوْبَةٍ؟ فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ ،
فَقَتَلَ الرَّهِبَ. ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَّ قَرْيَةٍ إِلى قَرْبَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا كَانَ
فِى بَعْضِ الطَّرِيقِ أدْرَكَهُ المَوْتُ، فَنأى بِصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ. فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحَمَةِ
وَمَلائِكَةُ العَذَابِ ، فَكَانَ إلى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِيْرٍ ، فَجُعِلَ مِنْ أهّلِهَا)) .
٤٨ _ ( ... ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ،
بِهَذَا الإِسْنَاد، نَحْوَ حَديث مُعَاذِ بْنِ مُعَاذَ. وَزَادَ فِيهِ: ((فَأَوْحَى اللهُ إلى هَذه: أنْ تَّبَاعَدِى،
وَإِلَى هَذِهِ : أنْ تَقَرَّبِى )» .
٤٩ - (٢٧٦٧) حدّثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحَى،
عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ ، دَفَعَ اللهُ
عدم معرفة حقيقة باطنه التى اطلع الله عليها ؛ لأنه عليم بذات الصدور ، ولو تحققوا توبته
هم لم يختلفوا ولا احتاجوا للمقايسة بالأرض ، ألا ترى كيف قال : ((فأوحى الله إلى هذه
الأرض أن تباعدى، وإلى هذه أن تقربى )) إذا كان تعالى عَلِمَ مالم تعلم الملائكة .
قوله فى آخر الحديث: (( لكل مسلم فداؤه من النار)) : حدثنا قتادة بهذا الإسناد نحو
حديث عفان ، وقال عون بن عقبة(١) . كذا عند العذرى ، وهو خطأ ، والصواب ما عند
(١) لم يرد له ذكر في كتب الرجال المتداولة .

٢٧١
كتاب التوبة / باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله
عَزَّ وَجَلَّ إلى كُلِّ مُسْلِم، يَهُودِيا أَوْ نَصْرَانِيا، فَيَقُولُ: هَذا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ)) .
٥٠ _ ( .. ) حدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّان بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ،
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ؛ أَنْ عَوْنًا وَسَعِيدَ بْنَ أبى بُرْدَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمَا شَهِدَاً أبَا بُرْدَةً يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ
عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ أبيهِ، عَنِ النَّبِىِّ عَّهُ قَالَ: (( لا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، إلا أدْخَلَ اللهُ مَكَانَهُ
النَّارَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانيا)). قَالَ : فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْد العَزيز بالله الَّذى لا إلَهَ إلا هُوَ
ثَلاثَ مَرَّات؛ أنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُول اللـه عَِّ. قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ. قَالَ: فَلَمْ يحَدِّثْنِى
سَعِيدٌ إِنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى عَوْنَ قَوْلَهُ .
( ... ) حدّثْنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، جَميعًا عَنْ عَبد الصَّمَد بْن
عَبْدِ الوَارث ، أخْبَرَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثْنَا قَتَادةُ، بِهَذَ الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ عَفَّنَ . وَقَالَ: عَوْنُ
. وقود
ابن عتبة .
٥١ - ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَدُ بْنْ عَمْرِو بْنِ عُبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أبِى رَوَّاد، حَدَّثَنَا حَرَمِىُّبْنُ
عُمَارَةَ ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِىُّ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ ، عَنْ أبيه،
عَنِ النَّبِىِّ ◌َِّ قَالَ: «يَجِىءٌ يَوْمَ القِيامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبِ أَمْثَالِ الجَبَالِ ، فَيَغْفِرُهَا
الله لَهُمْ، وَيَضَعُها عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى)) . فيمَا أَحْسَبُ أَنَّا .
سائر الرواة : عون بن عتبة بالتاء، هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أخو عبد الله
ابن عتبة أحد / السبعة الفقهاء .
٨٦/ ب
وقوله فى هذا الحديث : (( يدفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا ، فيقال : هذا
فكاكك من النار)) وفى الحديث الآخر: (( ما من مسلم يموت إلا أدخل الله مكانه النار
يهوديا أو نصرانيا)) وفى الآخر: ((يأتى قوم بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ،
ويضعها على اليهود والنصارى)) : معنى ذلك : أنّ من استوجب النار لذنوبه من المؤمنين
تفضل الله عليه برحمته، وغفر [ له ](١) ذنوبه ، وعافاه من النار، وإن من لم يكن أهلاً
للعقوبة فهو معافى منها ابتداء لفضل الله ، فإنما يصلاها الأشقى الذى كذّب وتولى ، فهم
أهلها وعوض هؤلاء الذين هم فى النعيم فتسميتهم فكاك لذلك.
وقوله : (( أدخل الله مكانه يهوديا أو نصرانيا)) على هذا المعنى، إذ الكافر لابد له
منها وهو مستحق للعقاب لنفسه لا بسبب غيره .
وقوله: ((ويضعها على اليهود والنصارى)) : معناه - والله أعلم - : أنه يزيدهم
(١) من ح .

٢٧٢
كتاب التوبة / باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله
قَالَ أَبُو رَوْحٍ : لا أدْرِى مِمَّنِ الشَّكُّ.
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ : فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَالَ : أَبُوكَ حَدَّنَكَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ
◌َّ؟ قُلْتُ : نَعَمْ.
٥٢ _ (٢٧٦٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيم، عَنْ هِشَامِ
الدَّسْتَوَاتِىِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزَ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عُمَرَ : كَيْفَ سَمِعْتَّ
رَسُولَ الله ◌َّهُ يَقُولُ فى النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمعْتُهُ يَقُولُ: ((يُدْنَى المُؤْمِنُ يَوْمَ القِيَامَةَ مِنْ
ربِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ . فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَىْ
عذابا فوق العذاب لما كانوا يفسدون ، ويخصهم بالعذاب على سوء أفعالهم دون المؤمنين ،
وإلا فلا تزر وازرة وزر أخرى ، لكن لما أسقط الله هذه التباعات عن هذا المسلم ، وأبقى
تباعات الكافر وضاعف عذابه بكفره، وزاده فى ذلك بقدر ما كان يستحق المؤمن على ذنوبه -
كان كمن عوقب بتلك الذنوب ، وإلا فالأصل أنّ الله لا يعذب أحدًا إلا على ما اكتسبه،
وقد خلق الله تعالى للنار أهلاً وللجنة أهلا ، وجعل لكل واحدة ملئها ، كما جاء فى
الحديث ، [ فالذى هى لكبارهم فكاك الذى غير للجنة ، ولو شاء لقلب الأمر ولم يبال ،
كما جاء فى الحديث ](١) ، ولكن تمت كلمة ربك صدقا وعدلا ، يفعل ما يشاء ، فقوله
على هذا: (( هذا فكاكك من النار)) وإلا أدخل الله مكانه يهوديا أو نصرانيا بيّن المعنى
على ما قررناه ، أى أنك خلقت للجنة وخلق هذا للنار مكانك [ للجنة أنت المخلوق ](٢)
وجعله هو ممن يملؤها وفك رقبتك أنت من ذلك [وخاصك ](٣) وجعلك ممن يملأ الجنة.
وفكاك الشىء : خلاصه . وفكاك الرقبة : إخراجها من الرق [ وتخليصها ] (٤) للحرية.
وكذلك فكاك الرهن : تخليصه من يد مرتهنه .
وقوله : ((يدنى المؤمن من ربه [ يوم القيامة ](٥) حتى يضع عليه كنفه ، فيقرره
[بذنوبه] (٦)، فيقول : هل تعرف ؟ فيقول : رب ، أعرف . قال : فإنى قد سترتها عليك
فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» / الحديث ، قال الإمام : الدنو هاهنا : دنو كرامة لا
دنو مسافة ؛ لأن البارى - سبحانه فى غير مكان ، فلايصح منه دنو مسافة ولا بعدها .
والمراد بقوله: (( حتى يضع عليه كنفه)) أى : ستره وعفوه ، وما يتفضل عليه به حينئذ.
وقد صحفها بعض الرواة فرواها بالتاء ، وهو تصحيف لا ينبغى أن يشغل (٧) به. وقد قال
٨٧ / ١
(١، ٢) سقط من ح .
(٤، ٥) فى هامش ح .
(٧) فى ح : يشتغل .
(٣) هكذا فى ز ، وفى ح : وخلصك .
(٦) ساقطة من ز .

٢٧٣
كتاب التوبة / باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله .
رَبِّ، أَعْرِفُ . قَالَ : فَإِّى قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فى الدُّنْيَا، وَإِنِّى أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى
صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ . وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ: هَؤلاءِ الَّذِى
كَذَبُوا عَلَى الله )) .
بعض أهل العلم : لو كان ثابتا لكان استعارة ، وتأولناه كما تأولنا ما وقع فى أمثاله مما
ذكر من أسماء الجوارح .
قال القاضى : ذكر مسلم بعد هذا سنداً آخر لهذا الحديث فقال : حدثنا محمد بن
مثنى ، حدثنا ابن عدى ، إلى آخر ما ذكر . وصح عند الكسائى والسجزى ، وسقط لغيره
هنا .

٢٧٤
كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ
(٩) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه
٥٣ _ (٢٧٦٩) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
سَرْح - مَوْلَى بَنِى أُمَيَّةَ - أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهب ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : ثمَّ
غَزَا رَّسُولُ اللـه عَّهُ غَزْوَةَ تَبُوكَ - وَهُوَ يُرِيدُ الرَّومَ وَنَصَارَى العَرَبِ بِالشَّامِ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِك؛ أنَّ عَبْدَ الله
ابْنَ كَعْب كَانَ قَاتَدَ كَعْبٍ، مِنْ بَنِيهِ ، حِينَ عَمِىَ . قَالَ: سَمِعْتُ كَعَبَ بَنَّ مَالك يُحَدِّثَ
حَدِيثَهُ حَيْنَ تَخَلَّفَ عَنْ رَّسُولَ اللهِ ◌َّهَ فِى غَزَّوَةٍ تَبُوَكَ. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ: لَمَّ أَتَخَلَّفْ
عَنَّ رَسُولِ اللهِ عَّهِ فِى غَزْوَةَ غَزَهَا قَطُّ ، إلا فَى غَزْوَةٍ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّى قَدْ تَخَلَّفْتُ فِى
غَزَوَةٍ بَدْرٍ ، وَلَمَّ يُعَاتِبْ أحَدًا تُخَلَّفَ عَنَّهُ، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ وَالمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ
عِيرَ قُرَيْشٍَ ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، عَلَى غَيْرِ مِيعَادِ . وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ
رَسُول اللـه عَّيْ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، حِينَ تَوَثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وَمَا أُحِبُّ أنَّلِى بِها مَشْهَد بَدْرِ ،
وَإِنْ كَانتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِى النَّاسَ مِنْهَا. وَكَانَ مِنْ خَبَرِى، حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُول الله
عَّهِ، فِى غَزْوَةٍ تَبُوكَ ، أَنِّى لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنّهُ فِى تِلْكَ
حديث كعب بن مالك والثلاثة الذين خلفوا ، فيه: هجران أهل الذنوب ، وقطع
مكالمتهم ، والإعراض عنهم ، وترك رد السلام عليهم ؛ إذ كان ثم من يرده غيرك أو رده
سرا ، تأديبا لهم، كما نهى النبى عَّ عن كلام هؤلاء الثلاثة ، واجتناب الناس لهم ،
وتركه النظر إلى كعب إذا رآه ، وأمره لهم باعتزال نسائهم .
وفيه حجة أن المسجون يضيق عليه . وفيه حجة لقول مَنْ قال من أئمتنا : إن المسجون
فى الذنوب لا تترك معه زوجته تضييقا عليه ، وهو قول سحنون ؛ لأمره - عليه السلام -
لهم باعتزال نسائهم . وابن عبد الحكم من أئمتنا يرى ألاّ يفرق بينه وبين زوجته إذا كان
السجن خاليا ، أو فيه موضع تنفرد فيه معه المرأة عن الرجال .
وفيه سنة ركعتى المسافر إذا قدم كما كان يفعل - عليه السلام - وقد ذكرنا ذلك .
وفيه فضل الصدق وحسن عقباه الذى نجا كعباً وصاحبيه، وكان سبب التوبة [عليهم](١)
وكان أمرهم يعد زيادة فى فضلهم [ ومتعته ] (٢) لهم ، بخلاف غيرهم ممن كذب وخلف
من أهل النفاق ، وفضيحة الله لهم وذمهم ووعيدهم
(٢) هكذا فى ز ، وفى ح : منقبة .
(١) من ح .
------

٢٧٥
كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ
الغَزْوَةِ. وَاَلله، مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْن قَطُّ ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِى تِلْكَ الغَزْوَةِ. فَغَزَاهَا
رَسُولُ اللهِ عٍَّ فِى حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقَبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقَبَلَ عَدُوا كَثِيرًا ،
فَجَلًا للمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيتَأَهَّبُوا أهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِى يُرِيدُ. وَالمسلمُونَ
مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهُ كَثِيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافظ ــ يُرِيدُ ، بِذَلِكَ ، الدِّيْوَانَ - قَالَ
كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ سَيّخْفَى لَهُ ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِهِ وَحْىٌ مِنَ
الله عَزَّ وَجَلَّ، وَغَزَا رَسُولُ اللهِ عَةُ تِلْكَ الغَزَّوَةَ حينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا
أَصْعَرُ ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ عَهُ وَالْمُسَلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفَقْتُ أَعْدُو لِكَىْ أَنَجَهَّزَ مَعَهُمْ،
فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، وأَقُولُ فى نَفْسى: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلَكَ، إِذَا أَرَدْتُ . فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ
يَتَمَادَى بِى حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ عَِّ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ ، وَلَمْ
أَقْضٍ مِنْ جَهَازِى شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقضِ شَيْئًا ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِى
حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَالَيْتَنِى فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ
ذَلَكَ لِى، فَطَفَقْتُ، إِذَا خَرَجْتُ فِى النَّاسِ، بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ عَّهِ، يَحْزَنُنِى أَنِّى لا
أَرَّى لَى أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِى النَّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ،
وَلَمْ يَذْكُرْنِى رَسُولُ اللهِ عَّهِ حَتَّى بَلَغَ تُبُوكًا. فَقَالَ - وَهُوَ جَالسٌ فى القَومِ بَتُبُوكَ -: ((مَا
فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِك؟)). قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلَمَةَ: يَا رَسُولُ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَهُ وَالنَّظَرُ
فى عطْفيْه . فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَل: بئسَ مَا قُلْتَ . وَالله، يَارَسُولَ الله مَاعَلَمْنَا عَلَيْه إلا
خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ عَهُ. فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلاً مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَّابُ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: (( كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ))، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْئَمَةَ الأنْصَارِىُّ. وَهُوَ الَّذِى
تَصَدَّقَ بِصَاعِ الثَّمْرِ حِينَ لَمَزَّهُ الْنَافِقُونَ .
قال الإمام: وقوله: (( فأنا إليه أصعر)): أى أميل .
وقوله: (( وتفارط الغزو)) : أى فات وتقدم .
وقوله: ((إلا رجلا مغموصا عليه)): أى متهما مستحقراً . يقال : غمصت فلانا
واغتمصته : إذا استحقرته واستصغرته .
وقوله [ وهو ](١) ينظر فى عطفيه: قال الهروى : عطفا الإنسان : ناحيتا جسده ،
(١) من ح .

٢٧٦
كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ
فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالك: فَلَمَّا بَلَغَنِى أنَّ رَسُولَ الله عَّهُ قَد تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ،
حَضَرَنِى بَثِّى، فَطَفَقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ وَأَقولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى
ذَلَكَ كُلَّ ذِى رَأَى مِنْ أَهلِى. فَلَمَّا قِيلَ لِى: إنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَدْ أَظَلَّ قَدَمًا، زََّحَ عَنِّى
البَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّى لَنْ أَنْجُوَ مَنْهُ بَشَىْءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعَتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ الله
عَّ قَادمًا، وَكَانَ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرَ - بَدَأَ بِالمسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ.
فَلَمَّا فَعَّلَ ذَلَكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، قَطَفِقُوا يَعْتَدْرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بضْعَةً
وَثَمَانِينَ رَجُلاً ، فَقَبَلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ عَّهُ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ ، وَوَكَلَ
سَرَائِرَهُمْ إلَى اللهِ، حَتَّى جِئْتُ. فَلَمَّا سَلَّمْتُ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: ((تَعَالَ))،
فَجِئْتُ أَمْشِى حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ . فَقَالَ لِى: (( مَا خَلَّفَكَ؟ أَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ
ظَهْرَكَ؟ )) قَالَ: قُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ، إِنِّى، وَاللهِ، لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غيرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا
لَرَأيْتُ أَنِّى سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُدْرِ ، وَلَقَدْ أعْطَيْتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّى، وَاَللهِ، لَقَدْ عَلَمْتُ،
لَئِنْ حَدَّتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبِ تَرَّضَى بِهِ عَنِّى، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَىَّ، وَلَئِنْ
حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقَ تَجِدُ عَلَىَّ فيه، إِنِّى لأرجُو فِيهِ عُقْبَى اللـه . وَالله، مَا كَانَ لى
عُذْرٌ. وَالله، مَا كُنْتُ قِّطُّ أَفَوَى وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ:
((أمَّ هَذَا، فَقَدْ صَدَقَ . فَقُمْ حَتَّى يَقْضىَ اللهُ فِيكَ)). فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِى سَلَمَةً
فَاتَّبَعُونِى. فَقَالُوا لِى: وَالله، مَا عَلَمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ فِى أَلا تَكُونَ
اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللهِ عَّهِ، بِمَ اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ ،
استغْفَارُ رَسُول اللـه عَلَّه لَكَ .
وقال فى موضع آخر : العطفان : ناحيتا العنق ، ومنكب الرجل : عطفه . وقال المبرد :
العطف : ما انثنى من العنق ، قال غيره : العرب تضع الرداء موضع البهجة والحسن
والبهاء ، ويسمى الرداء عطافا لوقوعه على عطفى الرجل .
قوله: ((توجه قافلاً)) : راجعاً من سفره ، يقال : قفل الرجل / قفولا : إذا رجع
من السفر . والقافلة: التى [ هى ](١) راجعة من سفرها ، وما دامت ذاهبة فى السفر فلا
تسمى قافلة حتى ترجع .
٨٧/ ب
قوله: (( حضرنى بثى)) البث : أشد الحزن .
(١) فى هامش ح .
٠

٢٧٧
كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ
قَالَ: فَوَالله، مَا زَالُوا يُؤْنِبُونَنِى حَتَّى أرَدْتُ أنْ أَرْجِعَ إلى رَسُول اللـه عََّ فَأُكَذِّب
نَفْسِى. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلَ لَفِىَ هَذَاَ مَعِى مِنْ أحَدٍ ؟ قَالُوا: نَعَمَّ . لَقِيَهُ مَعَكَ
رَجُلَان، قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ . قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا :
مُؤَارَةٌ بَنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِىُّ، وهِلَالُ بْنُ أُمَّةَ الوَاقِىُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِى رَجُلَيْنِ صَالِحَّيْنِ قَدْ
شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أَوَةٌ. قَالَ : فَمَضَيْتُ حِينَّ ذَكَرُوهُمَالِى .
قَالَ: وَهِى رَسُولُ الله ◌َّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنَا، أَيُّهَا الثَّلاثَةُ، مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ
عنّهُ.
قَالَ : فَاجْتَبْنَا النَّاسُ. وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِى فِى نَفْسِى الأَرْضُ، فَمَا هِىَ
بِالأرْضِ الَّتِى أعْرِفُ ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةٌ ، فَأَمَّا صَاحباىَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِى
بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَان، وَأَمَّا أنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمَ وَأَجْلَدهُمْ ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ
وَأَطُوفُ فى الأَسْوَاقِ، ، وَلَا يُكُلِّمُنِى أَحدٌ، وَآَتِى رَسُولَ اللهِ عٍَّ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِى
مَجْلسه بَعْدَ الصَّلاةَ، فَأَقولُ فِى نَفْسِى: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ، أمْ لا؟ ثُمَّ أَصَلّى
قَرِيبًا مِنَّهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَىَ صَلاتِ نَظَرَ إِلَىَّ ، وَإِذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ
عَثِّى، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَىَّ مِنْ جَفْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ، مَشَيْتُ حَتَى تَسَوَّرْتُ جدَارَ حَائِط
أَبِى قَتَادَةَ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّى، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ . فَوَالله، مَا رَدَّ عَلَىَّ
السَّلَامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللـه هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّى أُحبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ :
قوله: ((قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامرى)) : هكذا قال العامرى ،
إنما هو العمرى، من بنى عمرو بن عوف .
قال القاضى: كذا ذكره مسلم: ((العامرى)) من رواية أكثرهم، ورواه بعضهم
((العامرى)) والصواب: ((العمرى)). وكذا ذكره البخارى (١). وكذا نسبه ابن إسحاق
وأبو عمرو بن عبد البر وغيرهما ، وإن كان القابسى قال : لا أعرفه إلا العامرى ، فالذى
عرفه غيره أصح. وقوله فى نسبه: ((ابن ربيعه)) كذا ذكره مسلم ، وذكره البخارى(٢):
((ابن الربيع)) . وقال أبو عمرو بالوجهين فى نسبه .
قال الإمام: وقوله: (( حتى تسورت الجدار)) : أى علوت سوره وهو أعلاه .
وقوله: (( فتيممت بها التنور فسجرتها)): أى قصدت التنور ، يقال : قصدت الشىء
(١، ٢) ك المغازى، ب حديث كعب بن مالك، غزوة تبوك ٦ / ٣.

٢٧٨
كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ
فَسَكَتَ . فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ. فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . فَفَاضَتْ
عَيْنَىَ، وَتَوَلَّيْتُ، حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارِ .
وعمدته واعتمدته بمعنى واحد، ومعنى ((سجرتها)) : أحرقتها . قال مجاهد فى قوله
تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾(١) معناه: الموقد .
قال القاضى : بقى فى الحديث من الغريب والمعانى والفقه مما يحتاج إلى تفسيرها ما
لم يذكره .
قوله: (( فجلا للمسلمين أمرهم)»: أى كشفه ، وبينه .
وقوله: (( ليتأهبوا أهبة غزوتهم)) بضم الهمزة أى ما يحتاجون إليه ويستعدون
كذلك.
وقوله: (( وأخبرهم بوجههم الذى يريد)»: أى بمقصدهم ، ورواه بعضهم .
(بوجهتهم التى يريد)) أى : بنحوهم ومقصدهم .
وقوله: (( تفارط الغزو)) قيل معناه : تأخر وقته وفات من أراده . أصل الفرط
السبق، كأنه سبق الغزاة فلم يلحقهم غيرهم ممن تأخر عنهم .
وقوله: ((طفقت أعد)): وقيل معناه : جعلت . وقيل : مثل : ما زلت ، ولا
يقال فيه: ما طفق، إنما يقال فى الإيجاب. ومعنى ((يؤنبوننى)): أى يوبخوننى
ويلوموننى .
وقوله: (( رأى رجلا مبيضا يزول به السراب)): أى يتحرك وينهض ، ويروى :
(يزول فى التراب))، وكل متحرك زائل والسراب : الذى يظهر فى الهواجر فى القفار كأنه
ماء .
وقوله: ((كن أبا خيثمة)) أى أنت، أو هو أبو خيثمة، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ﴾ (٢) أى أنتم [ خير أمة ] (٣) قال ثعلب : العرب تقول : كن زيداً، أى أنت زيد ،
وأبو خيثمة هذا اسمه : عبد الله بن خيثمة . وقيل : مالك بن قيس ، والأشبه عندى هنا
أن [تكون](٤) ((كن)) بمعنى التحقيق والوجود ، أى لتوجد تحقيقا أبا خيثمة. وقوله :
((حتى لمزه المنافقون)): أى عابوه ووقعوا فيه. قال / الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ ثُمَزَةٍ﴾(٥).
قيل : هما بمعنى ، وقيل : اللمز فى الوجه ، والهمز فى الظهر . وقيل : كلاهما فى
الظهر كالغيبة . وقيل : اللمز بغير التصريح والإشارة كالشفتين والرأس ونحوه ..
٩/٨٨
وقوله: ((قد أظل قادما)) بظاء معجمة ، أى أشرف ودنا وغشى . وأصله من الظل،
(١) الطور: ٦ .
(٣) سقط من ز ، والمثبت من ح .
(٢) آل عمران : ١١٠ .
(٥) الهمزة : ١ .
(٤) ساقطة من ح .

٢٧٩
كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ
فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى فِى سُوقِ الْمَدِينَةِ ، إِذَا نَبِطِىٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ - مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ
يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ - يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَّى كَعَبِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِرُونَ لَهُ إِلَىَّ،
كأنه ألبسه ظله لدنوه منه .
وقوله: ((راح عنى الباطل)): أى ذهب [ ذنوبه](١). ((فأجمعت صدقه)) أى
عزمت عليه ، يقال : أجمع الرجل مكره وجمع عليه وعزم عليه بمعنى ، قاله سيبويه .
وقال أبو الهيثم : أجمع أمره : جعله جميعا بعد أن كان متفرقا .
وقوله: ((ولقد أوتيت جدلاً)). قيل : الجدل : مقابلة الحجة بالحجة . وقيل: جدل
الفرد فى الخصام . وكانت العرب تتفاخر بذلك أنه من فصاحة اللسان وقوة العارضة ،
وحضور النفس ، وحدة الذهن ، قال الله تعالى فى قريش: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٢)،
قال: ﴿ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ (٣).
وقوله: ((ليوشكن الله أن يسخطك على)) بكسر الشين، ولا يقال بفتحها. قال أبو على:
هو كما قالوا حتى أن يفعل . وقال الخليل (٤): معناه : أسرع.
وقوله: ((أرجو عقبى الله)): أى ثوابه. والعقبى : ما يكون بعد الشىء وعلى أثره،
وما يكون كالعوض منه ، ومنه العقاب على الذنب ؛ لأنه بدل من فعله ومكافأة عليه .
وقوله : ((ونهى رسول الله عَّه عن كلامنا أيها الثلاثة)) بالرفع ، وموضعه النصب
على الاختصاص . قال سيبويه عن العرب : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة ، وهذا مثله .
وقوله: ((فأما صاحبى [فاستكانا)) أى خضعا. وقوله: ((وتسورت جدار حائط أبى](٥)
قتادة)): فيه جواز مثل هذا والدخول بغير إذن على من يدل عليه، ويعرف أنه لا عورة له هناك.
وقوله: ((إنه سلم عليه فلم يرد عليه)) بعموم نهى النبى عَّه عن كلامهم .
وقوله: ((أنشدك بالله)) أى أسألك بالله ، وأصله من رفع الصوت بذلك .
وقول أبى قتادة: ((والله ورسوله أعلم)) لعله لم يقصد بذلك سماعه فيكون مكلما
له، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله، وقد أمر النبى عليه فى ذلك بما أمر . قال ذلك
أبو قتادة مظهراً [ لما](٦) اعتقد لا لسمعه. ولو أن رجلاً حلف لا يكلم رجلاً فسأله عن
شىء فقال له : الله أعلم يريد لسمعه ذلك لكان مكلما له .
(١) ساقطة من ح .
(٢) الزخرف : ٥٨ .
(٣) مريم : ٩٧ .
(٤) هو عباس بن محمد كاتب المقتدر ، كان كاتباً جليلاً وكان يطمع فى الوزارة ، فلما تولى الوزارة على بن
عيسى ، اعتقل أبا الهيثم إلى حين وفاته ، فأوصى أن يصلى عليه أبو عيسى البلخى ، سنة اثنين وثلاثمائة
٣٠٢ هـ . انظر النجوم الزاهرة، ٣ / ١٨٥، الأعلام ٣ / ٢٦٥.
(٥) سقط من ز ، والمثبت من ح .
(٦) ساقطة من ح .

٢٨٠
كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب ... إلخ
-
حَتَى جَاءَتِى فَدَفَعَ إِلَىَّ كِتَابًا مِنْ مَلِك غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتَبَا، فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فيه : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ
قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ ، وَلَمْ يَجْعَلَكَ اللهُ بِدَارِ هَوَنٍ وَلاَ مَضَيَّعَةٍ ، فَالْحَقْ بَنَا
نَواسكَ . قَالَ: فَقُلْتُ - حينَ قَرَأَتُهَا -: وَهَذه أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ، فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَُّورَ
فَسَجَرْتُهَا بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَّمْسِينَ ، وَاسْتَلَبَثَ الْوَحْى، إذَا رَسُولُ
رَسُول اللـه ◌َّةٍ يَأَتينى. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَك. قَالَ: فَقُلتُ:
أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعُلَ؟ قَالَ : لاَ ، بَلِ اعْتَزِلْهَا. فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا. قَالَ فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَىَّ بِمِثْلِ
ذَلكَ . قَالَ : فَقُلتُ لامْرَأَتِى: الْحَقِى بِأَهْلِكِ فَكُونِى عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللهُ فِى هَذَاَ
الأَمرِ. قَالَ: فَجَاءَتِ امََّةُ هِلاَلِ بْنِ أَمَّةً رَسُولَ اللهِ ◌َ. فَقَالتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
وقوله فى الصلاة: ((وأسارقه النظر)): دليل أنّ خفيف الالتفات والنظر فى الصلاة
غير مفسد لها .
٨٨/ ب
وقوله: ((فأقول : هل رد علىَّ السلام أم لا؟)) يحتمل لرده عليه / سراً ، وأن هذا
[ يخرجه ](١) من الحرج فى ترك رده ، أو يكون ترك الرد على هؤلاء جملة خصوصاً .
ونبط أهل الشام ونبيطها وأنباطها : نصاراها الذين عمروها .
وقوله: (( ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة )) بكسر الضاد وسكونها أيضا ، أى
حال إيضاع، أى حيث يضاع حقك ولا يهتبل بك. وقوله: ((فتيممت بها التنور فسجرتها)):
أى قصدته فأحرقتها. وأصله: تأممت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًّا﴾(٢).
وأنث الكتاب هنا على معنى الصحيفة . وفيه جواز حرق ما فيه اسم الله تعالى لعلة توجب
ذلك. وقد أحرق عثمان والصحابة المصاحف بعد أن غسلوا منها ما قدروا عليه .
وقوله: (( واستلبث الوحى)): أى أبطأ ، وبقى لم ينزل لكل المدة .
وقوله: ((وكنت أشد القوم وأجلدهم)»: أى أصغرهم سنا وأقواهم . والجلد :
القوة والشدة بالفتح ، ورجل جلد - بالسكون - وجليد : بين الجلادة والجلد .
وقوله: ((الحقى بأهلك وكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر)»: دليل على
أنه ليس من ألفاظ الطلاق ولا كناياته الصريحة ، وإنما هو من الكنايات التى لا يلزم بها
الطلاق إلا مع نية ، لاسيما مع بيان قوله: (( حتى يقضى الله فى هذا الأمر)) ومع قوله :
فقلت: أطلقها؟ قال: (( لا)).
وفى قول امرأة هلال: ((هل تكره أن أخدمه)) دليل على الترغيب فى خدمة المرأة
(٢) المائدة : ٦ .
(١) فى ح : يخرج .