النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الإمارة / باب فضل الغدوة والروحة فى سبيل الله
رِجَالاً مِنْ أُمَّتَّى)) وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: (( وَلَرَوْحَةٌ فِى سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ ، خَيْرٌ مِنَ
الدُّنْيَا وَمَا فِيهَاَ)) .
١١٥ _ (١٨٨٣) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْب - وَاللفْظُ لأَبِى بَكْر وَإِسْحَقَ - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ
عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى أُبُّوبَ، حَدَّثَنِى شُرَحْبِلُ بْنُ شَرِيكَ المَعَافِرِىُّ ، عَنْ
أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُلُىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُّوبَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ: ((غَدْوَةٌ فِى
سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ)).
( ... ) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَدَّثَنِى
شُرَحْبَلُ بْنُ شَرِيكِ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحْلِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَبُوبَ الْأَنْصَارِىَّ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهَ، بِمِثْلِهِ سَوَاءٌ .
بعضهم : فى نسخة [ أبى العلاء](١): نا أبو بكر بن أبى شيبة ، نا مروان [ بن معاوية
جعل ((ابن أبى شيبة)) بدل ((ابن أبى عمر)) ](٢)، والصواب ما تقدم ؛ أنه من رواية ابن
أبى عمر ، وهى رواية الجلودى.
(١) فى الأصل : ابن ماهان ، والمثبت من ع .
(٢) سقط من الأصل ، والمثبت من ع .

٣٠٢
كتاب الإمارة / باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد ... إلخ
(٣١) باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد
فى الجنة من الدرجات (١)
١١٦ - (١٨٨٤) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، حَدَّثَنِى أَبُو
هَانِيِّ الْخَوْلانِىُّ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحَمَنِ الْلِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُذَّرِىِّ؛ أَنَّ رَّسُولَ اله ◌َّ
قَالَ: ((يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَّنْ رَضِىَ بِاللهِ رَبَّاً، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمَّحَمَّد نَبِيّا، وَجَبَتْ لِهُ الجَّةُ))،
فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ. فَقَالَ: أَعِذَهَا عَلَىَّيَا رَسُولَ اللهِ. فَفَعَلَ. ثُمَّ قَالَ: ((وَأُخْرَى يُرْفَعُ
بِهَا العَبْدُ مَاتَةَ دَرَجَةٌ فِى الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)). قَالَ: وَمَا
هِىَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِى سَبيلِ الله، الجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللهِ)).
(١) ترك الإمام والقاضى التعليق على الباب ؛ لاشتمال الأبواب السابقة عليه .

٣٠٣
كتاب الإمارة / باب من قتل فى سبيل الله ... إلخ
-
(٣٢) باب من قتل فی سبیل الله كفرت خطاياه، إلا الدین
١١٧ _ (١٨٨٥) حَدَّثَنَا قُتََّةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثْنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيد بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَّهَ؛ أَنَّهُ قَامَّ فِيهِمْ
فَذَكَرَ لهُمْ : ((أَنَّ الْجِهَادَ فِى سَبيلِ الله وَالإِيمَانَ بِالله أَفْضَلُ الأَعْمَالِ )) . فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا
رَسُولَاللهِ، أَرَأَيْتَّ إِنْ قُتِلِتُ فَى سَبِيَلِ اللهِ تُكَفَّرُ عَنِّى خَطَايَاىَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهَِّهُ:
(نَعَمْ، إِنَّ قُتِلِتَ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ
الله عَُّ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)). قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قُتلتُ فِى سَبِيل الله أَنْكَفَرُ عَنِّى خَطَايَاىَ ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُخْتَسِبَّ، مُقْبِلٌ غَيْرٌ مُدِيرٍ، إِلا الدَّيْنَ، فَإِنَّ
جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَالَ لِى ذَلِكَ)) .
قال القاضى : وقوله عَّه فى الجهاد فى سبيل الله أنه أفضل الأعمال: بذلك تظاهرت
الآثار وصحت الأخبار .
وقوله للذى سأله فى تكفير خطاياه إن قتل فى سبيل الله. قال: ((نعم ، إن قتلت
وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر )) : فيه أن الأجر فى ذلك لمن صدقت نيته ،
واحتسب أجره ولم يقاتل حمية ، ولا طلب دنيا ، ولا طلب ذكر وثناء ، وأن من قُتل
مدبراً فإنه ليس له من هذا الأجر شىء .
وقوله: ((إلا الدين)): فيه تنبيه على أن حقوق الآدميين والتبعات التى للعباد لا
تكفرها الأعمال الصالحة وإنما تكفر ما بين العبد وربه ، ويكون هذا فيمن له بقضاء ما عليه
من الدين وأتلفه على ربه عن علم أو عزة من ذمته وملائه ، واستدانه(١) فى غير واجب ،
وتحذيراً وتشديداً لمن يسارع لإتلاف أموال الناس بهذا الوجه .
وقد يحتمل أن هذا كان أولاً ، وقيل: قوله: (( من ترك ديناً أو ضياعاً فعلى)» ،
وأن النبى معَُّ تكفل بمن مات من أمته وعليه دين معسراً ، وتحمل دينه وعياله ، مما أفاء
الله عليه من المغانم، إذ فيها حث فى قضاء دين المعسر / والنفقة على العيال أو من احتاج. ١١٤ / ب
وقيل : قوله هذا عَّ ناسخ لما تقدم ، وليس بصحيح ، وإنما هو بيان لانتقال الحال وتبديل
أمر المسلمين من العسر إلى حكم اليسر بما فتح الله عليهم ، وقد قيل : إن هذا مما يحتمل
(١) فى الأبى : وأدائه .

٣٠٤
كتاب الإمارة / باب من قتل فى سبيل الله ... إلخ
( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْثُنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ،
أَخْبَرَنَا يَحْبَى - يَعْنِى ابْنَ سَعيد - عَنْ سَعِيد بْنِ أَبِى سَعِيدِ الَقْبُرِىِّ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى
قَتَادَةَ ، عَنْ أَبيه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولَ اللهِ عَُّ، فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلتُ فِى سَبِيلِ اللهِ؟
بِمَعْنَى حَدِيثِ الليْثِ .
١١٨ - ( .. ) وَحَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنٍ قَيْسٍ. ح قَالَ: وَحَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ قَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحبه -: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَِّىَّ
◌َُّ، وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِى. بِمَعْنَى حَدِيثِ الَقْبُرِىِّ .
١١٩ - (١٨٨٦) حَدَثْنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْتَى بْنِ صَالِحِ المِصْرِىُّ، حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ - يَعْنِى
ابْنَ فَضَاةَ -عَنْ عَّشِ - وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسِ القَتْبَانِىُّ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الحُبْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ قَالَ: ((يُغْفَرُ للشَّهيد كُلُّ
ذَنَّبِ إِلا الدَّيْنَ)) .
أن يختص بالنبى ◌ّ لقوله: ((أنا أولى بالمؤمنين))(١)، وقد تقدم الكلام على هذا.
وقوله فى الجواب أولا: ((نعم))، ثم قال بعد: ((إلا الدين))، يحتمل أنه أعلم
بهذا بعد ، إن لم يعلمه ، ويحتمل أنه أعلم أولا لفظاً مع علمه باستثناء الدين ، ثم رأى
بيانه فى فضل الجهاد: ((يرفع بها العبد مائة درجة فى الجنة ، ما بين كل درجتين كما بين
السماء والأرض)) ، يحتمل أنه على ظاهره ، وأن الدرجة هنا المنازل التى بعضها أرفع من
بعض فى الظاهر ، وكذلك منازل الجنة ، كما جاء فى أهل الغرف: ((يتراءون كالكوكب
الدرى)) (٢)، ويحتمل أن يريد فيها الرفقة بالمعنى من كثرة النعم وعظيم الإحسان ، مما لم
يخطر على قلب بشر ، ولا يصفه واصف ، وأن أنواع ما أنعم به عليه وبوأه من البر
والكرامة يتفاضل تفاضلاً كثيراً ، وينسى بعضه بعضاً ، ومثل تفاضله فى البعد بما بين
السماء والأرض ، والأول أظهر .
وقوله فى الباب : نا سعيد بن منصور ، نا سفيان عن عمرو بن دينار ، عن محمد
(١) مسلم، ك الفرائض، ب من ترك مالاً فلورثته ١٤/٣ (١٦١٩)، والبخارى، ك الكفالة، ب الدين ١٢٨/٣.
(٢) مسلم ، ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب إحلال الرضوان على أهل الجنة ١١/٤ (٢٨٣١)، وأحمد ٢٦/٣.

٣٠٥
كتاب الإمارة / باب من قتل فى سبيل الله ... إلخ
١٢٠ - ( ... ) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، حَدَثْنِى عَّاشُِ بْنُ عَّاسِ الْقِنْبَانِىُّ، عَنْ أَبِىَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْلِىِّ، عَنْ
عَبّدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ أَنَّ النَََِّّّهُ قَالَ: ((القَتْلُ فِى سَبِيلِ الله يُكَفِّرُ كُلَّ شَىْءٍ إِلا
الدَّيْنَ ».
ابن قيس ، قال : وحدثنا ابن عجلان عن محمد بن قيس. كذا جاء مبيناً معطوفاً فى
مصنف سعيد بن منصور(١) الذى سمعه منه مسلم .
(١) سعيد بن منصور، ك الجهاد، ب ما جاء فى فضل الشهادة (٢٥٥٣).

٣٠٦
كتاب الإمارة / باب بيان أن أرواح الشهداء فى الجنة ... إلخ
(٣٣) باب بيان أن أرواح الشهداء فى الجنة
وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون
١٢١ - (١٨٨٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، كلاهُمَا عَنْ أَبی
مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ، جَمِيعًا عَنِ
الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرِ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ،
قَالا: حَدَّثَنَ الأَعْمَئِنُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ - هُوَ ابْنُ
مَسْعُود - عَنْ هَذِه الآيَةِ: ﴿ وَلا تَحْسَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ﴾(١) قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: ((أَرْوَاحُهُمْ فِى جَوْفٍ طَيْرِ خُضْرِ،
قال الإمام : ذكر مسلم فى باب الشهداء : عن يحيى بن يحيى وأبى بكر بن أبى شيبة
حديث مسروق: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾
بالحديث موقوفاً ، وهكذا جاء عبد الله غير منسوب. قال بعضهم : قال أبو مسعود
الدمشقى : من الناس من ينسبه فيقول : عبد الله بن عمرو - والله أعلم. وذكره أبو مسعود
الدمشقى فى مسند أبى مسعود .
قال القاضى : كذا هو ابن مسعود عندنا فى الأصل من رواية أبى بحر ، وسقط لغيره
من شيوخنا ، وأراه من إلحاق شيخه الكنانى - والله أعلم .
وقوله : (( أرواحهم فى جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح فى الجنة
حيث شاءت ، ثم تأوى إلى تلك القناديل)): فى هذا - أولاً - إثبات أن الجنة مخلوقة
موجودة ، وهو مذهب أهل السنة ، وأنها التى أُهبط منها آدم ، وهى التى ينعم فيها
المؤمنون فى الآخرة ، خلافاً للمعتزلة وطوائف من المبتدعة بأنها بعد لم توجد ، وأن الجنة
التى كان فيها آدم غيرها. والآثار وظاهر القرآن يدل على مذهب أهل السنة .
وفيه دليل على مُجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة ، وقد ترى من هذا فى
عذاب القبر. وفيه أن الأرواح باقية لا تفنى ، فينعم المحسن ويعذب المسىء كما جاء فى
القرآن والآثار ، وهو مذهب أهل السنة ، خلافاً لغيرهم من أهل البدع القائلين بفنائها .
وقال / هنا: ((أرواح الشهيد))، أو قال فى حديث مالك: ((إنها نسمة المؤمن))،
١١٥ / ١
(١) آل عمران: ١٦٩.

٣٠٧
كتاب الإمارة / باب بيان أن أرواح الشهداء فى الجنة ... إلخ
لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِىَ إِلى تِلكَ القَنَادِيلِ،
والنسمة تنطلق على ذات الإنسان جسماً وروحاً ، وتنطلق على الروح مفرداً ، وهو المراد بها
هنا لتفسيرها فى هذا الحديث بالروح ؛ لأن الجسم يفنى ويأكله التراب، ولقوله فى الحديث:
((حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه))، وذكر فى حديث مالك: ((نسمة المؤمن))،
وقال: ((هنا الشهداء))، فقيل : المراد : هناك الشهداء ، إذ هذه صفتهم لقوله تعالى :
﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(١) حسبما فسره فى هذا الحديث ، رخصة بهم ، وأن غيرهم إنما
يعرض عليه مقعده من الجنة أو النار بالغداة والعشى كما جاء فى حديث ابن عمر ، وكما
قال تعالى فى آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾(٢)، وقيل: بل المراد سائر
المؤمنين المستوجبين لدخول الجنة دون عقاب، بدليل عموم الحديث وغير ذلك من الأحاديث،
وقيل بل أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم .
وقوله فى هذا الحديث: ((فى جوف طير خضر))، وفى غير مسلم: ((كطير خضر))(٣)
وفى حديث آخر عن قتادة: (( فى صور طير بيض)) (٤): قال بعض المتكلمين على هذا :
الأشبه صحة قول من قال: ((طير)) أو ((صورة طير))، وهو أكثر ما جاءت به الروايات ،
لا سيما مع قوله: ((وتأوى إلى قناديل تحت العرش)»، وأبعد بعضهم هذا ، ولم ينكره
آخرون، وليس فيه ما ينكر، ولا بين الأمرين فرق، بل رواية ((طير))، أو ((أجواف
طير)) أصح معنى وأبين وجها، وليس بالأقيسة والعقول فى هذا تحكم ، فكل من
المجوزات. فإذا أراد الله أن يجعل هذه الروح إذا خرجت من المؤمن ، والشهيد فى قناديل
أو أجواف طير أو حيث يشاء كان ذلك ، ولم يبعد ، لا سيما مع القول: إن الأرواح
أجسام ، كما سنذكره ونذكر الخلاف فى ذلك ، ولما أبعدنا أن تكون رواية أنها طير على
ظاهره ، إذ لو غيرت الأرواح عن حالها وصفاتها إلى صفات طيور خضر لم تكن حينئذ
أرواحاً .
وأما على القول : إن الروح معنى وهى الحياة ، فبعيدٌ أيضاً أن ترجع صورة طير؛
لأن المعانى لا تتجسم ولا تقوم بنفسها ، وإنما تقوم بغيرها من أجسام يخلقها الله - تعالى -
لذلك ، وقد قيل على هذا : إن المعذب أو المنعم من الأرواح جزء من الجسد يبقى فيه
الروح ، فهو الذى يألم ويعذب ، ويلتذ وينعم ، وهو الذى يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾(٥)
وهو الذى يعلق بشجر الجنة ، فغير مستحيل أن يصور ذلك الجزء طائراً ، ويجعل فى
جوف طائر وفى قناديل تحت العرش، وغير ذلك مما يريده الله تعالى على المعانى التى تقدم،
والله أعلم بمراد نبيه
(١) آل عمران : ١٦٩ .
(٢) غافر : ٤٦ .
(٣) ابن ماجه، ك الجهاد، ب فضل الشهادة فى سبيل الله ٩٣٦/٢ (٢٨٠١).
(٤) عبد الرزاق ، ك الجهاد ، ب أجر الشهيد (٩٥٥٣).
(٥) المؤمنون : ٩٩ .

٣٠٨
-
كتاب الإمارة / باب بيان أن أرواح الشهداء فى الجنة ... إلخ
وقال بعض أهل المعانى : إنما ورد هذا الكلام مورد التمثيل والتقريب للإفهام ولسرعة
تناول هذه الروح لما تريد من نعيم الجنة ، وإدراك متناولها وما تشتهيه من لذاتها كسرعة
طيران الطير ، وقطعه المسافة البعيدة فى الزمن القصير .
وقد اختلف الناس فى الأرواح - ما هى؟ - اختلافاً لا يكاد ينحصر ، فذهب كثير من
أرباب المعانى وعلم الباطن ، والمتكلمين إلى أنه مما لا تعرف حقيقته ، ولا يصح وصفه ،
١١٥٠ / ب ومما جهل الخلق علمه، واستدلوا بقوله / سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرٍ
رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّ قَلِيلًا﴾ (١)، قالوا : وهو أمر ربانى إلهى. وغلا بعضهم فقال
بقدمه ، وهو مذهب الفلاسفة. وقال آخرون منهم - وهو قول جمهور الأطباء - : إنه البخار
اللطيف السائد مع الدم. وعول كثير من شيوخنا أنه الحياة ، وقال آخرون : الحياة معنى
آخر ، والروح غيره يبطل الجسد بفقده ، وقال آخرون : هى أجسام لطيفة مشاركة للجسم
يحيا بحياة الجسم ، أجرى الله العادة بموت الجسم عند فراقه. وقيل : هو بعض الجسم ،
ولذلك وصف بالخروج والقبض وبلاغ الحلقوم ، وهذه صفة الأجسام لا المعانى. وذهب
بعض المتقدمين من أئمتنا إلى أنه جسم لطيف مصور على صورة الإنسان داخل الجسم.
وذهب بعض مشايخنا وغيرهم إلى أنه النفس الداخل والخارج ، وهذا خطأ بيّن ، وقال
آخرون : هو الدم ، وهذا خطأ أيضاً .
وكذلك اختلفوا فى النفس ، فقيل : هى الروح ، لفظان لمعين واسمان لشىء واحد ،
وقيل : هى الدم ، وقيل: النفس الداخل والخارج ، وقيل : هى الحياة. ولا خلاف أنها
تقع على ذات الشىء وحقيقته .
وأما قوله: (( تعلق فى ثمار الجنة))(٢): فمن رواه بضم اللام فمعناه: تأكل وتصيب،
وقيل: تتناول، ويؤيد هذا قوله فى الحديث: ((تأكل ثمار الجنة، وترد أنهارها)) (٣)،
وكما قال فى الكتاب العزيز: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤)، وقيل: ((تعلق)) تشم ،
وهذا أشبه بالأرواح وتغذيها مجردة عن الأجسام ، ولعل هذا هو معنى أكلها فى الحديث
الآخر ، ورزقها فى القرآن ، ومن قاله بالفتح فمعناه الأول ، وقيل : معناه : تتعلق وتقع
عليها ، وقيل: تأوى إليها، ويؤيده رواية: ((تسرح)). وقد يكون الأكل والورود راجعاً
إلى الجزء الذى تقوم به الروح على أحد الوجهين المتقدمين - والله أعلم.
وأما النسمة المذكورة فى الحديث الآخر فقيل : هى هنا الروح ، والنسمة تقع على
النفس والروح والبدن، وقال الخليل: النسمة: الإنسان، وفى الحديث: (( لا والذى برأ
(١) الإسراء : ٨٥ .
(٢) أبو داود، ك الجهاد، ب فى فضل الشهادة ١٤/٢، أحمد ٣٨٦/٦ .
(٣) الترمذى، ك فضائل الجهاد، ب ما جاء فى ثواب الشهيد ١٧٦/٤، أحمد ٢٦٦/١.
(٤) آل عمران : ١٦٩ .

٣٠٩
-
كتاب الإمارة / باب بيان أن أرواح الشهداء فى الجنة ... إلخ
فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ الطَّلَاعَةَ. فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَىَّ شَىْءٍ نَشْتَهِى؟ وَنَحْنُ
نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا. فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرََّت، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لِنْ يُتْرَكُوا مِنْ
أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرَّةً أَرَوَاَحَنَا فِى أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِى سَبِيلِكَ مَرَّةً
أُخْرَى، فَلمَّا رَأَى أَنْ ليْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا )) .
النسمة))(١). قال الشاعر :
أرى النسمات ينفضن الغبارا
يعنى البعث ، وقد تعلق بحديثنا هذا وبشبهه بعض الملحدة ممن يقول بالتناسخ وانتقال
الأرواح ، وتنعيمها فى الصور الحسان المرفهة ، وتعذيبها فى الصور القبيحة المسخرة ، وأن
هذا هو معنى الثواب والعقاب والإعادة حتى إذا استوت بنيته ، وإنما الصور قوالب لهذه
الأرواح تنتقل فيها. وهو ضلال وإبطال لما جاء به الشرع من الحشر والنشر ، والجنة والنار؛
إذ قد قال فى الحدیث: (( حتی یرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ))(٢) أعنی یوم یجیء جميع.
فإنما تكون هذه الطيور قبل البعث مقاعد لها كقناديل الذهب المذكورة معها ، ولعل هذه
الطيور كانت على صورها من ذهب أو يواقيت أو ما شاء الله تعالى. كما جاء فى صفات
خيل أهل الجنة ، وأنها كلها مراكب(٣) ومجالس لأهل الجنة ولأرواحهم قبل البعث كما
قيل فى سدرة المنتهى : إليها تنتهى أرواح الشهداء ، وذكر أنه غشيها فراش من ذهب.
ولعلها - والله أعلم - أنها من تلك الطيور التى تسرح بها أرواح الشهداء التى تأوى إليها
فكلٌّ يحتمل ، غير مستحيل ، ولا يبعد .
وأما قوله تعالى لهم: ((هل تشتهون شيئاً)): فمبالغة فى الإكرام والنعيم ؛ إذ قد
أعطاهم ما لا يخطر على قلب بشر ، ثم رغبهم فى سؤال الزيادة ، فلم يجد وراء ما
أعطاهم من مزيد ، لكن تلقوا ذلك بالشكر بأن سألوه بأن يرد أرواحهم إلى أجسادهم حتى
يجاهدوا فيه ، ويبذلوا أنفسهم ، ويقتلوا فى شكر إحسانه ، ويستلذوا ألم القتل والموت
لمكافأة بره ، ويجودوا بذواتهم له ، إذ لم يقدروا على غاية فوق ذلك والجود بالنفس أقصى
غاية الجود .
(١) البخارى، ك الديات، ب العاقلة ١٣/٩، وسبق فى مسلم، ك الإيمان، ب الدليل على أن حب الأنصار
وعلى من الإيمان .
(٢) أبو داود، ك السنة، ب فى المسألة فى القبر وعذاب القبر ٢/ ٥٤٠، النسائى، ك الجنائز، ب أرواح
المؤمنين ١٠٨/٤، ابن ماجه، ك الزهد، ب ذكر القبر والبلى رقم (٤٢٧١).
(٣) فى الأبى : مراتب .

٣١٠
كتاب الإمارة / باب فضل الجهاد والرباط
(٣٤) باب فضل الجهاد والرباط
١٢٢ - (١٨٨٨) حَدَّثْنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّد
ابْنِ الوَليد الزُّبَيْدِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الليْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ
رَجُّلاً أَنَى النَّبِيَّ ◌َيْ فَقَالَ: أَىُّ النَّاسِ أَفْضَلُّ؟ فَقَالَ: ((َرَجُلٌ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ الله بِمَالِه
وَنَفْسِهِ)). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : ((مُؤَمِنٌ فِى شِعْبٍ مِنَ الشَّعَابِ ، يَعْبُّدُ اللهَ رَبَّهُ، وَيَدَعُ
النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).
١٢٣ - ( ... ) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الليْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَىُّ النَّاسِ أَفْضَلُ بَاَ
رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ : ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِى سَبِيلِ الله )). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ
٠
رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِى شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).
وقوله: أى الناس أفضل ؟ قال: (( رجل يجاهد فى سبيل الله بنفسه وماله)): هذا
ليس على العموم ، وإلا فالأنبياء والصديقون أفضل ، وكذلك العلماء بما شهدت الأحاديث
الصحيحة بذلك ، والمراد من أعمال البر غير ما ذكرنا .
وقوله : (( ثم رجل معتزل فى شعب من الشعاب يعبد ربه ، ويدع الناس من شره)):
فيه فضل العزلة والانحياش عن الناس ، وكأنه عَّ أشار إلى ما يكون بعده من الفتن ،
بحيث تكون العزلة والتغرب عن الناس أفضل من الدخول فيما هم فيه ، أو فيمن لا قدرة
له على الجهاد وفى غير زمن الجهاد ، أو ممن ليس ينتفع بعلمه ونظره فى مصالح المسلمين ،
فهو أيضا خصوص فى بعض الناس . والشعب هو الشَّعبة - أيضا - بضم الشين ، وعند
الصدفى بالكسر : ما انفرج بين الجبلين ، ولم يرد نفس الشعب خصوصاً ، وإنما مثّل به
للانفراد والعزلة عن الناس ، والبعد منهم ؛ إذ هذه المواضع فارغة من الناس غالباً ، وقد
قال عَّ فى الحديث الآخر - حين سئل عن النجاة فقال -: ((أمسك عليك لسانك،
وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك))(١).
(١) الترمذى، ك الزهد، ب ما جاء فى حفظ اللسان. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. رقم (٢٤٠٦)،
٤/ ٢٦٥، وأحمد فى مسند عقبة بن عامر ١٤٨/٤.

٣١١
كتاب الإمارة / باب فضل الجهاد والرباط
١٢٤ - ( ... ) وَحَدَّثْنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ،
عَنِ الْأَوْزَاعِىِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. فَقَالَ: ((وَرَجُلٌ فِى شِعْبٍ )) وَلَمْ يَقُلْ:
(( ثُمَّرَجُلٌ)).
١٢٥ _ (١٨٨٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِىُّ، حَدَّثْنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَمِی حَازِمِ ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْجَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عٍَّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ
النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَنْتِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ
فَزْعَةٌ طَارَ عَلَيْهِ ، يَبْتَغِىِ القَتْلَ وَالَوْتَ مَظَنَّهُ. أَوْ رَجُلٌ فِى غُنَيْمَةِ فِى رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذه
الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادِ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاةَ وَيُؤْتِى الزَّكََّةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَّةً
اليَقِينُ، لِيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلا فِى خَيِّرِ )) .
١٢٦ - ( .. ) وَحَدَّثَنَاهِ قُتََّةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، وَيَعْقُوبُ -
يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِىَّ- كِلاهُمَا عَنْ أَبِى حَازِمِ ، بِهَذَاَ الإِسْنَادِ، مِثْلُهُ . وَقَالَ : عَنْ
بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ. وَقَالَ: ((فِى شِعْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ )) خِلافَ رِوَايَةٍ يَحْبَى .
١٢٧ - (.) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَزْهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْب، قَالوا :
حَدَّثَنَا وَحِيحٌ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيّدٍ، عَنْ بَعَجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُهَنِىِّ، عَنْ أَبِى هُرِّيْرَةَ، عَنِ
النَِّّ ﴾. بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى خَازِمٍ عَنْ بَعْجَةَ. وَقَالَ: ((فِى شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ )) .
وقوله: (( من خير معاش الناس رجل ممسك عنان فرسه )) الحديث : فيه تفضيل
الجهاد وشرفه والمواظبة عليه ، وأنه وإن ترى فيه أخذ المغانم والاكتساب فهذا لا يؤثر فى
الأجر، إذا كان الباعث فضل(١) الجهاد والاحتساب فيه، بدليل قوله: ((طار عليه يبتغى
القتل فى سبيل الله))، وبقوله: ((يطير على متنه)) أى يسارع للجهاد على ظهر فرسه.
وقوله: ((كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليها )) ، قال الإمام : الهيعة : الصوت
الذى يفزع منه، يقال : هاع يهيع هيوعاً وهياعاً : إذا جبن، وهاع يهاع : إذا جاع وإذا تهوع.
وقوله: ((فى رأس شعفة من هذه الشعف)) : الشعفة ، بفتح العين غير معجمة ،
واحدة الشعف ، وهى رؤوس الجبال .
(١) فى الأبى : قصد .

٣١٢
كتاب الإمارة / باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر ... إلخ
(٣٥) باب بيان الرجلين ، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة
١٢٨ - (١٨٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزَّنَادِ ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: « يَضْحَكُ اللهُ إلى رَجُلَيْنِ، يَقْتُلُ
أَحَدُهُمَا الآخَرَ ، كلاهُمَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ)). فَقَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( يُقَاتِلُ هَذَا
فى سَبِيلِ الله - عَزَّ وَجَلَّ - فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَائِلِ فَيُسْلِمُ، فَيُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللهِ-
عَزَّ وَجَلَّ - فَيُسْتَشْهَدُ)).
( .. ) وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَّةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَثْنَا وَكِعٌ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى الزَّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلُهُ .
١٢٩ - ( ... ) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام
ابْنِ مُنَبِّه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عِنْ رَسُول الله عٍَّ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ لَّهِ : ((يَضْحَكُ اللهُ لِرَجُلِيْنِ ، يَقْتُلُ أَحَدُّهُمَّا الآخَرَ، كِلاهُمَا يَدْخُلُ الجَنََّ)).
قَالُوا: كَيّفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ : ((يُقْتَلُ هَذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الآخَرِ فَيَهْدِيهِ
إلى الإِسْلامِ، ثُمَّ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُسْتَشْهَدُ)).
وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ، كلاهما يدخل الجنة))
الحديث : الضحك هنا استعارة فى حق الله ، ولا يجوز عليه الضحك المعلوم ؛ لأنه إنما
يصح من الأجسام وممن يجوز عليه تغير الحالات ، والله تعالى منزه عن ذلك ، وإنما يرجع
إلى الرضا بفعلهما والثواب عليه ، والإحسان إليهما أو حمد فعلهما ومحبته ، وتلقى رسل
الله لهما بذلك ؛ لأن الضحك إنما يكون من أحدنا عند موافقة ما يراه وسروره به وبره لمن
١١٦ / ب يلقاه(١)، وقد تقدم الكلام عليه مشبعاً / فى صدر الكتاب ، وقد يكون الضحك هنا على
وجهه المعلوم ، والمراد به ملائكة الله ورسله الذين يوجههم للقائه وقبض روحه ، وإدخاله
الجنة ، كما يقال : نادى الأمير فى البلد ، وقتل السلطان فلانا : رجاله وأمره .
(١) بل الصحيح - وهو مذهب السلف -: إثبات صفة الضحك لله عز وجل من غير تكييف .

٣١٣
کتاب الإمارة / باب من قتل كافراً ثم سدد
(٣٦) باب من قتل كافراً ثم سدّد
١٣٠ - (١٨٩١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أُيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَعَلَىُّ بْنُ حُجْر، قالوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرِ - عَنِ العَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّهُ
قَالَ: (( لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِى الَّارِ أَبَدًا » .
١٣١ - ( .. ) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنِ الهِلالِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ الفَزَارِىُّ، إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهِيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيّرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ
وقوله: ((لا يجتمع كافرٌ وقاتله فى النار أبداً » : يحتمل أن هذا مختص بمن قتل
كافراً فى مجاهدة العدو ، وأن ذلك تكفير لذنوبه حتى لا يعاقب عليها ، أو تكون بنية
مخصوصة ، وحاله. والله أعلم بها. ويحتمل أن تكون عقابه إن عوقب بغير النار فى
الأعراف ، كالحبس عن دخوله الجنة ، فلا يدخل النار ، أو يكون إن عوقب بها لا يكون
حيث يعاقب الكفار ، ولا يجتمع معهم فى إدراكها .
وقوله فى الحديث الآخر: ((اجتماعاً يضر أحدهما الآخر)) : يدل أنه اجتماع
مخصوص ، وهو مشكل المعنى ، وأوجه ما فيه أن يكون يحتمل ما أشرنا إليه ألا يجتمع
معه فى وقت إن استحق للعقاب فيعيره بدخوله معه ، وأن إيمانه وقتله إياه لم يغنه ، وقد
جاء مثل هذا فى بعض الآثار ، ولكن قوله فى هذا الحديث: (( مؤمن قتل كافراً ثم سدد »
رادٌّ إشكالاً ؛ لأن المؤمن إذا سدد، ومعناه : استقام على الطريقة ولم يخلط ولا راع.
والسداد والسدد : الفضل ، لم يدخل النار جملة ، قتل كافراً أو لم يقتله ، ووجهه عندى
أن يرجع قوله: (( ثم سدد)) على الكافر القاتل، ويكون بمعنى الحديث المتقدم: « يضحك
الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة ، يقاتل هذا فيستشهد فيدخل الجنة ،
ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد))، وقد ذكر البخارى هذه الترجمة على نحو ما
ذكرناه: ((باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد)»(١) ، لكن لم يدخل هذا الحديث
المشكل ، وأدخل حديث الضحك بنصه ، فلعله لم يدخله لإشكاله ، أو لأنه رأى فيه
فهماً، وأن صوابه : مؤمن قتله كافر ثم سدد. فهذا يطابق ترجمته لو جاءت به رواية ،
ولكن الأحاديث الأخر جاءت بمثل هذا ، ويكون معنى قوله فى هذا الحديث : (( لا
(١) البخارى، ك الجهاد، ب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل ٢٨/٤.

٣١٤
کتاب الإمارة / باب من قتل كافراً ثم سدد
((لا يَجْتَمَعَان فى النَّارِ اجْتْمَاعًا يَضُّرُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ )). قيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
((مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدِّدَ)).
يجتمعان فى النار اجتماعاً يضر أحدهما الآخر)) : أى لا يدخلانها للعقاب ، ويكون هذا
تخصيصاً واستثناء من اجتماع الورود وتخاصم العباد على حبس جهنم ، كما جاءت به
الآثار ، والله أعلم بمراد نبيه عليه وأن ذلك من تجاذبهما ومطالبة المقتول للقاتل لا تضره ولا
تدركه تباعته ؛ لأنه إنما قتله فى الله وفى سبيل الله .

٣١٥
كتاب الإمارة / باب فضل الصدقة فى سبيل الله وتضعيفها
(٣٧) باب فضل الصدقة فى سبيل الله وتضعيفها
١٣٢ - (١٨٩٢) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِى عَمْرِو الشَّيَِّانِىِّ، عَنْ أَبِى مَسْعُود الأَنْصَارِىِّ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةً ،
فَقَالَ: هَذِهِ فِى سَبِيلِ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((لكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُمَاتَّةَ نَاقَةَ، كُلَّهَا
مَخْطُومةٌ)).
( .. ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ
خَالد، حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَر - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
قوله فى الذى جاء بناقة فى سبيل الله: ((لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة )) مطابق
لقوله ◌َّه فى تضعيف الحسنات إلى سبعمائة ضعف(١)، وأصله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَيَّةٍ
أَنْيَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنَبْلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾(٢)، ويحتمل أن يكون على ظاهره ، تكون له فى
الجنة يركبها حيث شاء ، كما جاء فى خيل الجنة ومجيئها(٣) ، وقد يكون ذلك إشارة إلى
تضعيف ثوابه ، وتسمية الثواب باسم الحسنة والطاعة ، لكن قوله : (( مخطومة )) يقوى أنه
على ظاهره ، ومعناه : عليها خطام وهو مثل الزمام .
(١) البخارى ، ك الإيمان، ب حسن إسلام المرء ١/ ١٧.
(٢) البقرة : ٢٦١ .
(٣) الترمذى، ك صفة الجنة، ب ما جاء فى صفة خيل الجنة ٦٨١/٤ (٢٥٤٣، ٢٥٤٤)، وقال: ليس إسناده
بالقوى ، وأحمد ٣٥٢/٥ .

٣١٦
كتاب الإمارة / باب فضل إعانة الغازى فى سبيل الله ... إلخ
(٣٨) باب فضل إعانة الغازى
فی سبیل الله بمر کوب وغيره ، وخلافته فى أهله بخير
١٣٣ - (١٨٩٣) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللفْظُ
لأَبِى كُرَيْب - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى عَمْرِو الشَّْيَانِىِّ، عَنْ أَبِى
مَسْعُودِ الأَنْصَارِىِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِىِّ ◌َّهِ فَقَالَ: إِنِّىَ أُبْدِعَ بِى فَاحْمِلِىِ. فَقَالَ:
(( مَا عِنَّدِى)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَدُلُهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَُّ:
(مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ فَاعِلِهِ)).
( ... ) وَحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدِ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةً. ح وَحَدَّثَنِّى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدََّا عَبْدُ الرَّزَاقِ،
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، كُلُهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ ، بِهَذَ الإِسْنَادِ .
١٣٤ - (١٨٩٤) وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا عَفَّنُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلِمَةَ،
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ - وَاللفْظُ لُهُ - حَدَّثَنَا بَهْزٌ،
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلِمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ فَتَّى مِنْ أَسْلِمَ قَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِنِّى أُرِيدُ الغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِى مَا أَنَجَهَّزُ. قَالَ: (( اثْتَ فُلانًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ.
قوله: ((إنى بُدِّعَ بى فاحملنى)): كذا / رويناه عن جميعهم، وفى بعض النسخ: ((أبدع))
١/١١٧
بالألف، وهو الصواب، ومعروف اللغة، وكذا رواه أبو داود وسعيد بن منصور فى مصنفيهما.
قال الإمام : أى أهلك فرسى ، يقال للرجل إذا كَلَّت ركابه أو عَطِبت، وبقى مقطوعا
به: قد بدُّعَ به .
قال القاضى : قدمنا أن صوابه: ((أبدع))، وكذا قال هذا الحرف جميع أهل اللغة
وفسروه بما تقدم ، واختصاصه هنا بالفرس لا وجه له ، والأشبه أنه فى غيره ؛ لأنهم إنما
كانوا يطلبون من النبى معَّه الحملان من الإبل وأما الخيل فلا، قال الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى
الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ الآية (١).
(١) التوبة : ٩٢ .

٣١٧
كتاب الإمارة / باب فضل إعانة الغازى فى سبيل الله ... إلخ
فَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يُقْرِتُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ : أَعْطِنِى الذى تَجَهَّزْتَ به . قَالَ : يَا
فُلانَةُ، أَعْطيه الذى تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلَا تَحْبِسِى عَنْهُ شَيْئًا. فَوَاللهِ، لا تَحْبِسِى مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارِكَ
لك فيه .
٠٠
١٣٥ - (١٨٩٥) وَحَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ وَأَبُو الطَّاهر - قَالَ أَبُو الطَّاهر: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ . وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبَ - أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ
ابْنِ الأَشَجُّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيِّدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِىٌّ، عَنْ رَسُولِ اللهَ، أَنَّهُ قَالَ:
((مَنْ جَهَّزَ غَازِيَا فِى سَبِيلِ اللّه فَقَدْ غَزَا، وَمَنَّ خَلَقَّهُ فِى أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» .
١٣٦ - ( ... ) حَدَّثْنَا أَبُو الرَّبِعِ الزَّهْرَانِىُ، حَدَّثَنَا بَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَبِعٍ - حَدَّثَنَا
حُسَيْنٌ الْمُعَلِمُ ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ أَبِى كَثِيرِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ زَيّدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِىُّ، قَالَ: قَالَ نَبِىُّالهِ تَّةٍ:((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَاً،
وَمَنْ خَلْفَ غَازِيًا فِى أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَّاً » .
١٣٧ - (١٨٩٦) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلِيَّةَ، عَنْ عَلِىٌّ بْنِ
المُبَارَك، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرِ، حَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ، مَوْلِى الَهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيد
الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الهِلَّهُ بَعَثَ بُّعْنَا إِلَى بَنِى لِحْيَانَ، مِنْ هُذَيِّلٍ. فَقَالَ: ((لِيَنَبَمِثْ مِنَّ
كُلِّرَجُلِيْنٍ أَحَدُهُمَا، وَاَلأَجْرُ بَيْنَهُمَا )) .
وقوله: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) مثل قوله: ((من جهز غازياً فقد غزا»:
أى له أجر فعل الخير ، وأجر الغزو ، وإن لم يلحق بجميع تضعيف أجر معطى الخير ،
وأجر الغازى ؛ لأنه يجتمع فى تلك الأشياء أفعال أُخر وأعمال من البر كثيرة ، ولا يلحق
بها الدال الذى ليس عنده إلا بمجرد النية فى الحسنة ، ويموت المسلم بما فعل. وقد بين فى
هذا الحديث الآخر بقوله: (( فله أجر نصف أجر الخارج )) أو لأن الخارج بجهاز هذا ليس
له الأجر فى إخراج المال أيضاً ، وإنما أجره فى الجهاد والخروج ؛ ولهذا أجر إخراج المال
فيه بمثل نصف أجر من خرج مجاهداً بنفسه وماله ، وكذلك مجهز الغازى وخالفه فى عياله
بالخير الذى ليس له إلا حسن عونه ، وبذل ماله فى جهازه ، والقيام بمن خلفه ، وكذلك
المعونة فى جميع أعمال البر ، وبعكسه المعونة فى السياق كما جاء فى الحديث المشهور :
بعث إلى بنى لحيان بن هذيل، فقال: (( لينبعث من كل رجلين أحدهما ، والأجر
بينهما))، يعنى بعث لغزو بنى لحيان وهم كفار ، وقال للذين بعثهم هذا الكلام ، أى

٣١٨
كتاب الإمارة / باب فضل إعانة الغازى فى سبيل الله ... إلخ
( .. ) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَد - يَعْنِى ابْنَ عَبْد الوَارِث - قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثَّ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنْ يَحْتَى، حَدَّثَنَى أَبُو سَعِيدٍ - مَوْلِىَ الَّهْرِىِّ -
حَدَّثَنِى أَبُوَ سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ بَعْنًا. بِمَعْنَهُ.
( .. ) وَحَدَّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ، أَخْبَنَا عُبَيْدُ اللهِ - يَعْنِى ابْنَ مُوسَى - عَنْ شَانَ،
عَنْ يَحْبَى ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلُهُ .
١٣٨ - ( .. ) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى عَمْرُو
ابْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، مَوْلِى الْمُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ بَعَثَ إِلىَ بَنِّى لَخَانُ: ((لِيَخْرُجَ مِنْ كُلِّ رَجَلَّنِ
رَجُلَّ))، ثُمَّ قَالَ لِلقَاعِدِ: ((أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِى أَهْلِهِ وَمَلِهِ بِخَيْرٍ ، كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفٍ
أجر الخَارِجِ)).
ليخرج من كل جماعة نصفها من العدد والأجر بينهما ؛ لأن الباقى يعين من الخارج بما
يحتاج إليه ، وبخلافه من يتخلفه فى القيام عليه ، كما فسره فى آخر الحديث ، وكما ذكر
فى الحديث الآخر من ضد ذلك فى خلافته له فيهم بشر وخيانة. وبنو لحيان بفتح اللام
وكسرها. وأبو سعيد مولى المهرى .
وقوله : (( أعطيه الذى تجهزت به ولا تحبسى عنه شيئا ، فوالله لا تحبسى منه شيئاً
فيبارك لك فيه)): إما لأنه كان أخرجه لله ليتجهز به، كما قال فى الحديث: ((فمنعه
المرض)) أو لأمر النبى عَّه له فى الحديث يرفعه إليه وترغيبه فى ذلك.

٣١٩
كتاب الإمارة / باب حرمة نساء المجاهدين ... إلخ
(٣٩) باب حرمة نساء المجاهدين ، وإثم من خانهم فیھن
١٣٩ - (١٨٩٧) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَةً، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلَقَمَةً
ابْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلْيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: (( حُرْمَةُ نسَاءُ
الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ، كَحُرْمَةٍ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُل مَنَ القَاعِدِينَ يَخْلِفُ رَجُلاً منَ
المُجَاهِدِينَ فِى أَهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلا وُقِفَ لَهُ يَرْمَ القِيَامَةَ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا
ظُّكُمْ؟)).
( ... ) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثْنَا يَحْنَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثْنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلَقَمَةَ بْنِ
مَرْغَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيّدَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَّ: قَالَ - يَعْنِى النَّبِىَّ ◌َّهُ - بِمَعْنَى حَدِيثِ الثَّوْرِىِّ.
١٤٠ - ( ... ) وَحَدَّثْنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَعْنَبٍ، عَنْ عَلَقَمَةَ بْنِ
مَرْثَدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: ((فَقَالَ: فَخُذْ مِنْ حَسَنَّاتِهِ مَا شِئْتَ)). فَالتَفَتَ إليْنَا رَسُولُ اللهِعَّهُ
فَقَالَ : ((فَمَا ظَنَّكُمْ؟ )).
قوله فى الذى يخون المجاهد فى أهله : أنه يأخذ من حسناته يوم القيامة ما شاء فما
ظنكم ؟ يعنى لما ترون فى رغبته فى أخذ حسناته والاستكثار منها فى ذلك المقام ، أى أنه
لا یبقی له شيئاً منها إن أمكنه ذلك وأبيح له .

٣٢٠
كتاب الإمارة / باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين
(٤٠) باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين
١٤١ - (١٨٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشَّارِ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى -
قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ يَقُولُ فِى
هَذه الآيَةِ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾(١) فَأَمَرَ رَسُولُ
الله عَُّ زَيّدًا فَجَاءَ بِكَتِفِ يَكْتُهَا، فَشَكَا إِلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ ، فَنَزلتْ: ﴿لا يَسْتَوِي
الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ غَيْرٌ أَوْلِي الضَّرَرِ﴾ .
قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِى سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ زَيّدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فِى هَذِهِ الآيَةِ :
﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بِمِثْلِ حَدِيثِ البَرَاءِ . وَقَالَ ابْنُ بَشَّارِ فِى رِوَايَتِهِ :
سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ زَّيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .
١٤٢ _ ( ... ) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثْنَا ابْنُ بِشْرِ عَنْ مِسْعَرِ، حَدَّثْنِى أَبُو إِسْحَقَ عَنِ
البَرَاءِ، قَالَ: لَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلمَّهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَنَزَلَتْ:
﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ .
وحديث ابن أم مكتوم وأمر النبى عليه بكتاب الآية فى الكتف : فيه جواز كتب القرآن
فى الألواح والأكتاف ، ودليل على طهارة عظام ما ذكى مما يؤكل لحمه أو ذكى لأخذ
عظامه. وقد يُستدل به على طهارة العظم وعلى استعمال عظام الفيل جملة ، إذ لم يرد
١١٧ / ب اختصاصهم بما كانوا / يكتبون فيه من أكتاف الإبل ما ذكى مما لم يذك ، ولا ما أخذ قبل
الإسلام أو بعده، وقد اختلف الناس فى هذا الباب ، وتقدم منه .
وقوله: ((فنزلت ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ ﴾)» فى الآية دليل على أن الأجور على قدر الأعمال،
وأن الذى لا يجاهد ليس له ثواب المجاهد، إلا من منعه عذر فله بقدر نيته، كما قال: ﴿غَيْرُ
أُوْلِي الصَّرَرِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةٌ ﴾
يعنى القاعدين من أولى الضرر ﴿ وَفَضِّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(٢) يعنى
من غير أولى الضرر الذين ذكر أنهم لا يستوون معهم. وفيه رد على المعتزلة لتسويتهم
(١، ٢) النساء : ٩٥ .