النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب الإمارة / باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين
الأجر لأولى الضرر على فاسد أصولهم فى الثواب والعقاب ، وقول الله تعالى فى كتابه يرد
عليهم ، وتفريقه بين القاعدين والمجاهدين واستثنائه أولى الضرر وتفضيل المجاهدين عليهم
بدرجة. وقوله تعالى: ﴿وَكُلاَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١) أى المجاهد، والقاعد أولى الضرر،
لصدق نيتهم معهم ، وأن الله حبسهم .
واختلف القراء والنحاة فى نصب راء ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ ﴾ على الاستثناء، أو رفعها على
المنعت للقاعدين أو البدل، وقد قرأها بعضهم بالكسر على وصف المؤمنين أو البدل منهم (٢).
وقوله : ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ (٣): أى فضائل ومنازل، قيل: الإسلام درجة، والجهاد
درجة ، والقتل فيه درجة ، والهجرة درجة. وقيل: هى سبع درجات المذكورة فى ((براءة))
بأنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب - الآيتان (٤). وقيل: هى سبعون درجة.
وفى الآية والحديث دليل أن من حبسه عن طاعة عذر أو غلبه نوم أو مرض فله أجر ،
كما جاء فى حديث قيام الليل وغيره ، لصدق نيته فى ذلك(٥) ، وهو أحد التأويلات فى
معنى قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٦) ، أى غير مقطوع بزمانه أو كبر أو عذر ،
وأحد التأويلات فى قوله: (( نية المؤمن خير من عمله))(٧) لطول أمد النية وكثرة أملها فى
الخير مما لم يقدر على عمله .
وفيه اتخاذ الكتاب وتقييد العلم ، ولا خلاف فى كتابة القرآن ، وإنما كان الخلاف بين
السلف فى جواز كتابة العلم والحديث لعلل ذكرناها فى غير هذا الموضع ، ثم وقع الإجماع
على جوازه ، والأحاديث الصحيحة تدل عليه ، وقد بسطنا هذا فى كتاب الإلماع .
(١) النساء : ٩٥ .
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣٤٣/٥ .
(٣) النساء : ٩٥ .
(٤) التوبة : ١٢٠، ١٢١ .
(٥) أبو داود، ك الصلاة، ب من نوى القيام فنام ٣٠٣/١.
(٦) التين : ٦ .
(٧) الطبرانى (٥٩٤٢)، والمجمع ١٠٩/١.

٣٢٢
كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنة للشهيد
(٤١) باب ثبوت الجنة للشهيد
٤ ,٠٠٠٠٠
١٤٣ _ (١٨٩٩) حَدَّثَنَا سَعيدُ بْنُ عَمْرو الأَشْعَنِىُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعيد - وَاللفْظُ
لسَعيد - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو، سَمِعَ جَابِرًا يَّقُولُ: قَالَ رَجُلٌ : أَيْنَ أَنَا يَا رَسُولَ الله إنْ
قُتلَتُّ؟ قَالَ: ((فِى الجَّةِ)). فَأَلْقَى تَمَرَّاتٍ كُنَّفِى يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُثِلَ . وَفِى حَدِيثِ
سَّوَيّدٍ : قَالَ رَجُلٌّ لِلنَِّّ ◌َّه يَوْمَ أُحُدٍ.
١٤٤ _ (١٩٠٠) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةٌ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ
أَبِى إِسْحَقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى النَِّيتِ إِلى النَِّىِّ ◌َله. حِ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ
ابْنُ جَنَابِ الصِّيِّصِىُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - عَنْ زَكَرِبَّاءَ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ ، عَنِ
البَرَاءِ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى النَّبِيت - قَبِيلِ مِنَ الأَنْصَارِ - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ،
وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَّ حَتَّى قُثِلَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َّهُ: ((عَمِلَ هَذَا يَسِيرًاً ،
وَأُجِرَ كَثِيرًا)) .
١٤٥ - (١٩٠١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ وَهَرُونَ بْنُ عَبْد الله
وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ،
حَدَّثَنَا سُلِيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ الله
◌َُّ بُسَيِّسَةَ عَيْنَا، يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِى سُفْيَانُ. فَجَاءَ وَمَا فِىّ البَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِى وَغَيْرَّ
رَسُولِ اللهِ عَّ ـ قَالَ: لا أَدْرِى مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ - قَالَ: فَحَدَّثَّهُ الْحَدِيثَ. قَالَ فَخَرَجَ
} بسيسة عيناً)) كذا فى جميع النسخ بياء باثنتين تحتها بين
علـ
وقوله : (( بعث النبى
السينين مصغراً، وكذا ذكره أبو داود(١) وأصحاب الحديث. والمعلوم فى كتب السير: ((بسبس))
بباء واحدة غير مصغر ، وهو بسبس بن عمرو (٢) ، ويقال : ابن بشر من الأنصار من
الخزرج ويقال : حليفهم ، وأنشد ابن إسحق فى خبره قوله :
أقم لها صدورها بسبس
أن ترد الماء بها يا كيس
ومعنى ((عيناً)): أى متجسساً ورقيباً . والعير الإبل والدواب التى تحمل الأحمال .
(١) أبو داود، ك الجهاد، ب بعث العيون ٢/ ٣٧ .
(٢) الاستيعاب ١/ ١٩٠.

٣٢٣
كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنة للشهيد .
رَسُولُ اللهِ عَّةٍ فَتَكَلِمَ. فَقَالَ : ((إِنَّ لنَا طَلِبَةٌ، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلَيْرَكَبْ مَعَنّا))،
فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأَذِنُونَهُ فِى ظُهْرَانِهِمْ فِى عُلُوِ المَدِينَةِ. فَقَالَ : ((لا ، إلا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ
حَاضْرًا )) ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ عََّ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إلى بَدْر، وَجَاءَ
الْمُشْرَكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَ: ((لا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلى شَىْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ »،
فَدَنَا المُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((قُومُوا إِلى جَنَّةَ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)).
قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِىُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ؟
قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: بَخْ بَحْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهِ: (( مَا يَحْمِلكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخِ بَخٍ )) .
قَالَ: لا ، وَلله، يَا رَسُولَ الله إلا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: ((فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا))،
وقول النبي ◌َّ والصحابة: ((إن لنا طلبة)) ــ أى شىء نطلبه - ((فمن كان ظهره حاضراً
فليركب معنا)) : فيه كتم أمور الحرب ، وأن الحزم ترك إنشائها والتورية بهم ؛ لئلا يطلع
العدو عليها ولتؤخذ على غرة. والظهر : الإبل التى تحمل ، ويركب عليها. فظهر أنهم
جمع ظُهر بضم الظاء كأنه جمع ظهير ، وهو البعير الذى يحمل عليه لشدة ظهره. ومعنى
((بخ بخ)): كلمة تقال لتعظيم الأمر وتهويله ، يقال بسكون الخاء وبكسرها منونا.
وقوله: ((رجاءة أن أكون من أهلها)): ممدود ، قال ابن دريد : تقول العرب :
فعلته رجاتك ، أى رجاك .
وقوله: (( فأخرج تمرات من قرنه)»: كذا عند الفارسى بفتح الراء والنون ، وفى
رواية العذرى: ((قُرْبَةَ)) بسكون الراء والباء وضم القاف، ورواه بعضهم: ((قرقرة)).
قال الإمام: ((من قرنه)): أى من جعبته، وفى الحديث: ((صَلِّ فى القوس
واطرح القرن))(١). قال الهروى : القرن جعبة من جلود تشر ثم تخرز ، وإنما تشق كى
يصل إليها الربح ، ولا يغسل الريش. وأمره بنزع القرن لأنه كان من جلد غير ذكى ولا
مدبوغ ومنه حديث عمر ، قال للرجل: (( ما مالك ؟ فقال : أقرن وآدمَةٌ فى المنيئة)).
الأقرن جمع قرن [ وهى جعبة من جلود تكون للصيادين فيشق جانب منها ](٢)، كما فسرنا.
قال القاضى: وأما من رواه: ((قربة)) بالباء أو ((قرقرة)) فتغير - والله أعلم - وبعيد
الوجه ، إلا أن يريد بالقرقرة الثوب الذى يلبسه النساء ، يشبه ثوبه الذى عليه به. وكانت
التمرات فى جيبه أو حجزته - والله أعلم. وأما قربة فلقرب خاصره ، فإن كان أراد أيضاً
حجزته أو بإطلاقه ، فسمى ما على القرب باسمه كما سمى الإزار حقواً ، إنما الحقو مقعده
(١) الطبرانى (٦٢٧٧)، والمجمع ٢ / ٦٠، ٦١.
(٢) سقط من الأصل ، والمثبت من ع .

٣٢٤
كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنة للشهيد
فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لئنْ أَنَا حَبِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِى
هذهِ، إِنَّهَا لَحَةً طَوِيلةٌ . قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ النَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلُهُمْ حَتَّى قُثِلَ.
١٤٦ _ (١٩٠٢) حَدَّثَنَا يَحْنَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِىُّ وَقُتَبَةُ بْنُ سَعِيد - وَاللفْظُ لَيَحْبَى -
قَالَ قُتََّةُ: حَدَّثْنَا. وَقَالَ يَحْنَى : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلْيْمَانَ - عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الجَوْنِىِّ ، عَنْ
أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى، وَهُوَ بِحُضْرَةَ العَدُوَّ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((إِنَّ أَبْوَبَ الْجَنَِّ تَحْتَ ظِلالِ السُُّوفِ))، فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الهَيْئَةَ.
من الجسد فيكون له معنى ، أو يكون القرب هنا بضم القاف والراء جمع قراب وهما مما
يجعل فیه الراکب سیفه وخفیف آلته وزاده ، فیکون له أيضاً وجه .
وقوله : (( لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما معه
فقاتلهم حتى قتل))، ومثله الحديث الذى بعده. فيه جواز الاستقتال فى الحرب ، ومنية
الشهادة ، وحمل الإنسان وحده على الكفار إن علم أنهم يقتلونه فى حملته تلك ، وليس
هو من إلقاء اليد إلى التهلكة ، وقد فعله كثير من الصحابة والسلف ، وروى عن عمر بن
الخطاب وأبى هريرة وعلى مما أجازه هذا، قالوا فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللهِ﴾(١) ونحوها من الآيات. وروى عن مالك مثله فى الرجل إذا علم من نفسه قوة
وعنى أن يبارز الجماعة .
وقال محمد بن الحسن : لو حمل واحد على ألف وحده لم يكن به بأس إذا طمع فى
نجاة أو نكاية ، أو أن يفعل المسلمون مثل فعلته أو يرهب العدو بما يريهم من صلابة
المسلمين فى دينهم ، وإلا فهو مكروه ، إلا أنه كره العلماء أن يفعل ذلك من يكون رأس
كتيبة، وعلم إن أصيب هلك من معه من الجيش. فالصواب ألا يتعرض للقتل إلا أن يضطر
إلى ذلك، وقد روى - أيضاً - عن عمر كره هذا الاستقتال ، وقال : لأن أموت على فراشى
خير من أقتل بين يدى صف ، يعنى يستقتل. ورأى بعضهم هذا من إلقاء اليد للتهلكة ،
النهى عنه فى الآية. وأحسن ما قيل فى هذه الآية : أنها فى ترك الإنفاق فى الجهاد
والخروج له ، وقيل فى تأويل الآية غير هذا من الإسراف فى الإنفاق ، وقيل : اليأس
١١٨ / ب والقنوط من رحمة / الله .
وقوله: ((أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)): وهذه استعارة ، يعنى أن الجهاد
وحضور المعارك سبب لدخولها ومقرب إليها .
(١) البقرة : ٢٠٧ .

٣٢٥
كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنة للشهيد
فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، آنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ : فَرَجِعَ إِلى
أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِه إِلى
العَدُوِّ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ .
١٤٧ _ (٦٧٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثْنَا عَفَّنُ، حَدَّثْنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابتٌ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلى النَّبِىِّ ◌َّهُ فَقَالُوا: أَن ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلَّمُونَا
القُرآنَ وَالسَُّ. فَبَعْثَ إِليْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِّنَ الأَنْصَارِ، يُقَالَ لهُمُ: القُرَّاءُ . فِيهِمْ خَالِى
حَرَامٌ . يَقْرِؤُونَ الْقُرْآنَ ، وَيَتَدَارَ سُونَ بِالليْلِ يَتَعَلِمُونَ. وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالمَاءِ
فَيَضَعُونَهُ فِى الَسْجِدِ، وَيَحْتَطُبُونَ فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةَ وَللفُقَرَاءِ.
فَبَعَهُمُ النَّبِىُّ ◌َّهِ إِلَيْهِمْ، فَعَرَضُوا لَهَّمْ فَقَتَلُوهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَبْلِغُوا الَكَانَ. فَقَالُوا : اللّهُمَّ،
بَلَغْ عَنَّا نَبِيَّنَا؛ أَنَّا قَدْ لِقِينَاكَ فَرَضِيْنَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا. قَالَ: وَأَنَى رَجُلٌ حَرَامًا - خَالٌ
أَنَس - مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ. فَقَالَ حَرَامٌ: فَرْتُ ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ! فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ عََّ لَأَصْحَابِهِ: ((إِنَّإِخْوَنَكُمْ قَدْ قُتلوا، وَإِنَّهُمْ قَالوا: اللّهُمَّ، بَلِغْ عَنَّا نَبِيَّا؛ أَنَّا
قَدْ لِقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنّكَ، وَرَضِيتَ عنَّا)) .
١٤٨ _ (١٩٠٣) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلِيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةَ،
عَنْ ثَابت. قَالَ: قَالَ أَنَسُ: عَمِّىَ الذِى سُمِّيْتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُول الله عَّهِ بَدْرًا. قَالَ:
وقوله فى صفة أصحاب بئر معونة : ((كانوا يجيئون بالماء فيضعونه فى المسجد)) : فيه
جواز وضع الماء فى المسجد والطعام لمن احتاج إليه ، وقد كان يفعل ذلك بإقناء التمر فى
مسجد رسول الله ﴾ هذا أيضا، وكانت لهم فى آخره صفة ، وهو مكان مقتطع من
المسجد مظلل عليه ، يبيتون فيه ، قاله الحربى. وأصله صفة البيت ، وهو مثل الظلة أمامه.
وذكر عن بعضهم أنهم إنما سموا أصحاب الصفة لأنهم كانوا يصفون على باب المسجد.
وقوله: ((بلغ عنا نبينا أنا لقيناك، فرضينا عنك ورضيت عنا)) من قوله تعالى :
﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾(١) ، أى رضى عنهم بطاعتهم وإيمانهم ، ورضوا عنه بثوابهم
وما أعطاهم من الخير. والرضا من الله إفاضة الخير والإحسان والرحمة على عبده ، فيكون
من صفات الأفعال ، أو إرادته ذلك لهم فيكون من صفات الذات .
(١) البينة : ٨.

٣٢٦
كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنة للشهيد
فَشَقَّ عَلَيْهِ . قَالَ: أَوْلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ عَِّ غُيِّبْتُ عَنَّهُ، وَإِنْ أَرَانِىَ اللهُ مَشْهَدًاً،
فِيمَا بَعْدُ، مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهَ، لِيَرَانِىَ اللهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: فَهَبَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا. قَالَ:
فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ . قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذْ. فَقَالَ لَهُ أَنَسُّ: يَا أَبَا
عَمْرَوٍ، أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَهَا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ. قَالَ: فَقَّتَلُهُمْ حَتَّى قُثُلَ . قَالَ:
فَوْجَدَ فِى جَسَدِه بِضْعٌ وَثَمَانُونَ، مِنْ بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةَ. قَالَ: فَقَالتْ أُخْتُهُ - عَمَّتَى
1
الرَّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرُ - : فَمَا عَرَفْتُ أَخِى إِلا بَنِهِ، وَنَزَّلَتْ هَذْه الآيَةُ: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ (١). قَالَ: فَكَانُوا
يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِى أَصْحَابِهِ .
: ليرين الله ما أصنع ، فهاب أن
وقوله: (( لئن شهدت فيما بعد مع رسول الله
يقول غيرها)) : يشير أنه أبهم الأمر إلى ما يراه الله ، ولم يفسر ما يصنع وهابه ، لئلا
یکون قوله مردوداً إلى قوته وحوله فيعجزه الله عنه .
وقوله: ((واهاً لريح الجنة)): كلمة تحنى وتلهف، وقد قيل: إنها بمعنى الإغراء، وقد
يصح هنا ، ولها معان أخر فى غير هذا ، فقد تأتى بمعنى الاستهانة للشىء ، وبمعنى الترحم
علیه.
وقوله: ((أجده دون أحد)): يحتمل أن يكون حقيقة ، وأن الله أوجده إياه تقدمة
لما كتب له من الشهادة ؛ ولأن ريح الجنة يوجد على مسيرة خمسمائة عام ، كما جاء فى
الحديث ، أو يكون على التمثيل والتقريب ، أى أنها موجبة لمن شهد أحداً أو يستشهد عنده.
وقوله: ((ففيه نزلت هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَّقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾)): قيل: فيه
حجة بجواز الاستقتال المقدم ذكره ، والوفاء بذلك لمن عقده فى نيته ، على أنه ليس فى
الحديث هنا إلا قوله: ((ليرين الله ما أصنع))، لكن ظاهر ما فى البخارى ذلك لأنه حمل
على المشركين حين انكشف المسلمون وقال: ((اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى
أصحابه)) (٢) .
(١) الأحزاب : ٢٣ .
(٢) البخارى، ك الجهاد، ب قول الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِينَ رِجَالٌ﴾ ٢٣/٥.

٣٢٧
كتاب الإمارة / باب من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا ... إلخ
(٤٢) باب من قاتل لتكون كلمة الله هی العلیا فهو فى سبيل الله
١٤٩ - (١٩٠٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار - وَاللفْظُ لابْنِ المُثَنَّى - قَالا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنٍ مُرَّةً، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَّرِىُّ؛ أَنَّ رَجُلاً أَعْرَابِياً أَتَّى النَّبِىَّ ◌َّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ
يُقَاتِلُ للمَغْنَمِ، وَالرُّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ ، وَالرُّجُلُ يُقَاتِلُ لُيُرَى مَكَانُهُ ، فَمَنْ فِى سَبِيلِ اللهِ ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةِ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ أَعْلِى فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللهِ)) .
١٥٠ - ( ... ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ
العَلَاء - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
شَقِيقَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ عَّهَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةٌ، وَيُقَاتِلُ
حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِياءٌ، أَىُّ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عََّ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ
كَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلَيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللهِ )) .
( .. ) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
شَقِيقٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ : أَيْنَا رَسُولَ الله عَّهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، الرُّجُلُ يُقَاتِلُ مِنَّا
شَجَاعَةٌ . فَذَكَرَ مثْلُهُ .
١٥١ _ ( ... ) وَحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ،
عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِيِّ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ تَّهُ عَنِ القِتَالِ فِى سَبِيلِ اللهِ - عَزْ
وَجَلَّ؟ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضِبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. قَالَ: فَرِفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ - وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ
إِلَيْه إلا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللهِ)) .
وقوله فى الحديث: ((فرفع رأسه إليه ، وما رفعه إليه إلا أنه كان قائما )): يعنى
السائل. فيه أن مثل هذا من سائل وطالب حاجة وهو قائم للجالس أنه لا حرج فيه ،
وليس من القيام المنهى عنه على رأس الجالس .

٠
٠٣٢٨
-
كتاب الإمارة / باب من قاتل للرياء ... إلخ
(٤٣) باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار
١٥٢ - (١٩٠٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبيب الحَارثىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارث، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيِّجٍ، حَدَّثَنِى يُؤنُسُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنَّ سُلَيْمَانَ بَنِ يَسَارِ، قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُّ عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ. فَقَالَ لهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، حَدِّنَاَ حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِّ .
قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَّى يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ
اسْتُشْهِدَ ، فَأَتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نَعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ : فَمَا عَملتَ فِيهَا؟ قَالَ : قَاتَلتُّ فيكَ حَتَّى
اسْتُشْهَدْتُ. قَالَ : كَذِّبْتَ . وَلَكِنَّكَ قَاتَلتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِىءٌ فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحبَ
عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَلْقِىَ فِى النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأَنِىَّ بِهِ فَعَرَّفَهُ
نعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمَلتَ فِيهَا؟ قَالَ : تَعَلَمْتُ العِلمَ وَعَلَمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ .
قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَمْتَ العِلمَ لْيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتُ القُرْآنَ لْيُقَالَ: هُوَ قَارِىٌّ ،
فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقىَ فِى النَّارِ. وَرَجُلٌّ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ
مِنْ أَصْنَاف الَالِ كُلُه، فَأَتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نَعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا
تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلَ تُحِبُّ أَنَّ يُنْفَقَّ فِيهَا إِلَ أَنْفَقْتُ فِيهَا لِكَ . قَالَ : كَذَّبْتَ ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ
لِيُقَالَ: هُوَ جَوَةٌ، فَقَدْقِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أَلْقِىَ فِى النَّارِ)).
وقوله: (( تفرق الناس عن أبى هريرة، فقال له ناتل أهل الشام (١) أيها الشيخ)) الحديث،
قال الإمام : قال الهروى : فى الحديث : أنه رأى الحسن يلعب ومعه صبية فى السكة ،
فاستنتل رسول الله ﴾ أمام القوم أى - تقدم - قال أبو بكر : وبه سمى الرجل ناتلاً ،
ونتيلة أم العباس بن عبد المطلب، [ ومنه حديث أبى بكر ](٢) ، أنه ارتاب بلبن شربه ،
أى لم يحل له فاستنتل يتقيأ، أى تقدم. وذكر الهروى أنه يقال : نتل - أيضاً - إذا تقدم ،
ومنه أن عبد الرحمن بن أبى بكر برز يوم بدر فقال : هل من مبارز ؟ فتركه الناس لكرامة
أبيه - رضى الله عنه - فنتل أبو بكر ومعه سيفه ، أى تقدم .
(١) انظر: ثقات ابن حبان ٤٨٤/٥ .
(٢) سقط من الأصل ، والمثبت من ع .

٣٢٩
كتاب الإمارة / باب من قاتل للرياء ... إلخ
( .. ) وَحَدَّثَنَهُ عَلَىُّ بْنُ خَشْرَمَ، أَخْبَرَنَا الحَجَّاجُ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،
١
حَدَّثَنِى يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُلِيْمَانَ بْنٍ يَسَارٍ، قَالَ: تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ . فَقَلَ
لُهُ نَائِلٌ الشَّامِىُّ. وَثْتَصَّ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ .
قال القاضى : حمله / على أنه صفة ، وإنما هو اسم رجل مشهور وهو ناتل بن قيس ١١٩ / أ
الجذامى. ويدل عليه قوله فى الرواية الأخرى: ((فقال له ناتل الشامى)) وكذلك يعرف.
وحديث أبى هريرة هذا فى الغازى الذى استشهد والذى يعلم العلم والذى وسع الله عليه ،
وعقابهم لفعل ذلك لغير الله واحتسابه الأجر شديد فى الاشتراك فى العمل وتخليصه .
وقوله: ((تفرج الناس عن أبى هريرة)) : أى افترقوا عن الاجتماع عليه ، كما قال
فى الحديث الأول: ((تفرّق الناس))، والفرجة : الفسحة بين الجبلين .

٣٣٠
كتاب الإمارة / باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم
(٤٤) باب بیان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم یغنم
١٥٣ _ (١٩٠٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِى هَانِئٍ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحَمَنِ الْخْلِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
عَمْرو؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عْ قَالَ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الغَنَيَمَةَ ، إلا
تَعَجَُّوا ثُلْشَىْ أَجْرِهِمَّ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الُلَثُ، وَإِنَ لِمَّ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ
أجْرُهُمْ )) .
١٥٤ - ( .. ) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ الَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ
ابْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِى أَبُو هَانِيْ، حَدَّثَنِى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَبْلُىِّ، عَنْ عَبَّدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ :
قَالَ رَسُولَ اللهِ عََّ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٌ أَوْ سَرِيَّةَ تَغْزُو فَتَغْتَمُ وَتَسْلِمُ إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجُّلُوا ثُلَفَىْ
أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوَ سَرِيَّ تَخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ)).
وقوله: (( ما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم)»، قال الإمام : قال
أبو عبيد : الإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئا ، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم يقضها فقد
أخفق. وأخفق الصائد إذا خاب .
قال القاضى : ذهب غير واحد أن هذا الحديث يعارض الحديث المتقدم فى قوم مع ما
قال: ((من أجرٍ أو غنيمة)) ، قالوا : ولا يصح أن تنتقص الغنيمة من أجورهم كما لم
تنقص من أجر أهل بدر ، وكانوا أفضل المجاهدين ، وأفضلهم غنيمة ، حتى قال بعضهم :
لا يصح الحديث. وأبو حميد بن هانئ راوية ليس بمشهور ، ورجحوا الحديث المتقدم عليه
لشهرته وشهرة رجاله ، لكن إدخال مسلم له من طريق يضعف قوله ، قد ذكره البخارى فى
التاريخ ، فقال : أبو حميد الخولانى مصرى ، سمع بعبد الرحمن الحبلى ، وعمرو بن
مالك سمع من حيوة وابن وهب .
وقيل فى الجمع بينهما : إن هذه التى أخفقت تزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها
من المغنم ، ويضاعف لها كما يضاعف لمن أصيب بماله وأهله. وقيل : بل لعل الذى
تعجل من أجره بالغنيمة فى غنيمة أخذت على غير وجهها ، وهذا بعيد لا يحتمله الحديث،
وأصح ما يجمع فيه بين الحديثين أن الأول قال فيه: (( لا يخرجه إلا للجهاد فى سبيله
وتصديق كلماته)) ، فهذا الذى ضمن له الجنة ، أو يرد إلى بيته مع ما نال من أجر أو

٣٣١
كتاب الإمارة / باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم
غنيمة. وهذا الحديث الآخر لم يشترط فيه هذا الشرط ، فيحتمل أنه فيمن خرج بنية الجهاد
وطلب المغنم ، فهذا شرك بما يجوز له الشريك فيه ، وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص
أجره ، والأول أخلص فكمل أجره .
وأوجه من هذا عندى فى استعمال الحديثين على وجههما أيضاً : أن أجر المغانم بما
فتح عليه من الدنيا وحساب ذلك عليه وتمتعه به فى الدنيا وذهاب شظف عيشه فى غزوة
وبعده إذا قوبل ، فمن أخفق ولم يصب منها شيئا ، وبقى على شظف عيشه والصبر على
حالته فى غزوة ، وجد أجر هذا [ أبداً فى ذلك ](١) وافيا مطرداً بخلاف الأول ، ومثله قوله
فى الحديث الآخر : (( فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا ، ومنا من أينعت له ثمرته
فهو يهدبها ))(٢)، فكان هذا إذا لم يهدب ثمرة الدنيا والاتساع فيما فتح عليه من مغانمها ،
وبقى على حالته الأولى ، كان أجره فى الصبر والتقلل على ما كان عليه ، فلما خالف لم
يكن له ذلك الأجر ، فكأنه نقص بما كان له فى التقدير وكذلك هذا - والله أعلم .
ويدل على صحة هذا التأويل قوله: ((إلا تعجلوا ثلثى أجرهم)) / أى أنهم نالوا من ١١٩ / ب
الدنيا ما هو حساب ما فاتهم منها بقدر ثلثى الأجر ، ولو كان نقصاً من الأجر فى الأصل
كان على ثلث أجر من لم يغنم، كما قال فى صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم(٣)،
لما كان حظ الأجر فى أصل العمل - والله أعلم. وأما على ما جاء فى الحديث فيخفق
ويصاب الإثم أجورهم فبين ؛ لأن لهم أجر الجهاد كاملاً ، وأجر ما فاتهم من الغنيمة ،
وأجر ما أصابهم من العدو ، ونال منهم واستشهدوا ، بخلاف من لم يصب الذى له أجر
الجهاد فقط. ولا شك أن المصائب كثيرة الأجور ، فكيف إذا كانت فى ذات الله ؟ ، فهى
مضاعفة على تقدير ما جاء فى الحديث من الثلثين وأكثر ، فيكون معنى قوله فى التى غنمت
ولم تصب: (( أنها تعجلت ثلثى أجورها))، بالإضافة إلى الأخرى إلى تضاعف أجرها
عليها مرتين ساوتها فى أجر الجهاد ، وفضلت عليها بأجر الإخفاق وأجر الإصابة ، فجاء
نقصها عن درجتين من درجات هذه ، كأنه تعجيل بما حصل لها من الدنيا ، والأخرى
بخلافها ، كما قال فى الحديث المذكور قبل: (( فمنا من لم يأكل من أجره شيئا )) على ما
قدمناه .
(١) سقط من س .
(٢) سبق تخريجه قريباً، وهو فى الجنائز حديث رقم (٤٤) .
(٣) سبق فى: ك صلاة المسافرين، ب جواز النافلة قاعداً وقائماً برقم (٧٣٥) .

٣٣٢
كتاب الإمارة / باب قوله تعالى: ((إنما الأعمال بالنية)) ... إلخ
(٤٥) باب قوله عَّ: ((إنما الأعمال بالنية))
وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال
١٥٥ _ (١٩٠٧) حدَّنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْن
سَعيد، عَنْ مُحَمَّد بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ بْنٍ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئْ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله
وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ. وَمَنَ كَانَتَ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا،
فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) .
( ... ) حدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا أُبُو الرَّبيع
وقوله : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) الحديث : ذكر الأئمة
أن هذا الحديث ثلث الإسلام ، وقيل: ربعه ، وأن أصول الدين وعمدة من عمل الطاعات ،
ومفسر لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) . قال بعض شيوخنا:
قوله : (( إنما الأعمال بالنيات)) يرجع إلى معنيين : أحدهما : تجريد العمل من الشرك بالله
بخالص التوحيد ، والآخر : تجريده بخالص السنة .
وفى قوله: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى )» دليل أن ما عمل بغير نية
غير جائز ولا لازم ، وإنما يلزم منه ويصح ما قارفته . ورد على من أجاز الطهارة وغيرها
من بعض القرب بغير نية (٣) ، وقد مرّ فى موضعه ، ودليل أن من توضأ ليعلم أو يتعلم
أو ليتبرد لا ينوى بذلك رفع الحدث والتقرب أنه لا يجزيه .
ودليل أن المعتبر فى الأيمان وألفاظ الطلاق والعتاق وغيرها النية دون اللفظ . لكن
اختلف العلماء فى هذا الأصل خلافاً كثيراً ، فعندنا أنه يلزم ما نوى به الطلاق والعتاق كان
من ألفاظ الطلاق والعتاق أو كناياتها . واختلف عندنا إذا نطق بذلك ولم ينو به طلاقاً ولا
عتاقاً ، هل يلزم أم لا ؟ وإذا نوى ولم ينطق أو إذا نطق بلفظ ليس من ألفاظ الطلاق
وكناياته ، وعند غيرنا أنه لا يلزم إلا فى ألفاظ الطلاق أو كناياته ، وذلك كان فيما بينه
(١) حديث رقم (١٥٥) بلفظ: ((بالنية))، ورواية البخارى: ((بالنيات))، ك بدء الوحى ٢/١.
(٢) البينة : ٥ .
(٣) وهم الأحناف ؛ إذ يرون أنه تجوز الطهارة بغير نية . تقدم الكلام عليه .

٣٣٣
كتاب الإمارة / باب قوله عَّ: ((إنما الأعمال بالنية)) ... إلخ
الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى
النَّقَفِىَّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْراهِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ، سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ . ح
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبد الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثْنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاه ــ وَيَزِيدُ بْنُ هَرُونَ.
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاَءَ الْهَمَّدَانِىُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. حَ وَحَدَّثَنَا أَبْنُ أَبِى عُمَرَ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، بِإِسْنَادِ مَالِك ؛ وَمَعْنَى حَديثِهِ .
مثل اللّه
وَفِى حَدِيثِ سُفْيَانَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِىِّ
٠
علية
وبين اللّه تعالى. وتفترق هذه الصور فى الحكم فيها ظاهراً إذا لم يأت مستفتياً ، ويلزمه
ظاهر لفظه فى اعترافه وكلامه فيما تعلق بحقوق الآدميين ويحكم بظاهر ذلك ، ولا نصدقه
فى ادعاء ما يخالفه بنيته . وقد تقدم الكلام على نية الحالف فى الحقوق .

٣٣٤
كتاب الإمارة / باب استحباب طلب الشهادة فى سبيل الله تعالى
(٤٦) باب استحباب طلب الشهادة فى سبيل الله تعالى
١٥٦ - (١٩٠٨) حدَّنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ: ((مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا ، وَلَوْ لَمْ
تُصِبْهُ)).
١٥٧ - (١٩٠٩) حدَّثَتِى أَبُو الطَّهرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاَللَّفْظُ لحَرْمَلَةَ - قَالَ
أَبُو الطَّاهر: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ - حَدَّثَنِى أَبُو شُرَيْحٍ؛ أَنَّ
سَهْلَ بْنَ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُيِّفٍ حَدَّثَّهُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدٍٍّ؛ أَنَّ النَّبِّ ◌َهُ قَالَ: (( مَنْ
سَأَلَ اللهِ الشَّهَدَةَ بِصِدْقٍ ، بَلَّغَهُ الله مَّازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَّ عَلَى فِرَاشِهِ)) . وَلَمْ يَذُْرْ
أَبُو الطَّاهِرِ فِى حَدِيثِهِ: (( بِصِدْقٍ)).
وقوله : (( من طلب الشهادة صادقاً أعطيها وإن لم تصبه)) ، وفى الرواية الأخرى :
((بلغه اللّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه)): مما تقدم معناه من تبليغ من نوى خيراً
١٢١/أ واعتقد فعله أجر ما نواه وإن عاقه عندنا عنه عائق، تفضلا من اللّه/ وأجرًا على نيته.
ومثله الحديث الآخر فيمن حبسه المرض عن الغزو .

٣٣٥
كتاب الإمارة / باب ذم من مات ولم يغز ... إلخ
(٤٧) باب ذم من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بالغزو
١٥٨ - (١٩١٠) حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمِ الأَنْطاكِىُّ، أَخْبَنَا عَبْدُ الله
ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ وُهَيّب الْمَكِّىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى
صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَّالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَهُ: (( مَنَ مَاتَ وَلَّمْ يَغْزُ ، وَلَمْ يُحَدِّثَ بِهِ
نَفْسَهُ ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقِ )) .
قَالَ ابْنُ سَهْمٍ : قَالَ عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ : فَتُرَى أَنَّ ذلكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُول
الله عَِّ.
وقوله: (( من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق » : بيّن
فى أن من منعه مانع من أداء فرضٍ أو مسارعة إلى ركن من أركان الشرع أو سننه
المشهورة، أن يكون على نيته فيه متى أمكنه فعل ذلك ، وأن العزم على الشىء بدل من
فعله إذا لم يتعين وقت فعله .
قوله: ((مات على شعبة من نفاق)»: فسره فى الكتاب ابن المبارك : أنه مخصوص
بزمن النبى عَلّ ، حيث كان الجهاد واجبا ، وحمله على النفاق الحقيقى . وقد يحتمل أنه
على العموم ، ويكون معنى هذا : أنه تشبه بأخلاق المنافقين التى منها التخلف عن الجهاد،
وهو أحد شعب النفاق وأخلاق المنافقين .
te

٣٣٦
كتاب الإمارة / باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر
(٤٨) باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر (١)
١٥٩ - (١٩١١) حدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى
سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ◌َيْ فِى غَزَةٍ. فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِ جَالا مَا سِرْتُمْ
مَسِيرً وَلَا قَطَعْتُمْ وَدِيًا، إِلا كَانُوا مَعَكُمْ، حَسَهُمُ الْمَرَضُ)) .
( ... ) وحدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً
وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدِّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
يُؤنُس، كلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَثِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ وَكِيَعٍ: ((إِلا شَرِكُّوكُمْ فِى
الأَجْرِ )) .
(١) تقدمت الإشارة إليه فى الأبواب السابقة .

٣٣٧
كتاب الإمارة / باب فضل الغزو فى البحر
(٤٩) باب فضل الغزو فی البحر
١٦٠ - (١٩١٢) حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ ، عَنْ إِسْحَقَ بْنِ
عَبْدِ الله بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامِ
بنْت مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامِ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله
ـَ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلَى رَأْسَهُ، فَامَ رَسُولُ اللهِعَِّ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ
يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ
غُزَةٌ فِى سَبِيلِ اللهِ ، يَرْكَبُونَ نَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ - أَوْ مِثَلَ الْمَّلُوكِ عَلَى
الأَسرَّةَ)) - يَشُكُّ أَبَّهُمَا قَالَ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ .
فَدَعَ لَّهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ . قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحَكُكَ
يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ : ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ الله )) ، كَمَا قَالَ فِى
الأُولَى. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: (( أَنْتٍ مِنَ
وقوله: ((أنه عَّه كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وتفلى رأسه)»: أم
حرام هذه قيل : اسمها : الرميصاء ، وقيل : بل الرميصاء أم سليم أختها ، وأم حرام
الغميصاء ، وكذا ذكرها البخارى فى أم سليم بالراء (١). وفى مسلم: ((الغميصاء)) (٢)
وفيها بالغين المعجمة ، وهما بمعنى متقارب ، وهو اجتماع القذا فى ماء العين وهدابتها .
وقيل : الرمص هذا ، والغمص : استرخاء فيها وانكسار ، والأظهر أنه صفة لها .
قال أبو عمر بن عبد البر : أم سليم هى الرميصاء والغميصاء (٣) . وخرج أبو داود
من رواية معمر ؛ أن أخت أم سليم الرميصاء . قال أبو داود : الرميصاء أخت أم سليم (٤)
من الرضاعة ، وهذا وهم .
قال ابن وهب: وأم حرام هذه إحدى خالات النبى عَّه من الرضاعة ؛ فلهذا كان
يدخل عندها ويعمل عندها ، وينام فى حجرها. وقال غيره : بل كانت خالة لأبيه أو لجده ؛
(١) صحيح البخارى ، ك المناقب ، ب مناقب عمر بن الخطاب ٥/ ١٢ .
(٢) سيأتى فى ك فضائل الصحابة ، ب فضائل أم سليم ، رقم (٢٤٥٦).
(٣) الاستيعاب رقم (٤١٦٣).
(٤) أبو داود، ك الجهاد، ب فضل الغزو فى البحر ٦/٢ ط . الحلبى.

-
٣٣٨
الأَوَّلِينَ) .
كتاب الإمارة / باب فضل الغزو فى البحر
فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَخْرَ فِى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَتِهَا حِينَ
خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ ، فَهَّلَكَتْ .
١٦١ - ( ... ) حدَّنَا خَلَفُ بْنُ هشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعيد،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أُمِّ حَرَّمٍ - وَهِىَ خَالَةً أَنَسَّ-
قَالَتْ: أَثَانَا النَّبِىُّ ◌َّهُ يَوْمًا فَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَّ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُّكَ
يَارَسُولَ الله؟ بأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى. قَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمََّى يَرْكُبُونَ ظَهْرَ الْبَحْر،
كَالْمُلُوك عَلَى الأَسرَّةَ )». فَقُلْتُ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: ((فَإِنَّكَ مِنْهُمْ)).
قَالَتْ: ثُمَّ نَامَ فَاسْيَّقَظَ - أَيْضًا - وَهُوَ يَضْحَكُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ . فَقُلْتُ : ادْعُ
الله أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: ((أَنْتٍ مِنَ الأَوَّلِينَ)) .
قَالَ : فَتَزَوّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصََّمتِ بَعْدُ، فَغَزَا فِى الْبَحْرِ فَحَمَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
قُرِّبَتْ لَهَا بغلَةٌ. فَرَكَبَتْهَا. فَصَرَعَتْهَا. فَانْدَقَّتْ عَنْتُهَا.
لأن أم عبد المطلب من بنى النجار (١) . وفيه جواز مثل هذا من ذوى المحارم ، وأنه لا
يجوز مثله إلا لذوى المحارم. والنبى عليه وإن كان معصوماً، فإنه يقتدى به فى مثل هذا
من أفعاله . وفيه جواز إذن ذوات المحارم محارمهن ، وإن لم يحضر الزوج . وفيه إباحة
أكل ما قدمته المرأة لضيفها فى بيتها من مالها ومال زوجها ؛ لأن الأغلب أن ما فى البيت
من الطعام للزوج ، إذا علم أنه ممن لا يكره أن يؤكل ما فى بيته . وفيه جواز مثل هذا
للوكيل والمتصرف للرجل إذا علم من صاحب المال الإذن والسرور بذلك . ومعلوم من
سرور زوج أم حرام إن كانت تحت زوج حنيئذ ، وغيرة المسلمين ومحبتهم لدخول النبى
بيوتهم وأكله طعامهم .
وقوله: (( فاستيقظ وهو يضحك)) : ضحكه لما بشر به من أمر أمته ، وغزوهم فى
البحر ، وسروره بما يفتح اللّه عليهم فى الدنيا، ويدخله عليهم من الأجر فى الأخرى .
وقوله: ((يركبون ثبج هذا البحر))، قال الإمام : الثبج : الوسط . قال أبو زيد :
ضربت بالسيف ثبج الرجل ، أى وسطه . والثبج ما بين الكتفين . وفى حديث وائل بن
(١) انظر: طبقات ابن سعد ٤٣٤/٨، ٤٣٦، الجرح والتعديل ٩/ ٤٦١، تهذيب الكمال ٣٣٨/٣٥، الإصابة
١٩٣/١٣، شذرات الذهب ٣٦/١، سير أعلام النبلاء ٣١٦/٢.

٣٣٩
كتاب الإمارة / باب فضل الغزو فى البحر
١٦٢ - ( .. ) وحدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ وَيَحْنَى بْنُ يَحْنَى، قَالا: أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامِ بِنْتِ
ملحَانَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: نَامَ رَسُولُ الله ◌ِعَّهُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنَّى، ثُمَّ اسْتَقَّظَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ:
يَارَسُولَ الله، مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتَّى عُرِضُوا عَلَىَّ، يَرْكُبُونَ ظَهْرَ هَذَا
الْبَحْرِ الأَخْضَرِ ))، ثُمَّذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بَنِ زَّدٍ .
حجر تطوى الثبجة يقول : أعطوا الوسط فى الصدقة لا من خيار الأموال ولا من
[رذالتها](١) .
قال القاضى : قال الخطابي : الثبج : أعلى متن الشىء ، قال غيره : ثبج متن البحر:
ظهره، وقد جاء فى الحديث الآخر: (( يركبون ظُهر البحر )).
وقوله: «ملوكاً على الأسرة أو كالملوك على الأسرة »/: بين فى الحديث أنه شك ١٢١/ب
من الراوى ، وقد جاء فى الحديث [ الآخر ] (٢) بغير شك: ((كالملوك على الأسرة))،
وأن النبى معَّه إنما قال أحدهما . فيه تأويلان: أن أحدهما أراد مصالحهم فى الآخرة ،
كما قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ (٣)، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتْكِئُون﴾ (٤). وقيل: يحتمل إذ
يريد حالهم فى الدنيا من ركوب مراكب الغزاة ، وسعة حالهم ، وقوة أمرهم ، وكثرة
عددهم ، وجودة آلتهم ، فكأنهم الملوك على أسرتهم .
وقوله لها فى المرة الثانية بعد أن دعا لها فى المرة الأولى: ((أنت من الأولين)»: يدل
أن رؤياه الثانية غير الأولى ، وأنه فى كل نومه عرض عليه صنف غير الآخر ، وفيه جواز
ركوب البحر للجهاد لسرور النبى عَّه بما عرض عليه من ذلك، وكذلك ينبغى للحج. وفيه
جواز ركوب النساء فيه . وقد كرهه لهن مالك ؛ لأنهن غالبا لا يمكنهن التستر ولا غض
البصر عن المتصرفين ، ولا يؤمن انكشاف عوراتهم فى تصرفهم ونظر النساء إليهم شديد ،
مع شدة الخوف عليهن فى هذا الباب ، ولاسيما فيما صغر من السفن ، وضرورتهن إلى
قضاء الحاجة مع حضور الرجال ، قالوا : وهو فيما كبر من السفن ، وحيث يختصصن
بأماكن يستترن فيها جائز .
وروى عن عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - إباحته عام الرمادة ، ولا خلاف فى
منع ركوبه حين ارتجاجه ، وقيل : إنما منعه العمران - رضى اللّه عنهما - للتجارة ، وطلب
(١) فى ع : رذالته .
(٣) الواقعة : ١٥ .
(٢) فى نسخ الإكمال سقط حرفان من آخر الكلمة .
(٤) يس : ٥٦ .

٣٤٠
كتاب الإمارة / باب فضل الغزو فى البحر
( .. ) وجدَّثَنى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقَتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْر، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ
ہے
ابْنُ جَعْفَر - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالك يَقُولُ: أَتَى رَسُولُ الله
الدنيا لا للطاعات وأداء الفرائض ، والمروى عن عمر منعه ، وقد روى عبد اللّه عن عَمْرو
عن النبى ◌َّي النهى عن ركوب البحر، إلا لحاج أو معتمر أو غاز(١). وضعفه أبو داود
وقال : رواته مجهولون .
وفيه الترغيب فى الجهاد تحت راية كل بر وفاجر، لذكر النبى معَّه الأولين
والآخرين؛ وفيه فضيلة معاوية ، وكونه من هؤلاء المجاهدين الذين حصَّل هذا الفضل
والمنقبة ؛ لأن فى زمانه ركبت أم حرام البحر كما أخبر عمّه عن حالها .
واختلف فى معنى قوله: (( أيام معاوية ، فأكثر أهل السير والخبر أن ذلك كان فى
خلافة عثمان بن عفان ، وأن فيها ركبت أم حرام معه وزوجها إلى فرس ، وبها توفيت
وصرعتها دابتها ودفنت بها . وقيل : بل ماتت بعد انصرافها بعد خروجها من البحر
بالشام ، وكذا ذكره البخارى (٢)، ويكون معنى قوله: ((فى زمن معاوية)) على هذا : أى
فى زمان غزوه فى البحر ، وقيل : بل كان ذلك فى خلافته ، وهو أظهر فى الكلام ؛
لقوله : ((زمانه )) والله أعلم .
وفيه وجوه من علامات النبوة ، أخبر بها معَّ ، فكانت كما أخبر من الغزو فى
البحر، وكون هؤلاء الغزاة أولا وآخراً ، كما ذكر من ركوب أم حرام فى الأولين ، ولم
يجعلها فى الآخر ولا دعا لها بذلك لأنها ماتت قبل . وقيل : فيه أن الموت فى سبيل الله
والقتل سواء فى الأجر ؛ لأن أم حرام ماتت ولم تقتل ، وليس فى هذا الحديث بيان لهذا؛
إذ لم يصفهم أنهم شهداء كلهم ، وإنما وصفهم بما ذكر ؛ لأنه قد جاء بتسوية الحالين أثر
١٢٢/ أ آخر ذكره مسلم بعد هذا (٣)، أو مصداق هذا قوله تعالى/: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى
اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْت﴾ الآية (٤)، وفى حديث آخر من رواية ابن وهب: ((من صرع
فى سبيل الله عن دابته فمات فهو شهيد )) (٥) .
وقوله فى الحديث الأول: ((وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت)) : ظاهره أنه
(١) أبو داود، ك الجهاد، ب فى ركوب البحر فى الغزو ٣ / ٦، ٧ .
(٢) االبخارى ك الجهاد، ب فضل من يصرع فى سبيل الله فمات فهو منهم ٤ / ٢٢.
(٣) سیأتی حديث رقم (١٦٥) فى الكتاب.
(٤) النساء : ١٠٠ .
(٥) أخرجه أبو يعلى فى مسنده عن عقبة بن عامر رقم (١٧٥٢) وقال محققه: إسناده حسن ٣/ ٢٩٠.
وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢٨٣/٥، وقال : رواه أبو يعلى ، وفيه من لم أعرفه ، وذكره أيضاً
٣٠١/٥ وعزاه للطبرانى وقال : رجاله ثقات ، وذكره الشيخ الألبانى فى الصحيحة برقم (١٦٦٧).