النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب البر والصلة / باب المرء مع من أحب جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللـه عَّهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّه، كَيْفَ تَرَى فِى رَجُل أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقُ بِهم؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَّهُ: ((الَرَءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)) . ( ... ) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُثَنَى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَّبِى عَدى. ح وحَدَّثَنِيه بِشْرُ بنُ خَالد ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَر - كلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُّمَيّر، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٌ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَِّّ ◌َّهُ، بِمِثْلِهِ . (٢٦٤١) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبَو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْد، عَنِ الأَعمشِ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَّ: أَنَى النَّبِ عَِّ رَجُلٌ . فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنِ الأَعَمشِ. أعمال الطاعات، وهو عمل من أعمال القلب ، ومحبة الله تعالى من أفضل مقامات الأولياء وأعلى درجات الأصفياء . ١٢٢ كتاب البر والصلة / باب إذا أثنى على الصالح ... إلخ (٥١) باب إذا أثنى على الصالح فهى بشرى ولا تضره ١٦٦ - (٢٦٤٢) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَمَّيمىُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ ابْنُ حُسَيْن - وَاللَّفْظُ لَيَحْنَى - قَالَ يَحْتَى: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الآخرَان: حَدَّثَنَا - حُمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الجَونِىِّ ، عنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِت، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قِيلَ لَرَسُول الله عَّهِ: أَرَأَيَتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ العَمَلَ مِنَ الخَيرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ : ((تَلَكَ عَاجلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ)) . ( ... ) حدثنا أَبُو بَكر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وإِسحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعِ حِ وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر.ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُّ المُثَنَى، حَدَّثَنِىَ عَبَّدُ الصَّمَدِ. ح وَحَدَّثَنَا إسحّقُ، أَخْبَنَا النَّضرُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَّبِى عِمْرَانَ الْجَوْنَىِّ، بِإِسْنَادِ حَمَّادِ بْنِ زَيِّدِ، بِمِثْلٍ حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّ فى حَديثهم عَنْ شُعْبَةَ، غَيَّرَ عَبَّدَ الصَّمَدِ : وَيَحَبِّهِ النَّاسُ عَلَيْهِ . وَفِى حَدِيثِ عَبْدَ الصَّمَد : وَيَحْمَدُّهُ النَّاسُ . كَمَا قَالَ حَمَّادٌ . ١ وقوله للرجل يعمل الخير ويحمده الناس: (( تلك عاجل بشرى المؤمن» : أى عنوان الخير له ، ودليل على رضا الله عنه وحبه له ، بدليل الحديث المتقدم: ((ثم يوضع له القبول فى الأرض )) وهذا كله إذا كان حمد الناس له عليه من غير طلبه ذلك ويعرضه له، فإن هذا أصل الرياء وأعظم الآفات لإفساد الأعمال وهلاك العاملين لها وتزيين الشرك. وقوله: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) أى : البشرى المعجلة ، ونبه على الموحدة فى الآخرة بقوله: ﴿ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ ﴾ (١) . وقوله: ((فلقيت رجلاً عند سدة المسجد (٢) فقال: يا رسول الله))، قال الإمام: قال الهروى فى حديث المغيرة بن شعبة أنه قال : لا يصلى فى سدة المسجد الجامع ، يعنى الظلال . ومنه سُمى إسماعيل السدى ؛ لأنه كان يتبع فى سدة الجامع . وفى الحديث: أن أم سلمة قالت لعائشة - رضى الله عنها - إنك سدة بين رسول الله عَّه وأمته ، أى باب، فمتى أحبت ذلك الباب بشىء فقد دخل على رسول الله عَّه فى حريمه، ومنه الحديث : فى الذين يردون الحوض الذين لا يفتح لهم السد(٣). والحديث يقول: ((لا يفتح لهم الأبواب)). (١) الحديد : ١٢ . (٢) سبق فى ب المرء مع من أحب برقم (١٦٤). (٣) سبق فى ك الفضائل، ب إثبات حوض نبينا عَّه برقم (٤٠). ١٢٣ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ بسم الله الرحمن الرحيم کتاب القدر (١) باب كيفية الخلق الآدمى ، فى بطن أمه و کتابة رزقه وأجله وعمله ، وشقاوته وسعادته ١ - (٢٦٤٣) حدثنا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ الهَمْدَانِىُّ - واللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنَّ زَيْدِ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَبْد اللـه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ عَه ـ وَهُوَ الصَّادِقُ الَصْدُوق: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِى بَطْنٍ أُمَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ فِى ذَلِكَ عَلَقةٌ مثلٍ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ فِى ذَلِكَ مُضْغَةً مِثلِ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بَأَرَبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبَ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَِّهِ، وَشَفِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ. فَوَالَّذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَّلُ بِعَمَلِ أَهَلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَينَهُ وَبَيْنَهَا إِلَاذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدِكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُّ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدَخُلُهَا)) . كتاب القدر قال القاضى: وقوله فى حديث ابن مسعود: (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم ذكر أنه علقة مثل ذلك ومضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح بأربع كلمات يكتب (١) رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ))، وفى حديث ابن مسعود فى الرواية الأخرى فقال: ((إذا مر بالنطفة ثلاث وأربعون - ويروى: ثنتان وأربعون - بعث الله لها ملكا فيصورها)) إلى قوله: ((يا رب، أذكر أم أنثى؟)) الحديث، وقال فى حديث حذيفة بن أسيد: (( يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين، فيقول: يا رب، أشقى أم سعيد؟))، وفى الرواية الأخرى: ((أن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى))، وفى روايته الأخرى: ((لبضع وأربعين))، وفى حديث أنس: ((إن الله قد وكل بالرحم ملكاً فيقول : أى رب نطفة ، أى رب علقة ، أى رب مضغة، فإذا أراد أن يقضى خلقا قال: أى رب ، ذكرا أو أنثى ؟ شقى أو سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل؟)): اختلفت ألفاظ هذا الحديث فى مواضع ، ولم يختلف أننفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوماً ، وذلك تمام (١) فى الأبى : بكتب . كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ ١٢٤ ( ... ) حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْد الحميد. ح وَحَدَّثَنَا إِسحقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وحَدَّثَنِىَ أَبُو سَعِيدٌ الأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا وَكَيْعٌ . ح وَحَدَّثَنَاهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ بَنُ الحَجَّاجِ، كُلُّهُمْ عَن الأَعْمَشِ، بِهَذا الإسْنَاد. قَالَ فى حَديثِ وكيع : ((إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)). وَقَالَ فِى حَدِيثِ مُعاذ عَنْ شُعْبَةَ: «أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَرْبَعِينَ يَومًا)). وأَمَّا فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَعِيسى: « أربَعِينَ يَوْمًا)) . ٢ - (٢٦٤٤) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْنُ نُمَيْرِ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب - وَاللَّفْظُ لابْن نُمَيْر - قَالا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُّنَةَ عَنْ عَمْرِوَ بنِ دِينَارَ، عَنْ أَبِى الطُّفَيَّلِ، عَنْ حُذَيَّفَةَ بْنِ أَسيد - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِى ◌َ - قَالَ: (( يَدْخُلُ المَلَكُ عَلَّى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِر فِى الرَّحِمِ بَأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةٍ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَشَقَىُّ أَوْ سَعيد؟ فَيُكْتَبَانِ . فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَوْ أَثْثَى؟ فَيَكْتَبَانِ . وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فلا يُزَادُ فِيها وَلَا يُنْقَصُ )) . ٣ - (٢٦٤٥) حدثنى أَبُو الطَّاهرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أخبرنى عَمْرُو بنُ الحارث، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ المَكِّى؛ أَنَّ عَامِرَ بْنِ وَاثِلَةً حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بْن مَسعود يَقُولُ: الشَّقْىُّ من شَقِىَ فِى بَطْنِ أُمِّه، والسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيرِهِ . فَأَتَّى رَجَّلاً مِنْ أَصْحَّابِ رَسُولِ اللهِ عَّهُ يُقَالُ لَهَ: حُذَيَقَةُ بَنُ أسيد الغفارىُّ، فَحَدََّهُ بِذَلِكَ مِنْ قَولِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَكَيْفََ يَشْقِى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَل؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعَجَبُ مَنْ ذَلِكَ؟ فَإِّى سَمِّعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ يَقُولُ: ((إذا مَرَّ بالنطْفَةِ ثْتَان وَأَرَبَعُونَ لَيْلَةٌ، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فصَّورَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجَلدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا. ثُمَّ قَالَ : ٥٨/ ب أربعة / أشهر ودخوله فى الخامس ، وهذا قد جرب بالمشاهدة ، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام فى الاستلحاق عند التنازع وفى وجوب النفقات على حمل المطلقات ، وذلك لتيقنه بحركة الجنين فى الجوف . وقد قيل : إن الحكمة فى عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر ، وهو الدخول فى الخامس ليتحقق براءة الرحم ببلوغها هذه المدة وزيادة من زاد فى مجىء الملك أنها بعد زيادة على الأربعين مشعرة أنه لا يأتيها الملك لرأس أربعين ، إذ بعدها - كما قال - ثلاث أو خمس أو بضع على اختلاف الروايات ، ولم يأت فى غيرها من الأحاديث النص على رأس ١٢٥ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِى رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يا رَبِّ، أجَلُهُ. فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ المَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَارَبِّ ، رِزْقُهُ . فَيَقْضِى رَبُّكَ مَا شَاءَ ، وَيَكْتُبُ الَكُ، ثمَّ يَخْرُجُ الَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِى ◌َدِهِ، فلا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلا يَنْقُصُ )) . ( .. ) حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوفَلِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَير؛ أَنَّ أَبَا الطُّفَيَلِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْن مسعودٍ يَقُولُ. وَساقَّ الحديثَ بِمِثْلِ حَدِيث عَمْرو بْنِ الحَارِثِ . ٤ - ( ... ) حدثنى مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَف، حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ أَبِى بُكَيْر، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْئَمَةَ، حَدَّثَنِى عَبْدِ اللهِ بْنُ عَطَاء ؛ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالد حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا الطُّفَيَلِ حَدَّثَهُ قَالَ: دخَلْتُ عَلَى أَبى سريحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسَيدِ الغِفَارِىِّ ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ بِأُذُنِى هَاتَيْن، يَقُولُ: ((إِنَّالنُّطْفَةَ تَقَعُ فِى الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ يَتَصَّوَرُ عَلَيْهَا المَلَكُ)). قَالَ زُهَيرٌ: حسبْتُهُ قَالَ: الَّذِى يَخْلُقُها ((فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ؟ فَيَجْعَلُهُ اللهُ ذَكَراً أوْ أُنْنِى، ثُمَّ يَقُولُ: يَارَبٌّ، أسَوِىٌ أَوْ غَيْرُ سَوِىِّ؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ سَوِيّا أَوْ غَيْرُ سَوِىٍ . ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ، ما رِزْقُهُ؟ ما أَجَلُهُ؟ ما خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللهُ شَقَّا أَوْ سَعيداً)) . أربعين . وذكره أن لكل حالة وانتقال مدة أربعين يوما ، وأنه إنما ينتقل إلى العلقة بعد الأربعين، أصل فى أنه لا يعول فى السقط إلا إذا كان علقة ، وحينئذ يحكم لأمه بأنها أم ولد ، وبه تبرأ العدد ، ولا يحكم لذلك بالدم المجتمع ، وهو قول ابن القاسم ؛ لأنه لا يتميز أنه سقط إلا بتخلقه إلى العلقة ، وأشهب يرى أن كل ما شهد النساء أنه سقط من دم أو علقة أو غيره حكم له بأنه سقط ، وهذا لا يعلمه النساء إلا بعد تخلقه إلى العلقة . وفيه رد على أهل التشريح والطب والطبائعيين ، ومَنْ يقول بقولهم ؛ من أن الولد إنما يكون من دم الحيض ، فإنه [ لا حض ] (١) للمنى فيه إلا عقده كما تعقد الأنفحة اللبن، وكتاب الله والأحاديث الصحاح ترده . وقوله هنا : (( ثم إن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة ، ثم يتسور عليها الملك فيقول: يا رب، أذكر أو أنثى؟)) ومعنى ((يتسور عليها)) : أى ينزل ، مستعارة من تسورت الدار: إذا نزلت فيها من أعلاها ، ولا يكون التسور إلا من فوق . (١) هكذا فى ز ، وسياق الكلام : لا حظ . كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ ١٢٦ ( ... ) حدثنا عبد الوارث بْنُ عَبْد الصَّمَد، حَدَّثَنِى أَبى، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلُومِ ، حَدَّثَنِى أَبِى كُلُثُومٌ، عَنْ أَبِى الطُّفَيَلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسيد الغفارىِّ - صَاحِب رسُول الله ◌َّهِ - رَفَعَ الَحَدِيث إلى رَسُولِ اللهِ عَّه: ((أنَّ مَلَكًا مُوَكَّلاً بالرَّحِم، إِذا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقْ شَيْئًا بإذنِ اللهِ، لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةَ)) ثمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثَهمْ . ٥ - (٢٦٤٦) حدثنى أَبُو كامل فُضَيّلُ بْنُ حُسَين الجَحدَرِىُّ، حَدَّثْنَا حَمَّادُ بنُ زَيد، حَدَّثْنَا عُبيد الله بنُ أبى بكرٍ، عن أَنْسِّ بِنْ مَالِكِ - وَرَفَّعَ الحديثَ، أَنَّهُ قَالَ: ((إنَّ اللهَ عُزَّ وجلَّ قَدْ وَكَّلَ بالرَّحمِ مَلَكًا. فَيَقُولُ: أى رَبِّ، نُطْفَةٌ. أى رَبِّ، عَلَقَةٌ. أى ربِّ، مُضْغَةٌ. فَإِذا أَرَادَ اللهُ أنْ يَقْضِى خَلْقًا قالَ: قَالَ الَلَكُ: أى ربِّ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِىٌ أَوْ سَعِيدٌ؟ فما الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِى بَطْنِ أُمِّهِ )) . وقوله: ((أى رب، نطفة. أى رب، مضغة. أى رب، علقة))، وجاء فى بعض الحديث عن ابن مسعود تفسير (( يجمع فى بطن أمه)) : أن النطفة إذا وقعت فى الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشراً طارت فى بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين ليلة ، ثم تصير دما فى الرحم ، فذلك جمعها ، وهذا هو وقت كونها علقة ، وكذلك قوله فى الحديث الآخر: ((فإذا غلب ماء الرجل ماء المرأة)) (١) ، وكفى بهذا قوله تعالى: ﴿هَوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَة﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٍ﴾(٣). وإنما يبقى فى هذا الحديث من الإشكال أنه ذكر فى حديث ابن مسعود أن سؤال الملك بعد المضغة ونفخ الروح فيه على ما تقدم . ١/٥٩ وقوله: ((ويؤمر حينئذ بأربع كلمات / رزقه وأجله )) ، وذكر فى حديث حذيفة إتيان الملك إليها بعد ما يستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ، فيقول: ((يا رب ، أشقى أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟))، وكذلك فى الرواية الأخرى عن ابن مسعود: ((إذا مرّ بالنطفة [ثلاث وأربعين] (٤) بعث الله ملكا يصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب ، أذكر أم أنثى ؟ )) ثم ذكر أجله ورزقه ، وفى حديث أنس: ((إن الله وكل بالرحم ملكا ، فيقول : أى رب، نطفة . أى رب علقة. أى رب، مضغة ، فإذا أراد الله أن يقضى خلقا قال الملك : أى رب ، ذكر أو أنثى ؟ شقى أو ---. (١) سبق فى ك الطهارة برقم (٣٠). (٣) المؤمنون : ١٤ . (٢) غافر : ٦٧ . (٤) فى ح : اثنين وأربعين . ١٢٧ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ سعيد)) . يظهر من مجموع هذه الأحاديث أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة ، وإعلام الله تعالى بانتقال حالاتها وهو أعلم ، وأن لتصرف الملك فى أمرها أوقاتا ؛ أحدها عند تحركها من النطفة إلى العلقة وهو أول انتقال أحوالها إلى حال الحمل ، وعلم الملك بأنه ولد ؛ إذ ليس كل نطفة تكون ولداً ؛ ولهذا رأى أهل العلم أنه ليس لها فى الأربعين حكم السقط . ورأى بعضهم أنها ليس لها حرمة ولا لها حكم المراد فى الأربعين . خالفه غيره فى هذا ، ولم ير إباحة إفساد المنى ولا سبب إخراجه بعد حصوله فى الرحم بوجه قرب أو بعد ، بخلاف العزل قبل حصوله فيه ، وهو وقت سؤال الملك ربه حينئذ عن صفة خلقه ورزقه وأجله وشقاوته وسعادته ، وذلك قبل تصويره وتخلقه، ألا تراه كيف قال: (( أذكر أو أنثى؟)) فيكتبان وتطوى الصحف، وفى الرواية الأخرى: ((فيقضى ربك ما شاء ويكتبه )) ، وليس فى حديث ابن مسعود ما يخالفه لذكر ذلك بعد نفخ الروح فيه ؛ لأنه قال: ((ويؤمر))، والواو لا تعطى رتبة، فإنما أخبر - والله أعلم - عن حال تقدمت ثم يصرف (١) الملك فيه وقت آخر، [وذلك ] (٢) عند التصوير وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه ، وكونه ذكراً أو أنثى ، وذلك إنما يكون بعد كونه مضغة فى الأربعين الثالثة قبل تمام خلقها (٣) ونفخ الروح فيه ، إذ لا ينفخ فى الروح إلا بعد تمام صورته ، لكنه فى حديث ابن مسعود من رواية عمرو بن الحارث (٤) فى قوله: ((إذا مر بالنطفة [ ثلاث وأربعين](٥) بعث الله إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظمها ولحمها ثم قال : يا رب أذكر أو أنثى ؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب ، ثم يقول : يا رب، أجله )) وذكر رزقه ، فحمل هذا على ظاهره لا يصح ؛ لأنه قد ذكر أن ذلك ما يقضى الله فيه ما شاء ويكتب ، فدل أنه / يوجد بعد ، وإنما هو كتاب كما قال : ((ثم خرج الملك بالصحيفة فى يده)) ؛ ولأن التصوير بأثر النطفة وأول العلقة وفى الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود ، وإنما التصوير فى الأربعين الثالثة فى مدة المضغة ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنِ سُلَالَةٍ مِّنِ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (٦). ٥٩/ب فهذا تفسير ما جاء فى الحديث على اختلاف ألفاظه، ويكون معنى ((نطفة)) فى هذا الكتاب : تصورها ((وخلق سمعها وبصرها)) : أى كتب ذلك وما قضى الله منه ، بدليل قوله بعد: ((أذكر أم أنثى؟))، وفى الحديث الآخر: ((سوى أو غير سوى؟)). (١) فى ح : تصرف . (٣) فى ح : أجلها . (٥) فى ح : اثنتان وأربعين ، وهو الصواب. (٢) فى هامش ح . (٤) فى ح : الحرث ، وفى الرسالة : الحريث . (٦) المؤمنون : ١٢ - ١٤. ١٢٨ - كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ وقوله فى الحديث : (( فيقضى ربك ما شاء)) : فيرجع الكلام كله إلى هذا ؛ ولأن خلقه جميع الأعضاء والذكورية والأنوثة على حد سواء ووقت متفق ، وهذا يشاهد فيما يوجد من أجنة الحيوان مشاهدة ، وهو الذى يقتضى الخلقة واستواء الصورة ، ثم يكون للملك فيه تصرف آخر وهو وقت نفخ الروح فيه ، وما ذكره فى الحديث من إرسال الملك له فمراده - والله أعلم بمراده ـ يوجهه (١) للتصرف فى هذه الأحوال وامتثال هذه الأفعال ، وإلا فقد ذكر فى حديث أنس أنه موكل بالرحم وأنه يقول : (( يا رب نطفة ، أى رب علقة، أى رب مضغة)) وهو ظاهر حديث ابن مسعود . وقوله فى حديث آخر (٢): (( فإذا أراد الله أن يقضى خلقا قال: يا رب ، أذكر أم أنثى ؟ شقى أم سعيد ؟)) ليس يخالف ما تقدم ، ولا يدل أنه يقول ذلك بعد المضغة ، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى ، أخبر أولاً . بحال الملك مع النطفة ، ثم أخبر أن الله - تعالى - إذا أراد إظهار خلق النطفة علقة وإبقاء أثرها لقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ (٣) ، وذلك يرجع عند تخليق النطفة علقة كما تقدم. ومثل هذا جميع ما ورد فى الرزق والأجل من قوله: ((فيقضى ربك ما شاء من ذلك ويكتب )) أى يظهر ذلك للملك ويأمره بإنفاذه وكتابته وإلا فقضاؤه سابق ، وعلمه بما يكون من ذلك وإرادته فيه متقدمة أزلية لا أول لها، وعلى هذا تتفق الأحاديث وتطابق الآية ، ولا يكون بينهما تخالف ولا تعارض ، ولا يجد الملحد للكلام فى ذلك سبيلا. ١/٦ / وقوله: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها )) الحديث : هذا راجع إلى [ أن الأمر بالخواتيم، فإذا كل أحد يتوفى على ما سبق له فى أم الكتاب ، وذهب بعضه إلى أن ] (٤) المراد به الحيف فى الوصية وهذا يبعد عن سياق هذا الحديث ولا يدل عليه ، وإنما يدل على سوء الخاتمة ، بدليل قوله بعده فى حديث أبى هريرة: « إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له بعمل أهل النار))، وفى البخارى: (( وإنما الأعمال بالخواتيم )) (٥) . وفى هذا أن الثواب والعقاب راجع إلى أمر الخاتمة ، وأن التوبة تكفر الذنوب ، وأن من مات على شىء حكم عليه به من خير أو شر إلا ما عفا الله عنه من السيئات ، وسمح فيه لأهل الإيمان من التبعات . وقوله : (( ما بينه وبينها إلا ذراع)) على طريق التمثيل للقرب من موته ودخولها بأثره مثل من وصل إلى شىء بينه وبين هذا القدر ثم منع منه . (١) فى ح : توجيهه . (٣) طه : ٧٢ . (٢) فى ح : أنس . (٤) فى هامش ح . (٥) البخارى ، ك القدر، ب العمل بالخواتيم ١٥٥/٨. ١٢٩ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ ٦ - (٢٦٤٧) حَدَّثْنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِزُّهَيْرِ - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُور، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيَدَّةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحَمَنِ، عَنْ عَلِىِّ، قَالَ : كُنَّا فِى جَنَّزَةَ فِى بَقِيِعِ الغَرَقَدِ ، فأتانا رَسُولُ اللهِ عَّهُ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ ، وَمَعَهُ مُخْصَرَةٌ ، فَنَكَّس فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتَهِ . ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدِ ، مَا مِنْ نَفْسِ مَنَّفُوسَة، إلا وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَكَانَها مِنَ الجَنَّةَ وَالنَّارِ، وَإَلا وَقَدْ كُتُبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً)). قَالَ: فَقَالٌ رَجُلٌ : يَارَسُولَ الله ، أَفلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا ، ونَدَعُ العَمَلَ؟ فَقَالَ: « مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ السَّعَادَةَ، فَسَيَصِيرُ إِلى عَمَل أَهْلِ السَّعَادة. وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوَةِ ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ)) فَقَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، أَمَّا أَهَلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَّلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ)). ثُمَّ قَرَا: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَ وَاتَّقَىَ. وَصَدَّقَ بِالْحُسْتَى. فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنْيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١). وقوله فى حديث على: كنا فى جنازة فى بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله عَ ه ومعه مَخصرة - وفى الرواية الأخرى: وبيده عود - فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: (( ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة ، إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار ، وقد كتبت شقية أو سعيدة)). فقال رجل: ألا نمكث على كتابنا وندع العمل)) وفى الرواية الأخرى: أفلا نتكل ؟ فقال: ((من كان من أهل السعادة فيصير إلى عمل أهل السعادة )) الحديث ، وفيه: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)). قال الإمام: قول الرجل للنبى عَّه لما سمع منه: إن الله سبحانه قد كتب السعادة والشقاوة على ما وقع فى هذا الحديث: ((أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟)) يلاحظ تشنيع المعتزلة علينا بقولهم : إذا قلتم : إن الله - سبحانه - خلق معصية العاصى فلم يعذبه على ما خلقه فيه وقدره عليه ؟ وما فائدة التخليق (٢) ، وكيف يطلب الإنسان بفعل غيره ؟ وأى فائدة فى العمل وقد وقع فى نفس هذا الرجل شبهة من فائدة العمل، وأراد أن يؤكد ما عنده بقول النبى عمّ فأجابه عَّه هذا الجواب ، ودفع اعتراضه ولم يقل له : إنه صحيح ، بل أخبره أن الله - جلت قدرته - يسر أهل السعادة بعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة بعمل أهل الشقاوة، وتلا عَّه القرآن مُصدقًا لما قال ، وأخبر أن الله - سبحانه وتعالى - إذا أنفذ قدره بشقاوة عبد يسَّر له عمل / أهل الشقاوة وهيأه له وسهله عليه ، وأتاح له أسبابه التى تعينه وتبعثه على اكتساب المعاصى، والإنسان عندنا مكتسب لفعله لا مجبور عليه . (١) الليل : ٥ - ١٠ . (٢) هكذا فى الأصل ، وفى ح والرسالة : التكليف . ٦٠/ ب كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ ١٣٠ ( ... ) حَدَثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالا: حَدَّثَنَا أُبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُور ، بهذا الإِسْنَادِ فى مَعْنَاهُ. وَقَالَ : فَأَخَذَ عُوداً. وَلَمْ يَقُلْ : مِخْصَرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِى شَّةٍ فِى حَدِيثِهِ عَنْ أَبِى الأخْوَصِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهٍِّ. ٧ - ( .. ) حَدثنا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأُبُو سَعيد الأَشَجُّ، قَالُوا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ . ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نَيَّرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُْ. ح وَحَدَّثَنَا أُبو كرَيْب ◌ِ- وَاَللَّفْظِ لَهُ - حَدَّثَنَا أُبُو مُعَاوِيَةً، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ، عَنْ عَلِىٌّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالسًا وَفِى يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : (( مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسِ إِلا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الجَنَّةَ وَالنَّارِ )) . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلا ◌َتَّكُلُ؟ قَالَ: ((لا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلقٍ لَهُ)). ثُمَّ قَرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ . ( ... ) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُور والأعْمَشِ ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدَّثُهُ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُلَمِىِّ، عَنْ عَلِىٌّ، عَنِ النَِّّ ◌َّهُ، بِنَحْوِهِ. وتحقيق القول فى الكسب يتسع ، وموضعه كتب الأصول (١) . ولا يبعد فى العقل أن يجعل الله - سبحانه وتعالى - هذه الأعمال أمارة عليه استحقاق الجنة والنار ، ويسهل لكل عبد ما قضى له أو عليه من ذلك والغرض هاهنا الإشارة إلى ما قلناه من أن الأسلوب الذى يقدح به المعتزلة قد وقع ما يلاحظه من هذا السائل (٢) ولم يصححه عَّة، [ بل أجاب عنه بما ذكر، ولعل السائل له عَّه أراد ] (٣) أن يعلم حقيقة الانفعال ، أو تأكيد (٤) ما وقع فى نفسه منه على ما قلناه ، ولم يقصد الاعتراض على قول النبى معَّه بالرد والتشكك فيه ، كما يقصد المعتزلة باعتراضهم (٥) القدح فى الحق الذى بيناه . (١) انظر : العقيدة الطحاوية ، والألقاب للبيهقى ، والمجلد الثامن من فتاوى ابن تيمية . (٢) هكذا فى الأصل ، وفى ح : الإنسان . (٣) سقط من ح . (٤) قبلها فى ح : أن . (٥) فى ح : باعتراضها . ١٣١ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ -٨ - (٢٦٤٨) حَدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزَّبَيْرِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابٍ، قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالك ابْنِ جُعْثُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَيِّنْ لَنَ دِينَا كَأَنَّا خُلُقْنَا الآنَ، فِيمَا العَمَلُ اليَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ وَجَرَت بِهِ الَمَقَادِيرُ ؟ أَّ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: ((لا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَثَلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِرُ)). قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُوَ الزُّبَيْرِ بشىء لَمْ أَفْهَمْهُ. فَسَأَلْتُ : مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ )) . ( ... ) حدّثَنِى أَبُو الطَّاهر، أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَى عَمْرو بْنُ الَحَارِثِ ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِى تَُّ، بِهَذَا الَعْنَى. وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ُِّ: ((كُلُّ عَامِلِ مُسٌَّ لِعَمَلِهِ)). وكذلك قول الرجلين من مزينة بعد هذا : يا رسول الله ، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه ، أشىء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر سابق ، أو فيما يستقبلون به مما آتاهم [ به ] (١) نبيهم - عليه السلام - وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: (( بل شىء قضى عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٢))) هذا مطابق لقول الأشعرية وأهل السنة ، فى أن كل شىء بقضاء الله وقدره، وأن المعاصى قضاها الله وقدرها، ألا ترى قول السائل: أرأيت ما يعمله الناس [اليوم] (٣) ويكدحون فيه ولم يفرق بين خير وشر ، ولا طاعة ولا معصية؛ ولذلك جوابه - عليه السلام - لم يفرق فيه، بل قال: كل شىء قُضى عليهم ومضى فيهم ، وتلا كتاب الله تعالى مصدقا لما قال، ومسويا بين الفجور والتقوى بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فأخبر - سبحانه وتعالى - عن النفس وما فعل فيها . وكذلك قوله - عليه السلام - [ فى كتاب مسلم بعد هذا: (( كل شىء بقدر حتى العجز والكيس)) (٤) مطابق - أيضا - لقول الأشعرية فى هذا . وكذلك قوله : جاء قوم مشركون يخاصمون النبى عَّه ] (٥) فى القدر (٦) فنزل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٧) . هكذا الأحاديث كلها مطابقة لقول أهل الحق . (١) من ح . (٣) فى هامش ح . (٥) فى هامش ح . (٧) القمر : ٤٨، ٤٩ . (٢) الشمس : ٧، ٨ . (٤) سيأتى فى ب كل شىء بقدر برقم (١٨). (٦) سيأتى فى ب كل شىء بقدر برقم (١٩). ١٣٢ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ ٩ - (٢٦٤٩) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد، عَنْ يَزِيْدَ الضُبَعِىِّ، حَدَّثْنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أهْل النَّار؟ قَالَ: فَقَال: ((نَعَمْ )). قَالَ: قِيلَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: ((كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلقَّ لَهُ)) . ( .. ) حدّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرَّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ. ح وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُلَّهَ. ح وَحَدَّثَنَا يَخْتَى بْنَّ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُّ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، كُلُهُمْ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، فِى هَذا الإِسْنَادِ. بِمَعْنَى حَديثِ حَمَّدٍ . وَفَى حَديثِ عَبْد الوَارِثِ قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله . ١٠ - (٢٦٥٠) حدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا عَزْرَةَ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنَّ يَخْتَّى بْنِ يَعْمُّرَ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ الدِّئِلَىِّ، قَالَ: قَالَ لِى عِمْرَانُ بْنُ الْحِصَيْنِ : أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، أشىء قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِم مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ ممَّا أَنَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهِمْ ، وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهم ؟ فَقُلتُ: بَلْ شىء قُضِى عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ قَالَ : فَقَالَ : أَفَلا يَكُونُ وإنما سميت (١) الأشعرية أهل السنة ؛ لاتباعهم السنن هكذا ، وموافقتهم لها ، والمعتزلة تتجاسر على ردها وتصغى إلى شبهة فى عقولها ، فيهون عليها معها ركوب العظام من رد السنن الواردة ، والازدراء على رواتها ، وتكذيب الثقات من المحدثين . وهذا مجانب لفعل أهل التحصيل ، [ والدين ] (٢) أعاذنا الله ضلالة الملحدين. وأما قوله: ((ومعه مخصرة)) (٣) قال الهروى (٤): قال أبو عبيد: وهو ما خصره الإنسان بيده فأمسكه [ من ] (٥) عصا أو غيرها أو عكازه، وفى حديث آخر: (( فإذا تخصروا بها سجد لهم)) . قال القتبى : التخصر : هو إمساك القضيب باليد وكانت الملوك تتخصر بقضبان لها وتشير بها ، وتصل كلامها وهى الخاصر ، واحدها مخصر ، وقد خاصرت فلانا: إذا أخذت بيده وتماشيتما. وفى حديث: ((المتخصرون يوم القيامة ، على وجوههم النور )) (٦) قال أبو العباس : معناه : المصلون بالليل ، فإذا تعبوا وضعوا (١) فى الأصل : سألت ، والمثبت من ح . (٣) حديث برقم (٦) بالباب . (٥) ساقطة من ح . (٢) من ح . (٤) انظر : غريب الحديث للهروى . (٦) لم نطلع على هذا الحديث فى المراجع المتاحة لدنيا . كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ ظُلْما؟ قَالَ : فَفَزعتُ منْ ذَلِكَ فَزَعًا شديدًا، وَقُلتُ: كُلُّ شىءٍ خَلْقُ اللّه وَمَلْكُ يَدِهِ ، فَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون. فَقَالَ لِى: يَرْحَمُكَ اللهُ إِنِّى لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلُكَ إلا لَأَحزرَ عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ عَّهُ. فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَّ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ اليَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ ، أشىءٍ قُضِى عَلَيْهِم وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرَ قَدْ سَبَقَ ؟ أَوْ أيديهم على خواصرهم من التعب . قال : ويكون معناه : أنهم يأتون يوم القيامة ومعهم أعمال يتكئون عليها . مأخوذ من الخصرة . أخبرنا بذلك الثقة عن أبى عمر وغيره ، وفى حديث أبى هريرة: (( نهى أن يصلى الرجل مختصراً)) (١) قيل: هو أن يأخذ الرجل بيده عصا يتكئ عليها ، وقيل: معناه : أن يقرأ من [ آخر ] (٢) السورة آية أو آيتين ولا يقرأ السورة بكمالها فى فرضه ، هكذا رواه ابن سيرين (٣) عنه. ورواه غيره مختصراً . ومعنى: ((لأن يصل الرجل واضعا يده على خصره))، ومنه حديث: ((الاختصار راحة أهل النار)) (٤)، ونهى عن اختصار السجدة (٥) وتفسيرها على وجهين : أحدهما : أن يختصر الآية التى فيها السجدة ، فيسجد فيها . والثانى : أن يقرأ السورة ، فإذا انتهى إلى السجدة جاوزها ولم يسجد لها . ومنه أخذ مختصرات الطريق . وقال القاضى: وقوله: ((ينكت بها)) أى يضرب بها فى الأرض [ ويؤثر. والنكت الأثر ، نكت فى الأرض ] (٦) : إذا أثر فيها بقضيب أو نحوه . - وقوله: ((أفيما جفت به الأقلام)): عبارة عما مضت به المقادير وتم كتابه ، وجف القلم الذى كتب به ذلك ، أى لم يكتب بها بعد كما عهدنا نحن مما فرغنا من كتابه ، فيبقى القلم جافا للاستغناء عنه لذلك . وكتاب الله لوحه وقلمه وصحيفته التى ذكر فى الحديث من غيبه ، وسر علمه الذى يلزمنا الإيمان والتصديق به ، وكيفية صفة ذلك فى علم الله - جل جلاله - لا يحاط بشىء / من علمه إلا بما شاء. ٦١/ ب (١) سبق فى ك المساجد ، برقم (٤٦). (٢) من هامش ح . (٣) انظر: مصنف ابن أبى شيبة، ك الصلوات، ب الرجل يضع يده على خاصرته فى الصلاة ١/ ٤٠٠ رقم (٢٦٤) . (٤) ابن خزيمة فى صحيحه برقم (٩٠٩)، البيهقى فى السنن الكبرى ٢٨٧/٢ . (٥) انظر: مصنف ابن أبى شيبة ٣٦٦/١ رقم (٤٢٠٢ - ٤٢٠٩). (٦) فى هامش ح . ١٣٤ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ فيما يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ ممَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: ((لاَ، بَلْ شَىءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(١))) . ١١ - (٢٦٥١) حدّثَنَا قُتَيَّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزَ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد - عَنِ العَلَاء، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ قَالَ: (( إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَِّيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلٍ أَهْلِ الجَنَّةِ)) . ١٢ - (١١٢) حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحمَنِ القَارِىَّ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيَمَا يَبْدُو لَلنَّاسِ، وَهَوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلُ أَهْلِ النَّارِ، فِيَمَا يَبْدُو لِنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجنّةِ)). وقول عمران بن حصين لأبى الأسود: (( أرأيت ما يعمل الناس به ويكدحون فيه )» ، قال الإمام : الكدح : السعى فى العمل لدنيا كان أو آخرة . قال القاضى : وقوله حين سأله: فيما يعمل الناس ؟ فقال : شىء قضى عليهم ومضى عليهم ، فقال له : أفلا يكون ظلما ؟ قال : ففزعت من ذلك فزعا شديداً وقلت : كل شىء خلق الله وملك يده ﴿ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾(٢) وجواب مثل أبى الأسود فى علمه وفضله عن اعتراضه عليه بالشبهة التى أضلت القدرية من تحكمهم على حكم الله ، والدخول عليه بإرادته فى قضائه وملكه ، ونزوعه بالآية موضع الجنة لأهل السنة والوزر من شبهة أهل القدر لأن المالك يفعل فى ملكه ما يشاء ؛ وإنما يعرض عليه فيما لا يملكه ، ولأن الله - تعالى - لا علة لأفعاله بل إليه تنتهى العلل، وعنده تنقطع الأسئلة لا إله غيره ولا معقب لحكمه . وقول عمران له : إنى لم أرد بما سألتك عنه(٣) لأحرز عقلك أى اختبارك ومقدار علمك وثباتك فى ذلك ، وقوة بصيرتك فيه . وذلك لما كان تحرك هناك (١) الشمس : ٨،٧ . (٣) فى متن الحديث : إلا. (٢) الأنبياء : ٢٣ . ١٣٥ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ من كلام قول القدرية وتشنعهم على أهل السنة . وفيه اختبار العلماء طلبة العلم وإلقاء صعاب المسائل عليهم ليعلموا (١) مقادير علمهم أو ليبينوا لهم مشكل ما تدعوهم ضرورته إليه مما عساهم لا يهتدون لسؤاله ، أو يخافون خطأهم وغلطهم فيه . وفيه جواز كلام أهل العلم فى هذا الباب ، وتحاججهم ، ومناظرتهم لإظهار الحجج لا للجدل. والمراد المغالبة. وأما ما ورد من نهى النبى عمَّى عن الجدال إنما هو فى مثل هذا الوجه المدفوع (٢) ، أو لمن ليس من أهل العلم بهذا الشأن أو الجدال بالباطل ومقالات أهل البدع فيه . وفى قوله: ((اعملوا فكل ميسر لماخلق له))(٣) واحتجاجه بقوله تعالى فى الآية: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٤) الحجة القاطعة أيضا على الجبرية، وشرح لقوله: ((إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار)). وقوله فى الحديث الآخر: ((بل شىء قُضى عليهم ومضى فيهم)) قال أئمتنا المحققون: إن هذه الأحاديث اقتضت أن الله لم يزل عالما من يطيعه فيدخله الجنة ، ومن يعصيه فيدخله النار ، وليس استحقاق من استحق منهم الجنة أو النار من أجل سابق علمه(٥) فيه ، ولا ذلك عليه / ولا اضطر عليه تعالى أحداً منهم للعمل الموجب لذلك من طاعة أو معصية الله تعالى جل جلاله . تقدم فيهم علمه وإرادته بما هم عاملون وما هم صائرون إليه قبل خلقهم وبعد خلقهم ، وقال فى أهل الجنة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(٦)، وفى أهل النار: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾(٧) و﴿ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٨). ٦٢/أ فأخبر أن ثوابه وعقابه على أعمالهم ، وكل ذلك فى سابق علمه فيهم فرحمة من رحمه منهم : بهدايته وتيسيره ، وخذلان من خذله منهم بعصيانه وكفره . فأمر تعالى ونهى ليطيع المطيع فيدخل الجنة أو يعصى العاصى فيدخل النار ، ابتلاء منه تعالى عباده لينظر كيف يعملون وليبلوهم أيهم أحسن عملا ، وليتم حجته على خلقه بأمره ونهيه وتيسيره له سبيل هداه أو ضلالته ، وتزيينه ذلك له ، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى (١) فى ح : ليعرفوا . (٢) فى ح : المذموم، وكذا فى الرسالة . (٤) الليل : ٧ . (٦) الأحقاف : ١٤ . (٨) النجم : ٣١. (٣) حديث رقم (٧) بالباب . (٥) فى ح : العلم . (٧) فصلت : ٢٨ . ١٣٦ كتاب القدر / باب كيفية الخلق الآدمى ... إلخ وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّ مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنْيَسِّرُهُ للْعُسْرَى﴾(١)، وكما قال فى المؤمنين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيََّهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرََّ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾(٢) ، وقال فى أهل الشقاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾(٣)، وقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ ﴾ (٤). فلم يضطر أحد منهم إلى عمله ذلك ، فهذا [كما](٥) يقول الجبرية ، فسقط عنهم اللوم والحجة . وهو العدل الذى لا يحيف ، ولا فعلوا مالم يقدره ولم يشأه ، ولا سبق فى علمه كما يقول القدرية ، فيكون فى ملكه مالا يريد ، ويفعلون مالم يقدره وهو العليم الخبير، الفعال لما يشاء ، الذى خلقهم وما يعملون . (١) الليل : ٥ - ١٠ . (٢) الحجرات : ٨،٧ . (٣) النمل : ٤ . (٤) فاطر : ٨ . (٥) فى هامش ح . ١٣٧ كتاب القدر / باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام . (٢) باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام ١٣ - (٢٦٥٢) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارِ وَابْنُ أَبَى عُمَرَ المَكِّيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِىُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ حَاتِمِ وَابْنِ دِينَار - قَالا : حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو، عَنْ طَاوُس، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَّيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله عَُّ: ((احْتَجَ آدَمُ وَمُوسَىْ. فَقَالَ مُوسَىَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ . فَقَالَ لَهُ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بَيَدِهِ، أَلُومُنِى عَلَى أَمْر قَدَّرَهُ اللهُ عَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ؟))، فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: ((فَحَجَ آدَمُ مُوَسَى، فَحَجّ آدَمُ مُوسَى )) . وَفِى حَدِيثِ ابْنِ أَبِى عُمَرَ وَابْنِ عَبْدَةَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطَّ. وَقَالَ الآخَرُ : كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاة بَيَدِه . ٠٠٠ وقوله : احتّج آدم وموسى ، فقال موسى: أنت أبونا : قال أبو الحسن القابسى: التقت أرواحهما فى السماء ، فوقع الحجاج بينها . قال القاضى : ويحتمل أنه على ظاهره ، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما ، وقد جاء فى حديث الإسراء(١): أنّ النبى معَّمِ اجتمع بالأنبياء فى السموات وفى بيت المقدس وصلى بهم، ولا يبعد أن الله أحياهم كما جاء فى الشهداء . وقيل : يحتمل أن ذلك كان فى حياة موسى عَّةٍ ، وأنه سأل ربه أن يريه آدم فحاجه بما ذكر . وذكر الطبرى فى القصة / أثرًا عن النبى معَّ ((قال موسى: رب، أبونا آدم الذى ٦٢/ب أخرجنا ونفسه من الجنة ، فأراه الله إياه ، فقال له أنت آدم ؟ قال: نعم)) وذكر الحديث (٢). وقوله: ((أنت الذى خيبتنا وأخرجتنا من الجنة))،وفى الرواية الأخرى: ((أغويت الناس)) قيل : يحتمل أنك كنت سبب ذلك بإخراجهم من الجنة فعرضهم الإغواء الشياطين، ويحتمل أنه لما غوى هو بمعصيته بقوله: ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(٣) وهم ذريته. سموا غاوين . والغى : الانهماك فى الشر . وأما فى شأن آدم فقيل : معناه : جهل ، وقيل: أخطأ . وقد جاء فى الآية الآخرى : ﴿فَسِيَ﴾ (٤). (١) سبق فى ك الايمان برقم (٢٥٩) عن أنس بن مالك . (٣) طه : ١٢١ . (٢) انظر : البداية والنهاية ١ / ٩١ . (٤) طه : ١١٥ . ١٣٨ كتاب القدر / باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام ١٤ - ( ... ) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد عَنْ مَالكِ بْنِ أَنَسِ - فِيمَا قُرِئْ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَهِ عَةٌ قَالَ: ((تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى . فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ الَّذِى أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِى أَعْطَاهُ اللهُ عِلْمَ كُلِّ شىْءٍ ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَتَلُومُنِى عَلَى أَمْرِ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ » . ١٥ - ( ... ) حدّثنا إسْحقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِى، حَدَّثْنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ، حَدَّثَنِى الْحَارِثُ بْنُ أَبِى ذُبَابِ عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ هُرْمُزَ - وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَغْرَجِ، قَالا: سَمِعْنَا أَبَّا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ : ((احْتَجَّ آدمُ وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا السَّلامُ - عِنَّدَ رَبِّهِمَا، فَحَجّ آدَمُ مُوسَى. قَالَ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ الَّذِى خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِى جَنَّهِ ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيَتِكَ إِلَى الأَرْضِ؟ فَقَالَ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِى اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتْهِ وَبَكَلاَمِهِ، وَأَعْطَاكَ الألْوَاحَ فِيهَاَ تَبْيَانُ كُلّ شىء ، وَقَرَّبَكَ نَجيّاً ، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ النَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ : فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(١) قَالَ: نَعْم. قَالَ: أَفَتَلُومُنِى عَلَى أَنْ عَمَلْتُ وفيه حجة لأهل السنة أن الجنة التى خرج منها آدم هى جنة الفردوس ، والتى يدخلها الناس فى الآخرة . خلافًا لقول المبتدعة : إنها جنة أخرى غيرها . وقوله فى الحديث فى الرواية الأخرى: ((أنت الذى خلقك الله بيده)) وقوله (٢) أيضا: ((وخط لك بيده)): اختلف أئمتنا فيما ورد من ذكر اليد وشبه ذلك مما لا يليق ظاهره بالله تعالى فكثير من السلف يرى إمرارها بتنزيه (٣) الله - تعالى - عن ظاهرها، وترك تأويلها. وذهب أبو الحسن الأشعرى - فى طائفة من أصحابه - إلى أنها صفات سمعية لم نعلمها إلا من جهة الشرع نثبتها صفاتا ولا نعلم حقيقتها وشرحها . وذهب غير واحد إلى تأويلها على مقتضى اللغة ، فيحمل اليد بمعنى القدرة أو النعمة وقد مرّ من هذا فى غير هذا الموضع. وقوله: ((أعطاك الله [ علم ] (٤)كل شىء)) عموم، والمراد به الخصوص، أى مما علمك. وقيل : يحتمل مما علمه البشر . (١) طه : ١٢١ . (٣) فى ح : وتنزيهه. (٢) فى ح : وقولهم . (٤) فى هامش ح. ١٣٩ كتاب القدر / باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام . وقوله: ((اصطفاك)): أى آثرك بالرسالة واختصك بكلامه [ كما ](١) قال فى الرواية الأخرى: ((وقربك نجيا))، أى تكلمه وحدك. وفى محاجته له حجه على جواز المحاجة للعلماء كما قدمناه . وفى قول آدم له هذا تقرير له على ما علمه ، مما لا يوجب له لومه على ذنبه لقوله [ له ](٢): ((فأعطاك الألواح فيها علم كل شىء ، وقربك نجياً فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق ؟ قال : بأربعين عامًا . قال: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(٣) قال نعم . قال: أفتلومنى على أن عملت عملا كتبه الله علىّ أن أعمله قبل أن يخلقنى بأربعين سنة ؟)). قال رسول الله عَلَّه: ((فحج آدم موسى)). / معناه : غلبه بالحجة ، وظفر عليه بها . وقيل: بل إن آدم أب لموسى - عليهما السلام - ولم يشرع للابن لوم أبيه ومعصيته . وهذا يبعد عن (٤) سياق الحديث ، ومفهومه (٥) تذنيبه على لومه ، وعلة ذلك . ١/٦٣ ويحتمل أن غلبة أباه (٦) بالحجة لما علمه من التوراة من تقدير الله - تعالى - ذلك وإرادته . وأن يكون له نسل فى الأرض ، وأنبياء ، وسعداء ، وأتقياء وأن الله - تعالى - قد شاء ذلك كله وأراده وقدره ، فلم يكن منه بد . وهذا إنما كان بتقدير الله إخراجه من الجنة وإرادته ذلك ، ولوشاء الله [ ألا يخرج من الجنة ولا فعل سبب خروجه ](٧) لم يكن من ذلك شىء ولا بد من كونه . فلا بد من خروجه من الجنة وسببه الموجب لذلك . فإذا كان موسى - عليه السلام - قد علم هذا من التوراة ففيم اللوم ؟ وهذا هو سر القدر الذى أمرنا بالإمساك عنه . فهذا وجه فى غلبة آدم بحجته موسى - عليهما السلام - وأيضا ، فإن اللوم على الذنب شرعى ليس للعقل فيه مجال . وإذا تاب الله - تعالى - على آدم وغفر له، ورفع اللوم عنه فمن لام فيه محجوج . قال الإمام : قال بعض أهل العلم : لما كان الله - سبحانه - قد تاب على آدم من معصيته لم يجب لومه عليها ، وإلا فالعاصى منا لا ينجيه من اللوم والعقاب . قوله: ((إن الله قدر ذلك علىَّ)) لأنه أيضًا قدر عليه العقوبة واللوم إذا وقعا به، ولما كان الله تعالى تاب على آدم - عليه السلام - صار ذكر ذلك له إنما يفيد إذا مباحثته عن السبب الذى دعاه إلى ذلك، فأخبر [ آدم ](٨) - عليه السلام - أن السبب قضاء الله وقدره. [ وهذا جواب صحيح إذا كانت المباحثة عن الموقع فى ذلك . ولم يكن عند آدم](٩) سبب موقع على [الحقيقة](١٠) إلا قضاء الله تعالى وقدره؛ ولذلك قال عَّهُ: ((فحجّ آدم موسى))؛ ولهذا قال آدم لموسى - عليهما السلام -: (( أنت موسى الذى اصطفاك الله بكلامه))، (١) في هامش ح . (٣) طه : ١٢١ . (٥) فى ح : مفهوم . (٧) فى هامش ح . (١٠) فى الرسالة : فيه . (٢) من ح . (٤) فى ح : على . (٦) فى ح : إياه . (٩،٨) فى هامش ح . كتاب القدر / باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام ١٤٠ عَمَلاً كَتَبِهِ اللهُ عَلَىَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ )) قَالَ رَسُولُ اللهِ عٍَّ: تكبره و ((فَحَجَ آدَمُ مُوسَی )). ( .. ) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَابْنُ حَاتِم، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَّةُ: («احْتَجَّ أَدَمُ وَّمُوسَى. فَقَالَ لَهُ موسى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِى أَخْرَ جَنْك خَطِيَتُكَ مِنَ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِىِ اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلامِهِ، ثُمَّ تَلُومِنِى عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى )) . ( .. ) حدّثْنى عَمْروُ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِير، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ عَّةٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رافعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزََّق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنٍَّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهُ. بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ . ( .. ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَّبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهُ نَّحْوَ حَدِيثَهِمْ. وذكر فضائله التى أعطاها الله تعالى ، يريد بذلك أن الله - سبحانه - قدر ذلك وقضى به فنفذ ذلك، كما قدر علىَّ ما فعلت ، فنفذ فىَّ . وأما قوله: (( قدره الله علىّ قبل أن يخلقنى بأربعين عاماً (١) فالأظهر فيه أن المراد به أنه كتبه قبل خلقه بأربعين عامًا ، أو أظهره أو فعل فعلاً ما ، أضاف هذا التاريخ إليه وإلا فمشيئة الله - سبحانه - أزلية ، وما قضاه وقدره بمعنى شاءه وأراده قديما لم يزل ، ولم يزل - سبحانه - مريدا لما أراده من طاعة المطيع ومعصية العاصى . وأربعون سنة قبل خلق آدم - عليه السلام - زمن محدود مبتدأ ، فيجب صرف هذا التاريخ إلى ما قلناه ، والأشبه أنه أراد بقوله: ((قدره الله على قبل أن يخلقنى بأربعين سنة)). أى كتبه فى التوراة، ألا تراه يقول فى بعض طرقه: (( فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق ؟ قال موسى : بأربعين عاما. قال آدم : فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمَ رَبَّهَ فَغَوَى﴾ (٢) ؟)) فيصح أن يراد به أن فيها معنى هذا اللفظ مكتوب بلسان غير هذا اللسان العربى؛ إذ كان النبى معَ له. (١) فى الأصل : سنة . (٢) طه : ١٢١ .