النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
صَّىاللّه
كتاب الفضائل / باب فى معجزات النبى
بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَىْءٌ، فَتَعَمِدُ إِلَى الَّذِى كَانَتْ تُهْدِى فِيه للنَّبِىِّ ◌َِّهِ،
فَتَجِدُ فيهِ سَمْتًا . فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ ، فَأَنَتِ النَّبِىَّ ◌َّهِ فَقَالَ :
((عَصَرْتَيْهَا؟)). قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ: «لَوْ تَرَكْتِهَا مَا زَالَ قَائِمًا)) .
٩ - (٢٢٨١) وحدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبيب، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقُلٌ،
عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابر ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ ◌َّهُ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطَرَ وَسْقِ شَعِير .
فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَأَمْرَأَنْهُ وَضَيِّفُهُمَّاً، حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِىَّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((لَوْلِّمْ
تَكِلُهُ لأَكَلُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَلَكُمْ )) .
١٠ - (٧٠٦) حدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلَىِّ الحَنَفِىُّ،
حَدَّثَنَا مَالِكٌ - وَهُوَ ابْنُ أَنَس، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الَكِىِّ؛ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَائلَةَ أَخْبَرَهُ ؛
أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَّسُولِ اللهِ عَّهَ عَامَ غَزَوَةٍ تَبُوكَ ، فَكَانَ يَجْمَعُ
الصَّلاةَ. فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالَغْرِبَ وَالعشَاءَ جَمِيعًا. حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا
أَخَّرَ الصَلاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهَرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًاَ، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ،
فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالعِشَاءِ جَمِيعًا. ثُمَّ قَالَ:(إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ ، عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ
لَنْ تَأْنُوهَا حَتَّى يُضْحِى النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِىَ )) .
فَجِثْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلانِ. وَالعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبَضُّ بَشَىْءٍ مِنْ مَاءِ. قَالَ: فَسَأَلَهُمَا
رَسُولُ اللهِلَّهُ: ((هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟)). قَالَ: نَعَمْ. فُسَبَّهُمَا النَّبِىُّ عَُّ، وَقَالَ
وذكر فى الباب - أيضاً - حديث مالك فى قصته عام تبوك ، وقد تقدم فى كتاب
الصلاة ، والكلام على مافيه من جمع الصلاتين ، واختلاف الروايات فى تبض وتبص ،
ومعنى ذلك ، فأما هنا فبالضاد المعجمة عند الرواة بغير خلاف .
قال الإمام: (( تبص بشىء منها)) : من رواه بالصاد المهملة معناه : ترق ، يقال :
بصَّ يبص بَصيصاً ، ووبص يبص وبيصا بمعنى . ومن رواه بالمعجمة فمعناه : تسيل ،
يقال : بض وضب بمعنى سال .
وقوله: ((بماء منهمر)): أى كثير شديد الاندفاع، قال الله تعالى: ﴿بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾(١)
أى كثير الانصباب .
(١) القمر : ١١ .

٢٤٢
مِّاته
كتاب الفضائل / باب فى معجزات النبى عليه
لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ . قَالَ : ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ العَیْنِ قَلِيلاً قَلِيلاً ، حتَّى اجتمعَ فِى
شَىْءٌ . قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِلَّهُ فِيهِ يَدَيَّهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا ، فَجَرَت العَيْنِ بِمَاء
مُنْهَمَرَ - أَوْ قَالَ: غَزِيْرٍ ، شَكَّ أَبُو عَلَىِّ أَيُّهُمَا. قَالَ: حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ :
(ُوشِكُ يَ مُعَذُ إِنْ طَالَتَّ بِكَ حَيَاةٌ ، أَنَ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَّ جِنَانًا » .
قال القاضى: وقوله: (( حتى استقى الناس)) : كذا للكافة ، وفى كتاب التميمى :
((حتى أشفى الناس)) بالشين المعجمة ، وهو وهم ، والمعروف الأول ، وتقدم هذا وما فيه
من الآيات الباهرة والعلامات الخارقة من الإعلام بما يكون من شأن العين أولاً ، وأمرهم ألا
٢١٩ / أ يمسوا شيئاً من مائها ومن قوله: ((ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً)) فكأن ذلك كله ، ومن /
تكثير الماء القليل والخبر بهذا مشهور صحيح .
وهذه العلامات المقطوع بها بكثرة الأخبار بها واشتهارها وتواترها من جهة المعنى ،
ولأن الراوى لها والذاكر لها بمجمع الصحابة المخبر عن قصة جرت لهم فى مجمع من
جموعهم ، ومشهد عظيم من مشاهدهم ، وجيش كثير من جيوشهم ، لا يمكن سكوتهم
على مدعى الكذب فيها ، ولا كانوا ممن يداهن فى ذلك ، ولا هو مما يخفى عليهم ؛ إذ هم
الذين توضؤوا وشربوا ، وشاهدوا الأمر المخبر به عنهم ، فكان الحديث عنهم . وكذلك
أحاديثه فى تكثير الطعام من هذا الباب ، وعلى هذا الأسلوب .
وقد بسطنا الكلام فى هذا وبيناه ، وذكرنا أعيان الأحاديث ، ومن روى كل واحد
منهما من الصحابة ، ومن رواه عنهم من التابعين بمبلغ علمنا ومنتهى إدراكنا ، وما اتصل
الكلام بذلك فيه فى كتاب: ((الشفاء)) بما يغنى عن إعادته هنا .
-------- - --
وقوله: ((فسبَّهما رسول الله عَّه، وقال لهما ما شاء الله أن يقول)): فيه تأديب
الحاكم باللسان ، والسب غير المقزع نفسه . ذكر مسلم هنا حديث أم مالك ، وأنها كانت
تهدى للنبى فى عكة لها [ بين أقياتها ] (١) بنوها فسيكون (٢) للإدام وليس عندهم
شىء، فتعمد إليها، فتجد فيها سمناً ، فما زالت تقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها (٣) .
وقول النبى لها: ((عصرتيها ، لو تركتيها ما زالت قائمة)) مما تقدم ، وذكر الحديث
فى الذى أطعمه النبى ◌َّى شطر وسق شعير ، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى
كاله. فقال: ((لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم)): أى ولبث ودام، ويروى: (( بكم))
أى لكفاكم وأغناكم . فيه رد الظرف المهدى فيه إلى صاحبه ، وفى المثل المعروف : رد
الظروف .
(١) فى ح : سمنا فيأتيها.
(٣) فى ح : عصرته .
(٢) فى ح : فسألوها .

٢٤٣
كتاب الفضائل / باب فى معجزات النبى
١١ - (١٣٩٢) حدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بَلال، عَنْ
عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَّاسِ بْنِ سَهْلَ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِىٌّ، عَنْ أَبِى حُمَّيْد، قَالَ: خَرَجْنَا
مَعَ رَسُول الله عَّهِ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأَنَيْنَا وَادِىَ القُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لَامْرَأَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ الله
◌َّةُ: ((اخْرصُوهَا))، فَخَرَصْنَاهَا، وَخْرَصَهَا رَسُولُ اللهِ عَُّ عَشْرَةَ أَوْسُقُ. وَقَالَ:
((أَخْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ، إِنْ شَاءَ اللهُ)) . وَنْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ. فَقَالَّ رَسُولُ الله
تَُّ:( سَتَهُبَّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُكَّ
وفيه أن هذه الأمور الكونية يجب ألا ينقضى أمرها وتترك مهملة لا تدخل تحت
التقدير ، ومثله حديث شعير عائشة ، وأنها [ لما ] (١) كالته فنى ؛ لأن كيلها وعصرها
وتَقَصىِّ ما فيها مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله ويقضى على تقدير مالا يحصيه التقدير
من سعة فضل الله ، وتكلف لما لا طائل وراءه ، فعوقب فاعله بأن رفعت تلك البركة عنه ،
ورد إلى قوته وحوله التى تكلفها - والله أعلم .
هذا هو وجه التأويل فيه ، وظاهر معناه ، وإن كان بعضهم تأول فى حديث عائشة أنه
لما أكالته (٢) عرفت قدره بقى على حسابها ، وكانت أولاً لم تؤزره ، فطال ذلك فى ظنها،
ولم يجعل فى ذلك الله بينة ولا بركة . وظاهر الحديث يرد قوله ، لاسيما مع ما فى هذا
الحديث من قوله - عليه السلام -: ((لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام بكم)) ، فقد نص
على ضد ما قاله هذا الشارح والله الموفق / برحمته .
٢١٩ / ب
ومعنى ((مقيم لها أدم بيتها)»: أى يكفيها ونفسها (٣) . ومنه: قوام العيش، أى
كفايته وما يغنى منه. وكذلك قوله: (( ما زال قائماً)). ويحتمل أن يريد ثابتاً دائماً .
والعكة ، بضم العين: للسمن، وهى أصغر من القربة. ((وشطر وسق الشعير)) : .
نصفه .
وذكر حديث أبى حميد فى خرص النبى عَّه حديقة المرأة : فيه جواز الخرص ، وقد
تقدم فى الزكاة . ولا خلاف عندنا فيه فى التمر والعنب فى الزكاة . واختلف فى الزرع
والزيتون .
وقوله : (( ستهب عليكم الليلة ريح شديدة ، ولا يقيم فيها أحد )) وأن الريح هبت ،
فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ . فيه آية بينة من إعلامه - عليه السلام -
بالغيوب وما يكون .
(١) ساقطة من ز .
(٣) فى ح : ويغنيها .
(٢) فى ح : كالته .

٢٤٤
صَّاللّه
عليه
كتاب الفضائل / باب فى معجزات النبى
عقَالَهُ))، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَىْ طَيِّئْ. وَجَاءَ
رَسُولُ ابْنِ العَلْمَاءِ - صَاحِبِ أَيْلَةَ - إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ بِكِتَابٍ، وَأَهْدِى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ .
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عَّهُ ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِىَ القُرَى . فَسَأَلَ
رَسُولُ اللهَ عَِّ الَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: ((كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟)). فَقَالَتْ: عَشْرَةَ أَوسُقْ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((إِنِّى مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِىَ ، وَمَنْ شَاءَ فَلَيَمْكُثْ)) .
فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الَدِينَةِ. فَقَالَ: ((هذه طَابَةُ ، وَهَذَا أُحُدٌ ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا
وَنُحِبُّهُ)) . ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِىَ النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِى عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ
دَارُ بَنِى عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجَ، ثُمَّ دَرُ بَنِىَ سَاعِدَةَ، وَفِى كُلِّ دُّورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ)) .
فَلَحِقْنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَمَّ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ خَيَّ دُورَ الأَنْصَارِ،
وقوله : ((وجاء [ رسول ] (١) ابن العلماء - صاحب أيلة - إلى رسول الله عَّه
وأهدى له بغلة بيضاء. (( ابن العلماء)): بفتح العين المهملة وسكون اللام الممدودة ، وهذه
البغلة هى ((دلدل)) بغلة النبى معَّه المعروفة، لكنه قال هنا ما ظاهره أنها أهديت له فى
غزوة تبوك ، وقد كانت عنده . قيل : وحضر عليها يوم حنين ، ولم يرو أنه كان للنبى
◌َّ بغلة سواها ، ولعله يعنى أنه أهداها له قبل هذا ، كأنه قال : والذى أهدى له البغلة .
وقد تقدم الكلام فى قبول النبى عمَّه الهدايا ، ورده لما رد منها ، وحكم غيره فى ذلك
من الأئمة .
وتقدم الكلام فى قوله: (( هذا جبل يحبنا [ونحبه ] (٢))) .
وقوله: (( خير دور الأنصار بنو النجار)) الحديث: المراد بها أهلها ، والدور القبائل
هنا ، وفضلهم بالسبق إلى الإسلام . وفيه جواز التفضيل والتخيير بين الناس ، [ وإنزال
كل أحد منزلته . وقد كره بعض العلماء التفضيل بين الناس ] (٣) ، وهذا - والله أعلم -
لغير ضرورة، إما للحاجة إلى ذلك فى التعديل والتجريح فى الشهادات [ والحديث ] (٤)
والولايات ، فمضطر إليه محتاج لذكره واعتقاده ، وهذا ليس بغيبة .
وقوله: ((ثم دار بنى عبد الحارث من الخزرج)): كذا للسعدى (٥) [الفارسى ] (٦)
[ والواو مثل ] (٧) ، وهو وهم ، والصواب بنو الحارث .
(١) ساقطة من ز ، ح .
(٤) ساقطة من ح .
(٧) سقط من ح .
(٢) ساقطة من ز .
(٣) فى هامش ح .
(٦) ساقطة من ز .
(٥) فى ح : العذرى .

٢٤٥
صَّاللّه
كتاب الفضائل / باب فى معجزات النبى
فَجَعَلَنَا آخرًا. فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللهِ عَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، خَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ
فَجَعَلْتَنَا آخِرًا. فَقَالَ : ((أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ )) .
١٢ - ( ... ) حدَّثَنَاه أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفََّنُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ المَخْزُومِىُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى
بَهَذَا الإِسْنَادِ، إِلى قَوْلِهِ: (( وَفِى كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ )) . وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ قِصَّةً
سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. وَزَادَ فِى حَديث وُهَيِّب: فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَّهُ بَيَحْرِهِمْ . وَلَمْ يَذْكُرْ
فِى حَدِيثٍ وُهِبٍ: فَكَتَّبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِعَهُ .
وقوله: ((وكتب له رسول الله عَّ ببحرهم (١)، وأهدى له بردة)»: أى ببلدهم.
والتجار (٢) : القرى فيه المكافأة على الهدية، وجواز الإقطاع.
(١) فى ز: بتحرهم ، والصواب ما أثبتناه من المتن وح. وهو حديث رقم ١٢.
(٢) فى ح : البحار.

٢٤٦
كتاب الفضائل / باب توكله على الله تعالى ... إلخ
(٤ ) باب تو کله على الله تعالى، وعصمة الله تعالی له من الناس
١٣ - (٨٤٣) حدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَاد -
وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِّى ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سِنَانِ بْنٍ أَبِى سِنَّانِ
الدُّؤَلِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولُ اللهِتَُّ غَزْوَةَ قَبَلْ نَجْدَ ، فَأَدْرَكَنَا
رَسُولُ اللهِ لَّهِ فَى وَدِ كَثَيْرِ العِضَاهِ. فَتَزَّلَ رَسُولُ اللهِ تَّهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ
بِغُصْنِ مِنْ أَغْصَانِهَا. قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فى الوَادِى يَسْتَظُّونَ بِالشَجَرَ . قَالَ : فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عَةٍ:((إِنَّ رَجُلاً أَثَانِى وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّفَ فَاسْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِى،
فَلَمْ أَشْعُنَ إِلَّ وَالَُّ صَلْنَا فِى يَدِهِ . فَقَالَ لِى: مَنْ يَمْتَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ: قُلْتُ : اللهُ. ثُمَّ
قَالَ فِى الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ : قُلْتُ: الله. قَالَ : فَشَامَ السَّيْفَ . فَهَا هُو ذَا
جَالِسٌ))، ثُمَّلَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسَّولُ اللهِ عَلٍّ .
١٤ - ( ... ) وحدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ، قَالا:
أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى سِنَانُ بْنُ أَبِى سِنَانِ الدُّؤَلِيُّ
وقوله: ((أدركنا رسول الله عَّه فى واد كثير العضاه)): هى كل شجر ذات شوك ،
واحدها عضه وعضاهة .
وقوله : فنزل رسول الله عَّه تحت شجرة وعلق سيفه بغصن من أغصانها ، وأن رجلا
أتاه وهو نائم فأخذ السيف، فاستيقظ النبى معَّه وهو قائم على رأسه بالسيف صَلْتًا،
وقال: من يمنعك منى؟ فقال النبى معَّه: [ ((الله)) ] (١)، فشام السيف، [ ثم ] (٢) لم
يعرض له رسول الله ، قال الإمام: قوله: ((السيف / صلتاً)) أى مجرداً . قال ابن
قتيبة : فيه لغتان : بفتح الصاد وضمها ، يقال: شام السيف : إذا أغمده ، ويقال : شام
السيف : إذا سله وإذا أغمده ، وهو من الأضداد .
٢٢٠ / أ
قال القاضى : فيه تعليق السيوف بالشجر ، ونوم المقاتلة (٣) فى الجيوش ، وعصمة
(١، ٢) سقطتا من ز .
(٣) فى ح : القائلة .
--- -

٢٤٧
كتاب الفضائل / باب توكله على الله تعالى ... إلخ
وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْد الرَّحْمَن؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْد الله الأَنْصَارِىَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ
عَُّ - أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ غَزَاَ مَعَ النَّبِىِّ ◌َّهُ غَزْوَةٌ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِىُّ عَّهُ قَفَلَ مَعَهُ،
فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ يَوْمًا . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَمَعْمَرٍ .
( ... ) حدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّنُ، حَدَّثْنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثْنَا يَحْيَى
ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَات
الرِّفَاعِ . بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ. وَلَّمَ يَذْكُرْ: ثُمَّلَمْ يَعْرِضْ لَّهُ رَسُولُ اللهِ عَهُ.
النبى ◌َّهُ من أعدائه، وهى إحدى آياته، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ (١)
وفيه ما كان - عليه السلام - من الحلم والعفو والتوكل والتواضع .
واسم هذا الرجل : غورث بن الحارث ، بفتح الغين المعجمة . وبعضهم بضمها ،
والفتح الصواب . وبعض رواة البخارى قيده بالعين المهملة ، وبالمعجمة الصواب . وقال
الخطابى فى حديثه : غويرة أو غويرث على التصغير والشك (٢) . وقد جاء مثل هذا الخبر
فى حديث آخر وسمى الرجل فيه : دعثور بن الحارث .
(١) المائدة : ٦٧ .
(٢) انظر: غريب الحديث للخطابى ١ / ٣٠٧، ٣٠٨ .

٢٤٨
كتاب الفضائل / باب بيان مثل ما بعث النبى معَّه من الهدى والعلم
(٥) باب بيان مثل ما بعث النبيّ ◌َّهُ من الهدى والعلم
١٥ - (٢٢٨٢) حدَّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْئَةَ وَأَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ
العَلَاء - وَاللَّفْظُ لأَبى عَامر - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى
مُوسَىَ ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ قَالُ: ((إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِى اللهُ بِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنَ الهُدَى وَالعِلَمِ
كَمَثَلِ غَيْثِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيَِّةٌ، قَبَلَت المَاءَ فَأَنْبَتِ الكَلَ وَالعَشْبَ
وقوله: (( مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً ، فكانت
منها طائفة طيبة ، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، ومنها أجادب أمسكت الماء
فنفع الله بها الناس ، فشربوا منها وسقوا ورعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هى قيعان
لا تمسك ماء ولا تنبت كلا. فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به
[فعلم](١) وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به)):
هذا بديع فى الشبه وتقسيم الكلام ، ويدل (٢) بعضه (٣) على بعض وجاء الترتيب بعد
مجملاً ، ورده رداً واحداً مرتباً على ما قبله ، ولعله (٤) آخراً فى كلام واحد ، وهو من
بديع الإيجاز والبلاغة ، فإنه ذكر ثلاثة أمثلة ضربها فى الأرض : اثنان منها محمودان ، ثم
جاء بكلام واحد تضمن لما جاء به اثنان منها محمودان ، وذلك قوله: (( فذلك مثل من فقه
فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به، فعلم وعلم))، فهذان مثالا المثالين الأولين على
ترتيبها (٥) فى التقديم والتأخير .
والأول: مثل الأرض التى قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، فانتفعت بالرى (٦)
وأكثر فى نفسها وأنفع (٧) الناس بالرعى لما أنبته ، وهذا كالذى يفقه فى نفسه وعلم ما
يحمله ، وعلَّمه الناس .
والثانى : من يحمل ما تحمَّله ولم يفتح له بالتفقه فيه ، لكنه حفظ ما يحمله ، وعمل
منه بما يُسّر له، وبلغه غيره، فهذا مثل الذى أمسكت الماء وإليه يرجع قوله: (( فشرب
الناس وسقوا)). وقوله بعد هذا: ((ورعوا)) راجع إلى الأول؛ إذ ليس فى هذا المثال أنها
أنبتت شيئاً وهو مثل جمع المثلين .
والثالث : من لم يهتبل بما بلغه ، ولا رفع به رأساً ، ولا قبله كالقيعان والصفا التى
(١) ساقطة من ز .
(٤) فى ح : لفّه .
(٧) فى ح : وانتفع .
(٣) فى ح : بعضهم .
(٢) فی ح : رد .
(٦) فى ح : الرعى.
(٥) فى ح : ترتيبهما .

٢٤٩
كتاب الفضائل / باب بيان مثل ما بعث النبى عٍَّ من الهدى والعلم
الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادبُ، أَمْسَكَتِ الَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا
وَرَعَوْا ، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِىَ قِيْعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبَتُ كَلأَ، فَذَلِكَ
مَثَلُ مَنْ فَقُّهَ فِى دِيْنِ اللهِ، وَفَعَهُ بِمَا بَعَنِى الله بِهِ ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنَ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِّكَ
رَاسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِىِ أُرْسِلْتُ بِهِ» .
لا تنبت ولا تمسك ماء .
وقوله: ((قبلت الماء)): كذا (١) رويناه هنا بالباء بواحدة بغير خلاف . واختلف فيه
الرواية فى صحيح البخارى (٢) عن شيوخه ، ففى بعضها قيلت بياء باثنتين تحتها مشددة ،
فزعم الأصيلى وغيره أنه تصحيف . وقال غيره : بلْ هو صواب ومعناه بمعنى / قيلت
[ أى ] (٣) شربت. والقيل: الشرب نصف النهار ، وقيلت الإبل : شربت قائلة . وقال
غيره : معناه : جمعت وحبست ورويت ، فهى بمعنى قيلت أيضاً . قال أبو عبيد البكرى
فيما قرأته بخطه : قال أبو بكر : تقيل الماء بالمكان المنخفض : اجتمع فيه .
٢٢٠ / ب
قال الإمام: وقوله: ((سقوا ورعوا)) : يقال: سقيت وأسقيت بمعنى واحد . قال
لبيد .
نميراً والقبائل من هلال
سقى قومى بنى نجد وأسقى
قال القاضى : وقيل : سقيته : ناولته [ ماء ] (٤) فشرب، وأسقيته : جعلت له
سقياً .
وقوله: ((رعوا))، قال الإمام : يقال : رعت الماشية النبات : أكلته ، وأرعاها الله:
أى أنبت له (٥) ما ترعاه ، وأنشد ابن قتيبة :
يأكل من طيب والله يرعيها
كأنها ظبية تعطوا إلى فنن
وقوله: ((ومنها أجادب)): [ قال القاضى: لم يروه إلا هكذا بالدال المهملة ] (٦).
قال الإمام : قوله : ((كان منها أجادب)): كذا ذكره بالمعجمة . وقال الخطابى :
الأجادب : صلاب الأرض التى تمسك الماء فلا يُسرع إليه النضوب (٧) . وقال بعضهم :
((أحازب)) بالحاء والزاى، وليس بشىء، وقال بعضهم: ((أجادب)) بالجيم والدال ،
وهو صحيح إن ساعدته الرواية . قال الأصمعى: الأجادب من الأرض: ما لم ينبت الكلأ،
(١) ساقطة من ز .
(٣) ساقطة من ز .
(٥) فى ح : لها .
(٧) انظر : أعلام الحديث ١ / ١٩٨ .
(٢) البخارى ، ك العلم، ب فضل من علم وعلم ( ٧٩) ..
(٤) ساقطة من ح .
(٦) فى هامش ح .

٢٥٠
كتاب الفضائل / باب بيان مثل ما بعث النبى عَّهُ من الهدى والعلم
معناه: أنه أجرد بارزة، لا يسترها النبات. وقال بعضهم: إنما هى: ((أخاذات)) سقط
منها الألف فى (١) الأخاذات مشاكات الماء واحدتها أخاذة.
وهى أمثال ضُربت لمن قبل الهدى فتعلم وعلم ، ولمن لم يقبل ، ولمن انتفع ولم
ينفع (٢) .
وفى حديث البخارى: ((فكان منها ثغبة قبلت الماء)) (٣)، والثغبة: مستنقع الماء فى
الجبال والصخور ، وهو الثغب أيضا ، ويجمع على الثغاب .
قال القاضى : قدمنا أنا لم نرو هذا الحرف هنا ولا فى غير هذا الكتاب ، وكذا فى
البخارى إلا بالدال المهملة من الجدب الذى هو ضد الخصب ، وعليه شرح الشارحون ،
قالوا : وأجادب جمع جدب على غير قياس ، وكان القياس أن يكون جمع [ أجدب ،
ومثله محاسن جمع حسن ، وكان قياسه أن يكون جمع ] (٤) محسن ، ولم يسموا ،
وكذلك متشابه جمع شبه ، وقياسه جمع مشبه (٥) .
وقد رواه بعضهم أيضاً : (( أجارد))، وحكاه الهروى جمع أجرد ، وهو ما لا نبات فيه .
وأما حكايته عن البخارى: (( فكان منها نقية قبلت الماء )) (٦) تفسيره جمع مستنقع الماء
فى الجبال ، [ إما ما قال ] (٧) فغلط من الرواية وإحالة لمعنى الحديث ؛ لأن تفسير الثغبة
إنما يمكن تخرجه (٨) من الطائفة الثانية لا فى الأولى . وما روينا هذا الحرف عن البخارى
من جميع الطرق، إلا ((فكان منها نقية))، وهو مثل قوله فى كتاب مسلم: (( طائفة طيبة ))
هى (٩) التى توصف بأنها تنبت الكلأ والعشب، وأما الأخرى فوصفها بإمساك الماء فقط ،
وهذه هى بمعنى الثغب فكان فيبطل التشبيه الأول ، والثغب ـــ كما ذكر - حفير ليستنقع فيه
٢٢١ / أ الماء / وهى الماء الصافى المستنقع بها نقب (١٠) أيضا.
(١) فى ح : و .
(٢) فى ح : يشفع .
(٣) البخارى، ك العلم، ب فضل من علم وعلم (٧٩) .
(٤) فى هامش ح .
(٥) فى ح شبيه .
(٦) سبق تخريجه .
(٧) فى ح : إلا ما قاله .
(٨) فى ح : تخريجه .
(٩) فى ح : فهذه .
(١٠) فى ح : ثقب .

٢٥١
.كتاب الفضائل / باب شفقته عَّه على أمته ... إلخ
(٦) باب شفقته عَّ على أمته ، ومبالغته
فی تحذیرهم مما يضرهم
١٦ - (٢٢٨٣) حدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ بَرَادِ الأَشْعَرَىُّ وَأَبُو كُرَيْب - وَاللَّفْظُ لأَبى
كُرَيْب - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عِنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُّوسَى ، عَنِ النَِّيِّ
◌َُّ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَى وَمَثَلَ مَا بَعَثَنَى اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلِ أَنَى قَوْمَهُ. فَقَالَ: يَاقَوْمٍ، إِنِّى رَأَيْتُ
الجَيْشَ بِعَيْنِى، وَإِنِّى أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ. فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِه ، فَأَدْلَجُوا
فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ
وقوله: فى التمثيل فى الحديث الآخر: ((أنا النذير العريان))، قال الإمام : قال
[ الهروى ] (١): خص العريان لأنه أبين فى العين (٢) . قال ابن السكيت : والنذير
العريان : رجل من جثم حمل عليه ، يؤذى الخليفة ، عوف بن مالك اليشكرى ، فقطع
يده ويد امرأته ، وكانت كتابية .
قال القاضى: بقى من تمام الخبر ما فيه تفسير ، وهو أنه كان يخص قومه على قيس ،
فضرب به المثل، [ وقيل: إنما قيل: ((النذير العريان)) لأنه سلبه، فأتى قومه عريانا](٣).
وقيل : بل قيل ذلك لأن الرجل إذا رأى ما يوجب إنذار قومه تجرد من ثيابه ، وأشار بها ؛
ليعلمهم بما دهمهم . وقيل : بدء المثل فى قصة أوذانى داود ، وقيل : النهرانى لهم
وسجن النعمان له وتجهيزه جيشه إلى بهذا الانتصار الأبى (٤) داود وتجهيز النهرانى امرأته
إلى قومه، فلما وصلتهم تعرت ، وقالت : أنا النذير العريان .
قال الإمام: وقوله: ((فإذا لجوا)) (٥) أى ساروا من أول الليل ،يقال: أدلج إدلاجاً،
والاسم الدلج والدلجة بفتح الدال ، فإن خرجت آخر الليل قلت : أدلجت بتشديد الدال
أدلج إدلاجاً ، والاسم الدلجة بالضم . قال ابن قتيبة : ومن الناس من يجيز الوجهين فى
كل واحد منهما ، كما يقال : برهة من الدهر وبرهة .
وقوله: ((فالنجاء)) قال ابن ولاد: يقال بالمد والقصر [ وهو بعيد ونحو علمه ] (٦).
وقوله: (( فَصَبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم)) : أى أصابهم وغلبهم ، ويقال :
(١) فى هامش ح .
(٣) فى هامش ح .
(٥) فى ح : فأدلجوا .
(٢) انظر: غريب الحديث للهروى ١ / ٢٣٠.
(٤) فى ح : النبى .
(٦) فى ح : وهو مصدر انج .

٢٥٢
كتاب الفضائل / باب شفقته عَّه على أمته ... إلخ
فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِى وََّعَ مَا جِئْتُ بِهِ ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِى وَكَذَّبَ
مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ)).
١٧ - (٢٢٨٤) وحدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا الْمُغيرَةُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَن القُرَشىّ،
عَنْ أَبِىِ الزَّادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَهُ: ((إِنَّمَا مَثَلَى وَمَثَلُ
أُمَّتَّى كَمَثَلَ رَجُل اسْتَوْقَدَ نَارًا ، فَجَعَلَت الدَّوَابُ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ ، فَأَنَا آخذٌ بِحُجَزِكُمْ ،
وَأَنْتُمْ تَفَخَّمُونَ فِيْهِ » .
( ... ) وحدَّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَبْنُ أَبِى عُمَرَ ، قَالا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِىِ الزَّنَادِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ .
١٨ - ( ... ) حدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام
ابْنِ مُنَبِّه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هَرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهُ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِعَّهُ: (( مَثَلَى كَمَثَلَ رَجُلُ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَّلَ الفَرَاشُ
وَهَذه الدَّوَاَبُّ الَّتِى فِى النَّارِ يَقَعْنَ فِيَّهَا، وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَنَفَحَّمْنَ فِيهَا. قَالَ :
فَذَلِكُّمْ مَثَلِى وَمَثَلُكُمْ ، أَنَا آَخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ ،
فَتَغَلُونِى تَقَخَّمُونَ فِيهَا » .
حاجتهم السنة تحوجهم حوجاً وحياجة .
قال القاضى : المعروف فى النجاء إذا أفرد المد ، وحكى أبو زيد فيه القصر أيضا ،
فأما إذا كرروه فقالوا : النجاء النجاء ، ففيه الوجهان .
وقوله: ((فجعل الجنادب [ والفراش يقعن فيها))، قال الإمام: الجنادب] (١) جمع
جندب ، هو الجراد . وفيه لغتان : بضم الدال ، وفتحها . قال الفراء : والفراش : هو
غوغاء الجراد الذى يتفرش ويتراكب . قال غيره : الفراش : الطير الذى (٢) يتساقط فى
النار والسراج .
قال القاضى: قوله: ((الجنادب)) هو الجراد ، ليس بالجراد نفسه ، وإنما هو الصرار
عند بعضهم ، وقال أبو حاتم : الجندب على خلقة الجراد ، لها (٣) أربعة أجنحة كالجراد
(١) سقط من ز .
(٢) فى ح : التى .
(٣) فى ح : له .

٢٥٣
كتاب الفضائل / باب شفقته عَّهُ على أمته ... إلخ
١٩ - (٢٢٨٥) حدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٌّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((مَثَلَى وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلَ رَجُل أَوْقَدَ
نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْغُرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذْبُّهُنَّ عَنَّهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ
النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِى )) .
وأصغر منها ، تطير وتصر بالليل صراً شديداً ، وهو معروف . وحكى أبو عبيد إنكار هذا ،
وأن الصرار إنما هو الجرد جرد والصرى ، وأما الصرار فأصغر منه . قال: والناس يقولون :
الجندب الهراز الذى يصير بالليل. وفيه لغة ثالثة: ((جِندَب)) بكسر الجيم وفتح الدال .
وقال الخليل : الفراش الذى يطير معروف كالبعوض ، ويقال للخفيف من الرجال: فراشة ،
وقال غيره : [ الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت فى النار .
وقوله ]: (١) ((فأنا آخذ بحجزكم)): حجزة الإزار والسراويل معقدها ، وتحاجز القوم:
/ أخذ بعضهم بحجزة بعض ، وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك
الموضع منه .
٢٢١ / ب
وقوله: ((وأنتم تقحمون فيها)) : التقحم : التقدم والوقوع فى الأهوية وشبهها ،
والدخول فى الأمر (٢) الشاقة من غير تثبت ولا روية. فشبه - عليه السلام - تساقط
الجاهلين بماضيهم (٣) وشهاداتهم فى النار فى الأخرى بحالة الفراش فى الدنيا ، وضعف
ميزها وتطارحها على ما فيه هلاكها من النار بجهلها .
(١) سقط من ز .
(٢) فى ح : الأمور .
(٣) فى ح : بمعاصيهم .

٢٥٤
كتاب الفضائل / باب ذكر كونه ◌ّه خاتم النبيين
(٧) باب ذكر كونه عَّه خاتم النبيين
٢٠ _ (٢٢٨٦) حدّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد النَّفِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ أبى
الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ نَّهُ، قَالَ: «مَثَلَى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَثَل
رَجُل بَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيفُونَ به، يَقُولُونَ: مَا رَأيْنَا بُنْيَانًا أحْسَنَّ
مِنْ هَّذَا، إلا هَذه اللَّنَةَ، فَكُنْتُ أَنَا تَلْكَ اللَّبَةُ )) .
... .. .
٢١ - ( .. ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام
ابْن مُنَبِّه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَّنْ رَسُول اللّهِعَهُ. فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
أَبُو الْقَاسِمِ عَّهُ: ((مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى، كَمَثَلِ رَجُل ابْتَنَى بُيُونَا فَحْسَهَا وَأَجْمَلَهَا
وَأَكْمَلَهَا، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ ،
فَيَقُولُونَ: أَلا وَضَعْتَ هَهُنَا لَبِنَةٍ ! فَيَتَمَّ بُنْيَانُكَ))، فَقَالَ مُحَمَّدٌ عَّهِ: (( فَكُنْتُ أَنَا اللَّبَةَ)) .
٢٢ - ( .. ) وحدّثْنَا يَحْيَى بْنُ أُّوبَ وَقُتَّةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -
يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَر - عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى ◌ََّالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أنَّ
رَسُولَ اللّهِعَّهْ قَالَ: ((مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كِمَثَلِ رَجُل بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ،
إلا مَوْضِعَ لَنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسَُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجُبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَا
وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّنَّةُ! قَالَ: فَأَنَا اللَّنَّةُ، وَأَنَا خَمُ الَّبِينَ)) .
( ... ) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن
الأعْمَشِ، عَنْ أَبِى ◌ََّالِحِ، عَنْ أبِى سَعِيد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِعَّ: ((مَثَلَى وَمَثَلُ
النَِّّينَ)) . فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
قوله: (( مثلى ومثل الأنبياء كرجل ابتنى دارًا)) الحديث، إلى قوله: (( فكنت أنا
موضع اللبنة، حيث ختمت الأنبياء)): يقال: ((لَبِنة)) بفتح اللام وكسر الباء و ((لِبْنة))
بكسر اللام وسكون الباء ، وهى معروفة ، التى يبنى بها من الطين ، وهى التى تسمى
الطوب ، وكل شىء رقعته فقد لبنته، وتجمع اللبنة بفتح اللام كذلك. ومن قال: ((لبنة)).
.------

٢٥٥
كتاب الفضائل / باب ذكر كونه ◌َّه خاتم النبيين
٢٣ _ (٢٢٨٧) حدّثنا أُبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّنُ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حيَّانَ،
حَدَّثَنَا سعيدُ بْنُ مِينَاءَ ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىَّ ◌َِّ قَالَ: « مَثَلَى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُل
بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إلا مَّوْضِعَ لَبِنَةٍ ، فَجَعَلِ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا ،
وَيَقُولُونَ: لَوْلا مَوْضعُ اللَّبِنَةِ!)) قَالَ رَسُولُ اللّهِ عَّهُ: (( فَأَنَا مَوْضعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ
فَخَتَمْتُ الأَنْبَاءَ)) .
( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٌّ حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ. وَقَالَ بَدَلَ (( أَتَمَّهَا)): (( أحْسَنَهَا)).
بالكسر جمعها لبن ، بفتح الباء . وتميم تسهل مثل هذا وتسكنه . فُسر فى الحديث المراد
بهذا المثل ، وأن الأمر به تم والإنذار به ختم .
فى هذه الأحاديث كلها جواز ضرب الأمثال فى الدين والعلم ، وغير ذلك مما شوهد
وعرف بقربها للأفهام .

٢٥٦
كتاب الفضائل / باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة ... إلخ
(٨) باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها
٢٤ - (٢٢٨٨) قَالَ مُسْلِمٌ: وَحُدِّثْتُ عَنْ أبى أسَامَةَ ، وَمَمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ سَعِيدِ الْجَوْهَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، حَدَّثَنِى بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ أَبِىِ بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى
مُوسَى، عَنِ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّاللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أَمَّةً مِنْ عِبَادِهِ، قَبَضَ
نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجْعَلَهُ لَهَا فَرَطَا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أرَادَ هَلَكَةَ أَمََّ، عَذَّبُهَا ، وَنَبِيُّهَا حَيٌّ،
فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَكَتَهَا حين كَذَّبُوهُ وَعَصَوْاْ أمْرَهُ)) .
قوله: ((إذا أراد الله رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها)) الحديث ، قال الإمام:
هو مقطوع السند ، قال : فيه حديث عن أبى أسامة ، وممن رووا ذلك عنه إبراهيم بن
عبدالله الجوهرى ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا يزيد بن عبد الله عن أبى بردة ، عن أبى
موسى عنه - عليه السلام .
قال القاضى : كذا فى النسخ الواصلة إلينا من المعلم : إبراهيم بن عبد الله الجوهرى،
وهو وَهْم ، وإنما هو فى كتاب مسلم : إبراهيم بن سعد الجوهرى ، وكذلك ذكره الحاكم
ممن خرج مسلم عنه، وقد بين عليه (١) ما ذكره فى الحديث بقوله: ((فجعله لها فرطا
وسلفًا بين يديها)) هذه استعارة حسنة وتجوز بديع .
والفرط ، بفتح الراء والفاء : الذى يتقدم الواردة فيهيئ لهم الدلاء والحياض ، يقال :
رجل فرط ، وقوم فرط ، وقوم فراط . يريد : أنه يكون مقدمًا بين أيديهم يشفع لهم
وينفعهم ، كالذى يتقدم الواردة فى نفعهم .
ومنه الحديث الآخر بعده فى الكتاب: ((أنا فرطكم على الحوض)) (٢): أنا (٣)
متقدمكم وسابقكم إليه ، وهو هنا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المجاز ؛ لاستعماله فى بابه .
ومنه فى الدعاء على الصغير: اجعله لنا فرطًا ، أى أجرًا يتقدمنا وينتفع به .
(١) فى ح : علة .
(٢) حديث رقم (٢٥) من الباب التالى.
(٣) فى ح : أى .

٢٥٧
كتاب الفضائل / باب إثبات حوض نبينا عَّه وصفاته
(٩) باب إثبات حوض نبينا عيّ وصفاته
٢٥ _ (٢٢٨٩) حدّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عَبْد اللّه بْن يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا
عَبْدُالْمَلَكِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَا يَقُولُ: سَمِعَتُ النَّبِّ ◌َّهُ يَقُول: ((أَنَا فَرَطُكُمْ
عَلَى الْحَوْضِ » .
( .. ) حدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَثْنَا وَكَيع. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ
بِشْر، جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُّعَاذ، حَدَّثَنَا أبِى. ح وَحَدَّتْنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ،
عَنْ جُنْدَبِ، عَنِ النَّبِىِّ عَهُ . بِمِثْلِه .
٢٦ - (٢٢٩٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَارِىَّ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتَّ سُّهْلا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ عَّهُ يَقُولُ: (( أَنَ
فَرَطُكُمْ عَلَى الْخَوْضِ ، مَنْ وَرَدَ شَرَبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظَمَا أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَىَّ أَقْوَامٌ
أَعْرِفُهُمْ وَبَعْرِفُونِى ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ)) .
وقوله : (( من شرب منه لم يظمأ أبدًا))، قال الإمام : أى لم يعطش . قال ابن
ولاد : الظمأ ، بالهمز والقصر : العطش ، يقال : ظمأ يظمأ ظمأ ، وظماه فهو ظمآن ،
والجمع ظماً .
قال القاضى : ظاهره يدل أن الشرب منه بعد الحساب والنجاة من النار ، فذلك للذى
[ لا] (١) يظمأ، لقوله: ((لم يظمأ أبدًا)). وقيل: بل لا نشرب [ منه ] (٢) إلا من لم
يقدر عليه بالنار . وقد يحتمل أن من شرب منه من/ هذه الأمة ثم قدر الله عليه العقوبة
بالنار على ذنوبه أنه لا يعذب فيها بالظمأ بل يكون عذابه بغير ذلك ؛ إذ ظاهر حديث
الحوض أنه تشرب منه الأمة كلها ، إلا من ارتد على عقبه وغير وبدل . وقد قيل : إن
جميع الأمم المؤمنين يأخذ كتبها بأيمانها ، ثم يعاقب الله من يشاء من مذنبيهم ، وقيل :
إنما يختص بأخذ كتابه بيمينه الناجون ، فهذا مثله .
٢٢١ / ب
(١، ٢) ساقطة من ز .

٢٥٨
كتاب الفضائل / باب إثبات حوض نبينا عَّةٍ وصفاته
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَّاشٍ وَأَنَا أحَدِّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ . فَقَالَ :
هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلَا يَقُولُ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : نَعَمْ .
(٢٢٩١) قَالَ: وَأَنَا أشْهَدُ عَلَى أبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فَيَقُولُ: ((إِنَّهُمْ
مِنِّى. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَتَدْرِى مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ: سُحَقًّا سُخَقًا لِمَنَّ بَدََّ بَعْدِى)).
( ... ) وحدّثنا هَرُوَنُ بْنُ سَعيد الأيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أخْبَرَنِى أسَامَةُ ، عَنْ أَبِى
حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنِ النَُِّّ. وَّعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أبِى عَبَّاشِ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ،
عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَعْقُوبَ .
٢٧ - (٢٢٩٢) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ عَمْرو الضَّبِىُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِىَّ، عَنِ
ابْنِ أبِى مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ لَُّ: ((حَوْضى
مَسِيرَةٌ شَهْرٍ ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِّنَ الْوَرِقِ ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ،
وَكِيزَانِهُ كُنُجَومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلا يَظْمَأُ بَعْدُهُ أَبَدًا)) .
وقوله: ((ومن ورد شرب)) : يعنى أن الممنوع من شربه إنما هو من لم يرد عليه،
وهم الذين زيدوا وذبوا عنه ، واختلجوا دونه ، وأن كل من ورد يشرب . وقد مضى الكلام
على هذا الحديث مستوفا فى الطهارة . ومعنى المراد عنه .
وقوله: ((حوضى مسيرة شهر، وزواياه سواء)) : أى أركانه ، ذكر بعضهم فى
الاستدلال على علمه ◌َّه بسائر العلوم واحتوائه على جميع المعارف ، وأن هذا من علم
الهندسة والتكسير والحساب ، وأن معنى ذلك كونه مربعا معتدل التربيع ، كما قال فى
الحديث الآخر: ((عرضه مثل طوله)) (١)، وفى الحديث الآخر: ((وإن عرضه كما بين
أيلة إلى الجحفة)) (٢) وأغنى ذكر العرض هنا خصوصا عن الطول؛ لأنه دليل على أن
الطول مثله وأكبر منه، لكنه دل أنه مثله لقوله: ((وَزواياه سواء)) [ وفى الحديث الآخر:
ما بين ناحيته كما بين جربا وأذرح ] (٣)، وفى الحديث الآخر: ((ما بين عمان إلى إيلة))،
وفى الحديث الآخر: (( ما بين المدينة وعمان))، وفى الحديث الآخر: ((عرضه من مقامى
إلى عمان))، وفى الآخر: ((قدر حوضى ما بين أيلة وصنعاء من اليمن))، وفى الآخر:
(١) حديث رقم (٣٦) من الباب .
(٢) حديث رقم (٣١) من الباب .
(٣) سقط من ز .
٠

٢٥٩
كتاب الفضائل / باب إثبات حوض نبينا عَّه وصفاته
(٢٢٩٣) قَالَ: وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِى بَكْر: قَالَ رَسُولُ اللّهَِّةُ: ((إِنِّى عَلَى
الْحَوضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَىَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أَنَّاسِ دُونِى. فَأَقُولُ: يَارَبِّ ، مِّى وَمِنْ
أَمَّتَّى . فَيُقَالُ: أمَا شَعَرْتَ مَاعَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَاللّه، مَا بَرَحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى
أَعْقَابِهِمْ)) .
((ما بين صنعاء والمدينة)) : أيلة، بفتح الهمزة وسكون الياء مدينة معروفة على النصف ما
بين مكة ومضر ، وقيل : هى جبل ينبع بين مكة والمدينة ، وهو شعبة من رضوى .
والجحفة ، بضم الجيم : قرية جامعة أحد مواقيت الحج ، بينها وبين المدينة ثمانية مراحل ،
وهى على طريق مكة وهى مهيعة ، وبينها وبين البحر نحو من ستة أميال .
وقوله : (( ما بين جربا وأذرح)) بفتح الجيم وسكون الراء وباء بواحدة : مدينة من
مدن الشام مقصور ، ووقع عند بعض رواة البخارى ممدود ، وهو خطأ . وأذرح ، بفتح
الهمزة وذال معجمة ساكنة وراء مضمومة وآخره حاء مهملة . كذا هو الصواب ، وكذا
ضبطناه عن جميع شيوخنا ، إلا أنه كان فى كتاب القاضى الصدفى عن العذرى بالجيم ،
وهو خطأ ، وهى مدينة من أدانى الشامى . قال ابن وضاح : / هى فلسطين . وفى الأم عن
نافع أنه قال: هما قريتان بالشام ، بينهما ثلاثة أيام ، يعنى جربا وأذرح .
٢٢٢/ ب
وقوله: (( ما بين أيلة وعَمَّان)) (١): عمان ، بفتح العين وتشديد الميم . كذا ضبطناه
عن شيوخنا هنا ، هى قرية من عمل دمشق ويبينه قوله فى رواية أبى عيسى الترمذى : ((من
عدن إلى عمان البلقاء )) (٢) والبلقاء بالشام. هذا الضبط هو الذى [ صححه ] (٣) الخطابى
فى هذا الحرف فى هذا الحديث . قال البكرى : ويقال فيه أيضًا : عُمان ، بالتخفيف
والضم كالذى باليمن . ولا خلاف أن الذى باليمن هكذا ، وهى مدينة كبيرة وهى قرضة
بلاد اليمن ، وزعم غير واحد أن الصحيح هنا عمان ؛ لذكره فى الأحاديث الأخر: ((ما
بين أيلة وصنعاء من اليمن ، وما بين المدينة وصنعاء)) ، وما تقدم فى كتاب الترمذى من
ذكر عدن . وعدن وصنعاء من بلاد اليمن ، وإن كانت بالشام صنعاء أخرى، لكن قد قيد
هذه بصنعاء اليمن فارتفع الإشكال . وهذا كله من اختلاف التقدير ، ليس فى حديث واحد
فيحسب اختلافا واضطرابًا من الرواة، وإنما جاء فى أحاديث مختلفة عن غير واحد من
الصحابة سمعوه فى مواطن مختلفة .
(١) حديث رقم (٣٦) من الباب .
(٢) الترمذى، ك صفة القيامة والرقائق والورع، ب ما جاء فى صفة أوانى الحوض (٢٤٤٤) وقال: هذا حديث
غريب من هذا الوجه .
(٣) ساقطة من ز .

-
كتاب الفضائل / باب إثبات حوض نبينا عَّه وصفاته
٢٦٠
قَالَ : فَكَانَ ابْنُ أبى مُلَيْكَةً يَقُولُ : اللّهُمَّ، إنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا ، أَوْ أنْ
نُفْتَنَ عَنْ ديننا .
٢٨ - (٢٢٩٤) وحدّثنا ابْنُ أبى عُمَرَ ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سُلَيْمِ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ
عَبّد اللّه بْن عُبَيْدِ اللّه بْنِ أبى مُلَيْكَةَ؛ أَنَّهُ سَمعَ عَائشَةً تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه ◌َ يَقُولُ
- وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَنَىْ أَصْحَابِهِ -: ((إِنِّى عَلَى الْخَوَّضِ ، أَنْتَظِرُ مَنَ يَرِدُ عَلَىَّ مِنْكُمَّ. فَوَاللّهِ،
ضرب النبى معَّ فى كل واحد منهما ميلا (١) لبعد أقطار الحوض وسعته وكبره ، بما
تسنح له من العبارة وقرب للأفهام ، لبعد ما بين البلاد النائية البعيد بعضها عن بعض ، لا
على التقدير والمحقق لما بينهما بلا (٢) إعلام ببعد المسافة ، وسعة القطر ، وعظم الحوض.
فبهذا تجتمع هذه الألفاظ من جهة المعنى - والله أعلم - كما قال فى الآنية: ((عددها كنجوم
السماء)) إشارة إلى غاية الكثرة. وعلى هذا تأول كثير قوله تعالى: ﴿مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ
يَزِيدُونَ﴾(٣)، وقوله - عليه السلام -: ((لا يضع عصاه عن عاتقه)) (٤) وهو باب في المبالغة
غير منكر فى اللغة ولا فى الشرع ، ولا يعد هذا كذبا وإذا كان المخبر عنه بخبر الكثرة
والعظم ومبلغ الغاية فى بابه ، بخلاف لو كان بغير ذلك . ومثله قوله : كلمته فى هذا
ألف مرة ولقيته مائة لقية . فهذا مباح جائز فى الكثير المنكر وكذب لا يجوز فى المرات
القليلة .
وحديث الحوض صحيح ، والإيمان به واجب ، والتصديق به من الإيمان ، وهو على
وجهه عند أهل السنة والجماعة ، لا يتأول ولا يحال عن ظاهره ، خلافًا لمن لم يقل من
المبتدعة الباقين (٥) له ، والمحرفين له بالتأويل عن ظاهره . وهو حديث ثابت متواتر النقل،
رواه جماعة من الصحابة .
فذكره مسلم من رواية ابن عمر ، وأبى سعيد ، وسهل بن سعد ، وجندب ، وعبدالله
أبن عمرو بن العاص ، وحارثة بن وهب الخزاعى ، / والمستورد ، وأبى ذر ، وثوبان ،
وأبى هريرة ، وأنس بن مالك ، وجابر بن سمرة .
٢٢٣ /أ
(١) فى ح : مثلاً .
(٢) فى ح : بل .
(٣) الصافات : ١٤٧ .
(٤) أحمد ٦ / ٤١٢، ٤١٣، مالك ك الطلاق، ب ما جاء فى نفقة المطلقة ٢ / ٥٨٠ (٦٧)، مسلم، ك
الطلاق ، ب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ( ١٤٨٠)، الدارمى، ك النكاح، ب النهى عن خطبة الرجل على
خطبة أخيه ٢ / ١٣٥، وكله من حديث فاطمة بنت قيس - رضى الله عنها.
(٥) فى ح : النافين .