النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب السلام/ باب يسلم الراكب على الماشى ... إلخ
العربية : وهى تدخل لثلاثة معان : للتعريف : كقولك : الرجل ، وللجنس : كقولك :
النساء والذهب. وللتعظيم : كقولك: العباس والحسن، وهاتان لغتان فى السلام معروفتان،
ولغة / ثالثة : سلم ، بكسر السين ، وأنشدوا :
١٨٠ / أ
وقفنا فقلنا إيه سلما فسلمت
كما انهل بالبرق والغمام اللوائح
فإن زاد: ((ورحمة الله وبركاته)) فحسن ، وقد استدلوا بقول الملائكة بعد ذكر
السلام: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾(١). وقد جاء فى التشهد : السلام عليك
أيها النبى ورحمة الله وبركاته(٢)، وقد جاءت بذلك عن السلف آثار .
ويكره أن يقول فى الابتداء : عليك السلام ، وجاء فى الحديث النهى عنه ، وأنه تحية
الموتى (٣)، ومعناه: أنه عادة الشعراء المؤبنين (٤) للموتى فى أشعارها ومراثيها ، كقوله :
علیك سلام الله قيس بن عاصم
ورحمته ما شاء أن يترحما (٥)
لا أن هذه هى السنة، وقد قال - عليه السلام -: (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين))(٦)،
فحياهم تحية الأحياء. قال بعضهم (٧) : ولأن عادة العرب فى تحية الموتى قد جرت فى تقديم
اسم المدعو عليه فى الشر(٨)، كقولهم: عليه لعنة الله وغضبه، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ
عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىْ يَوْمِ الدِّين﴾(٩)، وهذا لا حجة فيه ؛ لأن الله قد نص فى الملاعنة بتقديم
اللعنة والغضب على الاسم ، وقيل : لأن السلام اسم الله (١٠) وهو أولى بالتقديم وهذا
حسن لو سلم ، وقد تقدم الخلاف فيه ، ويناقضه جواز ذلك فى الرد وهو [ ما لا ](١١)
يختلف فى جوازه، وقد روى عن الملائكة فى حديث آدم (١٢)، وروى أن النبى عَُّ قال فى
(١) هود : ٧٣ .
(٢) انظر: التشهد فى الصلاة (٤٠٢).
فروى عن زهرة بن خميصة قال : ردفت أبا بكر فكنا نمر بالقوم فنسلم عليهم ، فيردون علينا أكثر مما
نسلم ، فقال أبو بكر : ما زال الناس غالبينا . انظر : ابن أبى شيبة ٨/ ٤٢١ .
(٣) الترمذى ، ك الاستئذان، ب ما جاء فى أن يقول: عليك السلام مبدئا (٢٧٢١).
(٤) فى ز : والمرثيين .
(٥) البيت عزاه النضر بن شميل لعبدة بن الطيب من قصيدة رثى فيها قيس بن عاصم حين توفى. الإصابة
٢٥٤/٣، واللسان ٢/ ٢٩٠ .
(٦) سبق فى مسلم ، ك الجنائز، ب ما يقال عند دخول القبور رقم (١٠٢/ ٩٧٤).
(٧) منهم : ابن بطال فى شرح البخارى ٤ ق / ٨٥ .
(٨) فى ز : السوء، والمثبت من ح .
(٩) ص : ٧٨ .
(١٠) سبق فى ك الصلاة، ب التشهد فى الصلاة رقم (٤٠٢).
(١١) فى ح : ما لم .
(١٢) البخارى، ك الاستئذان، ب بدء السلام ١٢٥/٧.

٤٢
كتاب السلام / باب يسلم الراكب على الماشى ... إلخ
الرد كذلك: ((عليك السلام)).
وأما فى الرد فيقول: ((السلام عليك(١))) أو: ((عليك السلام ورحمة الله وبركاته))
وإن اقتصر على السلام أجزأه إلا أن يكون المسلم أولا قد زاد الرحمة والبركة ، فعلى الراد
مثل ذلك. وقد جاء فى الحديث الصحيح عند خلق آدم وأمر الله له أن يسلم على الملائكة
وأن يسمع ما يحيونه به فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: ((السلام عليكم)) فقالوا: (( السلام
عليك ورحمة الله وبركاته ))(٢)، وهو أحد التأويلين فى قوله: ﴿وإِذَا حُبِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾(٣).
وأما معنى السلام ، فقيل : معناه هنا : اسم الله ، أى كلاءة الله عليك وحفظه كما
يقال: الله معك، والله يصاحبك. والسلام: اسم من أسماء الله هو: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ
الْمُهَيْمِنِ﴾ (٤)، ومعناه: السالم(٥) من النقائص والمعايب، وقيل: المسلم (٦) لعباده،
وقيل : المسلم (٧) على أوليائه فى الجنة ، وقيل : مسلمهم من عذابه(٨)، وقيل: معنى
سلام عليك: أى السلامة والنجاة لكم ، كما قال: ﴿ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين﴾(٩).
وقيل معناه : أنا مسالم لك ، وسلم لك غير حرب . والسِّلم والسلام [ الصلح] (١٠).
(١) فى ح : عليكم .
(٢) البخارى ، السابق .
(٣) النساء : ٨٦ .
(٤) الحشر : ٢٣ .
(٥-٧) فى ز : السلام وهو خطأ .
(٨) انظر: أحكام القرآن للقرطبى ٢٩٨/٥ سورة النساء.
(٩) الواقعة : ٩١ .
(١٠) من ح .

٤٣
كتاب السلام / باب من حق الجلوس على الطريق ردّ السلام
(٢) باب من حق الجلوس على الطريق ردّ السلام
٢ - (٢١٦١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحد بْنُ زِيَادِ،
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلِحَةَ، عَنْ أَبيه ، قَالَ : قَالَ
أَبُو طَلِحَةَ: كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ فَقَامَ عَلَيْنَا. فَقَالَ: ( مَالَكُمْ
وَجَالس الصُّعْدَت ؟ اجْتَبُوا مَجَالسَ الصُّعُدَات)) . فَقُلِنَا: إنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاسٍ ،
فَعَدْنَا نَتَذَكَرُ وَنَتَحَدَّثُ. قَالَ: ((إِمَّا لَ، فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّالبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَحُنَّنُ
الكَلامِ ».
٣ - (٢١٢١) حَدَّثَنَا سُويْدُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلِمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ ، عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َلْ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ
بالطُّرُقَات)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالسَنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ الله
◌َّةِ: ((إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)). قَالوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: ((غَضُ
البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى ، وَرَّدُّالسَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالَعْرُوفِ وَالنَّهْىُّ عَنِ الْمُنْكَرِ)» .
قوله : ((اجتنبوا مجالس الصعدات)) بضم العين ، قال الإمام : هى الطرق مأخوذة
من الصعيد، وهو التراب، وجمعه صعد، ثم صعدات، مثل: طريق وطرق ، ثم طرقات.
قال القاضى : قد جاء فى الروايات الأخرى مفسراً بذلك: (( إياكم والجلوس
بالطرقات))، وقيل : الصعيد : الطريق الذى لا نبات فيه (١) ، مأخوذ من الصعيد، وهو
التراب أو وجه الأرض .
وقوله: ((فإما لا فأدوا حقها)) [ بكسر الهمزة، معناه: إلا لم تتركوها فأدوا حقها ](٢)،
كما قال فى الحديث الآخر: ((إن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه)). قال ابن
الأنبارى: ومعناه: افعل كذا وكذا إن كنت لا تفعل كذا وكذا، فدخلت ((ما)) صلة ،
وقد مر من هذا [ الحرف](٣) .
وقوله : وما حقه؟ قال: (( غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر
(٢) سقط من الأصل .
(١) فى الأصل : فيها ، والمثبت من ح .
(٣) ساقطة من الأصل .

٤٤
كتاب السلام / باب من حق الجلوس على الطريق ردّ السلام
( ... ) حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ المَدَنِىُّ. ح وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ
بالمعروف والنهى عن المنكر ))، وفى الحديث الآخر: ((وحسن الكلام)): قد بين من هذا
[معنى](١) علة ما نهى عنه من الجلوس على الطرقات من التعرض للفتن بحضور النساء
الشواب ، وخوف ما يلحق من ذلك من النظر إليهن والفتنة بسببهن ، ومن التعرض لحقوق
الله وللمسلمين بما (٢) لا يلزم [الإنسان إذا كان فى بيته وحيث ينفرد أو يشتغل بما يلزمه ](٣)،
١٨٠ / ب ومن رؤية / المناكر وتعطيل المعارف ، فيجب على المسلم الأمر والنهى عند ذلك ، فإن ترك
ذلك ، فقد تعرض لمعصية الله .
وكذلك هو يتعرض لمن يمر عليه ويسلم ، وربما كثر ذلك عليه فيعجز. عن رد السلام
على كل مار ورده فرض فيأثم والمرء مأمور ألا يتعرض للفتن ، ولا لإلزام (٤) نفسه ما لعله لا
يقوم بحقه فيه فندبهم النبى ◌َّه إلى ترك هذا، فلما أعلموه أنه لا بد لهم من ذلك لما
يقصده الإنسان بمجالسة جيرته وأصحابه فى أفنية منازلهم لترويح قلوبهم وقضاء حوائجهم
والمباحثة عن أحوالهم. قال لهم : إن أبيتم إلا ذلك فأدوا الحقوق اللازمة لكم .
وفيه دليل أن أمره - عليه السلام - لم يكن لهم على الوجوب ، وإنما كان على طريق
الترغيب والحض لما هو أولى(٥) ؛ إذ لو فهموا منه الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة ، وقد
يحتج به من لا يرى الأوامر على الوجوب. وفيه حجة على وجوب رد السلام ، وحجة على
أن الماشى يسلم على القاعد ، كما تقدم فى الحديث قبل .
وأما قوله: ((وكف الأذى)) : فيحتمل أن يكف أذى الناس بعضهم عن بعض ،
وهو من نحو قوله: ((والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)) وقد يكون أن تكف أذاك عن
المار فيه بألا تجلس حيث يضيق عليه الطريق ، أو من يتأذى بجلوسك على باب منزله ، أو
طريق واردته ، أو حيث يكشف عياله ، أو ما يريد التستر به من حاله .
وقوله: (( وحسن الكلام)): ندب إلى حسن معاملة المسلمين بعضهم لبعض ، وأن
الجالس على الطريق يمر به العدد الكثير من الناس ، فربما سألوه عن بعض شأنهم ، ووجه
طرقهم ، فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام ، ولا يتلقاهم بالضجر وخشونة اللفظ ،
ولعل هذا من باب كف الأذى المتقدم .
٠٠٠
(١) ساقطة من الأصل .
(٣) سقط من ز .
(٢) فى الأصل : مما .
(٤) فى الأصل : لازم .
(٥) قال القرطبى فى المفهم : هذا الحديث إنكار للجلوس على الطرقات وزجر عنه، لكن محمله إذا لم يطرأ
على ذلك حاجة . لكن العلماء فهموا أن جهة المنع ليس على جهة التحريم ، وإنما هو من باب سد
الذرائع. ٣ق / ١٧٨ .

كتاب السلام/ باب من حق الجلوس على الطريق ردّ السلام
٤٥
ابْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيِّكٍ عَنْ هِشَامٍ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ - كِلاهُمَا عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ .
قال الإمام: خرج مسلم فى هذا الباب : حَدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا حفص بن
ميسرة ، عن زيد بن أسلم - الحديث. ثم أردف عليه : حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا
عبد العزيز بن محمد - الحديث. وحدثنى محمد بن رافع ، حدثنا ابن أبى فديك ، عن
هشام بن سعد ، كلاهما عن زيد بن أسلم. هكذا رواه الرازى عن الجلودى. وأما السجزى
فلم يتكرر عنده ولا عند ابن ماهان ولا غيرهما ، وتكررت عند الجلودى والكسائى فى مواضع
أخر من كتاب الأدب ، فذكر أحاديث(١) ، سويد ، ثم أعقبا بعده ، فقالا : حدثنا يحيى
ابن يحيى ، حدثنا عبد الله بن يزيد، عن زيد. فجعل مكان ((عبد العزيز بن محمد)) :
((عبد الله بن يزيد)). قال بعضهم : والصواب ما تقدم ، وكذلك خرجه الدمشقى فى
كتاب الأطراف عن يحيى بن يحيى ، عن عبد العزيز. وكذلك رواه ابن ماهان فى الموضعين
معا ، لم يكن عنده فيه خلاف .
(١) فى ح : حديث .

٤٦
كتاب السلام / باب من حق المسلم للمسلم ردّ السلام
(٣) باب من حق المسلم للمسلم ردّ السلام
٤ - (٢١٦٢) حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ
شِهَبٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعََّ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمَ
خَمْسٌ)). ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّقَ، أَخْبَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىَّ،
عَنِ ابْنِ الْمُسَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((خَمْسٌ تَجِبُ للمُسْلِمِ عَلَى
أَخِيهِ: رَدُّ السَّلامِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَعِيَادَةُ الَرِيضِ ، وَتِبَاعُ
الجَنَّائِزِ)).
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يُرْسِلُ هَذَا الَحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، وَأَسْنَدَهُ مَرَّةً عَنِ ابْنِ
الُسَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً.
قال القاضى: قوله: ((حق المسلم على المسلم خمس)) فذكر: ((رد السلام ،
وتشميت العاطس ، وإجابة الدعوة ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز)) : فلا خلاف أن
القيام بذلك على الجملة فرض ، لكنه فى الجنازة على الكفاية ، حتى إذا لم يكن بالحضرة
عدة كثيرة إلا من يقوم تعين عليهم .
واختلف فى رد السلام وتشميت العاطس ، هل هو فرض على الكفاية أو على العين ،
١٨١ / أ وقد تقدم منه ، وسيأتى الكلام فى تشميت العاطس / .
وأما إجابة الدعوة ، ففى الوليمة فرض وقد تقدم الكلام عليه ، وفى غيرها ندب ، وقد
يكره ذلك فى غير الوليمة لأهل الفضل .
وأما عيادة المريض فمندوب إليه إلا فيمن لا قائم عليه ، فعلى المسلمين فرض على
الكفاية ، القيام عليه ، وتمريضه ؛ لئلا يضيع ويموت جوعاً وعطشاً. وذلك أصل سنة
العيادة لتفقد حال المرضى والقيام عليهم .
وأما ابتداء السلام ، فقد تقدم الكلام فيه .
وأما النصيحة ، فمرغب فيها غير واجبة ،لكنه إذا استنصح كان مندوبا إلى أن ينصح؛
لأنه حض - عليه السلام - على النصيحة لكل مسلم، فإذا استنصح؛ وجب عليه النصيحة(١)،
(١) سبق فى ك الإيمان ، ب بيان أن الدين النصيحة (٩٥).

٤٧
كتاب السلام/ باب من حق المسلم للمسلم ردّ السلام
٥ - ( .. ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أُوبَ وَقْنَيْبَةُ وَابْنُ حُجْر، قالوا: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ - وَهُو
ابْنُ جَعْفَرِ - عَنِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((حَقُّ الْمُسْلِم
عَلَى الْمُسْلَمْ سِتٌّ)) . قِيلَ: مَاهُنَّ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ : ((إِذَا لقيتَهُ فَسَلَمْ عَلَيْهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ
فَأَجِبُهُ ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمْدَ اللّهَ فَشِمَّتْهُ، وَإِذَا مَرَضَ فَعُدْهُ،
وَإِذَا مَاتَ فَأَبِعْهُ » .
ولا يداهن فى ذلك. ولفظة (( حق)) لا تقتضى الوجوب حيث وقعت ، وقد تقدم هذا فى
الوصايا .
وقوله: ((وتشميت العاطس)): هو الرد عليه. يقال بالسين المعجمة والمهملة ،
وأصله : الدعاء ، وكل داع بالخير فمشمت .

٤٨
كتاب السلام/ باب النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ... إلخ
(٤) باب النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام
و کیف یرد عليهم
٦ - (٢١٦٣) حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِى بَكْرٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَسَّا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّه. ح وَحَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ،
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((إِذَا سَلَمَ
عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولوا: وَعَلَيْكُمْ)) .
قوله: ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب ، فقولوا : وعليكم))، وفى الرواية الأخرى :
((إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم ، فقولوا : وعليك)) وكذا فى
رواية السجزى ، ولغيره: ((عليك)) بغير واو ، وفى الحديث الآخر فى رده - عليه السلام -
عليهم، فقال: ((قد قلت: عليكم)) وفى الآخر: ((وعليكم))، قال الإمام : اختيار
بعض الناس فى الرد أن يقول : عليك، بغير واو (١) ، ورأى أن إثبات الواو تفيد إثباته
على نفسه حتى يصح العطف عليه ، وقاله ابن حبيب من أصحابنا(٢) ، ووقع لغيره من
أصحابنا إثبات الواو فى الرد ، وهكذا وقع فى كتاب مسلم إثباتها إلا فى بعض طرقه فى رد
النبى - عليه السلام - فإنه قال: ((قلت: عليكم))، وفى بعض طرقه: ((قلت :
وعليكم)) والانفصال عما قاله ابن حبيب أن يكون الواو للاستئناف لا للعطف والتشريك بين
الأول والثانى ، واستعمالهما للاستئناف كثير ، فاستعملت له ها هنا .
واختار بعضهم أن يرد عليهم السلام - بكسر السين - وهى الحجارة .
قال القاضى عبد الوهاب : والأول أولى ؛ لأن السنة وردت بما ذكرناه ؛ ولأن الرد
إنما يكون : بجنس المردود لا بغيره .
وقد تعلق بعض الناس فى إباحة لفظ السلام بقوله سبحانه وتعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي﴾(٣)، وبقوله عز وجل: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) . والجواب عن
هذا : أنه لم يقصده بهذه التحية ، وإنما قصد المباعدة والمتاركة ؛ ولهذا قال بعض الناس فى
قوله جلت [ حضرته ](٥) قدرته : ﴿ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ : إنها منسوخة بآية السيف
لما كان القصد بها المباركة .
-
(١) منهم: سفيان بن عيينة، والخطابى. انظر: معالم السنن ٣٨٤/٥.
(٢) المنتقى ٧ / ٢٨١ .
(٥) زائدة فى الأصل .
(٤) الزخرف : ٨٩ .
(٣) مريم : ٤٧ .

٤٩
كتاب السلام/ باب النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ... إلخ
٧ - ( ... ) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنِى يَحْبَى بْنُ حَبيب،
حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنَى ابْنَ الْحَارِثِ - قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْتَتَّى وَأَبُّنُ
بَشَّارِ - وَالَلِفْظُ لَهُمَا - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ
يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ؛ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِّ ◌َّهُ قَالُوا لِلنَِّّ ◌َّهُ: إِنَّ أَهْلَ الكِتَابِ يُسَلَمُّونَ عَلَيْنَا،
فَكَيِفَ نَرَدُّ عَلَيْهَمْ؟ قَالَ: ((قُولوا : وَعَلَيْكُمْ )) .
٨ - (٢١٦٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْر - وَاللفْظُ
لِيَحْبَى بْنِ يَحْبَى - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْنَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - إسْمَاعِيلُ - وَهُوَ
ابْنُ جَعْفَر - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((إِنَّ
اليَهُودَ إِذَا سَلَمُوا عَلَيْكُمْ، يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ ، فَقُلْ: عَلَيْكَ)) .
وقوله: ((السام عليكم)) هو الموت، ومنه الحديث الآخر: ((لكل داء دواء إلا السام))،
قيل: يا رسول الله، ما السام؟ قال: ((الموت)) (١)، قال القاضى: تأول قتادة السام فى
هذا الحديث على خلاف ما تقدم ، وأنه بمعنى تسأمون دينكم ، وهو مصدر سئمت سآمة
وسآماً، مثل: لذاذة ولذاذا ، ورضاعة ورضاعاً(٢). وقد جاء مثل هذا مفسراً من قول النبى (٣)
وكذلك رواه بقى/ بن مخلد فى تفسيره أنه قال فى معناه : أى يسمون دينكم ، وعلى هذا ١٨١ / ب
فرواية من رواه بحذف الواو أحسن ممن رواه بالواو ، وقاله الخطابى .
وقد اختلف العلماء فى رد السلام على أهل الذمة ، فألزمه جماعة إلزامه الرد على
المسلمين لعموم الآية(٤) والحديث (٥)، وهو مذهب ابن عباس(٦) والشعبى (٧) وقتادة(٨).
وذهب غيرهم إلى أن الآية والحديث مخصوص بالمسلمين بدليل تفسير هذه الأحاديث التى
فى الباب (٩)، وأنه لا يرد عليهم ، ورواه أشهب وابن وهب عن مالك. قال : فإن رددت،
(١) لم نعثر على هذا الحديث . بهذا اللفظ .
(٢) انظر: الخطابى فى أعلام الحديث ٢١٧٦/٣.
(٣) رواه البزار عن سعيد بن أبى عروبة. انظر: كشف الأستار ٤٢٢/٢، وقال الهيثمى: رواه البزار ورجاله
رجال الصحيح. انظر : مجمع الزوائد ٨ / ٤٥.
(٥) أحاديث رد السلام.
(٤) النساء : ٨٦.
(٦) انظر: ابن أبى شيبة، ك الأدب، ب فى رد السلام على أهل الذمة ٦/ ١٤٣.
(٧) المنتقى ٧ /٢٨١ .
(٨) تفسير الطبرى ١٨٩/٤ تفسير سورة النساء .
(٩) انظر السابق .

كتاب السلام/ باب النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ... إلخ
٥٠
٩ - ( ... ) وَحَدَّثَنَى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النِّّ ◌َّهِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ)) .
١٠ - (٢١٦٥) وَحَدَّثَنِى عَمْرُوْ النَّاقدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب - وَاللفْظُ لزُهَيْر - قَالا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتِ: اسْتَذَنَّ رَهْطٌ منَ
الَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ. فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقَلَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ
فقل : عليك. قال بعض شيوخنا : ومعنى قولهم هذا : لا يرد عليهم ، أى بلفظ السلام
المشروع، وليرد عليهم بما جاء فى الحديث: ((عليكم)). وهذا قول أكثر العلماء(١). وقال
ابن طاووس : يقول : علاك السلام ، أى ارتفع عنكم .
قيل : فى هذا الحديث دليل أنهم لا يبدؤون بالسلام ؛ لقوله: (( إذا سلم عليكم
اليهود )) ولم يذكر ابتداء السلام عليهم ، فدل أنه غير مشروع ولا جائز(٢).
وقول عائشة : ((بل عليكم السام والذام)) مخفف الميم ، وفى رواية العذرى ((الهام))
مكان ((الذام))، فأما الذام: فهو من الذم، وكذا رواه الهروى: (( والدام )) ، ويكون ألفه
منقلبة من ياء ، ويقال : ذممته ذما : إذا لمته فى إساءته ، وذمته أذيمه ذيما : عبته ، أو يكون
ألفه منقلبة من همزة ( من الذأم وهو الاستحقار. يقال ذامه ذاماً: إذا حقره ](٣) وهذا من
نحو قولها فى الرواية الأخرى: ((بل عليكم السام واللعنة))، ولم تختلف الرواية فيه أنه
بالذال المعجمة (٤) ، ولو كان بالمهملة ؛ لكان له وجه(٥) .
قال ابن الأعرابى : الدام : بمعنى الدائم ، ويكون معناه : عليكم الموت الدائم. وأما
الهام ، فلا وجه له إلا أن يكون بمعنى الموت أيضا ، من قولهم : فلان هامة اليوم وغد .
والعرب تزعم أن الميت إذا مات خرج من رأسه طائر يقال له : الهام. ويقال : ذلك يختص
بمن قتل ولم يدرك بثأره ، فيقال لمن كبر وشاخ ذلك : إن موتك قريب فيكون معنى قول
عائشة هذا ، أو يكون الهام ها هنا بمعنى: الطيرة ، على ما كانت العرب تطير به من الهام،
أى : عليكم الموت والطيرة والشؤم - والله أعلم .
(١) منهم : أنس، وإبراهيم، وعامر . انظر : ابن أبى شيبة ، ك الأدب ، ب رد السلام على أهل الذمة
٦ / ٠١٤٣،١٤٢
(٢) التمهيد ١٧ / ٩٣، ٩٤ .
(٣) سقط من الأصل ، والمثبت من ح .
(٤) يعنى رواية صحيح مسلم بالذال المعجمة .
(٥) وهذا ما قاله النووى فى شرح مسلم ١٤/ ١٤٥.

٥١
كتاب السلام/ باب النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ... إلخ
وَاللعْنَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَةُ: (( يَا عَائِشَةُ، إنَّ اللهَ يُحبُّ الرِّفْقَ فِى الأَمْرِ كُلُه)). قَالتْ:
أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالوا؟ قَالَ: ((قَدْ قُلتُ: وَعَلَيْكُمْ)).
( ... ) حَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ عَلَىِّ الْحُلوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْن
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ. حَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، كَلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَديثِهِمَا جَميعًا: قَالَ رَسُولُ الله
عَ: ((قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ))، وَلَمْ يَذْكُرُوا الوَاوَ .
١١ - ( .. ) حَدَثْنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: أَتَى النَّبِىَّ ◌َّهُ أُنَاسٌ مِنَ الَيَهُودِ . فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ،
يَا أَبَ القُّاسِمِ. قَالَ: (( وَعَلَيْكُمْ)) . قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّمُ وَالذَّامُ . فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عَةِ: (( يَا عَائِشَةُ، لا تَكُونِى فَاحِشَةٌ)). فَقَالتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالوا؟ فَقَالَ :
((أَوَ لَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمُ الذِى قَالوا؟ قُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ)).
( .. ) حَدَّثَنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَعْلِى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا
الإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ فَسَبَّتَهُمْ. فَقَالَ رَسُولِ اللهِعَِّ: ((مَهْ، يَا عَائِشَةُ،
فَإِنَّ اللهَ لا يُحبُّ الفُحْشَ وَالنَّفَحُّشَ)). وَزَادَ : فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيّْكَ
بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ (١) إِلى آخِرِ الآيَةِ .
١٢ - (٢١٦٦) حَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ عَبْدِ الله وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ
ابْنُ مُحَمَّد ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرِنِى أَبُوَ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ :
سَلَمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى رَسُولَ اللهِ عَّهُ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، يَا أَبَا القَاسمِ. فَقَالَ:
((وَعَلَيْكُمْ)) . فَقَالتْ عَائِشَةُ، وَغَضَبَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالوا؟ قَالَ: ((بَلَى، قَدْ سَمِعْتُ،
فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلْنَ)) .
قال القاضى: وقوله فى الحديث الآخر: (( ففطنت بهم عائشة ، فسبتهم)): كذا
روايتنا عن شيوخنا فى هذا الحرف بالفاء والنون، وقد روى: (( فقطبت )» بالقاف وتشديد
الطاء والباء، بمعنى ما جاء فى الحديث الآخر: ((فقالت عائشة وغضبت)).
(١) المجادلة : ٨.

كتاب السلام / باب النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ... إلخ
٥٢
١٣ - (٢١٦٧) حَدَّثَنَا قُنَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزيز - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ-عَنْ
سُهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((لا تَبْدَؤُوا الَيَهُودَ وَلا
النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لِقِيْتُمْ أَحَدَهُمْ فِى طَرِيقٍ فَاضْطَرُوهُ إِلى أَضْيَقِهِ)) .
سب عائشة لهم قيل : فيه الانتصار للسلطان وأهل الفضل ، ووجوب ذلك على
حراسهم وغيرهم من المسلمين . ..
وفى قول النبى - عليه السلام - لها: ((إن الله يحب الرفق فى الأمر كله))، وفى
الرواية الآخرى: ((لا تكونى فاحشة))، وفى الأخرى: ((إن الله لا يحب الفحش
والتفحش)): الفاحش ذو الفحش فى كلامه ، والمتفحش : المتكلف لذلك ومتعمده. قيل:
١٨٢/ أ ويكون المتفحش الذى يأتى الفاحشة المنهى عنها / والفواحش: القبائح ، والفحش من
القول ما يقبح ، ومن الذنوب كذلك ، وقيل : الفحش : الزيادة على ما عهد من مقدار
الشىء والعدوان فيه. وقد تأول ذلك الهروى فى حديث عائشة وأنه نهاها النبى - عليه
السلام - عن العدوان فى الجواب ؛ إذ لم يكن منها إليهم فحش(١).
قال القاضى : لا أدرى ما قال ، وأى فحش فى الكلام أفحش من اللعنة وما قرنته من
السب معها .
وقولها : ألا تسمع ما قالوا؟ ، فقال: ((قد رددت عليهم)) قالوا : قد قلت :
((وعليكم)) إنا نجاب فيهم ولا يجابون فينا فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ
يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢): كله يبين أن النبى سمع ما قالوه مما وصفهم الله به، والله بعد قد
أعلمه بذلك ، وفضح تلبيسهم وتحريفهم الكلم عن مواضعه الذى قد وصفهم الله به فى
الآية الأخرى(٣) .
وفيه الحض على محاسن الأخلاق وترك فحش الكلام [ أحد ](٤) ، وانخداع أهل
الفضل وتغافلهم عن أهل السفه ، كما قيل : العاقل الفطن المتقابل (٥) ، والانتصار
والمعارضة بالتى هى أحسن إذا أمكن ذلك ، والصبر على أذى من ترجى فيه ، ورجوعه
وائتلافاً للخير ، وقد كان النبى - عليه السلام - يستألف الكفار والمنافقين بالأقوال الطائلة ،
فكيف بالكلام الحسن الظاهر .
وقوله : ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام)) : هذه سنة ، بها أخذ عامة السلف
(١) الغريبين ٣ / ق : ٧ .
(٢) المجادلة : ٨ .
(٣) منها : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ النساء : ٤٦
(٤) فى ح : لكل واحد .
(٥) فى ح : المتغافل .

٥٣
كتاب السلام / باب النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ... إلخ
( ... ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا
أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيِّبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ وَكِيعٍ: ((إِذَا لِقِيْتُمُ
اليَهُودِّ)) . وَفِى حَدِيث ابْنِ جَعْفَرَ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : فِى أَهْلِ الكِتَابِ . وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ :
(إِذَا لِقِيتُمُوهُمْ)) ، وَلَمَ يُسَمِّ أَحَدًّاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
والفقهاء ومالك وغيره ، وذهب آخرون إلى جواز ذلك ابتداءً ، وروى ذلك عن ابن عباس
وأبى أمامة وابن محيريز(١)، واحتج من قال هذا بقوله - عليه السلام -: ((أفشوا السلام))،
وذهب آخرون إلى [ جوازه ابتداء ](٢) للضرورة أو لحاجة تعن له إليه، أو لذمام(٣) وسبب.
يروى ذلك عن إبراهيم وعلقمة. وقال الأوزاعى : إن سلمت فقد سلم الصالحون ، وإن
تركت فقد ترك الصالحون (٤) .
وقوله: ((إذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه إلى أضيقه)): والمراد بذلك - والله
أعلم - : ألا يظهر برهم بالتنحى لهم عن منهج الطريق وسبيله ويؤثرهم به ، وينضم هو
إلى ضيقه [ وجوانبه ](٥)، بل يسلكه المسلم حتى يضطر هو إلى حواشى الطريق [ وضيقه](٦)
ولم يرد - عليه السلام - والله أعلم - إذا كان الطريق واسعا لحملهم أن يضيق عليهم ذلك
[فضلا ](٧) ويمنعهم منه حتى يضطروا إلى غيره .
(١) هو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب أبو محيريز القرشى المكى، كان من العلماء العاملين سكن بيت
المقدس ، قال الأوزاعى : من كان مقتضيًا فليقتض بمثل ابن محيريز ، إن الله لم يكن ليضل أمة فيها ابن
محيريز . الإصابة ٣٢٩/٢ .
(٢) فى ح : جواز الابتداء .
(٣) الذمام: هو الحق والحرمة والعهد. اللسان، مادة (( ذم)).
(٤) قول الأوزاعى لم نعثر عليه فى المصنفات، وقد ذكره القرطبى فى تفسير سورة مريم ١١/ ١١٢، والحافظ
فى الفتح ١١/ ٣٧ .
(٥) فى ح : وهو أشبه .
(٦) فى هامش ز .
(٧) فى ح : قصدًا .

٥٤
كتاب السلام/ باب استحباب السلام على الصبيان
(٥) باب استحباب السلام على الصبيان
١٤ - (٢١٦٨) حَدَّثْنَا يَخْيَى بْنُ يَخْتَى، أَخْبَرَنَا هُشَيِّمٌ، عَنْ سَّارِ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَنِىِّ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ مَرَّ عَلَى غِلمَانِ فَسَلَمَ عَلَيْهِمْ .
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ بِهَذَا الإِسْنَاد.
١٥ - ( .. ) وَحَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَيَّارِ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ نَابِتِ البُنَانِىِّ، فَمَرَّ بِصِبْيَانِ فَسَلَمَ
عَلَيْهِمْ. وَحَدَّثَ ثَابِتٌ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِى مَعَ أَنَسٍ، فَمَرَّ بِصِبَّْانٍ فَسَلَمَ عَلَيْهِمْ . وُحَدَّثَ
أَنَسٌ؛ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِى مَعَ رَسُولِ اللهِعَّهُ. فَمَرَّ بِصِبْيَانِ فَسَلَمَ عَلَيْهِمْ.
وقوله: ((مر - عليه السلام - بصبيان فسلم عليهم))، وفى الرواية الأخرى: ((غلمان))
وهما بمعنى ، يقال للمولود : غلام ، من حين يولد إلى بلوغه. وتقول العرب - للرجل
المستجمع قوة : غلام .
فيه تواضعه على وحسن عشرته مع الصغير والكبير وتدريب الجميع على السنن والآداب
[ ورياضة ](١) لهم بخلق الشريعة، وفيه سنة السلام على الصبيان الذين يعقلون ذلك
ويفهمونه اقتداءً به - عليه السلام - وأنه(٢) من جملة المسلمين ، ومن تشملهم أحكامه .
وأما التسليم على النساء ، اختلف العلماء فى ذلك ، فجمهورهم - مالك وغيره - على
جواز ذلك على المتجالات ابتداء ، وكراهيته على الشابة ؛ مخافة الفتنة من خلطتها ومكالمتها
وردها وسماع صوتها، وحجتهم: عموم الأمر بإفشاء السلام فى الأحاديث، وحديث سلامهم
على العجوز بعد صلاة الجمعة التى كانت تطبخ لهم أصول السلق بالشعير وتطعمهم(٣).
وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن منهم ذوات محارم، وقالوا: كما
سقط عنها الأذان والإقامة والجهر بالقراءة فى الصلاة، سقط عنها رد السلام، ولا نسلم
عليهن. وقال ابن وهب: بلغنى عن ربيعة أنه لا يسلم الرجل على النساء ولا النساء على الرجال.
(١) فى ح : ورياضته .
(٢) فى ح : أنهم .
(٣) الحديث أخرجه البخارى بإسناده من حديث أبى حازم عن سهل قال : كنا نفرح يوم الجمعة. قلت ولم ؟
قال : كانت لنا عجوز ترسل إلى بضاعة - نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق فتطرحه فى قدر وتكركر
حبات من شعير ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ونسلم عليها ، فتقدمه إلينا ونفرح من أجله ، وما كنا نقيل
ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ٨ / ٦٨.

٥٥
كتاب السلام/ باب جواز جعل الإذن رفع حجاب ... إلخ
(٦) باب جواز جعل الإذن رفع حجاب
أو نحوه من العلامات
١٦ - (٢١٦٩) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الجَحْدَرِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، كلاهُمَا عَنْ
عَبّد الوَاحد - وَاللفْظُ لِقُتَيْبَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدَ بْنُ زِيَادِ، حَدَّثَنَا الَحَسِّنُ بَنُ عُبَيْدِ اللهِ،
حَدَّثْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحَمَنِ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودِ
يَقُولُ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( إِذْنُكَ عَلَىَّ أَنْ يُرْفَعَ الحِجَابُ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِى،
حَتَّى أَنْهَاكَ » .
وقوله : ((إذنك على أن يرفع الحجاب وأن تستمع سوادى حتى أنهاك)) : السواد ،
بكسر السين : السود ، أصله دنو سواد الشخص من سواد الآخر (١).
فيه أن من على بابه حجاب عن شىء فإذا رفعه ، فهو إذن ، فمن كان حجابه بسد بابه
عن العامة من الأمراء والحكام والكبراء (٢) ، فإذا فتحه كانت علامة إذنه ، وكانت العادة
حينئذ الدخول عليه دون استئذان ، فلا يحتاج الداخل عليه إلى إذن ، وكذلك عادة الرجل
فى بيته مع خدمه ومماليكه وحاشيته متى ما أرخى حجابه ، فلا دخول عليه إلا بإذن ، فإذا
رفعه ؛ جاز لهؤلاء الدخول بغير إذن بدليل هذا الحديث، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ
الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾(٣) الآية. قيل: اختص هذا
الإذن فى هذه الثلاث؛ لأنها أوقات [ للاكتشاف والخلوة بالأهل](٤) / قال ابن عباس :
كان الناس لا سترة لبيوتهم ، فربما دخل الخادم والرجل على أهله (٥) وهذا يبين ما بيناه من
مراعاة الحجاب وعدمه .
١٨٢ / ب
واختلف فى المراد بالآية، قال ابن عباس : ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم الذين لم
يبلغوا الحلم ، والتقدير عنده : ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم. وقيل :
(١) غريب الحديث ٣٣/١ .
(٢) فى ح : الأكابر.
(٣) النور : ٥٨ .
(٤) نقله الطبرى فى التفسير ١٦٥/١٠، البغوى فى معالم التنزيل ٢٥٥/٣.
(٥) أبو داود، ك الأدب، ب الاستئذان ٣٤٩/٤ (٥١٩٢).

كتاب السلام/ باب جواز جعل الإذن رفع حجاب ... إلخ
٥٦
( .. ) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُوبَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ وَإِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا - عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ
الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلُهُ .
المراد بما ﴿ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾: إلا ما دون الذكور الكبار ؛ لأن حلم هؤلاء فى هذه الأوقات
وغيرها على سادتهم ؛ إذ لا يحل النظر إلى أجسامهم .

٥٧
كتاب السلام / باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان
(٧) باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان
١٧ - (٢١٧٠) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْب، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيِهِ ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ - بَعْدَّ مَا ضُرُبَ عَلَيْهَا الحِجَابُ -
لِتَقْضِى حَاجَتَهَا ، وَكَانَت امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا، لا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا ،
فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ ، وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِى كَيِّفَ تَخْرُجِينَ .
قَالتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللهِ عَّهُ فِى بَيْتِى، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِى يَدِهِ عَرْقٌ . فَدَخَلتْ
فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّى خَرَجْتُ ، فَقَالَ لِى عُمَرُ : كَذَا وَكَذَا. قَالتْ : فَأُوحِى إِليْهِ ، ثُمَّ
رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ العَرَقَ فِى يَدِهِ مَا وَضَعَهُ ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لكُنَّ أَنْ تَخْرُجُنَ
لحَاجَتگُنَّ).
قوله : وذكر مسلم أحاديث حجاب أزواج النبى معَّة ، وذكر خروج سودة ، وقصة
عمر وقوله لها ، وفى رواية هشام عن أبيه [ أنه بعد الحجاب وقول النبى: ((قد أذن لكم أن
تخرجن لحاجتكن)) وذكر فى رواية الزهرى عنه ](١) [ أنه كان قبل الحجاب ، وأن قول
أحمر حرصاً على نزول الحجاب ](٢) فأنزل الحجاب .
فرض الحجاب مما اختص به أزواج النبى عمّه ، ولا خلاف فى فرضه عليهن فى الوجه
حمين الذى اختلف فى ندب غيرهن إلى ستره. قالوا : ولا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة
وا غيرها ، ولا ظهور أشخاصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج
للبراز كما جاء فى الحديث : وقد كن إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب ، وإذا
خرجن لضرورة حجبن وسترن أشخاصهن. كما جاء فى حديث حفصة يوم موت عمر ،
ولما ماتت زينب صنع على نعشها قبة تستر جسمها(٣)، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ
مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤).
وفيه تنـ أهل الفضل غيرهم على ما يكره منهم بقول عمر : قد عرفناك ، وفيه فضل
عمر ، وصحة نظره ، وصواب رأيه ، حتى وافق الوحى والشرع فى أمور كثيرة ؛ منها
الحجاب وغيره ، مما سيأتى ذكره فى فضل عمر. وفيه عرض الوزير والصاحب الرأى على
(١) سقط من الأصل ، والمثبت من ح .
(٣) انظر: ابن سعد في الطبقات ٨ / ١١١ .
(٢) سقط من ح .
(٤) الأحزاب : ٥٣ .

٥٨
---
كتاب السلام/ باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان
وَفِى رِوَايَةٍ أَبِى بَكْرِ: يَفْرَعُ النِّسَاءَ جَسْمُهَا. زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِى حَدِيثِهِ: فَقَالَ هِشَامٌ :
يَعْنِى البَرَازَ .
( ... ) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ :
وَكَانَتِ امْرَأَةً يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا. قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى .
( ... ) وَحَدَّتِهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ .
١٨ - ( ... ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الليْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى ،
حَدَّثَنِى عُقَيِّلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُبيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أَزْوَاجَ
رَسُولَ الله عََّ كُنَّيَخْرُّجْنَ بِالليْلِ، إِذَا تَرَّزْنَ إِلى المَنَاصِعِ، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفَحُ. وَكَانَ عُمَرُ
ابْنُ الْخَطَّبِ يَقُولُ لَرَسُول الله عَّهُ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ عَّهُ يَفْعَلُ ،
فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ - زَوْجُ النَّبِىِّ ◌َّهُ - لِيْلَةً مِنَ اللَيَالِى عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلةً.
فَنَادَهَا عُمَرُ : أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ، يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزِلَ الحِجَابُ.
قَالتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الحِجَابَ.
الأمير من قبل نفسه لما يراه من الصلاح ، وسبب تأكيد ذلك وتكريره عليه إن لم يسمع منه
أولا(١).
قال الإمام: قوله: ((تفرع النساء)): يعنى تطولهن، يقال: فرعت القوم، أى طلتهم.
وقوله : (( يعنى البراز)) بفتح الباء وكسر الباء مما يستعمل فى المبازرة ، والبراز ، بفتح
الباء : هو المكان الطاهر الواسع .
وقوله: (( كن يخرجن إلى المناصع ، وهو صعيد أفيح)): قيل : هى المواضع التى
يتخلى فيها لبول أو حاجة ، واحدها منصع .
قال القاضى: قال الأزهرى : أراها مواضع خارج المدينة، وعليه يدل قوله فى الحديث:
((وهى صعيد أفيح))، أى أرض متسعة، والصعيد - أيضا : الطريق الذى لا ينبت.
ومعنى قوله: ((أفيح)): أى واسع .
(١) سيأتى فى ك فضائل الصحابة، ب فضائل عمر (٣٦).

٥٩
كتاب السلام / باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان
( ... ) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثْنَا أَبِى، عَنْ
صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، بِهَذَاَ الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ.
وقوله : (( فانكفأت راجعة)): أى انصرفت وانقلبت على أدراجها .
قوله: (( وإنه ليتعشى وفى يده عرقا)) هو بفتح العين وسكون الراء ، قال صاحب
العين : العراق ، بضم العين : العظم إذا لم يكن عليه لحم ، فإذا كان عليه اللحم فهو
العرق (١)، وزعم الكلابى أن العرق : العظم الذى أخذ أكثر ما عليه من اللحم ، وهذا قد
لا يمكن أن يكون اختلافاً . يقال : تعرقت العظم واعترقته وعرقته : إذا تتبعت ما عليه من
اللحم ، وقيل لعرق العذرة من اللحم .
(١) الخليل فى العين ١/ ١٥٤.

كتاب السلام / باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها
(٨) باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها.
١٩ - (٢١٧١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَعَلَىُّ بْنُ حُجْر - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا - هُشَيْمٌّ عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّحِ وَزْهَيْرُ
ابْنُ حَرْبَ ، قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهٍَِّ :
((أَلَا لا ◌َتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَةُ نَيِّبٍ، إِلا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْذَا مَحْرَمٍ)) .
٢٠ - (٢١٧٢) حَدَّثَنَا قُتََّةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْتٌ. ح وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ .
أَخْبَرَنَا اللَيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله
◌َِّ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولُ عَلَى النِّسَاءِ)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ الله ،
أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: ((الحَمْوُ المَوْتُ)) .
وقوله: ((إياكم والدخول على النساء))، وفى الحديث الآخر: (( لا يبيتن رجل عند
امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم)» : خص الثيب دون الأبكار ؛ إذ العادة
احتجاب الأبكار عن الرجال ، فكيف أن يدخل عليهن أو يباح عندهن .
وقوله: ((إلا ناكحا)»: يعنى : ذات روح حاضر يكون مبيته بحضرة زوجها ، وقد
١٨٣ / أ يضمن الحديث الآخر الدخول، وإن لم يكن مبيت ، والشرع قد حرم / أن يخلو الرجل
بامرأة ليست منه بذات محرم(١) .
وقوله: أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت)): فسره الليث فى الأم : أنه أخو
الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ؛ العم ونحوه. وفى رواية : ابن العم ونحوه ، وكلاهما
صحيح. قال ابن السكيت: كل شىء من قِبَلِ الزوج [ أخوه ](٢) أو أبوه أو عمه فهم الأحماء.
قال غيره : يقال : هذا حموك، مضموم الميم فى الرفع، ورأيت حماك، و[ يورث ](٣)
بحميك ، ولغة أخرى : هذا حمؤك ، بسكون الميم وهمزة مرفوعة ، ورأيت حمأك ،
ومررت بحمئك ، أجرى الإعراب فى الهمزة ، ولغة ثالثة : هذا حمَكَ ، ورأيت حمَكَ ،
ومررت بحمك بغير همزة ، ولا واو. ولغة رابعة ، يقال : هو [ حماوها ](٤) ورأيت
حماها ، ومررت بحماها. قال الأصمعى: الأحماء : أهل [ الرجل ](٥)، والأختان :
(١) النووى ١٤/ ١٥٣.
(٣) فى ح : مررت.
(٢) ساقطة من ح.
(٥) فى ح : الزوج.
(٤) فى ح : حماها.