النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ كتاب الشعر/ باب تحريم اللعب بالنردشير (١) باب تحريم اللعب بالنردشير ١٠ - (٢٢٦٠) حدّثْنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ مَهْدِىٌّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْتَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةٌ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَّبِّ ◌َّهُ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشِيرِ ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُفِى لَحْمٍ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ)) . وقوله : ((من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده فى لحم خنزير ودمه))، قال الإمام: مالك ينهى عن اللعب بالنرد والشطرنج، ويرى الشطرنج شراً من النرد وألهى منها(١)، وهذا الحجة حجة له ، فإن كان ورد فى النردشير قيست الشطرنج عليها ؛ لاشتراكهما فى كونهما شاغلين عما يفيد فى الدين والدنيا ، موقعين فى القمار [ أو التشاجر الحادث فيهما عند التغالب، مع كونهما غير مقتدين ] (٢)، وقد نبه مالك على هذا بقوله: الشطرنج ألهى ، وينهى عن اللعب القليل والكثير بقمار أو غير قمار ؛ لأن القليل يوقع فى الكثير ، واللاعب - وإن ترك القمار - قد يقع فى القمار ، لكن رد الشهادة لا يكون بركوب كل محرم أو مكروه، بأن كان لاعب [ الشطرنج ] (٣) فأمر عليها ردت شهادته، وإن قل فعله لذلك. وقال أبو حنيفة: إن كانت محاسنه أكثر من مساوئه واجتنب الكبائر جازت شهادته/ على الجملة (٤). ٢٠٨ / أ والقمار إذا كان محرمًا ، أو تحريمه مشتهراً ، أو يؤذن ركوبه لسقوط المروءة ، فلا معنى لقبول الشهادة ، وإن لم يقامر عليها ، فمالك يشترط فى رد شهادة الإدمان عليها . وفسر بعض أصحابه الإدمان بلعبها مرة فى السنة ، وهذا تعسف وبعيد من لفظ مالك . وراعى بعض أصحابنا فى رد الشهادة بانقطاعه بلعبها عن صلاة الجماعة . وراعى بعضهم الحالة التى يقع اللعب عليها ، فإن أذنت لسقوط المروءة كلعب المتصون الملحوظ بعين الجلالة مع سفلة الناس معلنا بذلك ، سقطت الشهادة . وإن كان مستترا بها ملاعباً لأمثاله من أهل الصون فى بعض الأحايين لم ترد الشهادة به . وراعى بعض الأصوليين القصد باللعب ، فإن كان لتسلية النفس وشغلها عن هموم لزمتها ، أو تجويد القريحة وشحذ الذهن الكال لم تسقط الشهادة ، بل يميل هؤلاء إلى الجواز (١) الموطأ ٩٥٨/٢ وانظر: المدونة ١٥٣/٥. (٢) سقط من ح ، والمثبت من الأصل . (٣) فى الأصل : الشهادة . (٤) الهداية ٣ / ١٢٣، بدائع الصنائع ٢٦٩/٦. ٢٠٢ كتاب الشعر/ باب تحريم اللعب بالنردشير على هذه الحالة. وقد حكى عن أفاضل من التابعين لعبها (١). وقال بعض شيوخنا (٢): لا تثبت ذلك عنهم ، وإنما يتقول ذلك أهل البطالة ليجعلوا لأنفسهم أسوة فى بطالتهم . والشطرنج لعب معروف، والنردشير جنس آخر من اللعب. وقد قال بعض العلماء (٣): كأن الأوائل لما نظروا إلى أمور الدنيا فوجدوها تجرى على أسلوبين مختلفين : منها مايجرى بحكم الاتفاق ، ومنها مايجرى بحكم السعى والتخيل ، فوضعوا النرد مثالا لما يجرى من أمور الدنيا بحكم الاتفاق ؛ لتشعر به النفس وتتصداه ، ووضعوا الشطرنج مثالا لما يجرى من أمور الدنيا بحكم السعى والاجتهاد ؛ لتشعر النفس بذلك ، وتنهض الخواطر إلى عمل مثله من المطلوبات . وإنما ذكرنا هذا ليعرف منه على الجملة حقيقة اللعبين حتى تعلم من علم حكمهما حقيقتهما على الجملة إن لم يكن يعرفهما تفصيلا . قال القاضى [ قال بعضهم ] (٤) النرد يسمى الكعاب ويسمى الإرب ، والنردشير ، قال صاحب العين : النرد فارسى (٥) ، ويقال : إن الذى وضعها من الفلاسفة، كان على رأى أصحاب الجبر عندهم وعدم القدرة والحيلة ، وأن الذى وضع الشطرنج كان على رأى أصحاب الممكن عندهم ، وهم أصحاب الاكتساب والقدرة . ومذهب الشافعى وأبى حنيفة أنه لايرد شهادة اللاعب بها إذا كان موصوفًا بالعدالة فى أحواله (٦) . قال أصحاب الشافعى : إلا أن يلعبها قماراً ، وكان بذلك معروفاً فتسقط بذلك شهادته (٧)، لأكله المال بالباطل ، هذا مذهبه ، وهو نحو قول إسحق (٨) ، وكان الشافعى (٩) يكره اللعب بالرد والشطرنج ، ويرى الشطرنج / أخف من النرد . وكان الليث، يرى الشطرنج أشد من النرد (٩) ، كما ذكر عن مالك ، وأسقط بذلك شهادة اللاعب بها . ٢٠٨ / ب .. .---- .......----- (١) قال ابن عبد البر: ممن رويت الرخصة عنه سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين ومحمد بن المنكدر وعدوة بن الزبير وغيرهم . انظر : التمهيد ١٣ / ١٨٢ . (٢) منهم: الباجى فى المنتقى ١٧٨/٧، القبس ٣٥٤/٢ . (٣) فى ح : الحكماء . (٤) من ح، لم ترد فى ز، انظر: التمهيد ١٧٦/٨، القرطبى ٣٣٨/٨ . (٥) لم أجد هذا القول فى العين ، وذكر فى اللسان ، مادة « نرد)). (٦) انظر: الأم ٢٠٨/٦، الوجيز ٢٤٩/٢، الهداية ١٢٣/٣، المغنى ٣٥/١٢ . (٧) المجموع ٢٠ / ٢٢٨٠، شرح السنة ٣٨٥/١٢. (٨) التمهيد ١٣ / ١٨٠. (٩) الأم ٢٠٨/٦ شهادة أهل اللعب . (١٠) التمهيد ١٣ / ١٧٩ . ۔۔۔ ٢٠٣ كتاب الرؤيا بسم الله الرحمن الرحيم ٤٢ _ کتاب الرؤيا ١ - (٢٢٦١) حدّثَنَا عَمْرٌوَ النَّاقدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عَمَرَ ، جَمِيعًا عَنِ ابْن عُبَيْنَةَ - وَاللَّفْظ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مَنْهَا، غَيْرَ أَنَّى لا أُزَمَّلُ، حَتَّى لَقَيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ . فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهُ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلَمَا يَكْرَهُهُ فَلَفَتْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثًا، وَلَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَ لَنَّ تَضَّرَّهُ » . ( .. ) وحدّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى آل طَلْحَةَ - وَعْد رَبِّه وَيَحْتَى ابْنَى سَعِيد، وَمُحَمَّد بْنِ عُمْرِوَ بْنَ عَلَقَمَةَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةً ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِىِّ يَّةِ. مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى حَدِيثِهِمْ قَوْلَ أَبِى سَلَمَةَ : كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّى لا أُزَمَّلُ. ( .. ) وحدّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ . ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كلاهُمَا عَن الزُّهْرِىِّ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا: أعْرَى مِنْهَا. وَزَادَ فِى حَدِيثَ يُونُسَ: ((فَلَيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ، حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلاثَ مَرَّات)). ٢ - ( ... ) حدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْن قَعْنَب، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلال - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَّةَ بْنَ عَبْد الرَّحْمَن يَقُولُ: سَمَعْتُ أَبَّا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمَعَّتُ رَسُولَ اللهِ عَّهَ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالْخُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَاَ رأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهَه فَلْيَنْفِثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّدُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لَنْ کتاب الرؤيا قول أبى سلمة : ((كنت أرى الرؤيا أُعْرى منها ، غير أنى لا أزمل)) معناه : أحم منها لارتياعه من ظاهره، والعرواء، ممدود: نفض الحمى. وقوله: ((لا أزمل)): لا أغطى وألف كما يعمل بالمحموم . الرؤيا ، مقصورة : من رؤية النوم ، والرؤية ، بالهاء : من رؤية العين . ٢٠٤ کتاب الرؤيا تَضُرَّهُ)) . فَقَالَ : إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا أَنْقَلَ عَلَىَّ مِنْ جَبَلٍ ، فَمَا هُوَ إِلا أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَمَا أُبَالِيَهَا . ورورو رو رةو. ه ـ. ( ... ) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى النَّقَفِىَّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَّيْرٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ يَخَْى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ النََّفِىِّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَإِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ اللَّيْثِ وَأَبْن نُمَيْرِ قَوْلُ أَبِى سَلَمَةَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِى رِوَةٍ هَذَا الْحَدِيثِ: (( وَلَيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنَّهِ الَّذِى كَانَ عَليْه)). وقوله: (( الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلمًا يكرهه فلينفث عن يساره))، وفى رواية: ((فليتفل وليتعوذ بالله من شرها))، وفى رواية: ((وشر الشيطان، فإنها لن تضره))، وفى رواية: ((فليبصق عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات))، وفى رواية: ((فليتحول عن جنبه الذى كان عليه))، وفى رواية: ((ولا يخبر بها إلا من يحب))، وفي بعض الطرق: ((الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان))، وقول أبى سعيد (١): ((إن كنت لأرى الرؤيا هى أثقل على من الجبل ، فما هو إلا أن سمعت هذا الحديث فما أباليها)) : الحُلْم ، بضم الحاء وسكون اللام : هو الرؤيا والفعل منه حَلَم بفتح اللام . قال الإمام : كثر كلام الناس فى حقيقة الرؤيا ، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل ، ولا يقوم عليها برهان ، وهم لا يصدقون بالسمع ، فاضطربت لذلك مقالاتهم فمن [ ينتهى إلى الطلب ] (٢) ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط ، ويستدل بالمنامات على الخلط المغالب ، فيقول : من غلب عليه البلغم رأى السباحة فى الماء ويشبهه لمناسبة الماء فى طبيعته طبيعة البلغم . ومن غلب عليه الصفراء رأى النيران والصعود فى العلو ، ويشبهه لمناسبة النار فى الطبيعة طبيعة الصفراء ؛ ولأن خفتها وانقيادها يخيل إليه الطيران فى الجو ، والصعود فى العلو ، وهكذا يصنعون فى بقية الأخلاط ، وهذا مذهب ، وإن جوزه العقل وأمكن عندنا أن يجرى البارى جلت قدرته العادة ؛ بأن يخلق مثل ماقالوه عند غلبة هذه الأخلاط ، فإنه لم يقم عليه دليل ، ولا اطردت به عادة ، والقطع فى موضع التجويز غلط وجهالة هذا لو (١) هكذا فى الأصل، والمثبت عندنا: ((أبى سلمة)) من ح . (٢) فى ح : ينتمى إلى الطب. ٢٠٥ کتاب الرؤيا ٣ - ( .. ) وحدّثَنى أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ رَبِِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ رَسُولَ اللهِ عَّةٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: (( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهَ، والرُّؤْيَا السَّوْء مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَان لاتَضُرُّهُ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًّا ، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةٌ فَلَيْشِرْ، وَلاَ يُخْبِرْ إِلا مَّنْ يُحِبُ)) . نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد ، وأما إن أضافوا الفعل فإنها تقطع بخطئهم ، ولا يجوز ماقالوه ؛ إذ لا فاعل إلا الله . ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل فى هذا ، وكأنه يرى أن صور مايجرى فى الأرض فى العالم العلوى كالمنقوش ، وكأنه يدور بدوران الآخر (١) ، فما حاذى البعض المنقوش منه انتقش فيها ، وهذا أوضح فساداً / من الأول ، مع كونه تحكما بما لم يقع عليه برهان ، ٢٠٨ /ب والانتقاش من صفات الأجسام ، وكثيرا مايجرى فى العالم الأعراض ، والأعراض لاتنتقش ولا يتنقش فيها . والمذهب الصحيح ماعليه أهل السنة ، وأن الله - سبحانه - يخلق فى قلب النائم اعتقادات كما يخلقها فى قلب اليقظان ، وهو - تبارك اسمه - يفعل مايشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولايقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه - سبحانه - جعلها عَلَما على أمور أخر ، يخلقها الله فى ثانى حال ، أو كان قد خلقها . فإذا خلق فى قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطائر فقصارى مافيه أنه اعتقد أمراً على خلاف ماهو عليه ، [ وكم فى اليقظة ممن يعتقد أمراً خلاف ماهو عليه ] (٢) فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره، كما يكون خلق الله - سبحانه - الغيم علماً على المطر، والجميع خلق الله - سبحانه - ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التى جعلها علماً على مايسر[ بحضرة أو](٣) بغير حضرة الشيطان ، ويخلق ضدها مما هو علم على مايضر بحضرة الشيطان ، فينسب إليه مجازاً واتساعاً. وهذا المعنى بقوله عَّه: ((الرؤيا من الله، الحلم من الشيطان))، لا على أن الشيطان يفعل شيئاً فى غيره ، وتكون الرؤيا اسمًا لما يحب ، والحلم لما يكره. وأما قوله عَّ: ((فإنها لن تضره)): فقيل: معناه: أن الروع يذهب[ هذا التعب] (٤) المذكور فى الحديث، إذا كان فاعله مصدقًا به، متكلا على الله جلت قدرته فى دفع المكروه عنه. وقيل : يحتمل أن يريد أن هذا الفعل منه يمنع من نفوذ مادل عليه المنام من المكروه ، ويكون ذلك سبباً فيه ، كما تكون الصدقة تدفع البلاء ، إلى غير ذلك من النظائر المذكورة عند أهل الشريعة . (١) فى جميع النسخ: الأكر ، وفى إكمال الإكمال : الآخر . (٤) فى ح: بهذا النفث . (٢) سقط من الأصل ، والمثبت من ح . (٣) سقط من ز ، والمثبت من ح . ٢٠٦ کتاب الرؤيا ٤ - ( .. ) حدّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ خَلَادِ الْبَاهلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبَدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيد، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ : إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرَضُنِى قَالَ : فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ. فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنى، حَتَّى سَمِعَتَ رَسُولَ اللهِ عَهُ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَايُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثُ بِهَا إِلا مَنْ يُحِبُّ ، وَإِنْ رَأَى مَايَكْرَهُ فَليَتْفِلُ عَنَّ يَسَارِهِ ثَلاثَا وَلْيَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ)) . وأما قوله تعَّ: ((لاتخبر بها إلا من تحب)): فيحتمل عندى أن يكون حذرًا من أن يغيرها له من يبغضه على الصفة المكروهة فيحزنه ذلك ، أو يتفق وقوعها على ماعبر . ويكون وصفها بأنها حسنة بمعنى حسنها فى الظاهر . وأهل العبارة يقولون فى تقاسيمهم : فى المنامات ماهو حسن فى الظاهر مكروه فى الباطن ، ومنها عكسه ، إلى بقية الأقسام التى يعدونها . وأما قول أبى سلمة: ((إنى لأرى الرؤية أعرى منها ولا أزمل)): فلم أقف على تفسيره عند أهل الغريب ، غير أن صاحب الأفعال (١) قال : عرى الرجل عرية وعروة : صار عرياناً . والليلة اشتد بردها فهى عرَية ، وعروتك عروا : نزلت بك ، والأمر نزل به، والحمى لذعته وهى عرواء ، فيحتمل أن يكون أراد : أرعدته الحمى ، أو اشتد برده فزعا مما أرى (٢) إن لم يكن من التعرى. وأما ((أزمل)) فالمعروف أن الزمل التدثر. قال القاضى: وقيل فى معناه: ((الرؤيا الصالحة من الله))، وهو معنى الرواية ٢٠٩ /أ الأخرى التى ليس فيها لفظ / ((الصالحة)) إضافة اختصاص وإكرام ؛ لسلامتها من الأضغاث ، وهو التخليط وجمع الأشياء المتضادة ، كضغث الحشيشِ وشبهه ، وطهاوتها عن حضور الشيطان وإفساده لها ، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سَلْطَانٍ﴾ (٣)، والكل من عنده . كما أن الرؤيا كلها مما حضره الشيطان أولم يحضره من خلق الله وقدرته ، فخص ماطهر من الشيطان وسلم من تخليطه بالإضافة إلى الله ؛ تكريما وتشريفا وتخصيصًا . وإضافة الأخرى إلى الشيطان عند بعضهم لأنها مكروهة مخلوقه على طبعه ، من التحزين والكراهة التى خلق فيها (٤) . قد تقدم غير هذا التأويل فيها ، وقيل : لأنها توافق الشيطان ثم تسير ويستحسنها لما فيها قد يشغل بال المسلم واستضراره منها . قال بعضهم (٥) : وإن كان التحزين غالبًا من الشيطان فقد يكون - أيضاً - نادراً فى (٣) الحجر : ٤٢ . (٢) فى ح : رأى . (١) لابن القوطية ص ٢٤ . (٤) تفصيل هذا الكلام فى الفتح ٣١١/١٢، شرح البخارى لابن بطال ٢١٥/٣. (٥) منهم : المهلب ، وقد نقل قوله ابن بطال فى شرح البخارى ٢١٥/٤ . ٢٠٧ کتاب الرؤيا ٥ - (٢٢٦٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولُ اللهِ عَّه؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا، وَلَيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاثًا، وَلَيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبه الَّذِى كَانَ عَلَيِّهِ » . ٠٠ الرؤيا الصحيحة ؛ إنذارا من الله وعناية بعبده ؛ لئلا يفجئه ماقدر عليه بغتة ، وليكون فيه على حذر وأهبة ، كما أن الرؤيا الصالحة والحسنة من الصالحين ، هذا - أيضا - على الغالب ، وقد يكون فى رؤياهم أضغاث ولكن على سبيل الندور بضد الأولى لعوارض تقتضى ذلك - والله أعلم - من وسوسة [ النفس ] (١) وحديثهما ، أو غلبة خلط عليه، أو فساد ذكرها أحياناً وتخييلها وفكرها . ويحتمل قوله: ((الحسنة، والصالحة)) أن يكون راجعًا إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن يرجع إلى صحتها ، كما أن قوله فى الأخرى: (( [ الرؤية] (٢) السوء)) يحتمل الوجهين؛ سوء الظاهر ، أو سوء التأويل . وفى أمره بنفثه وبصقه ثلاثاً : طرد للشيطان الذى حضر رؤياه المكروهة ، [ واستقذاره لها ] (٣) ، كما يبصق على مايستقذر ويكره ، كما أمر بذلك عند التثاؤب . وكون ذلك فى يساره ؛ لأن اليسار أبداً جهة الشيطان وجهة المزام والأقذار ، والجهة المشؤومة بضد اليمين ، والعرب تسميها الشؤما . وقوله: (( فليبصق ، وليتفل ، ولينفث )) على اختلاف الأحاديث ، كله بمعنى ، وقد تقدم الكلام على ذلك ، ومن فرق بين التفل والنفث ، ومن جعلهما بمعنى فى كتاب الصلاة ، وفى كتاب الطب . وأمره بتحويله عن جنبه : تفاؤلاً بتحويل حالها ، وظاهر مكروه تأويلها ، وأنها لاتضره، وهذا يصحح أحد التأويلين فى قوله: (( لاتضره)) أنه عائد ، إلى صرف سوء تأويلها ودفع الله بما فعل عنه مكروهها . وأما قوله: (( ولاتخبر بها أحدا )) فما فائدة كتمانها ؟ فقيل : إن ذلك مخافة تعجيل اشتغال السوء (٤) بمكروه تفسيرها إن وافق ظاهرها باطنها ، والتعذيب به مدة لا يدرى قربها من بعدها ، فقد تخرج الرؤيا بعد طول السنين ، وإذا لم يخبر بها وفعل ما أمر به من النفث / والاستعاذة، كان دواء مكروهها وخروجها عن ٢٠٩ / ب ذلك على أحد التأولين، وعلى التأويل الآخر: أن ذلك إنما يريك (٥) روعتها وتحزنه بها . (١) ساقطة من ز ، والمثبتة فى ح . (٣) فى ح : واستقذار ، له . (٢) ساقطة من ز ، والمثبتة من ح . (٤) فى ح : النفس . (٥) فى ح : يزيل . ٢٠٨ کتاب الرؤيا ٦ - (٢٢٦٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ النَّقَفى، عَنْ أُوبَ السَّخْتَيَانِىِّ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َُّ، قَالَ: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزََّانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الَمُسْلِمِ تَكْذِبُ ، وأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا ، وَرُؤْياً الْمُسْلِمِ جُزْءُ مِنْ خَمَس وَأَرْبَعِينَ جُزْدًا مَنْ النِّبُوَةَ ، وَالرُّوْياَ ثَلاَثَةُ : فَرُؤْيَاَ الصَالحَةِ بَشْرَى مِنْ الله، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ. فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ وإذا لم يذكرها لأحد ولم يفصل له تفسيرها بقى بين الطمع والرجاء من أنه أهل (١) لها تفسيراً حسنًا ، أو أنها من أضغاث الأحلام أو حديث النفس ، فكان أسكن لنفسه وأقل لتعذيب قلبه . واختلف المتكلمون فى النائم المستغرق فى النوم جميع أجزاء قلبه ، فقيل : لا يصح ضرب المثل لمثل هذا ولا رؤياه ؛ لأن ضرب المثل إنما يرجع إلى الاعتقاد ووجوده بالمضروب، وهذا لا يصح من المستغرق ، ولا يحضر هذا ملك ولا شيطان . ورأى من قال هذا أن النوم آفة ، يخرج الحى عن صفات التميز والظنون والتخيل والاعتقادات ، كما يخرجه عن صفة العلم . ولم يرض آخرون هذا المذهب ، وقالوا : إن النائم يصح مع استغراق أجزاء قلبه ألا يمتنع ألا يكون ظانًا ومتخيلاً ، واتفقوا على أنه لا يصح أن يكون عالما ، وذهب هذا إلى أن النوم آفة يمنع حصول الاعتقادات الصحيحة فى اليقظة دون مافى المنام . والصحيح عند المحققين من شيوخنا المتكلمين القول الأول ، وأن الظنون والخيالات والاعتقادات جنس واحد مضادة للعلوم ، وأنه لا يصح منه اعتقاد إلا أن يكون بعض أجزاء قلبه ولانوم به فيه يرى ويضرب له المثل ، ولا يلزم ما ألزمهم الآخرون أنه إذا كان كذلك فهو إذاً مكلف ، مخاطبٌ ، وقد أسقط عنه الشرع ذلك ؛ لأن هذا ليس بحقيقة وجود العلم وصحة الميز ، وإنما بقيت [ عندهم ] (٢) فيه عند الرؤيا بقية حياة وميز بضرب (٣) بضرب المثل لا بحقيقة الأشياء ، بدليل مشاهدته وحاله . وقوله: ((إذا اقترب الزمان لم يكن (٤) رؤيا المؤمن كذب (٥)))، قال الإمام : اختلف الناس فى معناه ، قال بعضهم : المراد به : إذا اقترب من اعتدال [ الكتاب والنهايعان ] (٦) فإن الرؤيا حينئذ لم تكن تكذب ، وبهذا فسره أبو داود (٧). (١) فى ح : لعل . (٢) ساقطة من ز، والمثبت من ح . (٤) فى ح : تكد . (٣) تكررت هذه الكلمة فى ز . (٥) فى ح : تكذب . وكذلك ما أثبتناه من الحديث المطبوع رقم ((٩)) من هذا الكتاب. (٦) فى ح : الليل والنهار . (٧) انظر: سنن أبى داود ، ك الأدب ، ب ماجاء فى الرؤيا (٥٠١٩) ومعالم السنن ، ك الأدب، ب الرؤيا ٢٨٢/٤ . ٢٠٩ کتاب الرؤيا مَايَكْرَهُ، فَلَيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ)). قَالَ: (( وَأُحبُّ الْقَيْدَ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِى الدِّينِ )) فَلا أَدْرِى هُوَ فِى الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ . ( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أُّوبَ ، بِهَذَ الإِسْنَادِ ، وَقَالَ فى الْحَدِيثِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَيُعْجِبُنِى الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ. وَالْقَيْدَ ثَبَاتٌ فِى الدَّيْنِ وَقَالَ النّبِىُّ عَّهُ: (( رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جَزْءٌ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن النّبُوَّةِ » . ( .. ) حدّثَنى أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ - يَعْنِى ابْنَ زَيْد - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ . وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِىِّ ټپڼ . . ( ... ) وحدّثناه إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثْنَا أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ. وَأَدْرَجَ فِى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَه الْغُلَّ، إِلَى تَمَامِ الْكَلامِ. وَلَمْ يَذْكُرٍ: (( الرُّؤْيَاَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِّنَ النُّوَةِ » . ٧ - (٢٢٦٤) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر وَأَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٌّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةً. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذْ - وَاللَّفْظُ لَّهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ فَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِك، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّمت، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةَ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النَُّوَّةِ » . ٠٠ وقال بعضهم (١) : بل المراد به آخر الزمان والهرب (٢) من القيامة . قال القاضى : أهل العبادة (٣) والمفسرون لها يزعمون أن [ أحسن الأزمان وأصدقها للعبارة حيث انفتاق ] (٤) الأزهار ووقت بيع (٥) الثمار ، وهذان الوقتان هما وقت تقارب الزمان واعتدال الليل والنهار ، وقد روى عن النبى معَّه هذا الحديث بلفظ آخر من رواية (١) هذا القول أحد قولى الخطابى ، حيث فسر الحديث على وجهين: الأول : الذى ذكرناه سابقًا، والآخر : قوله : إن اقتراب الزمان إنهاء أمله إذا دنا قيام الساعة . معالم السنن (٤/ ٢٨٢) . وهو أيضاً اختيار ابن بطال فى شرحه على البخارى (٤/ ق ٢٢٢)، وصححه ابن العربى حيث قال : الأصح أنه اقتراب يوم القيامة ، فإنها الحاقة التى تحق فيها الحقائق ، وأنكر التأويل الآخر. انظر: العارضة ١٢٥/٩ . (٢) فى ح : القرب . (٣) فى ح: العبارة. وانظر فتح البارى (٢٩٦/١٢) ك التعبير . (٤) سقط من ز ، والمثبت من ح . (٥) فى ح : ينع . ٢١٠ کتاب الرؤيا ( .. ) وحدّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِىُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، عَنِ النَِّى . مِثْلَ ذَلِكَ . ٨ - (٢٢٦٣) حدّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِىِّ، عَن ابْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهِ: ((إنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنَ جُزْءٌ مِنْ سِنَّةَ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النّبُوَّةِ » . ( .. ) وحدّثنا إِسْمَاعيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَّدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا اَلْأَعْمَشُِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِىَ هُرَيْرَةَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ)) . وَفِى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِر: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النَّبُوَّةِ )) . ( ... ) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرِنَا عَبْدُ الله بْنُ يَحْتَى بْنِ أَبِى كَثِيرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهَعَّهِ قَالَ: ((رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النّبُوَّةِ » . ( ... ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلَىُّ - يَعْنِى ابْنَ المُبَارَك. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ - يَعْنَى ابْنَ شَدَّاد -َ كَلَاهُمَا عَنْ يَحْبَى بْنِ أَّبِى كَثِيَرِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . ( ... ) وحدّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبّدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مَنْبِّهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْنَى بْنِ أَبِى كَثِيرِ عَنْ أَبِهِ . معمر عن أيوب، عن ابن سيرين ، عن أبى هريرة، عن النبى معَّهُ أنه قال: ((فى آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن)) (١) وهذا يفسر الحديث، وأنه بمعنى التأويل الآخر - والله أعلم (٢) . وقال ابن سيرين فى آخر الحديث الأول فى كتاب البخارى (٣): وأنا أقول فى هذه ٢١٠ / أ الأمة، يشير إلى عموم صدق/ الرؤيا فى هذه الأمة، وأن صدقها لايختص بصالح من طالح وهو بين؛ إذ غالب رؤيا الصالح فى كل حين الصدق على ماتقدم، دون اشتراط تقارب الزمان. (١) الترمذى، ك الرؤيا، ب ما جاء فى رؤيا النبى عَّ الميزان الدلو ٤٦٩/٤. (٢) وهذا قول الخطابى فى معالم السنن ٢٨٢/٤، ابن العربى فى العارضة ١٢٥/٩، ابن بطال فى شرح البخارى ٤/ ق ٢٢٢ . (٣) صحيح البخارى ، ك الرؤيا ، ب القيد فى المنام ٧٧،٧٦/٨ . ٢١١ کتاب الرؤيا ٩ - (٢٢٦٥) حدّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً. ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثْنَا أَبِى، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عزُّ : ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النَبُوَّةِ» . وقوله: ((أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا)): قال بعضهم: وإنما كان ذلك - والله أعلم - لانقطاع العلم آخر الزمان ، ودروس معالم الديانة ، وموت العلماء والصالحين والزاجرين ، والناهين عن المنكر ، كما أنذر - عليه السلام - به ، فجعل الله لهم صدق الرؤيا زاجراً لهم وحجة عليهم وبينها (١) لهم . وقوله: ((أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا )) فهذا أيضًا بين ؛ لأن غير الصادق فى حديثه يعترى الخلل فى رؤياه لوجهين . أحدهما : أن اعتقاده وتحديثه نفسه قد يجرى فى نومه على عادته من الكذب والتساهل، فيكذب رؤياه . والثانى : عند إخباره بما رآه قد يتسامح فى العبارة عما رآه ، ويحقر العظيم ، أو يعظم الحقير ، ويميل مع هوى نفسه إلى التساهل فيما يحكيه عنها أو عن غيرها من (٢) رؤياه لما يوافق ذلك - والله أعلم (٣) . وقوله: (( رؤيا المسلم (٤) جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة )) وفى رواية أخرى: ((من ستة وأربعين))، وفى رواية أخرى: ((رؤيا المؤمن))، وفى أخرى: ((المسلم))، وفى أخرى: (( الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة )) فخص هنا رؤيا المؤمن وعم فى الأولى، وزاد فى أخرى: ((يراها أو ترى له))، وفى حديث آخر: ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة))، وفى غير مسلم عن ابن عباس : (( جزء من أربعين)) (٥)، وعن عبد الله بن عمرو: ((من تسعة وأربعين)) (٦)، وفى حديث العباس: ((من خمسين)) (٧)، وفى حديث أنس: ((من ستة وعشرين)) (٨)، وعن عباده بن (١) فى ح: مُنَبِّهًا. ومن الذين نحوا هذا المنحى فى تأويل الحديث ابن بطال فى شرحه على البخارى ٤/ ق ٢٢٢ . (٢) فى ح : فى . (٣) فسره ابن العربى بذلك، حيث قال بأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق ، وكذب وصدق ، وهزل وجد ، ومعصية وطاعة. انظر : العارضة ٩/ ١٢٥، المفهم ٣/ق ٢١٨ . (٤) فى ح : المؤمن . (٥) الهيثمى فى مجمع الزوائد ، ك التعبير ، ب الرؤيا الصالحة ٧/ ١٧٧، وقال : رواه البزار ، وفيه عبد الله ابن عيسى الخزاز وهو ضعيف ، من حديث أبى هريرة . (٦) أحمد ٢١٩/٢، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد، ك التعبير، ب فيمن رأى مايحب أو غيره ١٧٨/٧ وقال: رواه أحمد من طريق ابن لهيعة عن دراج ، وحديثهما حسن ، وفيهما ضعف ، وبقية رجاله ثقات. (٧) الهيثمى فى مجمع الزوائد ، ك التعبير ، ب الرؤيا الصالحة ١٧٦/٧. (٨) عزاه ابن حجر فى الفتح إلى ابن عبد البر ٣٦٣/١٢، وانظر التمهيد ٢٨٢/١. ٢١٢ کتاب الرؤيا ( ... ) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنِى وَعُبَيْدُ الله بْنُ سَعيد، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْبَى، عَنْ عُبَيْد الله، بِهَذَا الإِسْنَاد . الصامت (([ من] (١) أربعة وأربعين)) (٢)، والأكثر من ذلك والأصح عند أهل الحديث: ((من ستة وأربعين)) (٣). قال الإمام: أما قوله: (( رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) فإنه مما قال بعض الناس فيه : أنه عَّهُ أقام يوحى إليه ثلاثة وعشرين عامًا ، عشرة بالمدينة وثلاثة عشر بمكة ، وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى فى المنام مايلقيه إليه الملك - عليهما السلام - وذلك نصف سنة من ثلاثة وعشرين سنة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً (٤) . : وقد قيل : إن النبى عَّه قد خُص دون الخليفة بضروب وفنون ، وجعل له إلى العلم طرق لم تجعل لغيره، فيكون المراد : أن المنامات نسبتها مما حصل له وميز به جزء من ستة وأربعين ، فلا يبقى على هذا إلا أن يقال : بينوا هذه الأجزاء . ولا يلزم العلماء أن تعرف ٢١٠ / ب كل شىء جملة وتفصيلاً، وقد جعل الله - سبحانه - للعلماء / حداً تقف عنده ، فمنها مالا تعلمه أصلا ، ومنها ماتعلمه جملة ولا تعلمه (٥) تفصيلا وهذا منه ، ومنها ما تعلمه جملة وتفصيلا ، لاسيما ماطريقه السمع ، ولا مدخل للعقل فيه ، فإنما يعرف منه قريباً (٦) عرف به السمع . وقد مال بعض شيوخنا إلى هذا الجواب الثانى، وقدح فى الأول؛ لأنه لم يثبت أن أمد رؤياه عَّه قبل النبوة كانت ستة أشهر ومائة بعد الهجرة (٧) رأى منامات كثيرة ، فيجب أن يلعق فيها (٨) مايضاف إلى الستة أشهر، فيتعين (٩) الحساب وتفسد النسبة، ولا وجه عندى لاعتراضه بما كان من المنامات خلال زمن الوحى؛ لأن الأشياء توصف بما يغلب عليها وينسب إلى الأكثر منها ، فلما كان الستة أشهر محضا فى المنامات والثلاثة وعشرون سنة جاها (١٠) وحى، وإنما فيه منامات شىء يسير يعد عدّا، صح أن يطرح الأقل فى حكم النسبة والحساب. ويحتمل عندى أن يراد بالحديث وجه آخر ، وهو أن يمره (١١) المنامات الخبر [ لا البر ] (١٢) وإن كان يبيع (١٣) ذلك إنذار وتبشير، والأخبار بالغيب أحد ثمرات النبوة (١) ساقطة من ز، والمثبت من ح . (٢) الطبرى ٧/ ١٣٥ فى تفسير سورة يونس آية ٦٤، وانظر: الفتح ١٢/ ٣٦٣. (٣) انظر: المفهم ٣/ ق ٢١٨ أ، شرح البخارى ٤/ ق ٢١٦ . (٤) انظر: أعلام الحديث ٢٣١٥/٤، معالم السنن ٢٨١/٥، وقال ابن العربى: إن هذا يفتقر إلى نقل صحيح، ولو ثبت بالنقل ما أفادنا شيئًا فى غرضنا، والأصح حمل اللفظ عليه. أنظر: القبس ٣٥٣/٢. (٦) فى ح : قدر ما . (٥) فى ح : يعلم . (٩) فى ح : فيتغير . (١٠) فى ح : جلها. (٨) فى ح : منها . (٧) فى ح : النبوة . (١١) فى ح : ثمرة. (١٢) فى ح : بالغيب لا أكثر . (١٣) فى ح: يتبع. ٢١٣ کتاب الرؤيا ( ... ) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْك ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - كَلَاهُمَا عَنْ نَافِعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . وَفِى حَدِيثِ اللَّيْث: قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّابْنَ عُمَرَ قَالَ: (( جُزْءٌ مِنْ سَبْعِيْن جُزْءًا مِنَ النبوّة )) . وأحد فوائدها ، وهو فى جنب فوائد النبوة والمقصود بها يسير ؛ لأنه يصح أن يبعث نبى ليشرع الشرائع ، ويبين الأحكام ، ولايخبر بغيب أبدا ، ولا يكون ذلك قادحًا فى نبوته ، ولا مبطلا للمقصود منها . وهذا الجزء من النبوة - وهو الإخبار بالغيب - إذا وقع فلا يكون إلا صدقا ولا يقع إلا حقا . والرؤيا بما (١) دلت على شىء ولم يقع مادلت عليه ، إما لكونها من الشيطان ، أو من حديث النفس ، أو من غلط العابر فى أصل العبارة ، إلى غير ذلك من الضروب الكثيرة التى توجب عدم الثقة بدلالة المنام . فقد صار الخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة وهو غير مقصود فيها ، ولكنه لايقع إلا حقا وثمرة المنام الإخبار بالغيب ، ولكنه قد لا يقع صدقا فتقدر النسبة فى هذا بقدر ماقدره الشرع بهذا العدد ، على حسب ما أطلعه الله تعالى عليه ، ولأنه يعلم من حقائق نبوته مالا نعلمه (٢) نحن . وهذا الجواب وإن كان فيه ملاحظة لما قدمناه من الجواب الثانى عن بعض أهل العلم، فإنهم لم يكشفوه لهذا ، ولا بسطوه هذا البسط (٣) . وأما اختلاف الروايات فى هذا القدر، ففى كتاب مسلم: (( خمسة))، وفيه: (( ستة ))، وفيه: (( جزء من سبعين جزءاً من النبوة)) . وقد أشار الطبرى إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائى ، فالمؤمن الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين ، والفاسق سبعين ؛ ولهذا لم يشترط فى رواية السبعين فى وصف الرائى ما اشترط فى وصف الرائى فى الحديث المذكور فيه ستة وأربعين، فقد قال فى بعض طرق مسلم: ((رؤيا الرجل الصالح جزء من / ستة وأربعين جزءاً من النبوة))، وإن كان قد أطلق فى بعض طرقه فقال: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين))، وقال فى السبعين: ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة)) ، ولم يشترط كون الرائى صالحاً . ٢١١ / أ وقد يحمل مطلق قول الرؤيا الصالحة جزءًا من ستة وأربعين على أن المراد به إذا كان (٤) من رجل صالح ، بدليل الحديث الآخر . (١) فى ح : ربما . (٢) فى ح : نعلم . (٣) نقل هذا الجواب الخطابى عن بعض العلماء ، حيث قال : قال بعض العلماء : معناه : أنها جزء من أجزاء علم النبوة باق والنبوة غير باقية بعد رسول الله . وهذا الذى نحا إليه الخطابى ، وقال أيضًا : قال بعض العلماء : معناه: أن الرؤيا تجىء على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة. معالم السنن ٢٨١/٥، وانظر: أعلام الحديث ٢٣١٩/٤ . (٤) فى ح : كانت . ٢١٤ كتاب الرؤيا وقد قيل : إن المنامات دلالات ، والدلالات منها خفى ومنها حكى (١) ، فيما (٢) ذكر فيه السبعون أريد به [ أنه ] (٣) الخفى منها ، وما ذكر فيه الستة وأربعون أريد به الجلى منها. قال القاضى : قد قيل فى تنزيل هذه الأحاديث ما تقدم ، وقد قيل : إن المراد بها أنها خصلة من خصال النبوة، وخصلة من خصائصها ، كما قال فى الحديث الآخر: ((القصد والتؤدة وحسن السمت جزء من خمسة وعشرين من النبوه)) (٤)، وقد جاء هذا (٥) الحديث بألفاظ مختلفة وزيادات ، واختلاف فى الأجزاء . فيحتمل أن حصر هذه الخصال إلى هذا العدد المذكور مراده ، ويحتمل أنه مرة يأتى بها على إجمال النوع الواحد منها ، كما جعل القصد والتؤدة وحسن السمت فى هذا الحديث جزءاً فيكون أقسامها (٦) على عددها على هذا الترتيب ، فإذا فصلت آحاد أنواعها انقسمت على أكثر من ذلك وبلغت الخمسين والسبعين ، بحسب الالتفات إلى آحادها ، وليس فى حديث منها أنه ليس للنبوة خصال وخصائص سوى أحد هذه الأعداد حتى يحمل على التخالف والتناقض ، وإنما أخبر أن هذا الشىء واحد من عدد خصائصها وترك تمام العدد ، وإحصاء ذلك مرة ومرة قصد تمام عدده وإحصائه - والله أعلم . وقد (٧) يكون جزءًا من أربعين أو دونها على ماجاء فيمن كان من أهل إسباغ الوضوء فى السبرات والصبر على المكروهات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . ومن كان حاله بخلاف ذلك فبحسبها تكون رؤياه من الأربعين إلى السبعين [ لاينقص من الأربعين ولايزاد فى السبعين، وقيل ] (٨): [ قد ] (٩) يحتمل أن تكون هذه التجزئة من طرق الوحى [ و] (١٠) منه ماسمع من الله دون واسطة، كما قال [ ﴿ مِن وَرَاءِ حِجَاب﴾(١١) ومنه بواسطة الملك، كما قال] (١٢): ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ (١٣)، ومنه ما يلقيه فى القلب كما قال: ﴿وَحْيًّا﴾ (١٤)، ثم منه مايأتيه به الملك على صورته (١٥)، ومنه مايأتيه به على صورة الآدمى ، وقد (١٦) يعرفه كما جاء فى غیر حديث (١٧)، ومنه مايتلقاه منه وهو لايعرفه حتی یعرفه آخر كحدیث: ((ردوا على الرجل)) (١٨)، ومنه مايأتيه به فى منامه بحقيقة كقوله: ((الرجل مطبوب)) (١) فى ح : جلى . (٢) فى ح : فما . (٣) ساقطة من ز ، والمثبت من ح . (٤) مالك، ك الشعر، ب ماجاء فى المتحابين فى الله ٢/ ٩٥٤ (١٧). (٥) من هذه الأحاديث: مارواه الترمذى من حديث عبد الله بن سرجس. السنن ٣٢٢/٤ (٢٠١٠)، الطبرانى من حديث ابن عباس . انظر : مجمع الزوائد ٩٣/٣ (٦) فى ح : انقسامها . (٨) سقط من ز ، والمثبت من ح (١٠) فى ح : إذ . (١٢) سقط من ز . (٧) فى ح : قيل . (٩) ساقطة من ح . (١١) الشورى : ٥١ . (١٤،١٣) الشورى : ٥١ . (١٥) انظر: صحيح البخارى، ك بدء الخلق، ب إذا قال أحدكم آمين والملائكة فى السماء آمين (٨٣/٤ الفتح). (١٦) فى ح : وهو . (١٧) انظر: البخارى ٤/ ٨٠، مسلم ١٨١٦/٤ حديث رقم (٨٧) ك الفضائل. (١٨) مسلم ، ك الإيمان (٥). ٢١٥ كتاب الرؤيا ومنه ما مايأتيه به بالمثال، وأحياناً يسمع الصوت ويرى الضوء (١)، وأحيانا يغط ويأخذه به فى الرحضاء(٢)، ومنه مايأتيه كصلصلة الجزيئين (٣)، ومنه ما يلقيه روح القدس (٤). إلى غير ذلك مما وقفنا عليه ومما لم نقف عليه. فنقول: الرؤيا [التى هى ] (٥) / بضرب ٢١١ / ب المثل جزءٌ من ذلك العدد من أجزاء الوحى - والله أعلم . وبالجملة فى هذا كله صحة أمر الرؤيا وتعظيم شأنها وعلمها ، وأنها جزءٌ من النبوة ، وخاصية من خصائصها ، وكانت حقيقة من أجزاء النبوة لما فيها من الإعلام الذى هو معنى النبوة على أحد الوجهين . وقد قال كثير من العلماء : إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائى من ذلك مافيه تنبيه على مايكون له ، أو يقدر عليه من خير أو شر ، وهذا من معنى النبوة ؛ لأن لفظ النبى قد يكون فعيلا بمعنى مفعول كجريح [ بمعنى مجروح ] (٦) أى يعلمه الله ورسله أنه نبى ويطلعه من غيبه فى منامه [ على ] (٧) مالا يظهر عليه أحداً إلا من ارتضى من رسول ، وقد يكون معنى نبى : فعيل بمعنى فاعل ، كعليم ، أى يعلم غيره بما أوحى إليه ، وهذا أيضا صورة صاحب الرؤيا . وقوله: (( والرؤيا ثلاث، فالرؤية الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان ، ورؤيا مما يحدث المرء [ به ] (٨) نفسه، فإذا رأى أحدكم مايكره فليقم فليصل)) (٩) الحديث: قد تقدم هذا المعنى ، وذكره هنا الصلاة لما فيها من التضرع والمناجاة ومراغمة الشيطان بالقطع به عن الرجوع إلى النوم ليعيد عليه التحزين ، ويقطع عنه وسواسه وما يحدث به المرء نفسه . وهذه الأقسام من الرؤيا لا رابع لها ؛ لأن مايكون من الأخلاط من باب مايحدث به المرء نفسه ، لأن غلبة حديث المرء عليه فى يقظته تعتريه فى نومه حتى يسمعه يتكلم به ، وقد يعتريه عند شدة مرضه وبرسامة (١٠) إغمائه حتى فى صحته عند اشتغال سره ، يتكلم بشىء مع غيره فنقلت (١١) اللفظ ويغير الخطاب ببعض الكلمات والأسماء التى يحدث بها المرء نفسه . وكذلك غلبة الخلط عليه هو من هذا الباب . والصادقة من هذه الأقسام الثلاثة التى لا أضغاث فيها هو ماهو بشرى من الله ، وكذلك ماكان إنذاراً منه فيما يخشى ، فهو كله عناية من الله بعبده وتقدمة [ له ] (١٢) لما يصيبه من خير يفرح به ويستعد له ، أو شر [ فيتوقاه ] (١٣) ويكون على أهبة له ثم هى على ضربين: منه مايخرج على وجهه كما رآه ، (١) مسلم، ك الفضائل (١٢٣). (٢) مسلم، ك الفضائل (٨٦). الرحضاء: عرق الحمى. انظر: اللسان. (٤) انظر: الطبرانى فى الكبير، وأبو نعيم فى الحلية ٢٧/١٠. (٣) فى ح : الجرس . (٥) فى ح : هى التى . (٦) سقط من ح ، والمثبت فى ز . (٧) ساقطة من ح . (٩) حديث رقم (٦) بالباب (٨) ساقطة من ز . (١٠) هى علة معروفة، وهى التهاب فى الغشاء المحيط بالرئة. انظر : اللسان والوسيط . (١١) فى ح : فيقلب . (١٢، ١٣) فى هامش ح . ٢١٦ كتاب الرؤيا ومنه مايحتاج إلى تأويل ، والوجهان الآخران هما اللذان يدخلهما الأضغاث وباطل الرؤيا . وقوله: (( من رأى رؤيا حسنة [ فليقص)) (١) له الرواه ] (٢) بالباء، وعند العذرى: (( فلينشر )» بالنون ، وهو تصحيف ، إنما هو من البشارة . بشرت الرجل مخففا أبشره بالضم ، ويبشر به أيضاً مشددًا، وأبشره هو وبشر من البشرى . وقوله: ((وأحب القيد، وأكره الغل والقيد ثبات فى الدين)) (٣) فلا أدرى هو فى الحديث أم قاله ابن سيرين . كذا ذكره مسلم فى حديث الثقفى عن أيوب السختيانى ، عن ابن سيرين ، عن أبى هريرة، وذكر فى حديث معمر عنه قال أبو هريرة: (( فيعجبنى القيد، ٢١٢ / ب وأكره الغل)) الحديث، وكذلك ذكر الحديث / كله من رواية حماد (٤) بن زيد عن أيوب وهشام من قول أبى هريرة ، ولم يذكر فيه النبى ، وذكره من رواية قتادة عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى معَّ، قال: وأخرج (٥) قوله: ((وأكره الغل)» إلى تمام الكلام (٦) ، ومعناه : أدخله متصلا بكلام النبى - عليه السلام - وهذا النوع يسميه أهل الحديث المدرج جاء هذا الحديث فى القيد والغل مجملا ، وأحب القيد لأنه فى الرجلين ، فهو كف فى العبارة عن المعاصى والشر ومخالفة الدين ، والغل إنما هو فى العنق ، وقد وصف الله به أهل النار فقال: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُون ﴾ (٧) فهو مذموم لهذا، لكن أهل علم العبارة تركوا هاتين المسألتين (٨) نوازل بحسب قراءتها وأحوالها. فإذا كان القيد فى الرجلين وصاحبه فى مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة وفعل جميل فسره (٩) بثباته فيه ، كذلك ولو رآه (١٠) ذو أمر أو سلطان لدله على ثباته فيه أيضا، وبضد ذلك فلو رآه (١١) مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروه فهو ثباته فيه، وكذلك لو قارنه مايكره فى العبارة، مثل أن يكون القيد مع الغل غلب فيه المكروه ؛ لأنها [ من ] (١٢) (١) حديث رقم (٣) بالباب . (٢) فى ح : فليبشر كذا الرواية . (٣) حديث رقم (٦) بالباب. (٤) حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل البصرى ، الإمام الفقيه الحافظ الثقة ، كان ضريراً ، وأكبر فوائده . فى الأقضية والأحكام ، قال عنه الإمام أحمد: هو من أئمة المسلمين من أهل الدين ، ت ١٧٩ هـ ، انظر : تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٨، تهذيب التهذيب ٩/٣ . (٥) فى ح : أدرج فيه . (٦) حديث رقم (٦) بالباب. (٧) غافر : ٧١ . (٨) استدركت فى هامش ح . (٩) فى ح : بشره . (١٠) فى ح : لو رأى ذلك. (١١) فى ح : رأى ذلك. (١٢) ساقطة من ز . ٢١٧ کتاب الرؤيا صفات المسخوط عليهم والمعذبين ، ولمعاضدة الصورة الواحدة الثابتة ظاهراً ومعنى . وأما الغل فمذموم مكروه لما ذكرناه ، وذلك إذا كان فى العنق وربما دل على الكفر والبدعة وشهادة الزور ، أو حكم بجور وعلى المرأة السوء، لقوله - عليه السلام -: (( غل قمل ، وليقيد (١) ذلك فى الأعناق)) (٢) وقد يدل على الولاية (٣) إذا كانت معهما قرائن ولما جاء : ((أن كل وال يحشر مغلولاً حتى يطلقه عدله)). وإن كانت المغلولة اليدان دون العنق كان عندهم حسنًا ، ودل على كف اليدين عن الشر ، وربما دل على بخل البخيل، ومنعه لقول اليهود : ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (٤) ويدل على المنع والحبس عما يهم به الإنسان من أمر [ وتنويه ] (٥) فى يقظته . (١) فى ح : لتقلد . (٢) لم نعثر على هذا الكلام فى كتب الحديث وإنما هو قول عمر، انظر: النهاية ٣ / ٣٨١. (٣) فى ح : الولايات . (٤) المائدة : ٦٤ . (٥) ف ح : دنياه وثبوته . ٢١٨ كتاب الرؤيا / باب قول النبى معَ﴾ ((من رآنى فى المنام فقد رآنى)) (١) باب قول النبى عليه الصلاة والسلام: (( من رآنى فى المنام فقد رآنى )) ١٠ - (٢٢٦٦) حدّثنا أَبُو الرَّبيع، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتكىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِى ابْنَ زَيْد - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّد، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عٍَّ : ((مَنْ رَنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِ)) . قوله: (( من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإن الشيطان لا يتمثل بى)) ، وفى رواية : (( [ فإنه ] (١) لاينبغى للشيطان أن يتمثل فى صورتى))، وفى الحديث الآخر: (( فقد رأى الحق)). قال الإمام : اختلف المحققون فى تأويل هذا الحديث ، فذهب القاضى أبو بكر بن الطيب - رحمه الله - إلى أن المراد بقوله عَّه: ((من رآنى فى المنام فقد رآنى)) أنه رأى الحق، وأن رؤياه لاتكون أضغاثًا، ولا من تشبهات الشيطان. ويعضد ماقاله بقوله عمّه فى بعض الطرق: (( من رآنى فقد رأى الحق)) إن كان المراد به ما أريد بالحديث الأول فى المنام. وقوله تعَّه: ((فإن الشيطان لا يتمثل بى)): إشارة إلى أن المراد أن رؤياه لا تكون أضغاثا وإنما تكون حقا ، وقد يراه الرائى على غير صفته المنقولة إلينا ، كما لو رآه شيخاً أبيض اللحية ، أو على خلاف لونه ، أو يراه رؤيتين فى زمان واحد ، أحدهما بالمشرق ٢١٣ / أ والآخر / بالمغرب ، ويراه كل واحد منهما معه فى مكانه . وقال آخرون [ بل ] (٢): الحديث محمول على ظاهره ، والمراد : أن من رآه فقد أدركه عَّ. ولامانع يمنع من ذلك ، ولا عقل يحيله حتى يضطر إلى صرف الكلام عن ظاهره . وأما الاعتلال بأنه قد يرى على خلاف صفته المعروفة وفى مكانين مختلفين معا ، فإن ذلك غلط فى صفاته ، ويخيل لها على غير ماهى عليه. وقد يظن بعض الخيالات مرئيات، لكون مايتخيل مرتبطاً بما يرى فى العادة، فتكون ذاته عَّه مرئية وصفاته مختلفة (٣) غير مرئية ، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولاقرب المسافات ، لا يكون المرئى مدفونا فى الأرض ولاظاهراً عليها ، وإنما يشترط كونه موجوداً. ولم يقم دليل على فناء جسمه عَّه ، بل جاء فى بعض الأخبار (٤) ما يدل على بقياه صلوات الله عليه ، ويكون اختلاف الصفات (١، ٢) سقطتا من ز . (٣) فى ح : متخيلة . (٤) حديث: ((إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) ابن ماجة، ك إقامة الصلاة (١٠٨٥)، أبو داود ك الصلاة ( ١٠٤٧)، أحمد ٨/٤ . ٢١٩ كتاب الرؤيا / باب قول النبى عَّه ((من رآنى فى المنام فقد رآنى)) ١١ - ( .. ) وحدّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنَى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمَعَتُ رَسُولَ اللهََّ يَقُولُ: مَنْ رَآَنِى فِى الْمَنَامِ فَسَيَرَانِى فِى الْبَقَطَّةِ - أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِى فِى الَْقَظَةِ - لاَيَتَمَّلُ الشَّطَانُ بِى )) . (٢٢٦٧) وَقَالَ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّةٍ: (( مَنْ رَآنِى فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ)) . المتخيلة ثمرتها اختلاف [ الصفات المتخيلة ] (١) الدلالات . وقد ذكر الكرمانى (٢) فى باب رؤية النبى معَّه قال: وقد جاء فى الحديث أنه عَّه إذا رؤى شيخًا فهو عام سلم ، وإذا رؤى شاباً فهو عام حرب . وكذلك أحد جوابهم عنه عَّة، لو رؤى آمراً بقتل من لايحل قتله ، فإن ذلك من الصفات المستحيلة(٣) له لا المرئية. وجوابهم الثانى : منع وقوع مثل هذا . ولا وجه عندى لمنعهم إياه مع قولهم فى تخيل الصفات ، فهذا انفصال ، هؤلاء عما احتج به القاضى (٤) . وللمسألة تعلق بغامض الكلام فى الإدراكات وحقائق متعلقاتها ، وبسطه خارج عن طريقة هذا الكتاب . قال القاضى: يحتمل معنى قوله: ((فقد رآنى)) و ((فقد رأى الحق ، فإن الشيطان لايتمثل بى)) إذا رؤى على الصفة التى كان عليها فى حياته لا على صفة مضادة لحاله ، فإن رؤى على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة ، فإن من الرؤيا مايخرج على وجهه ، ومنها مايحتاج إلى تأويل وعبارة . قال بعضهم (٥) : خص الله نبيه بعموم صدق رؤياه كلها ، ومنع الشيطان أن يتمثل فى صورته ؛ لئلا يتذرع بالكذب على لسانه فى النوم ، ولما خرق الله العادة للأنبياء دليلاً على صحة حالهم فى اليقظة ، واستحالة تصور الشيطان على صورته فى اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله ؛ إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل ، ولم يوثق بما جاء من جهه النبوة مخافة هذا التصور، فحمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره ونزغه وإلقائه وكيده على الأنبياء ، وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبى للنبى عن تمثيل الشيطان بذلك لتصح رؤياه فى الوجهين ، ويكون طريقاً إلى علم صحيح لا ريب فيه . (١) غير موجودة فى ح ، وضرب عليها بخط فى ز . (٢) هو إبراهيم بن عبد الله بن محمد الكرمانى الأصبهانى ، المشهور بابن خرشيد، ولد ٣٠٧ هـ ، ودخل بغداد ٣٢١ هـ، وعاصر المهدى وفسر له الرؤية، وله كتاب فى الرؤية . انظر : السير ١٧ /٦٩، العبر ١٩٦/٢، نزهة الألباء فى طبقات الأدباء . ترجمة أبى بكر بن الأنبارى. (٣) فى ح : المتخيلة . (٤) هو أبو بكر الباقلانى . (٥) منهم : ابن بطال فى شرح البخارى ٤/ ق ٢١٤ ، ك التعبير . كتاب الرؤيا / باب قول النبى عَّ (( من رآنى فى المنام فقد رآنى ) ٠ ٢٢ ( ... ) وَحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثْنَا ابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ، حَدَّثْنَا عَمِّى. فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا بِإِسْنَادَيْهِمَا. سَوَاءً . مِثْلَ حَديثِ يُونُسَ . ١٢ - (٢٢٦٨) وحدّثنا قُتَيَّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّ قَالَ: (( مَنْ رَآنِى فِى النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِى، إِنَّهُ لا يَنْبَغِى للشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمثَّلَ فِى صُورَتِى)). وَقَالَ: ((إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلا يُخْبرْ أَحَدًّا بِتَلَعُّبِ الشَّطَانِ بِهِ فِى الْمَنَامِ » . ٢١٣ / ب ولم يختلف العلماء فى جواز صحة رؤية الله فى المنام ، وإذا رئى على صفة لا تليق بجلاله من / صفات الأجسام للتحقيق أن ذات (١) المرئى غير ذات الله ؛ إذ لا يجوز عليه التجسيم ولا اختلاف فى الحالات ، بخلاف رؤية النبى معَّه فى النوم ، فكانت رؤيته - تعالى - فى النوم من أنواع الرؤيا من التمثيل والتخيل (٢) . قال القاضى أبو بكر : رؤية الله تعالى فى النوم أوهام وخواطر فى القلب بأمثال لا تليق به بالحقيقة ، ويتعالى سبحانه عنها ، وهى دلالات الرائى على أمور مما كان أو يكون كسائر المرئيات (٣) . قال غيره من أهل هذا الشأن : وإذا قام الدليل ، للعابد فى رؤية البارى أنه هو المرئى لا تأويل له يغره كانت حقا صدقا لا كذب فيها ، لا فى قول ولا فعل (٤) . قال الإمام: وأما قوله عَّ: ((من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة)) ((أو كأنه (٥) رآنى فى اليقظة))، فإن كان المحفوظ: ((كأنما رآنى فى اليقظة)) فتأويله مأخوذ مما تقدم ، وإن كان المحفوظ: (( فسيرانى فى اليقظة)) فيحتمل [ أنه يريد ] (٦) أهل عصره ممن لم يهاجر إليه عَّ ، فإنه إذا رآه فى المنام فسيراه فى اليقظة ، ويكون البارى جعل رؤية المنام علمًا على رؤية اليقظة ، فأوحى بذلك إليه عَّه . قال القاضى : وقيل : معناه : يرى تصديق تلك الرؤيا فى اليقظة [ وصحتها . وأبعد بعضهم أن يكون معناه : سيرانى فى اليقظة أى ] (٧) فى الآخرة ، إذ يراه فى الآخرة جميع أمته ، من رآه ومن لم يره (٨) . (١) فى ح : ذلك . (٢) اتفق الصحابة والتابعون ومن بعدهم على جواز وقوعها ، وروى أهل العلم حديثا من طرق كثيرة : أنه رأى ربه فى المنام . انظر: سراج الطالبين على منهاج العابدين ، شرح إحسان محمد دحلان ١٣٣/١، المفهم ٣/ ق ٢٢، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/ ٣٩٠، الفقه الأكبر بشرح القارى ص ١٣. (٣) نقله ابن بطال فى شرح البخارى ٤/ ق ٢١٤، القرطبى فى المفهم ٣/ ق ٢٢٢ . (٤) انظر : ابن بطال فى شرح البخارى ٢١٥/٤ كتاب التعبير . (٥) فى ح : كأنما . (٦) استدركت فى هامش ح . (٨) ممن قال هذا ابن بطال فى شرح البخارى ٤/ ق ٢١٤ . (٧) استدركت فى هامش ح .