النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الفضائل / باب رحمته عَّة الصبيان ... إلخ
أنَسِ ابْنِ مَالِك، قَالَ: مَارَأَيْتُ أحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعَيَالِ مِنْ رَسُول اللّهِ عَّهُ. قَالَ: كَانَ
إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فى عَوَاَلَى الْمَدِينَةِ ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ ، فَيَدْخُلُّ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ
ودورورسوم
لَيُدَّخَنُ ، وَكَانَ ظَثْرُهُ فَيْنَا ، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبُّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ.
قَالَ عَمْرُو: فَلَمَّا تُوُفِّى إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَهُ: ((إنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِى، وَإِنَّهُ مَاتَ
فيِ النَّدْىِ، وَإِنْ لَهُ لَظِْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فىِ الْجَنَّةَ)) .
٦٤ - (٢٣١٧) حدّثْنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ وَأَبُوْ كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ
مسترضعًا له فى عوالى المدينة، فكان ينطلق)) الحديث، إلى قوله: ((وكان ظئره قَيِنْا
فيأخذه فيقبله ثم يرجع)). كذا رواية الأكثر: ((أرحم بالعيال))، وهو ظاهر سياق
الحديث، وفى بعض الروايات: (( بالعباد)). فيه خلقه - عليه السلام - فى الرحمة التى
وصفه الله بها ، فقال: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم﴾ (١)، وسماه نبى الرحمة . وفيه حب
الذرية ، وجواز الاسترضاع ، وتقبيل الولد والصغير ورحمته . والحديث الآخر مثله .
ومعنى قوله: (( وإنه مات فى الثدى وإن له لظئرين مرضعانه فى الجنة)) . أى مات
فى سن رضاع الثدى أو تغذية الثدى .
قال الإمام : الظئر : المرضعة ، وجمعه ظؤار ، هو جمع شاذ . قال ابن السكيت :
لم يأت ((فعال)) بضم الفاء جمعًا إلا تؤام جمع توأم ، وظؤار جمع ظئر ، وعراق جمع
عرق، ورخال جمع رخل ، وفرار جمع فرير ، وهو ولد الظبية ، وغنم رباب جمع شاة
ربا. قال ابن ولاد : وهى الشاة الحديثة العهد بالنتاج .
قوله : القين الحداد ، وأيضًا العبد . والقينة الأمة ، وأيضًا المغنية، وأيضًا الماشطة.
قال القاضى : جاء بالظئر هنا للمذكر . قال الخليل : يقع للمذكر والمؤنث . قال
أبوحاتم : الظئر مؤنثة من الناس والإبل إذا عطفت على ولد غيرها ، ويجمع ظؤار . قال
ابن الأنبارى : وأظوار ، ولا يقال : ظور . وحكى أبو زيد في جمعه ظؤرة أيضًا . قال
الهروى: ولا يجمع على فعلة إلا أربعة أحرف : ظئر وظؤرة ، وصاحب وصحبة . وفاره
وفرهه ، ورائق ودوقة.
ذكر مسلم أبا سيف وأم سيف ظئرى إبراهيم ابن النبى - عليه السلام . وأبو سيف
هذا هو البراء بن الغنوى ، وأم سيف زوجته هى (٢) أم بردة ، واسمها خولة بنت المنذر
الأنصارية .
(١) التوبة : ١٢٨ .
(٢) فى ز : على.

-
٢٨٢
كتاب الفضائل / باب رحمته عيّة الصبيان ... إلخ
وَأَبْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبيه، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَبِ عَلَى رَسُول
اللّهِ عَ، فَقَالُوا: أَنْقَبِّلُونَ صَبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللّه مَا نُقَبِّلُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( وَأَمْلِكُ إنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ)).
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْر: (( مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ)) .
٦٥ _ (٢٣١٨) وحدّثَنِى عَمْرٌوَ النَّاقدُ وَابْنُ أبى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ
عَمْرُوْ: حَدَّثَنَا سَفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ ؛ أنَّ الأَقْرَعَ بْنَ
حَابِس أَبْصَرَ النَّبِىَّ ◌َّهُ يُقَبَّلُ الْحَسَنَ. فَقَالَ: إنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحدًا
مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((إِنَّهُ مَنْ لا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ)) .
( ... ) حدّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ،
حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ نَّهُ بِمِثْلِهِ.
٦٦ - (٢٣١٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمَ، قَالا: أخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّنَا أَبُو
كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثْنَا أَبُو سَعيد الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ -
يَعْنِى أَبْنَ غِيَاث - كُلُّهُمْ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ زَيّدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِى ظِيَانَ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ
اللّه، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللّهِ: (( مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لا يَرْحَمْهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ)).
...
قوله للذين قالوا: لا يقبلون أولادهم: ((وأملك إن كان الله نزع من قلبك الرحمة))
تفسيره ما جاء فى رواية البخارى: (( وأملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمه)) (١)،
ومعناه: أو أملك منك فى ذلك / حتى أصرفه عنك. اللام هنا بمعنى ((منك))، وقد
تكون الهمزة بمعنى ((لا)) على قول بعضهم فى قوله: ﴿ أَتَهْلِكْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (٢)
إن معنى لا يفعل ذلك .
٢٢٦ /ب
وقوله فى حديث الأقرع بن حابس أنه ذكر له أنه لا يقبل ولده: (( إنه من لا يرحم لا
يرحم)) كلام عام، ليس هو راجع لخصوص رحمة الولد ، إنما هو على عموم الرحمة
(١) البخارى، ك الأدب، ب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ( ٥٩٩٨).
(٢) الأعراف : ١٥٥ .

٢٨٣
كتاب الفضائل / باب رحمته عَّ الصبيان ... إلخ .
( ... ) وحدّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكَيْعٌ وَعَبْدُ اللّه بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعيلَ،
عَنْ قَيْس، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنِ النَّبِّ عْئَةٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَّةَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ
وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبِيْرٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنِ
النَِّىِّ ◌َّهُ . بِمِثْلِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
المشروعة، كما قال فى الحديث الآخر: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله))، وكما
قال: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (١) ((ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى
السماء))(٢). ومن الرحمة واجبة؛ وهى كف الأذى عن المسلمين ، وإغاثة الملهوف ، وفك
العانى ، وإحياء المضطر ، واستنقاذ الغريق ، والواقع فى هلكته وتسميته .
ومن ذلك : سد خلة الضعفاء والفقراء من الواجبات ، فهذا كله من لم يرد حق الله
فيه عافية الله ومنعه رحمته إذا أنفذ عليه وعيده ، وإن شاء عفا عنه وسمح له بفضل رحمته
وسعتها .
(١) أحمد ٢٠٤/٥، ٢٠٦، ٢٠٧، البخاري، ك الجنائز، ب قول النبى عنه: يعذب الميت ببكاء أهله عليه
إذا كان النوح من سنته ( ١٢٨٤)، مسلم ، ك الجنائز، ب البكاء على الميت ( ٩٢٣ / ١١)، أبوداود ،
ك الجنائز ، ب فى البكاء على الميت ( ٣١٢٥)، ابن ماجه ، ك الجنائز ، ب ما جاء فى البكاء على الميت
(١٥٨٨) .
(٢) الترمذى، ك البر والصلة، ب ما جاء فى رحمة المسلمين (١٩٢٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

٢٨٤ -
كتاب الفضائل / باب كثرة حيائه معَّه.
صَلى الله
(١٦) باب کثرة حیاته
٦٧ - (٢٣٢٠) حدّثَنِى عُبَيْدُ اللّه بْنُ مُعَاذ، حَدَّثْنَا أَبِى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ، سَمِعَ
عَبْدَ اللّه ابْنَ أبى عُتْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَتِى وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانِ. قَالَ زَّهَيَّرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٌّ ، عَنَّ
شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبِّدُ اللّهِ بْنَ أبِى عُتْبَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدَ الْخُدْرِىَّ
يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ عَّهِ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فى خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَقْنَاهُ
فيِ وَجْهِهِ .
٠٠
٦٨ _ (٢٣٢١) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثْنَا جَرِيرٌ ،
عَنِ الأعْمِش ، عَنْ شَقيق ، عَنْ مَسْرُوق ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْد اللّه بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ
مُعَاوِيَةُ إِلَى الَكُوْفَةِ، فَذَكَّرَ رَسُولَ اللّهِ لَّهُ. فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مَّتَفَحَّثًَا. وَقَالَ:
قوله : ((كان رسول الله # أشد حياء من العذراء فى خدرها)): العذراء: البكر
التى لم تفرغ بعد عذرتها . الخدر : ستر يجعل للجارية [ فى ناحية البيت .
وقوله : ((كان إذا كره شيئًا عرفناه ] (١) فى وجهه)): أى لا يبدى الكراهة بالكلام ،
ولا يؤاخذ أحدًا بما يكره ، وإن تغير لذلك وعرف فى وجهه . والحياء من الأخلاق
المحمودة ، ومن خصال الإيمان ، مالم يخرج إلى الضعف والمهانة . وقد تقدم [ الكلام
فى](٢) أول الكتاب .
جاء فى سند هذا الحديث : حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وأحمد بن سنان
كذا لجمهور الرواة والطبرى : أحمد بن سنان ، وهو غلط ، وليس عنده أحمد بن يسار،
وإنما هو أحمد بن سنان العطار خرجا عنه جميعا .
وقوله : (( ولم يكن فاحشا ولا متفحشا (٣))): أصل الفحش : الزيادة والخروج عن
الحد . قال الطبرى : الفاحش : البذيء . قال ابن عرفة : الفواحش عند العرب :
القبائح. وقال الهروى : الفاحش ذو الفحش ، والمتفحش : الذى يتكلف ذلك ويتعمده ،
وقد يكون الذى يأتى الفاحشة .
وقوله : ((إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً)) وفى وصف النبى عَّ فى الحديث بعد:
(٣) فى ح : أو متفحشًا .
(١، ٢) سقط من ز .

٢٨٥
كتاب الفضائل / باب كثرة حيائه ﴾﴾.
قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: ((إنَّ مِنْ خَيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أخْلاقًا)) .
قَالَ عُثْمَانُ : حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ .
( ... ) وحدّثَنَاه أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيِّبَةَ، حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ . ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْر ،
حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ - يَعْنِى الأحْمَرَ - كُلُّهُمْ عَّنِ
ء
الأعْمَشِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مثْلهُ .
أحسن الناس خلقا ، حسن الخلق من صفات الأنبياء والأولياء . وحسن الخلق اعتدالها بين
طرفى مذمومها ، ومخالفة الناس بالجميل منها ، والبشر والتودد لهم ، والإشفاق عليهم ،
والاحتمال ، والحلم والصبر فى المكاره (١) ، وترك الاستطالة والكبر على الناس والمؤاخذة،
واستعمال الغضب والسلاطة والغلظة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ [الْقَلْبِ] (٢)
لا نفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣). وحكى الطبرى اختلاف السلف فى الخُلُق ، هل هى غريزة غير
مكتسبة أو مكتسبة؟ [ والصحيح أن منها ما يخلق الله تعالى عليه العبد، وأنها تكتسب ] (٤)
أيضا ، ويتخلق بها ، ويقتدى بغيره فيها ، وينشأ عليها ، حتى يصير له كالغريزة .
(١) فى ز : والمكاره.
(٢) ساقطة من الأصل .
(٣) آل عمران : ١٥٩.
(٤) سقط من ز ، والمثبت من ح .

٢٨٦
كتاب الفضائل / باب تبسمه عَّه وحسن عشرته
(١٧) باب تبسمه ◌َّ وحسن عشرته
٦٩ - (٢٣٢٢) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْب ،
قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالسُ رَسُولَ اللّهِ تَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَثِيرًا. كَانَ لا
يَقُومُ مِنْ مُصَلَاءُ الَّذِى يُصَلِّى فِيهِ الصّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ ، وَكَانُوا
يَتَحَدِّثُّونَ فَيَأْخُذُونَ فَىِ أمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَبَسَّمُ مَّهُ .
وقوله : (( كان لا يقوم من مصلاة الذى صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا
طلعت قام)): هذه سنة مستحبة ، كان السلف وأهل العلم يلتزمونها ويقتصرون فى ذلك/
الوقت للذكر (١) والدعاء حتى تطلع الشمس ، وتحين صلاة الضحى .
٢٢٧ /١
وقوله : (( كانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية ، فيضحكون ويتبسم )» : فيه جواز
الخبر والحديث(٢) عن أخبار الجاهلية وغيرها من الأمم ، وجواز الضحك ، وأن التبسم هو
المستحسن منه ، اللائق بأهل الفضل والسمت ، وهو كان أكثر ضحكه - عليه السلام .
ويكره الإكثار من الضحك ؛ لأنه يميت القلب ، كما قال لقمان ، وهو من خلق أهل
البطالة والسفه.
وقوله : ((كان إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء ، فما يؤتى بإناء (٣)
إلا غمس يده فيها ، فربما جاؤوا فى الغداة الباردة ، فغمس يده فيها )) (٤) : كانوا يفعلون
ذلك تبركًا بما لمسه وأدخل يده فيه ، وفيه صبره - عليه السلام - وحسن خلقه ومشاركته
الجميع ، وإجابة دعوة الصغير والكبير ، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(٥).
(١) فى ح : على الذكر .
(٢) فى ز : فى الحديث.
(٣) فى ز : بآنية .
(٤) حديث رقم ( ٧٤ ) من هذا الكتاب.
(٥) القلم : ٤ .

٢٨٧
كتاب الفضائل / باب رحمة النبىّ عَّ للنساء ... إلخ
(١٨) باب رحمة النبىّ عَّ للنساء
وأمر السواق مطایاهن بالرفق بهن
٧٠ _ (٢٣٢٣) حدّثَنَا أَبُو الرَّبيع الْعَتَكِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعید وَاُبُو کامل،
جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ أَبُو الرَّبيع: حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أبى قلاَبَةً ،
عَنْ أَنَس ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ عَّهِ فِى بَعْضِ أسْفَارِهِ، وغُلامٌ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ،
يَحْدُو. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ عَّهِ: (( يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ، سَوْقًا بَالْقَوَارِيرِ)) .
( ... ) وحدّثنا أبو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو كَامِل، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ
ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ . بِنَحْوِهِ .
٧١ - ( ... ) وحدّثَنِى عَمْرٌوَ النَّاقدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، كلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أُيُوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ؛ أنَّ النَّبِىَّ ◌َّهُ أَنَى عَلَى
وقوله للحادى - وكان حسن الصوت -: (( رويدك سوقًا بالقوارير)) وفى
رواية: ((رويدًا لا تكسر القوارير)) يعنى: ضعفه النساء فسره كذا فى الحديث ، وقول أبى
قلابة: (( تكلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه))، قال الإمام: ((رويدك ))
معناه : رفقك ، يقال : سار سيرا رويدًا ، أى سيرا رفيقا ، وأصله من رادت الريح ترود
روداناً : إذا تحركت حركة خفيفة ورويد تصغير رود ، وقد يوضع رويد موضع الأمر فيقال:
رويد زيدًا، أى أرود زيدًا. والإرواد الرفق فى المشى وغيره .
وقوله: (( سوقك بالقوارير )) شبهن بها لضعف عزائمهن ، والقوارير يسرع إليها
الكسر . وكان أنجشة يحدو بهن ، وينشد من القريض والرجز ما فيه شبيب ، فلم يأمن أن
يفتنهن أو يقع بقلوبهن حداؤُه ، فأمره بالكف عن ذلك .
قال الإمام: وجاء فى كتاب مسلم: ((لا تكسر القوارير)): يعنى ضعفة النساء،
فكأن هذا يخرج على غير ما تأوله الهروى .
قال القاضى : ذهب بعض المفسرين إلى نحو مما أشار إليه . من أن المراد به الرفق فى
السير ، وترك حث الإبل ؛ لئلا يسقط النساء عند قوة حركة السير بالحداء؛ لقلة ثباتهن فى
الركوب، بخلاف الرجال ، فيسقطن فينكسرن كالقوارير . والتفسير الأول أشبه بمقصده -

٢٨٨
كتاب الفضائل / باب رحمة النبىّ عَّه للنساء ... إلخ
أَزْوَاجِه، وَسَوَّاق يَسُوقُ بهنَّ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، فَقَالَ: (( وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدًا سَوْقَكَ
بِالْقَوَارِيرِ)).
قَالَ : قَالَ أُبُو قلابَةَ: تَكَلَّمَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ بِكَلِمَة لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا
ء
٠٢٠
عَلَيْه.
٧٢ - ( ... ) وحدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ ،
عَنْ أَسِ بْنِ مَالِك. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِل حَدَّثَنَا يَزِيُد. حَدَّثَنَا التَّيْمِىُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك .
قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمِ مَعَ نِسَاءِ النَّبِىِّ عَّهُ، وَهُنَّ يَسُوقُ بِهِنَّ سَوَاقٌ. فَقَالَ نَبِىُّ اللّهِ عَّ: ((
أَىْ أَنْجَشَةُ، رُوَيّدًا، سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ )) .
٧٣ - ( .. ) وحدّنَا ابْنُ الْمُنْتِى، حَدَّثْنَا عَبَدُ الصَّمَدِ، حَدّثَنِى هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ،
سے
عَنْ أَنَس، قَالَ: كَانَ لِرَسُول اللّهِ عَُّ حَادِ حَسَنُ الصُّوْتِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ عَّ: ((
رُوَيّدًا يَا أَنْجَشَةُ، لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ)) يَعْنِى ضَعَفَةَ النِّسَاءِ .
عليه السلام - وبمقتضى (١) اللفظ .
وقد قيل : الغناء رقية الزنا ، وهو الذى يدل عليه كلام أبى قلابة المتقدم آخر الحديث،
وإلا فلو عبر بذلك عن الكسر والسقوط لم يغلب على أحد .
وانتصب ((رويدًا)) هنا على الصفة للمصدر المحذوف ، أى سر سيرًاً رويدا ، أو سق
سوقًا رويدًا. وإما على الرواية الأخرى: ((رويدا سوقك)) فانتصب رويدًا على المصدر ،
و((سوقك)) منصوب على المفعول به ، أى ارود سوقك رويدا ، وقد يكون نصبًا على عدم
الخافض ، أى ارفق فى سوقك (٢) . وفيه جواز قول الرجل للآخر : ويحك .
٢٢٧ / ب
وجاء فى رواية أخرى فى غير مسلم ((ويلك)). قال سيبويه: ((ويلك)) كلمة تقال
لمن وقع ، وويحك زجر لمن أشرف على الهلاك . وقال الفراء : ((ويح)) و ((ويس))
بمعنى: ويل ، ويح كلمة لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فيرثى له ويترحم عليه ، وويل
بضده ، ووسين تصغير ، أى هى دونهما . وقد تقدم منه ، وقال بعض أهل اللغة : لا
يراد بهذه الألفاظ الدعاء ، وإنما يراد بها المدح والتعجيب .
فيه جواز الحداء والترنم بالأرجاز فى مواضعها ؛ من سوق الإبل ، وقطع الأسفار ،
وإنشاد الرقيق من الشعر بالأصوات الحسنة .
(١) فى ز: تمعيض.
(٢) فى ح : سيرك .

٢٨٩
الفضائل / باب رحمة النبىّ معَّ للنساء ... إلخ.
( .. ) وحدّثَناه ابْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَاَ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ، عَنِ
النَّبَُِّّ. وَلَمْ يَذْكُرْ : حَادِ حِسَنُ الصَّوْتِ .
وفى حديث يحيى بن يحيى فى هذا الباب : كانت أم سليم مع نساء النبى
[كذا لجماعتهم ، وعند السمرقندى : كانت أم سليم ، والأول أصح . وقوله مع نساء
النبى] (١). يصحح ، أعنى من غير نساء النبى .
(١) فى هامش ح .

كتاب الفضائل / باب قرب النبى - عليه السلام - من الناس وتبركهم به
٢٩٠ _
(١٩) باب قرب النبىّ عليه السلام من
الناس وتبركهم به
٧٤ _ (٢٣٢٤) حدّثْنا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أبى النَّضْر وَهَرُونُ
ابْنُ عَبْد اللّه، جَميعًا عَنْ أبى النَّصْرِ. قَالَ أَبُو بَكْرِ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ - يَعْنِى هَاشمَ بْنَ
الْقَاسمَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِت، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك، قَالَ : كَانَ رَسُولُ
اللّهِ عَّهِ إِذَا صَلَّى الْغَدَةَ جَاءَ خَدَّمُ الْمَدِينَةِ بِأَنْيَّتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ ، فَمَا يُؤْتِى بِإِنَاءِ إلا غَمَسَ
يَدَهُ فِيهَا، فَرَبَّمَا جَاؤُوهُ فِى الْغَدَةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَّهُ فِيهَا .
٧٥ _ (٢٣٢٥) حدّثَنَامُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ، عَنْ ثَابت،
عَنْ أَنَس، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتِ رَسُولَ اللّهِ عَّهُ وَالْحَلَاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ به أصْحَابُهُ ، فَمَّا
يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إلا فيِ يَدِ رَجُلٍ .
٧٦ _ (٢٣٢٦) وحدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِت ، عَنْ أَنَس ؛ أنَّ امْرَاةً كَانَ فىِ عَقْلِهَا شَىْءٌ . فَقَالَتْ: يَارَسُولَ اللّه، إنَّ
لى إِلَيْكَ حَاجَّةٌ ، فَقَالَ: (( يَا أمّ فُلانِ، انْظُرِى أَىَّ السِّكَكِ شِئْتِ ، حَتَّى أَقْضِىَ لَكِ
حَاجَتَك))، فَخَلَا مَعَهَا فىِ بَعْضِ الطَّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتَهَا .
وقوله: ((رأيته - عليه السلام - والحلاق يَحْلقه، فما يريدون أن يقع شعره إلا فى
يد رجل)) : فيه ما عرف من تبركهم بكل شىء منه - عليه السلام - لا سيما من جسمه
وذاته ، وفيه حجة على طهارة الشعر من الميت والحى ، وقد مضى الكلام فيه ، واختلاف
العلماء فى شعر الحى وشعر الميت .
م

٢٩١
كتاب الفضائل / باب مباعدته عَّة للآثام ... إلخـ-
(٢٠) باب مباعدته عَّ للآثام، واختياره من المباح أسهله
وانتقامه للّه عند انتهاك حرماته
٧٧ _ (٢٣٢٧) حدّثَنَا قُنْبَةُ بْنُ سَعِيد، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، فَما قُرِئَّ عَلَيْهِ . ح
وَحَدَّنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيِى، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَّالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزَّبَيْرِ،
عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِىِّ ◌َّهُ - أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللّهَ عَّهُ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلا أخَذَ
أَيْسَرَهُمَّا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمَّا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَِّ مَُّ
لِنَفْسِه ، إلا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللّه - عَزَّ وَجَلَّ.
( ... ) وحدّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِير. ح وَحَدَّثَنَا
أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةً ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عَيَاض، كلاهُمَا عَنْ مَنْصُور، عَنْ مُحَمَّد . فى رِوَايَةِ
فُضَيّلِ بْنِ شِهَابٍ . وَفِى رِوَةٍ جَرِيرٍ، مُحِّدِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً .
( ... ) وَحَدَّثَنِيه حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكِ .
٧٨ - ( ... ) حَدَّثَنَاَ أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةَ،
قَالَتْ مَا خُيَِّ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، أحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الْآخَرِ، إلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا،
مَالَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إثمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.
وقول عائشة: ((ما خير رسول الله عَّ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن
إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه)): فيه الأخذ بالأيسر والأرفق ، وترك التكلف
وطلب المطاق ، إلا فيما لا يحل الأخذ به كيف كان ويحتمل أن يكون التخيير هنا من الله
تعالى مما فيه عقوبتان ، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية ، أو فيما يخبره
فيه المنافقون من المواعدة (١) والمحاربة ، أو أمته من الشدة فى العبادة أو القصد . وكان
يذهب فى كل هذا إلى الأيسر. ويأتى قولها: ((مالم يكن إثما)) استثناء مما يخبره فيه
الكفار والمنافقون على وجه . وإن كان التخيير من الله أو أمته فيكون إستثناء منقطعًا ؛ لأنه
لا يصح تخييره هنا فيما فيه إثم .
(١) فى ح : المراوعة .

كتاب الفضائل / باب مباعدته عَّ للآثام ... إلخ
٢٩٢
( .. ) وحدثناه أبُو كُرَيْب وَابْنُ نُمَيْرِ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نُمَيْرِ عَنْ هِشَامٍ ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: أَيْسَرَهُمَا. وَلَمْ يَذْكُرَآَ مَابَعَدَهُ.
٧٩ - (٢٣٢٨) حدّثناه أبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبيه ، عَنْ
عَائشَةَ، قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللّهِ عَُّ شَيْئًا قَطُّبَيَدِه، وَلَا امْرَةً، وَلَا خَادِمًا، إلا أنْ
يَجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ . وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَىْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ ، إلا أنْ يُنْتَهَكَ شَىْءٌ مِنْ
وقولها: ((وما ضرب شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا ، إلا أن يجاهد فى سبيل
الله)): فيه دليل على جواز ضرب النساء والخدم للأدب ؛ إذ لو لم يكن مباحًا لم يتحرج
بالتنزه عنه . وفيه حجة على أن التنزه عنه أفضل بأهل المروءات والفضل .
وقولها: ((وما انتقم رسول الله عَّه لنفسه إلا أن ينتهك حرمة الله)): فيه ما كان
عليه - عليه السلام - من الحلم والصبر . وما كان [ عليه السلام ] (١) من القيام بالحق
والصلابة فيه ، وهذا هو الخلق الحسن المحمود ، فإنه لو كان يترك ذلك كله فى حق الله
تعالى وفى حق غيره كان ضعفا ومهانة ، ولو كان ينتقم أيضا لنفسه فى كل شىء لم يكن
ثَمَّ صبر ولا حلم ولا احتمال ، وكان هذا الخلق بطشًا وانتقاما ، فانتفى عنه الطرفان
المذمان، وبقى وسطها ، وخير الأمور أوسطها ، وكلا طرفى قصد الأمور ذميم .
ويحتمل قوله: ((إلا / أن تنتهك حرمة الله)) استثناء مما تقدم وفى حقه من أذاه -
عليه السلام - فيما فيه غضاضة عن الدين ، فذلك من انتهاك حرمات الله .
٢٢٨ /١
قال بعض علمائنا : لا يجوز أن يؤذى النبى بفعل مباح ولا غيره ، وأما غيره من
الناس فتجوز إذايته بما يباح للإنسان فعله، ولا يباح أن يمنع من إذايته ، واحتج بقول
النبى ◌َّ فى مراده على تزويج بنت أبى جهل، أى لا أحرم ما أحل الله، ((وأن فاطمة
يؤذينى ما أذاها ، ولا يجتمع ابنة رسول الله عَّه وابنة عدو الله عند رجل أبدًا)) (٢)
وبقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ الآية (٣) فأطلق
وعمم ، وقال : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ (٤) . [ فقيد
وشرط ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾] (٥).
(١) من ح .
(٢) البخارى ، ك النكاح، ب ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة والإنصاف (٥٢٣٠)، مسلم ، ك فضائل
الصحابة ، ب فضائل فاطمة بنت النبى معَّه (٩٣/٢٤٤٩)، أبو داود، ك النكاح ، ب ما يكره أن يجمع
بينهن من النساء (٢٠٧١)، الترمذى، ك المناقب، ب فضل فاطمة بنت محمد عبد (٣٨٦٧) وقال: هذا
حديث حسن صحيح ، ابن ماجة ، ك النكاح ، ب الغيرة (١٩٩٨) ..
(٣) الأحزاب : ٥٧ .
(٥) سقط من الأصل ، والمثبت من ح .
(٤) الأحزاب : ٥٨ .
1

٢٩٣
كتاب الفضائل / باب مباعدته عَّ للآثام ... إلخ
مَحَارِمِ اللّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلّهِ - عَزَّ وَجَلَّ.
( ... ) وحدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَوَكَيُّع. ح وَحَدَّثَنَا
أُبُو كُرَيْب، حَدَثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .
قال مالك : كان النبى ◌َّ يعفو عن شتمه ، وقد عفا عن الذى قال له : إن هذه
القسمة ما أريد بها وجه الله . وهذا وإن كان فيه غضاضة على الدين فقد يكون عفوه عنه
لأنه لم يقصد الطعن عليه فى الميل عن الحق ، بل اعتقد أنه من رأى مصالح الدنيا الذى
يصح الخطأ فيه والصواب ، أو كان هذا استئلافًا لمثله كما استألفهم بماله ومال الله رغبة فى
إسلام مثله ، أو تثبيت قومه . وقد مر من هذا عند ذكر هذا الحديث ما فيه كفاية فى كتاب
الزكاة .
وأجمع العلماء أن من سب النبى كفر . واختلفوا هل حكمه حكم المرتد يستتاب ؟ أو
حكم الزنديق [ يقتل لا يستتاب ] (١) ولا تقبل توبته (٢) ؟ وهو مشهور مذهب مالك،
وقول الليث والشافعى وأحمد وإسحق ورأوا أن قتله وإن تاب للحد ، وأن حد من سب
النبى معَّ القتل لا يدفعه التوبة، كما [ لا] (٣) يدفع التوبة حد قذف غيره من المسلمين،
وسواء كانت توبته عندهم بعد القدرة عليه ، أو جاء معترفًا تائبًا من قِبل نفسه . لكن هذا
تنفعه توبته عند الله ، ولا يسقط حد القتل عنه. كذا بينه شيوخنا - رحمهم الله. وقال
أبو حنيفة والثورى: هى كفر وردة [ ويُقبل بتوبته ] (٤) إذا تاب ، وهى رواية الوليد بن
مسلم عن مالك .
واختلفوا إذا سبه الذى بغير الوجه الذى كفر ، فعامة العلماء على أنه يقتل لحق النبى
كالمسلم . وأبو حنيفة والثورى والكوفيون لا يرون قتله ، قالوا : وما هو عليه من الكفر
أشد .
واختلف أهل المدينة وأصحاب مالك فى قتله إذا كان سبه بالوجه الذى كفر به من
تكذيبه أو جحد بنبوته (٥) ، والأصح والأشهر قتله . وقد اختلفوا فى إسلام الكافر بعد
سبه، هل يسقط/ ذلك القتل عنه ؟ فالأشهر عندنا سقوطه ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله .
وحكى أبو محمد بن نصر فى درء القتل (٦) عنه بإسلامه روايتين .
٢٢٨ / ب
وقد يكون قوله: (( إلا أن يكون حرمة الله فينتقم لله منها)) استثناءً منقطعًا أيضا ،
أى لا ينتقم لنفسه وحقوقه الذى له العفو عنها ، وإنما ينتقم لحقوق الله وحدوده التى لا
(١) فى هامش ح .
(٣) ساقطة من ح .
(٥) هكذا فى الأصل ، فى ح : نبوته .
(٢) فى الأصل : يقتل قومه ، والمثبت من ح .
(٤) فى ز : وتقتل توبته .
(٦) فى ح : الحد .

٢٩٤
كتاب الفضائل / باب مباعدته معَّه للآثام ... إلخ
خيار له فى تركها ولا رخصة .
وهذا الحديث أصل مما يجب للحكام وأولى الأمر والقدرة امتثاله بترك الانتقام
لأنفسهم، والتجافى عمن أذاهم تأسيا بالنبى معَّه، وأخذًا بالفضل والخلق الحسن .
وقد أجمع العلماء أن القاضى لا يقضى لنفسه ولا لمن لا يجوز شهادة له .
وذكر مسلم فى الباب : حدثنا زهير بن حرب وإسحق ، جميعا عن جرير ، حدثنا
أحمد بن عبدة ، حدثنا فضيل بن عياض [ كلاهما ] (١) عن منصور عن محمد . وفى
رواية : فضل بن شهاب وفى رواية : جرير عن الزهري عن عروة عن عائشة . كذا رواية
الكافة وهو الصواب . ومحمد - المذكور - هو ابن شهاب ، فزاد فضل فى روايته شبه ابن
شهاب وقال ، جرير عن الزهرى . وجاء فى كتاب ابن الحذاء مشركا له وهما . قال :
وفى رواية فضيل عن ابن شهاب ، فزيادة ابن هنا خطأ يؤذن أن واحدا منهم لم يقل عن
محمد كما ذكر أولاً .
(١) زائدة فى ح .

٢٩٥
عَه ... إلخ
كتاب الفضائل / باب طيب رائحة النبى
(٢١) باب طيب رائحة النبىّعَّه، ولين مسه، والتبرّك بمسحه
٨٠ - (٢٣٢٩) حدّثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ الْقَنَّدُ، حَدَّثَنَا أسْبَاطٌ - وَهُوَ ابْنُ
نَصْرِ الْهَمْدَانِىُّ - عَنْ سِمَاكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول اللّهِعَُّ
صَلَاةَ الأولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِه وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ وَلْدَانٌ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ
أحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. قَالَ : وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى . قالَ : فَوَجَدْتُ لِيَده بَرْداً أوْ رِيحًا ،
كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةٍ عَطَّار.
٨١ - (٢٣٣٠) وحدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِت ، عَنْ
أنَسٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَالَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا هَاشِمٌ - يَعْنِى ابْنَ الْقَاسِمِ -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ ثَابت، قَالَ أَنَسٌّ: مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُ وَلَا مَسْكًا
وَلَا شَيْئًا أطْيَب مِنْ رِيحِ رَسُول اللّهَِّهِ، وَلَا مَسسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيْبَاجًا وَلا حَرِيرًا أَلْيَنَ
مَسّاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَهُ.
٨٢ - ( ... ) وحدّثنى أحْمَدُ بْنُ سَعِيد بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّان، حَدَّثَنَا
قوله : ((استقبله ولدان ، فجعل يمسح خدى أحدهم واحدا واحدا)) : فيه حسن خلقه
وعشرته مع الصغير والكبير وسيطه لهم .
وقوله : ((فوجدتُ لِيده بَرْدًا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار)) : الجونة ، بضم
الجيم ، كالسقط ، يجعل فيه العطار متاعه ، قاله الحربى . وهو مهموز ، وقد يسهل . قال
صاحب العين : هى سليلة مستديرة مغشاة أدمى .
وقول أنس: (( ما شممت عنبرا ولا مسكا أطيب من ريحه عَّ)) ، وقول أم سليم
فى عرقه حين جمعته فى قواريرها: « هو من الطيب أطيب)) (١)، وفى الرواية الأخرى :
((نرجو بركته لصبياننا)) (٢): كانت هذه الحالة حالته - عليه السلام - وإن لم يمس طيبا،
نص عليه فى الحديث .
وقوله: ((إذا مشى [ مشيا ] (٣) تكفأ)): بهمزة آخره . قال شمر : أى مال يمينا
(١) في ح : من أطيب الطيب .
(٣) ساقطة من ح .
(٢) حديث رقم (٨٤) من الباب التالى .

عَّ ... إلخ
كتاب الفضائل / باب طيب رائحة النبى
٢٩٦
حَمَّدُ ، حَدَّثَنَاَ ثَابِتٌّ عَنْ أَنَسِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤْ،
إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَلا مَسسْتُ ديبَاجَةٌ وَلا حَرِيرَةً أَلَيَنَ مِنْ كَفَهِّ رَسُول اللّه عَّهُ، وَلَا
شَمَمْتُ مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةٍ رَسُولِ اللّهِ عََّ.
وشمالا كما تكفأ السفينة . قال الأزهرى : هذا خطأ ، وهذه صفة المختال ، ولم تكن
صفته - عليه السلام - وإنما معناها : أنه يميل إلى سمته ومقصد مشيه كما قال فى الرواية
الأخرى : (( كما ينحط من صبب)).
قال القاضى : لا بعد فيما قاله شمر إذا كان خلقة وجبلة ، والمذموم منه ما كان
مستعملا .

٢٩٧
كتاب الفضائل / باب طيب عرق النبىّ عَّهِ ، والتبرّك به
(٢٢) باب طيب عرق النبىّ عَّه، والتبرّك به
٨٣ - (٢٣٣١) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ - يَعْنِى ابْنَ الْقَاسِمِ - عَنْ
سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابت، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ عَّهِ فَقَالَ عنْدَنَا ،
فَعَرِقَ. وَجَاءَتْ أمِّى بِقَارُورَةٍ، فَجَعَلَتَّ تَسْلُتُ الْعَرَقَ فِيهَا. فَاسْيَّقَظَ النَّبِىُّ عَ فَقَالَ:
((يَا أَمَّ سُلَيْم، مَا هَذَا الَّذِى تَصْنَعِينَ؟)). قَالَتْ: هَذَا عَرَفُكَ نَجْعَلُهُ فى طَيِنَا، وَهُوَ مِنْ
أَطَيَب الطِّيب .
٨٤ _ ( ... ) وحدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَاَ عَبْدُ
الْعَزيز - وهُوْ ابْنُ أَبِى سَلَمَةَ - عَنْ إِسْحِقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالكِ، قَالَ : كَانَ النَّبِىُّعَلَّهِ يَدْخِلُ بَيْتَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فيه : قَالَ :
فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنامَ عَلَى فِراشِها فَأتِيَتُ ، فَقِيلَ لَهَاَ: هَذَا النَّبِىُّ ◌َّهُ نَامَ فِى بَيْتِكِ ، عَلَى
فِرَاشك . قَالَ : فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ ، عَلَى الْفِرَاشِ .
فَفَتَحَتَ عَتَيْدَتَهَاَ فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِى قَوَارِيرِهَا، فَفَرِعَ النَّبِىِّعَّهُ
فَقَالَ: (( مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟)) فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَتِناَ. قَالَ:
(أَصَبْت)).
٨٥ _ (٢٣٣٢) حدثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا
وَهَيْبُ، حَدَّثَنَا أُوبُ، عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ؛ أَنَّ النَِّىَّ عَّهُ كَانَ يَأتيهاَ
وقوله فى حديث أم سليم : أنه كان يدخل عندها فنام على فراشها . ذلك لأنها فيما
ذكر على ما تقدم كانت ذات محرم منه من الرضاعة ، فيه جواز الخلوة مع المحارم ، والنوم
عندهن ، والتبرك بكل ماكان من النبى - عليه السلام - وجواز النوم على الأنطاع والأدم .
٢٢٩ /أ
وقوله : ((ففتحت / عتيدتها)) هى مَنَة للمرأة تعد فيها الطيب . قال صاحب العين :
العتاد الذى تعده للأمر فهى عتيد ، أى يتعد للركوب ومن عتيدة الطيب .
وقوله: ففزع النبى ◌َّه فقال: ((ما تصنعين؟)) أى هب من نومه [ قاله الهروى] (١).
(١) زائدة فى ح.

٢٩٨
كتاب الفضائل / باب طيب عرق النبىّ معَّه ، والتبرّك به
فَيَقِيلُ عِنْدَهَا ، فَتَبَسُطُ لَهُ نَطعاً فَيَقِيلُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ ، فَكَانَتْ تَجمَعُ عَرَقَهُ
فَتَجْعَلُهُ فِى الطِّيبِ وَالْقَوَرِيرِ . فَقَالَ النَّبِىُّ عَهُ: ((يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا؟)) قَالَتْ:
عَرَقَكَ أَدُوفُ بِهِ طِی .
وقولها : ((عرقك أذُوفُ به طيبى)) ، كذا ضبطناه عن أكثر شيوخنا بالذال المعجمة ،
ومعناه: أخلط. وعندنا فى رواية الطبرى: ((أدوف)) بالمهملة ومعناه أيضا : أخلط.
قال ابن دريد : دفت الدواء وغيره بالماء أدوفه ، بالدال المهملة. وقال غيره : وذفته بالمعجمه -
أيضاً - أذيفه، حكى فيه: أذفت رباعى ، وقد تقدم أول الكتاب بأتم من هذا . عند
بعضهم: ((أذك به طيبناً)) وفى رواية: ((الطيب)) وكله متقارب المعنى.

٢٩٩
كتاب الفضائل / باب عرق النبىّ عَّه فى البرد ... إلخ
(٢٣) باب عرق النبى عَُّ فى البرد ، وحين يأتيه الوحى
٨٦ - (٢٣٣٣) حدثنا أَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاَءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هشَام ،
عَنْ أَبِهِ ، عَنْ عَائشَةَ ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللهَِّ فِى الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ ، ثُمَّ
تَفِيضُ جَبَهَتُهُ عَرَقَاً .
٨٧ - ( .. ) وحدثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وحدثنا
أُبُوكَّرَيْب ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ بِشْرٍ، جَمِيعاً عَنْ هِشَامٍ. ح وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله
ابْن نُمَيْرَ - واللَّفْظُ لَهُ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنِ بِشْرِ، حدثنا هِشَامٌ عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ ؛ أنَّ
الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِىَّ ◌َهُ: كَيْفَ يَأْتِكَ الْوَحْىُ؟ فَقَالَ: ((أَحْيَنَّا يَأْتِنِى فِى مِثْلِ
صَلَصَلَةِ الْجَرَسِّ وَهُوْ أَشَدُّهُ عَلَىَّ، ثمَّ يَفْصِمُ عَنِّى وَقَدْ وَعَيْتُهُ ، وَأَحْياناً مَلَكَ فِى مِثْلِ
وقوله فى صفة نزول الوحى عليه: (( أحيانا يأتينى فى مثل صلصلة الجرس وهو أشده
علىّ، ثم يفصم عنى)) ، قال الإمام : صلصلة الجرس : صوته .
قال القاضى : قال أئمتنا : معنى هذا : أن صوت الملك النازل [ عليه ] (١) بالوحى
هو مثل صلصلة الجرس وذلك ليستغرقه عن أمور الدنيا ، ويفرغ حواسه الصوت الشديد ،
حتى لا يسمع غيره فيتخلص لسماعه ، ويفهم ما يلقى إليه وهذا فائدة الغط فى الحديث
الآخر . قال بعضهم : ومثل هذه الحالة تتلقى الملائكة الوحى من الله ؛ بدليل قوله فى
الحديث الآخر: ((إذا [ قضى الله أمرا ] (٢) فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا
لقوله: كأنها سلسلة (٣) على صفوان)).
وقوله: ((فيفصم عنى)) : أى يذهب عنى . ويبين ثم يقلع . يقال منه : فصم
وأفصم ، قال الله تعالى: ﴿ لا انفِصَامَ لَهَا﴾ (٤) أى لا انقطاع وانصداع . الفصم :
الانصداع دون بينونة ، القصم بالقاف : إذا بان (٥) .
وقال لنا الوزير أبو الحسين عن أبيه الحافظ أبى مروان : عبر عن حاله هنا مع الملك
بالقصم بهذا لأن الملك وإن بان عنه وزال فهو غير انفصال بان ، بل الاتصال بينهما موجود
(١) ساقطة من ح .
(٣) فى ح : كأنها صلصلة .
(٥) فى ح : أبان
(٢) فى ح : قضى بالأمر .
(٤) البقرة : ٢٥٦ .

٣٠٠
كتاب الفضائل / باب عرق النبى معَّه فى البرد ... إلخ
صُورَةِ الرَّجُلِ، فَأَعِى مَا يُقُولُ)).
٨٨ - (٢٣٣٤) وحَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ
قَتَادَة، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّنَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامت، قَالَ : كَانَ نَبِىُّ الله
◌َّهِ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ، كُرِبَ لِذَلِكَ، وَتَرَبَّدَ وَجْهُ.
٨٩ - (٢٣٣٥) وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ
قَدَةَ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبِّدِ اللهِ الرَّقَاشِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ : كَانَ
النَّبِىُّمَّ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الَوَحْىُ نَكَسَّ رَأْسَهُ ، وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُؤُسَهُمْ، فَلَمَّا أُتْلِىِ عَنَّهُ
رَفَعَ رَأْسَهُ.
باق والصورة منتظرة .
وقوله: ((وأحيانا يأتينى فى صورة الرجل فأعى ما يقول)) : ذكر هذين الوجهين من
الوحى ولم يذكر الثالث ، وهى الرؤيا . وقد أعلم - عليه السلام - أن رؤيا الأنبياء
وحى (١)؛ لأنهم إنما سألوه عن إتيانهم فى اليقظة، وأما الرؤيا فمشتركة فى كيفيتها غيره
وقد عرفوها ، فلم يشكل عليهم ولا سألوه عنها .
وقوله: ((فأعى ما يقول)) : أى أحفظه وأجمعه فى صدرى ، قال الله تعالى :
﴿وَتَعِيَهَا أُذُنّ وَاعِيَةٌ﴾ (٢) أى حافظة لما سمعت، عاقله به، وقال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
يُوعُون﴾(٣) أی یجمعون فى صدورهم من تكذيبك .
وقوله : ((كرب لذلك، وتربد وجهه))، [ قال الإمام : يقال : كربه للأمر كربا :
أخذ بنفسه، وتربد وجهه ] (٤) : أى تغير . وقال الهروى : ويقال : تربد وجهه وأربد،
أى تلون وصار كلون الرماد. وذكر هذا الحديث، [ ومنه حديث: ((كان إذا نزل عليه
الوحى أربد وجهه))] (٥). ومنه حديث عمرو بن العاص: ((مقام من عند / عمر مربد
الوجه)). قال أبو عبيد: الربدة: لون بين السواد والغبرة ، ومنه قيل للنعام: ربد ، جمع ربد.
٢٢٩ / ب
وقوله: ((فلما أتلى عنه)) : الظاهر أى أراد خلى عنه وترك ، ولكن حكاه ابن
القوطية فى كتاب الأفعال ثلاثياً ، فقال: تليت لى من حقى تلية وتلاوة ومن الشهر كذلك
بقيت ، وتلوت القرآن تلاوة : اتبعت بعضه بعضاً ، والخبر أخبرته ، والشىء تلواً تبعته ،
(١) فى ح : حق .
(٣) الإنشقاق : ٢٣ .
(٥) من ع .
(٢) الحاقة : ١٢ .
(٤) فى هامش ح .