النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب الفضائل / باب من فضائل يوسف عليه السلام (٤٤) باب من فضائل يوسف عليه السلام ١٦٨ - (٢٣٧٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعيد ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ، أَخْبَرَنَى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعيد، عَنْ أَبِيهِ، عَن أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَّسُولَ اللهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: (( أَنْقَاهُمَّ)». قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: ((فَيُوسُفُ نَبِىُّالله ابْنُ نِىِّ الله ابْنِ نَبِىِّ اللّهِ ابْنِ خَلِيلِ الله )) . قَالُوا: وقوله: ((أكرم الناس أتقاهم))، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: ((فيوسف نبى الله ابن نبى الله [ ابن نبى الله ] (١) ابن خليل الله))، وفى غير هذا الحديث: ((نبی ابن نبى ابن نبى ابن نبى)) أربعاً، وفى الرواية الأخرى فى الرابعة: (( ابن خليل الله»(٢) وهذا يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ، فهم أربعة أنبياء على نسق . وأصل الكرم الجمع وكثرة الخير، فيوسف - عليه السلام - قد جمع كل [ مكارم ] (٣) الأخلاق التى تفضل بها الأنبياء إلى شرف النبوة ، وشرف النسب ، وعلم الرؤيا وغيرها ، وشرف الرئاسة فى الدنيا ، وكونه على خزائن الأرض وحياطته وعمارتها بما أمر به من جمعه الطعام ، وادخاره لنفقتهم ، وكونه على خزائنهم وأرزاقهم . وقوله: (( عن معادن العرب تسألونى ، خيارهم (٤) فى الجاهلية خيارهم (٥) فى الإسلام إذا فقهوا)) : أصل الكرم - كما قدمناه - : كثرة الخير والمنفعة . والكرم : عظم [القدر] (٦)، ومنه: أرض كريمة: طيبة النبات، ونخلة كريمة: لا تخلف حملها، وناقة كريمة: غزيرة اللبن ، ولذلك سموا العنب كرمًا لكثرة حمله وسهولة جباها . ومن كثر خيره ونفعه عظم قدره ، فلما سئل - عليه السلام - عن أكرم الناس قدراً ، وفهم النبى - عليه الصلاة والسلام - منهم العموم ؛ التفت إلى الكرم (٧) الصحيح الصادق ورفعة القدر العلية بالتقوى المؤدية باتصال الرفعة الأبدية فى الآخرة فى الدرجات العلا ؛ فقال: ((أتقاهم))، ثم لما راجعوه فهم التعيين، فقال لهم: (( يوسف)) لتردد رفعة القدر فيه وفى آبائه فى أربعة قرون بالنبوة ، التى هى غاية رفعة البشر وأرفع درجات الرفعة فى الدنيا والآخرة وكثرة الخير وجماع منافع العاجلة والآجلة ، ويجمع يوسف خصال الشرف الدنيوية (١) سقط من ح . (٣) من ح . (٦) من ح . (٢) البخارى ، ك بدء الخلق، ب أحاديث الأنبياء ٤/ ١٧٠. (٤، ٥) فى ز : خياركم، والمثبت من ح والمطبوعة . (٧) فى ح : اللزوم . كتاب الفضائل / باب من فضائل يوسف عليه السلام ٣٦٢ - لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: ((فَعنْ معَادِنِ الْعَرَبِ تَسأَلُونِى؟ خِيَارُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الإِسْلامِ، إِذَا فَقُهُوا)) . والأخروية التى قدمناها . فلما بينوا له مرادهم ، وفهم منهم السؤال عن قبائل العرب - أجابهم بمراعاة الأصول والأحساب ، وأن الخيار فى الجاهلية من حاملى الأخلاق الحميدة ، لذلك هم فى الإسلام إذا اتصفوا بكرم الدين والفقه فى الشريعة ، ففى تنبيهه - عليه الصلاة والسلام - إلى ذلك إرشاد إلى مراعاة الأصول والأحساب، والجرى على الأعراق، [ وأن ] (١) مراعاة ذلك بالدين وتمامه شريفة بالفقه ، فيتضمن[ من ] (٢) كلامه فى الأجوبة الثلاث أن الكرم كله - عاما وخاصًا ، مجملاً ومعينا - إنما هو بالدين من التقوى والنبوة والأعراق فيها والإسلام والفقه ، فإذا تم ذلك أو ما حصل منه مع شرف الأب (٣) المعهود عند الناس ، فقد كان شرف الشريف وكرم الكريم . ومعنى ((معادن العرب)): / أصولها . وأصل المعدن ، والعدن : الإقامة ، ومنه: جنة عدن . ١/٣ (١، ٢) من ح . (٣) فى ح : الإباء . ٣٦٣ كتاب الفضائل / باب من فضائل زكرياء عليه السلام (٤٥) باب من فضائل زكرياء عليه السلام ١٦٩ - (٢٣٧٩) حدّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالد، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِى رَفِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((كَانَ زَكَرِيَاءُ نَجَّارًا » . وقوله: ((كان زكرياء رجلا نجارا)): فيه جواز اتخاذ الصنع (١) وتعليمها، وفضل صناعة النجارة . (١) فى الأبى : الصنائع . ٣٦٤ ۔۔ كتاب الفضائل / "باب من فضائل الخضر عليه السلام (٤٦) باب من فضائل الخضر عليه السلام ١٧ - (٢٣٨٠) حدّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدَ النَّاقِدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَعُبَيْدُ الله بْنُ سَعيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِ عُمَرَ الْمَكِّىُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنَ عُبَيْئَةَ - وَاللَّغْظُ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - حَدَّثَنَا سُفَيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينارِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لابْنٍ عَبَّاس: إِنَّ نَوْفا الْبِكَالِىَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَاحِبَ بَنِى إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهَ، سَمِعْتُ أُبَّىَّ بْنَ كَعْب يَقُولُ: سَمَعْتُ رَسُولَ اللهِ عَ يَقُولُ: ((قَامَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَطِبًا فِى بَنِىّ إِسْرَائِيلَ ، فَسُثُلَ : أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ . قَالَ : فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ ؛ إِذْ لَمْ يَرُدّ وقوله : ((إن نوفا البكالى)): كذا ضبطناه عن القاضى الشهيد أبى على بكسر الباء وتخفيف الكاف ، وكذا رده علينا الحافظ أبو الحسن فى غير هذا الكتاب ، وضبطناه على الفقيه أبى بحر الخشينى ، والشيخ أبى بحر الأسدى بفتح الباء وتشديد الكاف ، وهو ضبط الشيوخ وأصحاب الحديث ، والصواب الأول . وبنو بكال من حمير ، وقيل : من همدان ، وإليه نسب نوف بن فضالة هذا . كذا قال ابن دريد وغيره ، وهو فيما قيل : ابن امرأة كعب الأحبار ، وقيل: ابن أخته ، يكنى بابن يزيد ، وكان عالماً قاضيا ، وإمامًا لأهل دمشق . وقوله: (( كذب عدو الله)): على طريق الإغلاظ والضجر على من قال: لا يصح ، وقد قال قول نوف وغيره ، والصحيح قول ابن عباس : (( إن صاحب الخضر موسى نبى بنى إسرائيل )) لا غير . وقوله: (( سئل موسى: أى الناس أعلم ؟ قال: أنا ، فعتب الله عليه ، إذ لم يرد العلم إليه)) الحديث، وفى الرواية الأخرى: (( بينما موسى فى قومه يذكرهم أيام الله - وأيام الله : نعماؤه وبلاؤه - إذ قال: ما أعلم فى الأرض رجلاً خيرًا أو أعلم منى، فأوحى الله إليه: إنى أعلم بالخير منه - أو عند من هو - إن فى الأرض رجلاً أعلم منك(١)»، قال الإمام: وقع فى بعض الأحاديث: (( هل تعلم أحدًا أعلم منك)) (٢) ، فعلى هذا لا يكون عليه عتب؛ إذ حكى عما يعلم. وأما على هذه الرواية: (( أى الناس أعلم ؟ فقال: أنا أعلم)) والنبى لا يقع منه الكذب ، وقد أوحى الله - عز وجل - إليه أن عبداً من عباده (١) فى ح : منه . (٢) حديث رقم ( ١٧٤ ) بالباب . ٣٦٥ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام الْعِلْمَ إِلَيْهِ ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِى بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ . قَالَ مُوسَى: أَى رَبِّ، كَيْفَ لِى بِهِ؟ فَقِيَل لَّهُ : احْمِلْ حُوتًا فِى مَكْثَل ، فَحَيْثُ تَفْقَدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ . فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَّعَهَ فَتَهُ - وَهُوَ يُوشَعُ بَّنُ نُونٍ - فَحَمَلَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُوتًا فِى مَكْثَل ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَان ، حَتَّى أَتَّيَا الصَّخْرَةَ ، فَرَقَدَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِى الْمِكْثَلِ ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْثَلِ ، فَسَقَطَ فِى الْبَحْرِ)). قَالَ: (( وَأَمْسَكَ الله عَنَّهُ جرِيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةً يَوْمُهِمَا وَلَيْلِتِهِمَا، وَنَسَىَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَالَ لفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَّاءَنَا لَقَدْ لَقِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾))(١) قَالَ: ((وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذى أُمرَ به)). قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾(٢). قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدًّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾(٣). قَالَ:(( يَقُصَّان أعلم منه ، فيكون المحمل أنه أراد : أنا أعلم فيما يظهر لى ، ويقتضيه شاهد الحال ، ودلالة نبوته - عليه الصلاة والسلام - لأنه كان من النبوة بالمكان الرفيع والعلم من أعظم المراتب، فقد يعتقد أنه أعلم الناس لهذه الجهة، وإذا كان قوله: (( أنا أعلم)) مراده به فى اعتقادی لم يكن خبره به كذبا . وقد اضطرب العلماء فى الخضر ، هل هو نبى أم لا ؟ واحتج من قال بنبوته بقوله : ﴿وَمَا فَعَلَّتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (٤) ، فدل على أن الله - عز وجل - يوحى (٥) إليه بالأمر وهذه النبوة. وفصل الآخرون عن هذا بأنه يحتمل أن يكون نبى غيره أمره بذلك عن الله تعالى ، وقصارى ما فى الآية أنه ما فعله عن أمره ، ولكن إذا كان المراد عن أمر الله تعالى فمن المبلغ له ليس فى الآية تعيين فيه ، وقد يحتج بنبوته بكونه أعلم من موسى ، ويبعد أن يكون الولى أعلم من النبى . وقوله : ((عتب الله عليه)): يشبه أن يراد به أنه لم يرض قوله شرعاً ودينا . وأما العتب بمعنى المؤاخذة وتغير النفس ، فلا يجوز على الله - سبحانه . قال القاضى: وقيل: إن مراد موسى بقوله: ((أنا أعلم)) بما تقتضيه وظائف النبوة، (١) الكهف : ٦٢ . (٤) الكهف: ٨٢ . (٣) الكهف : ٦٤ . (٢) الكهف : ٦٣ . (٥) فى ح : أوحى . ٣٦٦ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام آثَارَهُمَا، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرأَى رَجُلًا مُسَجِى عَلَيْهِ بِثَوْبِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى. فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى . قَالَ : مُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : إِنَّكَ عَلَى عِلَمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَهُ الله لا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَنِهِ لا وأمور الشريعة وسياسة الأمة ، والخضر أعلم منه بأمور أخر مما لا يعلمها أحد إلا بإعلام الله ، من علوم غيبه بالقصص المذكورة فى خبرها ، وكان موسى أعلم على الجملة والعموم بما تقدم مما لا يمكن جهل الأنبياء لشىء منه ، والخضر أعلم على الخصوص بما أعلم من ٣ / ب محنات الغيب، وحوادث القدر ، وقصص الناس مما لا يعلم منه الأنبياء إلا / ما أعلموا به ، مما استأثر الله به من غيبه ، وما قدره وسبق فى علمه مما كان ، ويكون فى خلقه ؛ ولذلك قال الخضر فى الحديث: ((أنت على علم من علم الله علمكه لا تعلمه)) (١)، ألا تراه كيف لم يعرف أنه موسى نبى بنى إسرائيل [ حتى عرفه بنفسه أفلم يعرفه الله به ، وهذا مثل قول نبينا - عليه السلام ] (٢): ((إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى))، وقد قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا عِلْمًا﴾ (٣) . وقيل فى قوله: ((وعتب الله عليه)): أى [ إذ ] (٤) لم يرد العلم إليه كما ردته الملائكة لقولهم : ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾(٥)، ولئلا يقتدى به غيره فى تزكية نفسه ، والعجب بحاله فيهلك . وقيل: كان موسى أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله ، والخضر أعلم فيما دفع إليه موسى ، وقيل: إنما ألجئ موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم . وفى حديث الخضر وموسى جواز إخبار الرجل عن نفسه بالفضل والعلم ، إذا احتاج إلى ذلك لمعنى دينى ، أو لمصلحة دنيوية ، لا ليقصد به الفخر والكبر ، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) (٦)، وكما قال: (( أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بما اتقى ، وأشدكم له خشية)) (٧). ومعنى ((يعتب الله عليه)): أى وأخذه به وعنفه عليه. وأصل العتب : المؤاخذة ، يقال منه : عتب عليه إذا واخذه بذلك ، وذكره له ، قيل : عاتبه . (١) البخارى ، ك بدء الخلق، ب أحاديث الأنبياء، حديث الخضر مع موسى ١٨٩/٤. (٢) فى هامش ح . (٣) الكهف : ٦٥ . (٥) البقرة : ٣٢ . (٤) من ح . (٦) سبق فى أول الكتاب ، حديث رقم (٣) . (٧) انظر: البخارى، ك الإيمان، حديث رقم (٢٠) بالفتح، وهو فى مسلم فى ك الصيام حديث رقم (٧٤) وك الفضائل حديث رقم (١٢٧، ١٢٨) . ٣٦٧ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام تَعْلَمُهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّ عُلِّمْتَ رُشْدًا. قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًاً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (١) قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتََّعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٢) . قَالَ : نَعَمْ . فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلٍ وسؤال موسى ربه لقيا الخضر ، استدل به أهل العلم على الرحلة فى طلب العلم ، وازدياد العالم لعلمه منه ، وفيه فضل طلب العلم والتزيد منه ، ومعرفة حق من عنده زيادة علم . وفى تزوده بالحوت ، جواز اتخاذ الزاد فى السفر ، وكان له فى طى ذلك آية وعلامة للقاء (٣) الخضر . وفى شرط الخضر عليه ألا يسأله عن شىء حتى يحدث له منه ذكرا ، الأدب مع العالم وترك سؤاله ؛ إذا نهاه عنه لسبب يقتضيه ، وأخذ العفو منه ، والوقوف عند حده . وفى اعتذار موسى له بالنسيان فى الأولى والتزامه له فى الثانية إن سأله ثالثة فراق ، دليل على لزوم الوقوف عند حد العلماء ، وترك الاعتراض على المشايخ ، ولزوم الأدب معهم ، والتسليم لهم ، لاسيما إذا حققوا قصورهم عن معرفة ما عندهم ، كما كان حال موسى من عدم علم ما علمه الخضر من ذلك . وفيه حرص موسى على العلم ، وأن حرصه على ذلك ومحبته له وتعجيل فائدته أوجب تبيانه لشرط الخضر فى ترك السؤال ، ولذلك قال - عليه السلام - فى الحديث : ((وددت أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من أخبارهما)). وفى قول الخضر لموسى : ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: احتج به مشايخنا على أن الاستطاعة لا تتقدم (٤) الفعل ، خلافا للقدرية ، وهو مما يحتج به من قال بثبوته ، أو من يقول بالكرامات الأولياء وصدق فراستهم ، لإخباره عن حاله من قلة الصبر . وكان كذلك حين قال له : ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، ومثله قوله فى الحائط وكان مائلا فأقامه بيده، وأن تحته كنز اليتيمين هذا فأقامه . وفى إعلامه بأن وراء السفينة ملكاً يأخذ كل سفينة غصبا ، وما أخبر من حال الغلام (١) الكهف : ٦٦ - ٦٩ . (٣) فى ز : للفتى ، والمثبت من ح . (٢) الكهف : ٧٠ . (٤) فى ح : تقدم . كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام ٣٦٨ الْبَحْرِ، فَمَرَّتُ بِهِمَا سَفِينَةٌ ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا؛ فَعَرفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْل، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلُ ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتَهِمْ فَخَرَفْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (١). قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٢) ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ ، فَبَيْتَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِه، فَاقْتَلَعَهُ بَيَدِه، فَقَتَلَهُ. فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَّا نَّكْرًا. قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٣) قَالَ: وَهَذِه أَشَدُّ منَ الأُولَى. قَالَ: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَنِ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِي عُذْرًا. فَانطَلَقَا ٤ / ١ وقصة أبويه، وكله مما لا يعلمه إلا نبى أو ولى صفى بوحى من الله، أو إلهام وبحديث ملك. وفى فراقهما بعد ثلاث قصص ، حجة على أن ثلاثة مجالس أو ثلاث مقالات أو ثلاثة أيام ، أو ثلاثة آجال ، فى الاعتذارات ، والانتظار ، والتلوم ، والإحسار ، والعهد وغير ذلك منها فى ضرب الأجل ، وكذلك فى / استتابة المرتدين ، وتكرار الخصومات مع الوكيل ، واجتناب المضرات وأصل الخيار عند بعض العلماء ، وإنذار حيات البيوت ، والاستئذان ، وتشميت العاطس ، وأمد المهاجرة ، وإقامة المسافر مما جاء منه فى كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - وارتضاه أئمة الفقهاء لمصالح الأمة . وفى خبرهما جواز الاستطعام والسؤال عند الحاجة ، والاستئجار على البناء ، وأكل مثل ذلك لقوله : ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٤) ، وجواز استئجار السفن لقوله: أدخلونا (٥) بغير نول ، فدل على جواز النول . وفيه إكرام الفاضل ، والعالم وخدمته ، وجواز محاشاته مما يلزم غيره ، وترفيهه عما لا يرق به غيره . وفيه الحكم بالظاهر فى الأمور حتى يتبين خلافها ؛ لقوله: ﴿أَقْتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةِ﴾ . $ ﴿لقد جئت شيئا نكرا﴾ وفيه إنكار المنكر والشدة فيه ، والغلظة على فاعله؛ لقوله: وفيه استقباح الإساءة للمحسن ؛ لقوله فى أصحاب السفينة إذ خرقها: (( حملونا بغير نول)) . (١) الكهف : ٧١ . (٣) الكهف : ٧٤، ٧٥. (٢) الكهف : ٧٢ ، ٧٣ . (٥) فى ح : حملونا . (٤) الكهف : ٧٧ . ٣٦٩ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَقَامَهُ ﴾ (١). يَقُولُ: مَائِلٌ. قَالَ الْخَضِرُ بَيَدَه هَكَذَا، فَأَقَامَهُ . قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ﴿ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِئُكَ بِتَأْوِيلٍ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٢). قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: « يَرْحَمُ الله مُوسَى، لَوَدَدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا)). قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: (( كَانَت الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا)». قَالَ: ((وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ فِى الْبَحْرِ ، فَقَالَ لَّهُ الْخَضِرُ مَا نَقَصَ عِلْمِى وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ، إِلاَ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الَعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ)). قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: وَكَان أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا . وَكَانَ يَقْرَأُ : وَأَمَّ الْغُلامُ فَّكَانَ كَافِرًا . وإنكار مكافأة المسلمين بالإحسان فى بعض الأمور ، لاسيما عند الحاجة ، وأن المعروف إنما يجب أن يوضع عند العلة لقوله: (( قوم أتيناهم فلم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا )). وفى قول الخضر أولاً: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾(٣) وفى الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لك﴾ (٤) وفى الثالثة: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك﴾ لين الكلمة، والإغضاء للمتعلم أولا وإن خالفه واعترض، وكذلك الصفح عن ذى المظلمة ممن لم يعرف منه قبل ، فإن عاد زجر وأغلظ له القول ، وهو كقوله له فى الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لك﴾ قال فى الحديث: ((وهذه أشد من الأولى))، فإن عاد الثالثة عوقب بالهجر والإبعاد أو غيره من العقاب . واختلف العلماء فى أيهما أشد من قول موسى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا [ إِمْرًا] (٥)﴾ (٦) وهو نكراً؟ فقيل: ((إمرًا)) أشد من ((نكرا))؛ لأن الشىء الإمر العظيم، فإن فى خرق السفينة هلاك جماعة وإفساد أموالهم ، وليس فى قتل الغلام إلا هلاك واحد . وقيل: النكر أشد ؛ لأنه قاله عند مباشرة القتل ، وتحقق وفاة النفس ، والأولى مظنونه ، وقد يسلمون كما كان، وليس فيه تحقق إلا إفساد المال من خرق السفينة . (١) الكهف : ٧٦، ٧٧ . (٣) الكهف : ٧٢ . (٥) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش . (٢) الكهف : ٧٧ ، ٧٨ . (٤) الكهف : ٧٥ . (٦) الكهف : ٧١ . كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام ٣٧٠ ١٧١ - ( ... ) حدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأَعْلَى الْقَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرِ قَالَ : قِيلَ لابْنِ عَبَّاس : إِنَّ نَوْقًا يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِى ذَهَبَ يَلْتَمِسُ العِلْمَ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ . قَالُ: أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كَذَبَ نَوْفِئَّ. ١٧٢ _ ( ... ) حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْب قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَّهُ يَقُولُ: ((إنَّهُ بَيْنَمَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِى قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ الله ـــ وَأَيَّامُ الله نَعْمَاؤُهُ وَبَلَاؤُهُ - إِذْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِى الأَرْضِ رَجُلاً خَيْرًا أَوْ أَعْلَمَ مِنِّى)) . قَالَ: ((فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ : إِنِّى أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ، أَوْ عِنْدَ مَنْ هُوَ، إِنَّ فِى الأَرْضِ رَجُلاَ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، فَدُلَنِى عَلَيْهِ)) . قَالَ : ((فَقِيلَ لَهُ: تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا ، فَإِنَّهُ حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ)) . قَالَ: (( فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ وقوله: ((فحمل حوتاً فى مكتل)) : المكتل ، بكسر الميم : الزنبيل وهى القفة . وقوله: ((فأمسك الله عنه جرية الماء حتى كان مثل الطاق)) : الطاق: عقد البناء ، وجمعه طيقان وأطواق ، وهى الأزاج والأقواس ، وما عقد أعلاه من العلو (١) وتحته خالياً، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ (٢)، والسرب: شق تحت الأرض ، ومنه سرب الثعلب ، وهذا مثل قوله فى الحديث الآخر: (( فاضطرب الحوت ، فجعل لا يلتئم عليه الماء صار مثل الكوة)) . الكوة بفتح الكاف أشهر منها بضمها ، وقد حكى الضم ، وأخبرنا بعض مشايخنا عن أبى العلاء المعرى أنه كان يقول: إذا كانت نافذة فهى بالفتح ، وإذا كانت غير نافذة [ فهى ](٣) بالضم. وقوله: ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: قيل: المراد بذلك موسى ، فأضيف النسيان إليه ، كما قال: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (٤)، فإنما يخرج من الملح لابن الجلود ، قيل: نسيان موسى هنا أنه لم يتقدم ليوشع فتاه بالتعهد له ومن يوشع حقيقة . وقوله: ﴿نَصَبًا﴾ : أى تعبا . وقوله: ((فإذا هو بالخضر مسجى ثوباً))(٥): أى مغطى به كله ، كتغطية الميت [ وجهه (١) فى ح : البناء. (٢) الكهف : ٦١ . (٣) ساقطة من ح . (٤) الرحمن : ٢٢ . (٥) حديث رقم (١٧٠) بالباب . ٣٧١ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام حَتَّى انْتَهِيَا إِلَى الصَّخْرَةِ ، فَعُمِّىَ عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ وَتَرَكَ فَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِى الْمَاءِ، فَجَعَلَ لا يَلْنَثَمُ عَلَيْهِ، صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةَ)). قَالَ: ((فَقَالَ فَتَاهُ: ألا أَلْحَقُ نَبِىَّ اللهَ فَأُخْبِرَهُ؟)) قَالَ: ((فَنُسِّىَ، فَلَمَّا تَجَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِيْنَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصْبًا﴾(١)) . قَالَ: (( وَلَمْ يُصِبُهُمْ نَصَبٌّ حَتَّى تَجَاوَزَا)). قَالَ: ((فَتَذكَّرَ. قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا . قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (٢). فَأَرَاهُ مَكَانَ الْحُوتِ . قَالَ: هَهُنَا وُصفَ لِى)). قَالَ: ((فَذَهَبَ يَلْتَمِسُ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ مُسَجِى نَوْبًا، مُسْتَلقيًا عَلَى الْقَفَا - ٤/ ب ورجليه وجميعه ، ألا تراه / كيف قال: ((فكشف الثوب عن وجهه)). وأصله ] (٣) من سجا الليل: إذا غطى سواده النهار، وقد جاء فى كتاب البخارى مبينا، قال: (( قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه)) (٤) . وقوله: (( مستلقيا على القفا - أو [ قال ] (٥): على حلاوة القفا)) بفتح الحاء . قال صاحب العين : هو وسطه . فيه جواز النوم كذلك وهو الاستلقاء . والاستلقاء [ بل هو](٦) مستحب عند بعضهم للتفكير فى ملكوت السموات والأرض . يقال : حَلاوة القفا وحُلاوة القفا ، بالفتح والضم . وقال أبو عبيد : بالضم ، قال: ويجوز بالفتح وليس بمعروف ، وحلاوة القفا بالفتح ممدود ، وحلاوى بالضم مقصور . وحكى أبو على : حلاوا [ القفا ] (٧) ممدود أيضا . وفى بعض روايات البخارى : أنه وجده على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه (٨) . وكبد البحر : وسطه ، وكبد كل شىء: وسطه. والطنفسة : بساط صغير كالنمرقة ، يقال بكسر الطاء والفاء وضمهما ، وبكسر الطاء وفتح الفاء ، وهو الأصح . وحكى أبو حاتم فتح الطاء وكسرها . وقوله: ((فقال - يعنى موسى -: [ عليكم السلام] (٩))): فيه تسليم الماشى والمجتاز على المقيم، والقاعد والمضطجع. ورد الخضر عليه [ ثم] (١٠) قال: ((أنّى بأرضك السلام ؟!))، أى من أين يأتى ، بمعنى حيث وكيف وأين ومتى . وهذا يدل أن السلام لم يكن عندهم معروفا إلا فى خاصة الأنبياء والأولياء ، أو كان موضع لقياهم ببلاد (١) الكهف : ٦٢ . (٣) من هامش ح . (٢) الكهف : ٦٣، ٦٤ . (٤) البخارى، ك التفسير، ب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ ٦/ ١١٣ . (٦) لفظة زائدة ليس لها معنى ، والكلام يستقيم بدونها . (٨) البخارى، ك التفسير، ب ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما﴾ ١١٣/٦. (٩) فى ح : السلام عليكم . (٥) من هامش ح . (٧) فى هامش ح . (١٠) من ح . ٣٧٢ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام أَوْ قَالَ: عَلَى حُلاَوَةَ الْقَفَا - قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِه ، قَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى . قَالَ : وَمَنْ مُوسَى؟ قَالَ : مُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ . قَالَ: مَجِىءٌ مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لتُعَلِمَنِى مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَّنْ تَسْتَطِعَ مَعِيَ صَبَّرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَاَ لَمْ تُحِطْ بَهِ خَرًا﴾ (١). شَىءٌ أُمِرْتُ بِهِ أَنْ أَفْعَلَهُ إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ. قَالَ: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَّ أَمْرًا . قَالَ فَإِنِ اتََّعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾(٢). قَالَ : انْتَحَى عَلَيْهَا. قَالَ لَهُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ◌َقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٣). فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غْمَانًا يَلْعَبُونَ. قَالَ: ((فَانْطَلَقَ إِلَى الكفر ومن لا يعرف السلام . وقوله : ((يجىء ما جاء بك)) : كذا ضبطناه مرفوعاً غير منون عن أبى بحر ، ومنونا عند غيره ، وتنوينه أظهر ، ومعناه : أى يجىء لأمر عظيم جاء بك ، وقد تجىء ((ما)) للتعظيم والتهويل لقوله: ((لأمر ما تدرعت الدروع، ولأمر ما سود من سود)) (٤)، ويكون (( جاء بك)) خبر هذا المبتدأ . وقوله: (( فحملوهما بغير نول))، قال الإمام: يعنى بغير جعل . والنول والنوال: العطاء . وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ : الإمر: العجب ، والإمر من أسماء الدواهى . قال القاضى : وقيل : النوال (٥) : الجعل . والنال والنيل والنوال: العطاء ابتداء. وقوله: ((فانتحى عليها)): يريد السفينة ، يريد: اعتمد عليها وقصد خرقها . قيل: وفى خرقه السفينة مخافة أخذ الغاصب لها حجة فى النظر فى المصالح للخلق فى [أخف] (٦) الشرين ، والإغضاء على بعض المناكر مخافة أن يتولد من تغييرها ما هو أشد وأكبر ، وجواز فساد بعض المال لصلاح بقيته . وفيه خصاء (٧) بعض الأنعام لسمنها وقطع بعض آذانها لتتميز . وفى قتل الغلام دليل على مراعاة الذرائع وقطع أسباب الشر . (١) الكهف : ٦٧، ٦٨ . (٣) الكهف : ٧١ - ٧٣ . (٥) فى ح : النول . (٢) الكهف : ٦٩ - ٧١ . (٤) سبق تخريجه . (٧) فى ح : خصى . (٦) من ح . ٣٧٣ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام أَحَدِهِمْ بَادِىَ الرَّأَىِ فَقَتَلَهُ، فَذُعرَ عِنْدَهَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَعْرَةً مُنْكَرَةً. قَالَ: ﴿أَقَتَّلَتَ نَفْسًا زَاكِّيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدَّ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ (١). فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّه ◌ِ عِنْدَ هَذَا الْمَكَان - : (( رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى، لَوْلا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبهِ ذَمَامَةٌ . قَالَ: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾ (٢) وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ)). قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ: (رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِى)) كَذَا: رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا. «فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامًا فَطَافَا فِى الْمَجَالسِ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ﴿فَأَبَوْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَاَ جِدَرًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ﴾ (٣) وَأَخَذَ بَثَوْبِهِ . قَالَ : وقوله: ﴿غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾: دليل على أنه كان غير بالغ. قال أهل اللغة: [ الغلام: اسم للمولود من حين يولد إلى أن يبلغ ، فينقطع عنه ] (٤) اسم الغلام ، وهذا يرد على من ذكر أن الغلام صاحب الخضر كان بالغاً واحتج بقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ ؛ إذ لا يقتص إلا من بالغ. ولا حجة له فى ذلك ؛ إذ لا يعلم كيف كان شرعهم فى ذلك ، ولعله كان عموماً فى كل نفس ، بل الظاهر أن قوله : ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ تنبيه على إنكار قتله لمن لا يجب قتله عنده إلا للقصاص وحده. واحتج - أيضا - قائل ذلك بقوله: (( وكان كافرا)) فى قراءة من قرأ كذلك ، ولا حجة فيه ؛ إذ لم يثبت فى المصحف ، ولأنه سماه بمآل أمره. وفى قوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ دليل على القصاص ، وأنه كان فى شرع من/ قبلنا مشروعًا. وقوله فى الرواية الأخرى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا ﴾ غلمانا يلعبون، فانطلق إلى أحدهم بادى الرأى فقتله. كذا عند شيوخنا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِيَ الرَّأي﴾ (٥)، قرئ بالهمز والتسهيل ، فمن همز فمعناه : ابتداء الرأى وأوله، ومعناه فى هذا الحديث : أنه انطلق إليه مسارعاً لقتله دون روية ، ومن لم يهمز فمعناه فى الآية : ظاهر الرأى ، وهنا أيضا ظهر له رأى فى قتله من البداء ، وهو ظهور رأى بعد آخر ، ويُمَدُّ البداء ويقصر ، يقال : بدا لى أن أفعل كذا: أى ظهر . ١/٥ وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زاكية﴾ وقرئ: ﴿زَكِيَّةٌ﴾ : أى طاهرة لم تذنب ولم يبلغ الخطايا . وهذا يصحح كونه غير بالغ . (١) الكهف : ٧٤ . (٣) الكهف : ٧٧ ، ٧٨ . (٥) هود : ٢٧ . (٢) الكهف : ٧٦ . (٤) فى هامش ح . ٣٧٤ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام ﴿سَأُنَبِئُكَ بِتَأْوِيلٍ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ إِلَى آخر الآيَةِ (١). «فَإِذَا جَاءَ الَّذِى يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرَقَةً فَتَجَاوَزَهَا فَأَصْلِحُوهَا بِخَشَبَةٍ . وَأَمَّ الْغُلَّمُ نَطُبعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِراً، وَكَانَ أَبَوَهُ قَدْ عَطَفَ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ﴾ُ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (٢) . ( ... ) وحدّثْنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ. ح وَحَدَّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، كِلاَهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ بِإِسْنَادِ النَّيْمِىِّ عَنَّ أَبِى إِسْحَقَ، نَحْوَ حَدِيْثِهِ . ١٧٣ _ ( ... ) وحدّثَنَا عَمْرُوَ النَّاقدُ، حدَّثَنَا سِفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبٍِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِىُّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ النََِّّ ◌َ قَرَأَ: ((لَتَخِذَّتَ عَلَيْهِ أجْرًا)) . ١٧٤ - ( .. ) حدّثَنِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ عُبِّدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّهُ تَمَرَىّ وقوله: ﴿فَخَشِيْنَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (٣) : قيل: هو من قول الخضر ، والخشية هنا على بابها، وقيل: هو من قول الله - عز وجل، ومعنى (( خشينا)): علمنا ، وقيل: كرهنا . ومعنى ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: أى يلحق ذلك بهما . وقيل: يحملهما عليه ، ومعنى ﴿طُغْيَانًا﴾: أى زيادة فى الكفر واستكثارًاً منه ، وأصل اللفظة الزيادة ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ (٤) . وقوله: ﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةٌ ﴾: قيل: إسلامًا، وقيل: صلاحًا. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: قيل : رحمة بوالديه [ وبراً ] (٥)، وقيل: ترحمًا به، وقيل: هو من الرحم والقرابة. قيل: كانت أنثى ، وقيل: ذكرا. وقوله : ((وكان الغلام طبع [ يوم طبع ] (٦) كافراً)): فيه حجة بينة لأهل السنة ومذهبهم فى الطبع والدين والأكنة والأغشية والحجب والسد ، واشتباه هذه الألفاظ الواردة (١) الكهف : ٧٨ ، ٧٩ . (٣) الكهف : ٨٠ . (٥) ساقطة من الأصل ، واستدركت فى الهامش . (٢) الكهف : ٨١، ٨٢. (٤) الحاقة : ١١ . (٦) من ح . ٣٧٥ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنِ الْفِزَارِىُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: هُوَ الْخَضِرُ. فَمَرَّ بهمَاً أُبَىُّ بَنُ كَعْبِ الأَنْصَارِىُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَّاسِ فَقَالَ: يَا أَبا الطُّفَيْلِ، هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَإِنِّى قَدْ تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَّذَا فِى صَاحِبٍ مُوسَى الَّذِى سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ الله عَّهُ يَذْكُرُ شَأَنَهُ؟ فَقَالَ أَبِىُّ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله بَ يَقُولُ: (( بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلأَ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لا ، فَأَوْحَى اللهِ إِلَى مُوسَى: بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ)). قَالَ: «فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّ، فَجَعَلَ الله لَهُ الْحُوتَ آيَةً ، وَقِيلَ لَهُ : إِذَا انْتَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَّاهُ فَسَارَ هُوَسَى مَا شَاءَ الله أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾(١). فَقَالَ فَتَّى مُوسَى - حينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيَهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (٢). فَقَالَ مُوسَى لفتَاهُ: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدًّا عَلَىْ آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (٣). فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ الله فِى كِتَابِهِ)): إِلا أَنَّ يُونُسَ قَالَ: فَكَانَ يَنَبِعُ أَنَرَ الحُوتِ فِی البِحْرِ . فى الشرع من أفعال الله تعالى بقلوب أهل الكفر والضلال . ومعنى ذلك عندهم: خلق الله فيها ضد الإيمان وضد الهدى، وهذا على أصلهم فى أن العبد [ لا قدرة ] (٤) له إلا ما أراده الله وقدره عليه وخلقه له ، خلافاً للمعتزلة والقدرية القائلين بفعل العبد من قبل نفسه، وقدرته على الهدى والضلال ، والخير والشر، والإيمان والكفر . وأن معنى هذه الألفاظ تسمية الله لأصحابها وحكمه عليهم بذلك ، أو خلقه تعالى على مذهب آخرين منهم علامة لذلك فى قلوبهم ، أو كتبه كتابة بذلك فيها تعلم منها الملائكة الفرق بين المؤمن والكافر، أو تيسير أسباب الكفر والضلال المفضية لما قدر عليه من ذلك عند آخرين ، أو خلقه ذلك عند المعتزلة فى الكفار بعد كفرهم ؛ عقوبة لهم على ما ارتكبوه من كفرهم ، ومنعهم من الرجوع إلى الإيمان بعده ، ويخرجون عندهم عن أن يؤمروا بالإيمان أو ينهوا عن الكفر ، وهذا الهوس لا ينجيهم ، ولا يخلصهم من نقض أصلهم فى التعديل والتجويز ومخالفة مذهبهم فيه الذى بنوا عليه ضلالتهم . والحق الذى لا امتراء فيه أن الله يفعل ما شاء كما فى مبتدأ الذرء: ((هؤلاء للجنة ولا أبالى ، وهؤلاء للنار ولا أبالى))(٥) فالذى قضى أنهم للنار طبع وختم على قلوبهم وغشاها وأكنها ، وجعل من بين أيديها سدًا ومن خلفها سداً وحجابًا مستوراً ، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا ، وفى قلوبهم مرضا ؛ ليتم سابقته فيهم وتمضى كلمة (١) الكهف : ٦٢ . (٤) فى ز: لا يكون ، والمثبت من ح . (٣) الكهف : ٦٤ . (٢) الكهف : ٦٣ . (٥) أحمد ٢٣٩/٥ . ٣٧٦ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام قضاء عليهم ، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ، [ سبحانه ] (١) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله . ٥/ ب / وقوله: ﴿جِدَاَرًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ (٢): [ أى ] (٣) يسقط بسرعة. قال الكسائى: إرادة الجدار هنا ميله ، وقيل: هو على مجاز كلام العرب ، واستعارتنا اللفظ [ هنا ميله ، وقيل: هو ] (٤) لما يطابق معناه ، وتشبيه منتهاه ، فلما قرب الحائط من الانقضاض كان كمن يريد أن يفعل ذلك . وقوله ((ولكن أخذته من صاحبه ذمامة)) بفتح الذال المعجمة . قيل: معناه : استحياء، وقيل: هو من الذمام، أى لما كان [ شرطه ] (٥) عليه من الفراق ، وأنه لا يسأله عن شىء بعدها ، قال ذو الرمة : أو تقضى ذمامة صاحب ويقال: أخذته من مذمة بالفتح والكسر معاً ، وقيل: فى ذِمَّتَكَ هذا أو يقضى ذمامة ، ويكافئه عليه ويطرح عنه الذم لترك مكافأته ، وهذا حسن هنا لائق بهذا المكان ، وذلك أنه اعتذر له أولا [ بالنسيان ] (٦)، كما قال الله تعالى عنه، وكما جاء فى الحديث: (( كانت الأولى من موسى نسيانا)) ، وقيل: إنه لم ينس ، ولكنه من معاريض الكلام ، قاله أبى ابن كعب . ولم ينس فى الثانية فلم يعتذر بذلك واستحيى منه، وقال له : ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِنِي﴾ (٧). هذه معنى الذمامة ، أى الاستحياء من تكرار مخالفته ، وقد روى مثل هذا عن النبى - عليه الصلاة والسلام - قال: (( استحيى نبى الله موسى))، ويكون من الذم بمعنى اللوم، قال صاحب العين : وذممته ذماً: لمته، ويعضده قول الخضر هنا: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك﴾ (٨). وقوله : ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنَزٌ لَّهُمَا﴾ (٩): قيل: كان لوحًا من ذهب ، فيه مكتوب فى جانب منه: (( بسم الله الرحمن الرحيم . عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يغضب (١٠)، عجبت لمن أيقن بالموت ثم يضحك(١١)))، وفى رواية: ((عجبت لمن أيقن بالموت ثم أمِن))، وفى الرواية الأخرى: ((عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها)) (١٢)، وفى الرواية الأخرى: ((أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدى ورسولى))، وفى الشق الآخر: «أنا (١) من ح . (٢) الكهف : ٧٧ . (٣) فى هامش ح . (٤) سقط من ح . (٥) فى الأبى : شارطة. (٦) فى ز : باللسان ، والمثبت من ح . (٧) الكهف : ٧٦ . (٨) الكهف : ٧٨ . (٩) الكهف : ٨٢ . (١٠) فى ح: غضب. وانظر: ابن عساكر ٦/ ٣٥٧. (١١) فى ح : ضحك . (١٢) الترغيب ١٨٩/٣، ابن عساكر ٣٥٧/٦، الكنز ٩٣٧/١٥ برقم (٤٣٦١٠). ٣٧٧ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام الله الذى لا إله إلا أنا وحدى، لا شريك لى، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأخدمته على يديه ، والويل لمن خلقته للشر وأخدمته على يديه)). وقيل: كان الكنز مالاً مدفونا ، وقيل: الموضع الذى التقيا فيه وهو مجمع البحرين ، الذى نص الله عليه . قال أبى بن كعب : إفريقية . وقال ابن سيرين: القرية هى الأيلة، ورأيت فى الكتاب المظفرى أنها قرية خلف الأندلس ، ورواه عن الطبرى . وقوله آخر الحديث: (( وجاء عصفور حتى وقف على حرف السفينة ، ثم نقر فى البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمى وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر)) (١): هذا على طريق التمثيل ، وعلم الله لا يدخله النقص والزيادة . والمراد [ها] (٢) هنا راجع إلى ما أخذ العصفور لا يظهر أنه نقص من البحر شيئا لقلته فى كثرة ماء البحر وعظمته ، كما لا يظهر هذا ولا يبين ، حتى كأنه لم يأخذ شيئا ، كذلك ما أعلمه أنا وتعلمه أنت من معلومات الله ، لا تجزئ هذه النقطة التى أخذ العصفور من البحر. ونسبة ذلك إلى معلومات الله فى التمثيل نسبة تلك إلى البحر، وهذا كقوله: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾(٣). وذكر النقص هاهنا على المجاز ، أو يرجع فى حقهما ، أى ما نقص علمنا مما جهلنا من / معلومات الله إلا مثل هذا فى التقدير والقلة . وقد جاء نحو ما أشرنا إليه من التمثيل مفسراً فى حديث ابن جريج فى البخارى، فقال: (( ما علمى وعلمك فى جنب علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر)) (٤) . فأوقع العلم هنا موقع المعلوم ، وقد يؤتى بالمصدر مكان المفعول كقولهم: درهم ضرب الأمير . ٦ / ١ [ وقال بعض من أشكل عليه هذا اللفظ ] (٥): والمعنى المراد بإلا هنا ولا: أى ما نقص علمى وعلمك من علم الله ، ولا ما أخذ هذا العصفور من البحر ، أى أن علم الله لا ينقص ولا يجوز ذلك عليه وهذا لا يضطر إليه لما بيناه . وقوله عَّ: ((رحمة الله علينا وعلى أخى موسى))، وقوله : وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه: ((رحمة الله علينا وعلى أخى فلان)): فيه جواز بداية الإنسان بنفسه فى الأدعية وأشباهها ، بخلاف ما يكون من أمور الدنيا ، فإن تأخير الإنسان فيه نفسه وتقديم اسم غيره أدب . · (١) حديث رقم (١٧٠) من هذا الباب . (٢) من ح . (٣) الكهف : ١٠٩ . (٤) البخارى، ك التفسير، ب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ﴾ ٨٩/٤. (٥) سقط من ز ، والمثبت من ح . ٣٧٨ كتاب الفضائل / باب من فضائل الخضر عليه السلام واختلف السلف فى البداية بعنوان الكتاب ، فذهب كثير منهم إلى تقديم الكاتب اسمه على اسم المكتوب إليه [ ما كان . وذهب آخرون إلى تقديم اسم المخاطب المكتوب إليه](١)، إلا مثل الأمير إذا كتب لمن دونه ، والأب لابنه أو عبده ، وما أشبه هذا . قال بعض العلماء: وفى قصة موسى والخضر أصل من أصول الشريعة عظيم ؛ فى أنه لا حجة للعقول عليها ، وأن لله أسرار فيها يطلع على بعضها ، ويخفى ما شاء منها ، وحكماً هو أعلم بمراده بها ، فلا يجب الاعتراض بالعقول على ما لا يفهم منها ، ولا ردها كما فعل أهل البدع ؛ بل يجب التسليم لما صح وثبت من ذلك . وفيه أنه لا تحسن العقول ولا تقبح ؛ وإنما ذلك للشرع ، ألا ترى إلى ظهور قبح قتل الغلام ، وخرق السفينة فى الظاهر ؛ ولهذا اشتد نكير موسى لذلك ، فلما أطلعه الخضر على سر ذلك ومراد الله فيه ، وأن ذلك لم يقضه عن أمره ، بان له وجه الحكم فيه، وكل ذلك محنة من الله وابتلاء لعباده ؛ ليميز الخبيث من الطيب ، وليبلو إسرارهم . وفى إخباره عن حالة السفينة لو لم تخرق من غصب الملك لها ، وحالة الغلام لو لم يقتل وكبر ، من إرهاق أبويه طغيانا وكفرا ؛ دليل على [أن] (٢) مذهب أهل الحق فى علم الله بما لا يكون . وفى جملة هذه القصة علامات كثيرة وآيات بينة للأنبياء والأولياء ، وخرق العادة لهم، لاسيما على من لا يقول بنبوة الخضر ، ويرى أنه ولى من أولياء الله وصفى من أصفيائه . (١) فى هامش ح . (٢) ساقطة من ح . ٣٧٩ - كتاب فضائل الصحابة / باب من فضائل أبى بكر ... إلخ بسم الله الرحمن الرحيم ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة رضى الله تعالى عنهم (١) باب من فضائل أبى بكر الصديق رضى الله عنه ١ - (٢٣٨١) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَعَبْدُ الله بْنُ عَبْد الرَّحْمَن الدَّارِمِىُّ - قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - حَبَّنُ بْنُ هلَاَل، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالك؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكينَ عَلَى رُؤُوسَا وَنَحْنُ فِى الْغَارِ. فَقُلْتُّ: يَا رَسُولَ اللهِ ، لَوْ أَنَّ أَحْدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: (( يَا أَبَا بَكْرِ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا)) . فضائل الصحابة قال الإمام أبو عبد الله : أما تفضيل الصحابة بعضهم على بعض ، فقد ذهب فرقة إلى الإمساك عن هذا ، وأنه لا يفضل بعضهم على بعض ، وقالت: هم كالأصابع فى الكف ، فلا ينبغى أن نتعرض للتفضيل بينهم . وقال من سوى هؤلاء بالتفضيل ، واختلفوا فيه اختلافا كثيراً . فالخطابية تفضل عمر بن الخطاب ، والراوندية تفضل العباس ، والشيعة تفضل علياً ، وأهل السنة تفضل أبا بكر - رضى الله عنهم . واختلف القائلون بالتفضيل ، هل الذى يذهبون إليه من مقطوع به أم لا ؟ وهل هو فى الظاهر والباطن أم فى الظاهر خاصة ؟ فذهبت طائفة إلى أن المسألة مقطوع بها ، وحكى عن أبى الحسن الأشعرى ميل إلى هذا ، وأن الفضل / مرتب فى الأربعة على حسب ترتيبهم فى الإمامة . وأما القاضى أبو بكر بن الطيب (١) فإنه يراها مسألة اجتهاد ، ولو أهمل أحد العلماء النظر فيها أصلاً حتى لم يعرف فاضلاً من مفضول ما حرج ولا إثم ، بخلاف سائر الأصول التى الحق فيها واحد ، ويقطع على خطأ المخالف ، وهذه لا يقطع فيها على خطأ (١) فى ز : الخطيب ، والمثبت من ح ، وهو الصواب . ٦ / ب كتاب فضائل الصحابة / باب من فضائل أبى بكر ... إلخ ٣٨٠ ٢ - (٢٣٨٢) حدّثنا عَبْدُ الله بْنِ جَعْفَرِ بْن يَحْبَى بْنِ خَالد، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنِ ، عَنْ أَبِى سَعِيد؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِثْبَرِ فَقَالَ: ((عَبْدٌ خَّرَهُ اللهِ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ)) . فَبَكَى أَبُو بَكْر، وَبَكَى. فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِعَهُ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أُبُو بَكْرِ أَعْلَمَنَا به . ء من خالف من المجتهدين . وفى المدونة: سئل مالك : أى الناس أفضل بعد نبيهم - عليه الصلاة والسلام ؟ فقال: أبو بكر . ثم قال: أو فى ذلك شك ؟ فقيل له : فعلى وعثمان؟ قال: ما أدركنا أحدًا ممن اقتدى به يفضل أحدهما على صاحبه ، ونرى الكف عن ذلك . وقول مالك: ((أو فى ذلك شك؟)) كان (١) يشير به إلى المذهب الذى حكيناه عن القائلين بالقطع ، ولكنه أشار إلى التوفيق بين على وعثمان ، وهذا مساهمة لمن حكينا عن الوقف [ فى الكل ] (٢) وللمرخصة مالك بهذين . وقد مال إلى قريب من هذا أبو المعالى فقال : أبو بكر ثم عمر ، ويتحالج الطيور فى عثمان وعلى - رضى الله عنهم - وهذا اللفظ نحو ما وقع لمالك . وأما الحكم بالتفضيل ظاهرًا خاصة أو باطنا وظاهرًا ، فإن فى ذلك قولين للعلماء . والقاضى أبو (٣) الطيب نصر كل واحد من المذهبين واحتج له ، ولكن تعويله فى ظاهر كلامه على أنه حكم بالظاهر لا بالباطن عند الله سبحانه . وقد يكون من يظهر لنا أنه أفضل من غيره ذلك الغير عند الله أفضل منه ، ولذلك وقع الاختلاف بين العلماء فى عائشة وفاطمة - رضى الله عنهما - أيتهما أفضل ؟ واحتجت [ كل ] (٤) طائفة بما وقع من التفضيل لمن فضلته فى بعض الأحاديث ، والمسألة لا تبلغ القطع . وقد وقف الشيخ أبو الحسن الأشعرى فى هاتين وتردد فيهما . ولا معنى التعويل على تعدية عائشة لكونها مع النبى - عليه الصلاة والسلام - فى الجنة فى درجته ، وكون فاطمة مع على - رضى الله عنهما - فى درجته، ودرجة النبى عَّ أعلى من درجة على؛ لأن ذلك إنما حصلت عليه لأجل النبى - عليه الصلاة والسلام - وكون الزوجة تابعة لزوجها لا لأجل نفسها لو انفردت . وكذلك قوله فى عائشة - رضى (١) فى ح : يكاد . (٢) فى هامش ح . (٣) فى ح : ابن . (٤) من ح .