النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب الجهاد / باب إجلاء اليهود من الحجاز
(٢٠) باب إجلاء اليهود من الحجاز
٦١ - (١٧٦٥) حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيد بْنِ أَبِى سَعيد، عَنْ
أبيه، عَنْ أَبِى هُرَيّرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمسْجِد، إذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِعَه فَقَالَ:
((انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ))، فَخَرَجْنَا مَعَهُ ، حَتَّى جِئْنَاهُمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِعَّهِ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: ((يَا
مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا))، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ ، يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ
تَجُ: ((ذَلَكَ أُريدُ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا»، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولَ
الله عَُّ: ((ذَلَكَ أُريدُ ))، فَقَالَ لَهُمْ الثّالثَةَ. فَقَالَ: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ للهِ وَرَسُوله،
وَأَتَّى أُرِيدُ أَنْ أَجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْبِعُهُ، وَإِلَا فَاعْلَّمَّوا
أَنَّ الأَرْضَ للهِ وَرَسُولِهِ )) .
٦٢ - (١٧٦٦) وحدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ - قَالَ ابْنُ رَافِع:
حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا عَبّدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوَّسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ يَهُودَ بَنِى النَّصِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللهِ عَّهِ، فَأَجْلَى رَسُولُ
اللهِ عَُّ بَنِى النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ فُرَيَظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيَّظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ . فَقَتَلَ
وقول النبي ◌َّي لليهود: ((أسلموا تسلموا))، فقالوا: قد بلغت، قال: ((ذلك أريد)):
أن تشهدوا على أنفسكم أنى بلغتكم . وفيه تجنيس الألفاظ وهو من أبواب البديع وخصائص
البلاغة . وإجلاء النبى ◌َّ اليهود من المدينة ، وإجلاء عمر - رضى الله عنه - لهم من
جزيرة العرب، وما ذكره مسلم من الأحاديث فى ذلك تقدم الكلام عليه فى الوصايا .
وقوله: ((فإن الأرض لله ورسوله)»: أى ملكها والحكم فيها .
وفيه: (( وأقر قريظة ومنَّ عليهم ، حتى حاربت ، فقتل رجالهم وسبى نساءهم
وأولادهم وأموالهم )) : فيه أن المعاهد والذمى إذا نقض العهد كان حكمه حكم المحارب ،
وأن للإمام محاربتهم . ولا خلاف فيم إذا حاربوا أو أعانوا أهل الحرب وله أن يبتديهم
بالحرب إذا صح عنده نقض عهده ، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَانِبِذْ إِلَيْهِمْ
عَلَى سَوَاءِ﴾ الآية(١). قال أبو عبيد: أى توقعت لهم خيانة أو غدرا أو غشاً أو نحو ذلك.
(١) الأنفال : ٥٨ .
i-

١٠٢
-
کتاب الجهاد / باب إجلاء اليهود من الحجاز
رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا
بِرَسُولِ اللهِ عَّهِ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللهِعَّهُ يَهُودَ الَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِى قَتُقَاعَ -
وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ - وَهُودَ بَنِى حَارِثَةَ، وَكُلّ ◌َهُودِىِّ كَانَ بِالَِّنَةِ .
( ... ) وحدَّثَنِى أَبُو الطَّهرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَقْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ،
عَنْ مُوسَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، هَذَا الحَدِيثَ. وَحَدِيثُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَكْثَرُ وَأَنَمَّ .
قال الأوزاعى: وكذلك إذا أطلعوا أهل الحرب على عورة المسلمين أو عيونهم . وليس هذا
نقضاً عند الشافعى .

١٠٣
كتاب الجهاد / باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
(٢١) باب إخراج اليهود والنصارى
من جزيرة العرب (١)
٦٣ - (١٧٦٧) وحدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا الضَّحَاكُ بْنُ مَخْلَد ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجٍ حِ وَحَدَثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا أَبْنُ جُرَيَّجٍ،
أَخْبَرَنِى أَبُو الزََّيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: أَخْبَرَنَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ سَمِّعَ
رَسُولَ اللهِ عَ يَقُولُ: ((لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلا
مُسْلِمًا)).
( .. ) وحدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ. ح
وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَّسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ الله -
كلاهُمَا عَنْ أَبِى الزَّبَيْرِ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ.
(١) ترك الإمام والقاضى هذا الباب بغير تعليق .

١٠٤
كتاب الجهاد / باب جواز قتال من نقض العهد ... إلخ
(٢٢) باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال
أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم
٦٤ - (١٧٦٨) وحدَّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار -
وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ أَبُو بَكْر : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا مُحِّمَّدُ
ابْنُ جَعْفَر. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ - عَنَّ سَعْدِ بْنِ إِيْرَاهِيمَ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ
حُنَيْف قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعيد الْخُدْرِىَّ قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمٍ سَعْدِ بْنِ مُعَاذْ،
فَأَرْسَلِّ رَسُولُ اللهِ عَّهِ إِلَى سَّعْدَ، فَأَنَاهُ عَلَى حِمَارِ، فَلَمَّْ دَنَا قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ، قَالَّ رَسُوَّلُ
وقوله: (( نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ)»: فيه جواز التحكيم فى أمور
المسلمين العظام ، ولم يخالف فى التحكيم إلا الخوارج . والنزول على حكم الإمام وحكم
غيره جائز ، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم ، فإذا حكم لم يكن للعدو الرجوع ، ولهم أن
٧٧ / أ يستقلوا من حكم رجل قبل حكمه إلى غيره . وهذا / كله إذا كان الحكم ممن يجوز تحكمه
من أهل السعة والعلم والديانة ، فإذا حكم لم يكن للمسلمين ولا للإمام المجيب لتحكيمه
نقض حكمه . وهذا إذا حكم بما هو نظر للمسلمين من قتل أو سبى أو إقرار على الجزية أو
إجلاء ، فإن حكم بغير هذا من الوجوه التى لا تتيحها الشريعة لم ينفذ حكمه ، لاعلى
المسلمين ولاعلى العدو .
وقوله فأرسل النبى ◌ّي إلى سعد بن معاذ ، فأتاه على حمار ، فلما دنا قريباً من
المسجد قال النبى معَّهُ: ((قوموا إلى سيدكم)): قال بعضهم: انظر قوله: ((من المسجد))
وكذا جاء فى حديث شعبة فى مسلم والبخارى (١) ، وأراه وهماً ، فإن كان أراد مسجد
النبى معَّ فقد جاء سعد بن معاذ وفيه كان ، على ما سيأتى تفسيره فى الحديث الآخر ،
والنبى عَّي إنما كان - وحين وجه إليه - نازلاً على بنى قريظة، ومنها وجه فى سعد ليأتيه ،
إلا أن يريد مسجداً اختصه النبى عَّه هناك كان يصلى فيه مدة مقامه، قال: والصحيح
ماجاء فى غير كتاب مسلم: (( فلما دنا من رسول الله عَّه ، أو فلما أطلع على رسول الله
عَّ)) كذا جاء فى كتاب أبى داود وابن أبى شيبة (٢) ، فيحتمل أن المسجد تصحيف من
(١) البخارى، ك المغازى، ب مرجع النبى عََّّ من الأحزاب ٥ / ١٤٣.
(٢) أبو داود، ك الأداب، ب ما جاء فى القيام ٢ / ٦٤٥، ابن أبى شيبة، ك المغازى، ب ما حفظت فى
بنى قريظة ١٤ / ٤٢٥ .

١٠٥
كتاب الجهاد / باب جواز قتال من نقض العهد ... إلخ
الله ◌َّ لِلأَنْصَارِ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)) أَوْ (خَيْرِكُمْ)). ثُمَّ قَالَ: ((إنَّ هَؤُلاء نَزَلُوا عَلَى
حَّكْمِكَ )). قَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتَتَهُمْ، وَتَسْبِى ذُرِّيَتُهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِىُّ عَّهُ: (( قَضَيْتَ
بِحُكْمَ اللهِ)) وَرَبَّمَا قَالَ: ((فَضَيْتَ بِحُكْمَ الَلِكِ)) ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمَنَّى: وَرَّمَا قَالَ:
((قَضَيْتَ بِحُكْمِ المَلِكَ)» .
( ... ) وحدَّثْنا زُهَيْرَ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ بَهَذَا
الإِسْنَاد، وَقَالَ فى حَديثه: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله )) . وَقَالَ
مَرَّةَ : ((لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ » .
٦٥ - (١٧٦٩) وحدَّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ الهَمْدَانِىَّ،
كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ نُمَيٍّ. قَالَ ابْنُ العَلَاءِ: حَدَّثًا ابْنُ نُّمَيْرٍ، حَدَثْنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
لفظة النبى عليه، وأن صوابه: ((فلما دنا من النبى عَّ)) كما جاء فى الحديث الآخر فى
الأصول: ((فلما دنا من رسول الله علي)).
وفى قوله : (( قوموا لسيدكم)) : فيه ما يلزم من إكبار عظيم القوم وأهل الخير وتلقيه،
والقيام له إذا أقبل ، وأن هذا القيام ليس المنهى عنه عند أكثر العلماء ومحققيهم ، وإنما
القيام المنهى عنه أن يقام عليه [وهو جالس ] (١) قياماً طول جلوسه . ويدل على صحة هذا
التأويل قيام النبى ﴾ لتلقى غير واحد، وقوله حين نهاهم عن القيام عليه إذا صلى جالساً،
وذكر لهم أنه فعل فارس والروم لملوكها . ويبينه قول عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه -
للناس : إن تقوموا نقم ، وإن تقعدوا نقعد . فقد بين أن القيام الذى كره إنما هو إذا كانوا
قياماً على رأس الجالس . وقد تأول الحديث بعض من يمنع القيام جملة أنه إنما أمرهم
بالقيام لينزلوه عن الحمار لمرضه الذى به . وقد اختلف تأويل الصحابة من عَنِىَ النبى معَّ
بذلك ؟ هل الأنصار خاصة ؟ أم جميع من حضر من المهاجرين معهم ؟
وقوله تعّ: ((لقد قضيت فيهم بحكم الملك)): كذا رويناه فى هذا الكتاب بغير
خلاف ، وقد ضبطه بعضهم فى كتاب البخارى (٢) بالوجهين ؛ فتح اللام وكسرها .
فالمعنى - والله أعلم - بالملك: اللهُ تعالى. والملك بفتح اللام - إن صحت هذه الرواية -
جبريل، والرواية الأولى أصح لقوله فى الحديث الآخر: (( بحكم الله)).
(١) فى الأصل : ويمثلوا ، والمثبت من س ..
(٢) البخارى، ك المغازى، ب مرجع النبى عليه من الأحزاب ٥ / ١٤٣.

١٠٦
كتاب الجهاد / باب جواز قتال من نقض العهد ... إلخ
قَالَتْ: أُصيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْش - يُقَالُ لَهُ: ابْنُ العَرَقَةِ - رَمَاهُ
فِى الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عَُّ خَيْمَةً فى الَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمَّا رَجَعَ
رَسُولُ الله ◌َِّ مِنَ الخَنْدَقَ وَضَعَ السَّلَاحَ، فَاغْتَسَّلَ ، فَأَنَهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ
الغُبَارِ . فَقَالَ: وَضَعْتَ السَّلاَحَ؟ وَهِ، مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِعَ:
(فَأَيْنَ؟))، فَأَشَارَ إِلَى بَنِى قُرَيّظَةَ، فَقَاتَلُهُمْ رَسُولُ اللهِ عَّهِ، فَتَزَُّوا عَلَى حُكْمٍ رَسُولِ اللهِ
◌َُّ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ عَّهِ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ. قَالَ: فَإِنِّى أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتَلَةُ ،
وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ.
قال الإمام: ووقع فى حديث [ مصاب] (١) سعد [ يوم الخندق] (٢): أن الذى
رماه رجل من قريش ابن العرقة ، بالعين المهملة وكسر الراء ، بالقاف . قال أبو عبيد :
هى أمه . قال ابن الكلبى : اسم هذا الرجل حِبّان ، بكسر الحاء ، ابن أبى قيس بن علقمة
٧٧ / ب ابن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب / ، قال:
واسم العرقة : قلابة ، بكسر القاف وبالباء المنقوطة بواحدة ، بنت سعيد بن سهم بن عمرة
ابن هُصيص (٣) . وهى أم عبد مناف بن الحارث . قال : سميت بالعرقة لطيب ريحها .
قال : والعرقة تكنى أم فاطمة .
قال القاضى: كذا قال ابن الكلبى فى اسم ابن العرقة: (( حبان)»، وكذا ذكره ابن
إسحق ، إلا أنه قال ابن قيس . وكذا قال هشام بن عروة فى ابن حبان ، وكذا ضبطه
الدار قطنى وغيره - من أصحاب الضبط والإتقان - بكسر الحاء . وذكر ابن عقبة أن اسم
ابن العرقة : جبار بن قيس ، أحد بنى العرقة . وخالف أبو عبيد بن الكلبى فيما تقدم ،
فقال : إن العرقة هى حبان ، وخالف الواقدى فى ضبط اسمها فقال : إنما هى العرقة ،
بفتح الراء . وقال : أهل مكة يقولون ذلك .
قال القاضى : وأكثر الناس على ما تقدم . وكذلك ضبطناها عن شيوخنا فى الصحيح
والسير . واختلف فى اسم أبيها ، فقيل : سعيد ، كما تقدم . وقيل : سعد ، وأن كحل
عرق معروف. قال الخليل : إذا انقطع فى اليد لم يرقأ الدم وهو عرق الحياة فى كل عضو .
وقوله فى الحديث الآخر: ((فنزلوا على حكم رسول الله عَّه، فرد رسول الله عزَّه
الحكم فيهم إلى سعد )) يجمع بينه وبين الأول أنهم رضوا بذلك ، فنسب الحكم إلى سعد.
وقيل : بل كانوا هم رغبوا أن يرد حكمهم إلى سعد ، والأشهر أن الأوس رغبوا لرسول
الله ◌َ فى العفو عنهم ؛ لأنهم كانوا مواليهم ، وسألوه أن يفعل بهم ما فعل فى بنى
(١) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ع .
(٣) فى الأصل: معيص ، والمثبت من ع .
(٢) سقط من الأصل ، والمثبت من ع .

١٠٧
كتاب الجهاد / باب جواز قتال من نقض العهد ... إلخ
٦٦ - ( .. ) وحدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : قَالَ أَبِى:
فَأُخْبِرَتُ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ قَالَ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله عَزَّ وَجَلَّ)) .
٦٧ - ( ... ) حدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ ، أَخْبَرِنِى أَبِى، عَنْ
عَائشَةَ؛ أَنَّ سَعْدًا قَالَ، وَتَحَجَّرَ كَلِمُهُ لِلْبُرْءِ، فَقَالَ: اللَّهُمْ، إِنَّكَ تَعْلَّمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ
إِلَىَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ، مِنْ قَوْمٍ كَذِّبُوا رَسُولَكَ عَّهِ وَأَخْرَ جُوهُ . اللَّهُمَّ، فَإِنْ كَانَ بَقِىَ مِنْ
حَرْبٍ قُرَيْش شَىْءٌ فَأَبْقِنِى أُجَّاهِدْهُمْ فِيكَ. اللَّهُمَّ ، فَإِنِّى أَظنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الحَرْبَ
بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرَبَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ فَفْجُرْهَا، وَاجْعَلْ مَوْنِى فِيهَا .
فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَّتِهِ، فَلَمْ يَرْعُهُمْ - وَفِى الَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِى غِفَارٍ - إِلا وَالدَّمُ يَسِيلُ
إلَيْهِمْ . فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِ يَأْتِثَ مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعَّدٌ جُّرْحُهُ يَغْذُّدَمَا،
فَمَاتَ مِنْهَا .
قينقاع من العفو عنهم ، حين سأله فيهم عبد الله بن أبى بن سلول الخزرجى ، وكانوا
أولئك حلفاء الخزرج ، فقال لهم النبى معَة: ((أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم)) -
يعنى من الأوس - يرضيهم بذلك ، فرد حكمهم إلى سعد بن معاذ الأوسى ، فرضوا
بذلك .
وقوله: ((وتحجر كلمه للبرء))، قال الإمام : الكلم : الجرح ، وتحجر قيل : يبس .
قال القاضى : فى تمنى سعد انفجار جرحه ، وأن يكون موته من ذلك ، ليس من
تمنى الموت للضر المنهى عنه والدعاء به ، وإنما هو من تمنى الشهادة ؛ لأنه لما كان جرحه فى
سبيل الله تمنى موته منه ، ودعا بذلك لتتم شهادته ويموت عليها .
وقوله: ((فانفجرت من لبته )) : كذا روايتنا عن الأسدى ، وروايتنا عن الصدفى :
(من ليته))، وعند الخشنى من طريق الباجى: ((من ليلته))، قالوا : وهو الصواب، كما
جاء فى الحديث الآخر . واللبة : المنحر ، والليت : صفحة العنق .
وقوله : ((فإذا جرحه يغذ دما )) : كذا رويناه بكسر الغين عن كافتهم ، وعند ابن
ماهان: ((يصب))، وعند بعضهم: ((يغذ دماً)) كلُّ صحيح ، وهو بمعنى يصب فى
الرواية الأخرى. ومعنى ((يغذ)) : أى يدوم سيلانه . يقال : غذ الجرح يغذ : إذا لم
يرق، وغدا يغدو، كما قال فى الحديث الآخر: ((فما زال يسيل حتى مات)).
وقوله فى الشعر :

كتاب الجهاد / باب جواز قتال من نقض العهد ... إلخ
١٠٨ -
٦٨ - ( .. ) وحدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الكُوفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبّدَةُ، عَنْ هِشَامِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَانْفَجَرَ مِنْ لَيْلَتِهِ . فَمَا زَلَ يَسيلُ حَتَّى مَاتَ . وَزَادَ فِى
الحَدِيثَ قَالَ : فَذَكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
فمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّصِيرُ
أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِى مُعَاذ
غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَُّورُ
لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِى مُعَاذ
وَقَدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لا شَىْءَ فِيهَا
أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلا تَسِيرُوا
وَقَدْ قَالَ الكَرِيمُ أَبُو حُبَابِ
كَمَا ثَقُلَتْ بِمَّيْطَانُ الصَّخُورُ
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتَهِمْ ثِقَالاً
ألا يا سعد سعد بنى معاذ
فما فعلت قريظة والنضير
وقوله كذا الرواية فى الأم عند كافة شيوخنا ، وصواب الشعر ووجهه : لمافعلت .
وكذا رويناه فى السير ، ورواه بعضهم فى مسلم .
وقوله :
ترکتم قدرکم لاشىء فيها
وقدر القوم حامية تفور
ضرب مثلاً لعزة الجانب وعدم الناصر ومن يغضب لكى يقال للمستثير الغضب :
تأبر. يريد بقوله: ((تركتم قدركم)) الأوس؛ لقتل حلفائهم من قريظة. ((وقدر القوم))
٧٨ / أ حامية. / ((تفور)): يعنى الخزرج؛ لشفاعتها فى حلفائها بنى قينقاع، حتى من عليهم
النبى ◌ّ﴾ وتركهم لعبد الله بن أبى ، وهو أبو حباب المذكور فى الشعر .
وقوله :
كما ثقلت بميطان الصخور
وكذا ضبطناه عن رواية الفارسى والسجزى بالميم المفتوحة بعدها باء باثنتين تحتها ،
وكذا ذكرها أبو عبيد البكرى فى المعجم ، إلا أنه ضبطه بكسر الميم ، قال : وهو من بلاد
مزينة من أرض الحجاز، ووقع فى رواية العذرى: ((بميطار )) بالراء مكان النون ، وفى
رواية ابن ماهان: (( يحيطان)) بالحاء مكان الميم ، والصواب ماتقدم . وقال هذا الشعر إنما
قاله يحرض سعدا على استبقاء بنى قريظة حلفائه ، ويلومه على حكمه فيهم ، ويذكره بفعل
أبى حباب عبد الله بن أبي بن سلول وشفاعته فى حلفائه بنى قينقاع ، ويمدحه بذلك .

١٠٩
كتاب الجهاد / باب المبادرة بالغزو ... إلخ
(٢٣) باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين
٦٩ - (١٧٧٠) وحدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّد بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيّرِيَةُ بْنُ
أَسْمَاءَ ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْد الله، قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللهِ عَّهُ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ:
((أَلَّ يُصَلِيَنَّ أَحَدُ الظُّهْرَ إلا فى بَنِى قُرَيْظَةَ)) ، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الوَقْتِ ، فَصَلَّوا دُونَ بَنِى
قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّى إِلا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِعَّةٍ، وَإِنْ فَاتَنَا الوَقْتُ. قَالَ:
فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ .
وقوله تعَّه حين انصرف من الأحزاب: (( لا يصلين أحد الظهر (١) إلا فى بنى قريظة))،
فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بنى قريظة ، وقال آخرون : لانصلى إلا حيث أمرنا
رسول الله عَُّ [وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنَّف] (٢) واحداً من الفريقين، قال الإمام:
هذا فيه دلالة على أن الإثم موضوع فى مسائل الفروع ، وأن كل مجتهدٍ غير ملوم فيما أدّاه
اجتهاده [ إليه ] (٣) بخلاف مسائل الأصول ، وكأن (٤) هؤلاء لما تعارضت عندهم الأدلة
فالأمر بالصلاة لوقتها يوجب تعجيلها قبل وصول [ بنى ] (٥) قريظة ، والأمر بألا يصلى
إلا فى [ بنى ] (٦) قريظة يوجب التأخير وإن فات الوقت . فأى الظاهرين يقدم وأى
العمومين يستعمل ؟ هذا موضع الإشكال ، وللنظر فيه مجال .
(١) قلت: هكذا فى جميع النسخ عند مسلم ، أما فى البخاری فی جمیع نسخه: (( العصر )، قال ابن حجر:
وقد اتفق أصحاب المغازى على أنها العصر ، كموسى بن عقبة ومحمد بن إسحق وغيرهما ، وكذا عند
البيهقى فى الدلائل والطبرانى أنها العصر ، قال ابن حجر : ووقع فى مستخرج أبى نعيم على صحيح
مسلم وهو مخطوطة لم تظهر بعد - يسر الله من يطبعها قريباً - أنها العصر .
قال ابن حجر : جمع بعض العلماء بين الصحيحين فقال : احتمال أن تكون طائفة راحت بعد طائفة ،
فقيل للأولى : الظهر ، والتى بعدها : العصر . وقال : احتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى
الظهر، وبعضهم لم يصله. فقيل لمن لم يصلها: (( لا يصلين أحد الظهر)) ولمن صلاها: (( لا يصلين أحد
العصر)).
قال ابن حجر: وكلاهما جمع لا بأس به ، لكن يبعده اتحاد مخرج الحديث ؛ لأنه عند الشيخين
بإسناد واحد .
انظر: الفتح بتصرف ٧ / ٤٧٢ .
(٢) سقط من الأصل ، والمثبت من س والمطبوع .
(٣) ساقطة من س .
(٤) فى الأصل : فكأن، والمثبت من ع .
(٦،٥) ساقطتا من الأصل، والمثبت من ع .

١١٠ -
كتاب الجهاد / باب المبادرة بالغزو ... إلخ
قال القاضى : مفهوم مراد النبى معَّه الاستعجال إلى بنى قريظة دون التوانى ، لا
قصد تأخير الصلاة نفسها . فمن أخذ بالمفهوم صلى حين خاف فوات الوقت، ومن
[أخذ] (١) بظاهر اللفظ أخر ، ففيه حجة للقائلين بالظاهر وللقائلين بالمفهوم.
(١) ساقطة من الأصل، والمثبت من س .

١١١
كتاب الجهاد / باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم ... إلخ
(٢٤) باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من
الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح
٧٠ - (١٧٧١) وحدَّثَنِى أَبُو الطَّاهر وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى
يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ : لَمَّ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ - مَنْ مَكَّةَ -
الَدينَةَ، قَدِمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَىْءٌ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالعَقَارِ ، فَقَاسَمُهُمُ
الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطُوَهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارِ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُونَهُمُ العَمَّلَ وَالَؤُونَةَ .
وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنٍ مَالِكِ، وَهِىَ تُدْعَى أَمَّ سُلَّمٍ، وَكَانَتَّ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلِحَةَ، كَانَ
أَخَا لِأَنَس لأُمِّهِ، وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَس رَسُولَ اللهِلَّهُ عِذَاقًا لَهَا، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ الله ◌َِّهُ
أُمَّ أَيْمَنَ، مَوْلاَتَهُ، أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زیّدٍ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ
خَيْيَرَ، وَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِى كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ
ثِمَارِهِمْ. قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ عَّهِ إِلَى أُمَّى عِذَاقَهَا، وَأَغْطَى رَسُولُ اللهِ عَهُ أُمَّأَيْمَنَ
وذكر الحديث فى مواساة الأنصار للمهاجرين . فيه فضيلة الأنصار ، وماكانوا عليه من
الأخلاق الحميدة وكرم النفوس وحب الإسلام وأهله . وأما كفايتهم للعمل والمؤنة على أن
يعطوهم أنصاف ثمار أموالهم ، فأصل فى المساقاة أيضاً ، وليس كل أحد كان معهم بهذا
السبيل ، إنما ذلك لمن لم يرض أخذ ذلك بغير عوض من المهاجرين .
وقوله: ((وكانت أعطت أم أنس رسول الله على عذاقاً)): جمع عَذْقٍ ، وهى النخلة ؛
مثل كلب وكلاب .
وقوله: ((فأعطاها رسول الله ﴾ أم أيمن مولاته)): مما يدل على ماقلناه أنه لم يكن
كلُّ ما واسوا به على المساقاة ؛ إذ لم يأخذه النبى ◌َّ ولا أم أيمن على ذلك ، وإنما كانت
مواساة وإرفاقاً .
وقول أنس: ((فلما فرغ رسول الله ﴾ من خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون
إلى الأنصار منائحهم، ورد رسول الله ﴾ إلى أمى عذاقها)): لأنهم استغنوا بما فتح الله -
تعالى - عليهم من الإجحاف بالأنصار، وكذلك فى الحديث الآخر: (( حتى فتحت عليهم
٠٧٠

١١٢.
كتاب الجهاد / باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم ... إلخ
مکانھُنَّ مِنْ حائطه .
ےے
قَالَ ابْنُ شِهَبٍ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ ، أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيّد ؛ أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لَعَبْد
الله بْن عَبْد المُطَّلب، وَكَانَتْ مِنَ الحَشَةَ. فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ عَّهِ، بَعْدَ مَا تُوُفِّىَ
أَبُوهُ، فَكَانَتْ أَمُّ أَيْمَنَ تَحْضُهُ ، حَتَّى كَرَ رَسُولُ اللهِ عَ، فَأَعْتَقَهَا، ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيِّدَ بْنَ
حَرِثَةَ، ثُمَّتُوْقِيَتْ بَعْدَ مَا تُوفَِّ رَسُولُ اله ◌َّهُ بِخَمْسَةٍ أَشْهٍُ .
٧١ - ( ... ) حدَّثَنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى القَّْسِىُّ ، كُلُّهُمْ عَنِ المُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ الَّمِىُّ، عَنْ أَبِيه ، عَنْ أَنَس ؛ أَنَّ رَجُلاً - وَقَالَ حَامِدٌ وابْنُ عَبْد الأَعْلَى : أَنَّ
الرَّجُلَ - كَانَ يَجْعَلُ لِلنَّبِىِّ ◌َهِ النَّخَلَاتِ مِنْ أَرْضِهِ حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيَظَةُ وَالنَّضِيرُ،
فَجَعَلَ - بَعْدَ ذَلِكَ - يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَعْطَّهُ .
قَالَ أَنَسٌّ: وَإِنَّ أَهْلِى أَمَرُونِى أَنْ آَتِىَ النَّبِىِّ ◌َّهِ، فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطُوهُ أَوْ بَعْضَهُ.
٧٨ / ب قريظة والنضير)) (١). وقد جاء فى الحديث: أن النبى معَ﴾ / قال للأنصار لما فتح الله -
سبحانه - قريظة والنضير: ((إن شئتم قسمتم أموال بنى النضير بينكم [ وبينهم ] (٢)،
وأقمتم على مواساتكم المهاجرين فى ثماركم ، وإن شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم ،
وقطعتم عنهم ماكنتم تعطونهم )) فقالوا : أعطهم دوننا ونقيم على مواساتهم . فأعطاها
النبى # للمهاجرين، ورد الأنصار منائحهم واستغنوا عنها (٣). وليس فى هذا حجة فى
الرجوع فى الهبة ؛ لأنها لم تكن هبة أصول ، إنما كانت هبة منافع وميراث غير مؤبدة
يصح استرجاعها فى كل وقت . والمنائح : العطايا .
كانت أم أيمن وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب من الحبشة ، وذكر تزويجها زيد بن
حارثة . وكذا ذكره الواقدى أنها حبشية ، يبين ماذكرنا أنها كانت سوداء ، وأن لها خرج
(١) كان فتح قريظة عام (٥هـ)، وبنى النضير على وقع ستة أشهر من وقعة بدر. انظر: كتاب المغازى ، ب
حديث بنى النضير فى البخارى .
(٢) ساقطة من الأصل ، والمثبت من الأبى .
(٣) لم نعثر له على ذكر إلا فى الفتح، وعزاه ابن حجر للحاكم فى الإكليل من حديث أم العلاء، قال النبى موجه
للأنصار لما فتح النضير: (( إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علىَّ، وكان المهاجرون على ماهم عليه من
السكنى فى منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا عنه» فاختاروا الثانى. انظر: الفتح ٧ / ٣٨٧ .

-
.. إلخ
كتاب الجهاد / باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم .
١١٣
وَكَانَ نَبِىُّ الله ◌َِّ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ - فَأَيْتُ النَّبِىَّ ◌َّهِ فَأَعْطَانيهنَّ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ
فَجَعَلَت الثَّوْبَ فى عُنْقَى وَقَالَتْ: وَالله، لا نُعْطِيكَاهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ. فَقَالَ نَبِىُّ الهَ عَّهِ:
(يَا أُمَّأَيْمَنَ، اثْرِّكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا)). وَتَقُولُ: كَلا. وَلَّذِى لاَ إِلَّهَ إِلا هُوَ. فَجَعَلَ يَقُولُ
كَذَا حَتَّى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهِ .
أسامة بن زيد ، وأنها على ماذكر بعض المؤرخين كانت من سبى الحبشة أصحاب الفيل
حين هزمهم الله - سبحانه - لكن يبقى من الاعتراض على ماذكرنا أنه لو كان ذلك لم
ينكر الناس شبه ابنها أسامة لها فى الواد . واسمها بركة وتكنى بأم الضياء ، وقد نسبوا
بركة بنت حصن بن ثعلبة بن عمر بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان ،
كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشى (١) - زوجها قبل زيد بن حارثة . والمعروف أن الحبشية
إنما هى بركة أخرى جارية ، كانت لأم حبيبة ، كانت تخدم النبى # أيضا. وقد قال ابن
عبد البر : وأظنها أم أيمن المذكورة ، وقد تقدم من هذا فى باب الضيافة ، وإباءة أم أيمن من
يرد ما كان [ أعطاها ] (٢) من مال أهل أنس، مما أعطوه فى عوضها النبى # عشرة
أمثالها ؛ ظناً منها أنها كانت منحة مؤبدة، وأراد النبى ◌َّه استردادها بدلها ؛ لأنه كان
يبرها ، ولها عليه حق الرضاع والحضانة .
قال الإمام : هذا فيه رد الهبة إن كانوا أعطوها على التأبيد ، وقد ذكرنا الاختلاف فى
المنافع ، هل ينهى عن شرائها كما ينهى عن شراء الرقاب الموهوبة ؟ والظاهر أن أم أنس
أعطت النبى ◌ّ العذاق ملكاً، وقد رده على عليها . وقد كان بعض شيوخنا يقول : إن
كان شراء الهبة بسؤال من الموهوب ورغبة من الواهب والرفق والحض للموهوب فى ذلك فإنه(٣)
خارج عما نهى (٤) عنه، والأنصار لم يطلبوا هاهنا رد الهبة ، وإن كان أنس حكى عنه
مسلم أن أهله أمروه أن يأتى النبى ® فيسأله ماكان أهله أعطوه، قال: فأتيت النبي عَّ
فأعطانيهن . ولعله أعطاه لأنس وليس بواهب ، أو علم منه خفة ذلك عليه ورغبته فيه .
والعذق (٥) ، بفتح العين : النخلة ، وبكسر العين : الكباسة . فلعل عذاقاً جمع عذق
المفتوح العين .
(١) انظر: الاستيعاب ٤ / ١٧٩٣.
(٢) ساقطة من الأصل ، والمثبت من س .
(٣) فى ع : لأنه ، والمثبت من الأصل.
(٤) سبق فى ك الهبة (١٦٢٥) .
(٥) ولا يعرف العذق بالفتح : النخلة ، إلا عند أهل الحجاز ، وهى - أيضا - كل غصن له شعب، وقال
الجوهرى : هى النخلة ، بحملها ، تقول : أعذق الإذخر : إذا أخرج ثمره ، ويقال بمعنى : أظهر ،
وتقول : أعذقت النخلة : قطعت سعفها . انظر : اللسان ، بتصرف .

١١٤
كتاب الجهاد / باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى دار الحرب
(٢٥) باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى دار الحرب
٧٢ - (١٧٧٢) حدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوِخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ -
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هلال عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمِ ، يَوْمَ خَيْبَرَ .
قَالَ : فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لا أُعْطِى اليَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ : فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ الله
◌َّ مُبَّمًا.
[قوله] (١): ((أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطى اليوم منه
أحداً شيئاً))، وفى الرواية الأخرى: ((فيه طعام وشحم)) : الجراب ، بكسر الجيم : المزود .
قال الإمام: هذا لأنه من قليل الطعام الذى يحتاج لأكله بعض أهل الجيش. ومالك -
رضى الله عنه - يبيح للواحد من الجيش أن يأكل قدر ما احتاج إليه من الطعام [ المغنوم] (٢)،
ولا يرى ذلك غلولا (٣).
٧٩ / أ
قال القاضى : أجمع علماء المسلمين على إجازة أكل طعام الحربيين ما دام / المسلمون
فى دار الحرب ، يأخذون منه قدر حاجتهم (٤) . وجمهورهم على جواز ذلك بإذن الإمام
وغير إذنه ، وحكى عن الزهرى أنه لايكون إلا بإذنه ولم يوافق عليه . وقال الشافعى :
لا يأخذ منه إلا بقدر حاجته ، فإن أخذ منه فوقها أدى قيمته فى المقام ، وكذلك إن أخذ ما
لا يضطر إليه فى القوت من الأشربة والأدوية ، وأجاز مالك له أخذ ما فضل وأكله فى
أهله بعد رجوعه . وقال الأوزاعى : وذلك فيما قل منه . وقال سفيان : يرد ذلك للإمام ،
وهو قول أبى حنيفة . واختلف فى ذلك قول الشافعى ، فأجاز له مرة جملة . وجمهورهم
على منعه أن يخرج بشىء منه إلى أرض الإسلام، إذا كان له قيمة ، وحكموا له حكم
الغنيمة . وقال الأوزاعى : ما أخرج من ذلك إلى أرض الإسلام فهو له (٥) .
واختلفوا بعد ذلك فيما يحتاج إليه من غير الطعام من السلاح والدواب والثياب ،
ليقاتل عليه ويركبه فى رجوعه ، ويلبسه مدة مقامه . واختلف فيه قول مالك وأصحابه .
وبإجازته قال الثورى والحسن ، وممن أجاز استعمال ذلك فى وقت الحرب دون غيره
(١) بياض فى الأصل ، والمثبت من ع .
(٢) ساقطة من الأصل ، والمثبت من ع .
(٣) انظر: الموطأ ١ / ٤٥٢، الاستذكار ١٤ / ١١٩، بدائع الصنائع ٧ / ١٢٤.
(٤) هذا كلام أبى عمر. انظر: الاستذكار ١٤ / ١٢٠ .
(٥) انظر : السابق .

١١٥
كتاب الجهاد / باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى دار الحرب
٧٣ - ( ... ) حدَّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ هلال قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اله بْنَ مُغَفَّل يَقُولُ: رُمِىَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ
وَشَخْمٌ ، يَوْمَ خَيَرَ ، فَوَثَبْتُ لَآَخُلَّهُ. قَالَ: قَالَتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ عَ ، فَاسْتَحْنَيْتُ مِنْهُ.
الشافعى والثورى والأوزاعى وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأبو حنيفة وأبو يوسف (١) . وذكر
ابن المنذر والخطابى أن هذا مما لم يختلف فيه أهل العلم ، إلا أن الأوزاعى شرط فى هذا
إذن الإمام (٢). وكذلك فيما قل قدره مما يحتاج إليه كالجلد تقطعه خفافًا ونعلا والإبرة
وشبهها ، فأجازه مالك وغيره ، ونحوه قول ابن حنبل ، ومنع ذلك الشافعى وأصحاب
الرأى جملة . قال الشافعى : وعليه قيمته إنْ تلف وأجرة استعماله ومانقصه الانتفاع . ولم
يختلف فيما بيع من طعام وغيره إذ ثمنه مغنم .
وقوله فى الحديث: ((فرآنى رسول الله علي فاستحييت منه)»: أى لما رآه يحرص
على أخذه، أو لقوله: ((لا أعطى اليوم منه أحداً شيئاً)). وفيه أن الزكاة لا تتبعض ؛ إذ
لو تبعضت لم تكن إلا على مايجوز أكله لهم ويحل ، ولو لم تجز على الشحم ونعمه لما
حل لنا أكله . وفيه جواز أكل شحوم اليهود التى حرمت عليهم ، وهو مذهب مالك وأبى
حنيفة والشافعى وعامة الفقهاء ، إلا أنه مكروه فى المشهور عن مالك ، وهو عند غيره دون
كراهة ، وله نحوه أيضا . وذهب كبراء أصحاب مالك إلى تحريمها ، وحكى ابن المنذر
ومحمد بن مالك نحوه ، وهو مبنى على أن الزكاة تتبعض ، وأنه لا تعمل فيما حرم كما
لا تعمل فى اللحم. ومالك فى المشهور عنه والكافة لم تقم عندهم فيه دلالة على التحريم ،
وقد أحل لنا طعامهم . وجاءت هذه الآثار فى أكل شحومهم فلم يحرم عندهم ، لكن
مالكاً لما كان المباح طعامه وليس الشحم من طعامهم الذى أحل لهم اتقاه .
وفيه جواز أكل ذبائح أهل الكتاب ، وقد أجمع أهل العلم على حلها إذا ذكر اسم الله
عليها (٣) وأكثر العلماء على أن المراد بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (٤) أنها
(١) المغنى ١٣ / ١٣٢، ١٣٦.
(٢) انظر: مختصر سنن أبى داود ٤ / ٣٥، ٣٦.
(٣) الشحم فى الحيوان هو جوهر السمن ، والعرب تسمى سنام البعير شحماً ، وبياض البطن شحماً ، والجمع
شحوم . هذا فى اللغة ، أما عند العلماء فهو الذى يكون فى الجوف من شحم فى الكلى أو غيره . ويقول
البعض : الشحم كل ما يذوب فى النار مما فى الحيوان ، والألفاظ التى ذات صلة بها : الدهن ، وهو
مايدهن به من زيت وغيره ، وهو أعم من الشحم ؛ لأنه يكون من الحيوان والنبات ، والشحم لا يكون إلا
من الحيوان ، وكذلك الدسم وهو الودك ، ويتناول الإلية والسنام وشحم البطن والظهر والدهن ، فهو أعم
من الشحوم . انظر: اللسان ، المغنى ٨ / ٨١٠ .
(٤) المائدة : ٥ .

كتاب الجهاد / باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى دار الحرب
١١٦
( .. ) وحدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ
أَنَُّ قَالَ : جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ . وَلَمْ يَذْكُرُ الطَّعَامَ.
الذبائح ، إلا ماروى عن ابن عمر من كراهتها . قال الداودى عنه قال : وأى شرك أعظم
من قولهم فى المسيح وعزير ، قال : ولعله شك أن تكون الآية منسوخةً ، والمعروف عن
ابن عمر : لا تؤكل ذبائح أهل الكتاب إذا لم يسموا عليها اسم الله - سبحانه - ولم يقل
٧٩ / ب أحد فى الآية : إنها منسوخة، وإنما قيل / : إنها ناسخة لآية الأنعام، قوله: ﴿ولا تَأْكُلُوا
مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) . وقيل : مخصوصة مستثناة منها .
واختلفوا فيما أهلوا به لغير الله من اسم المسيح أو كنائسها وشبهها ، فكرهه مالك
والليث والثورى وأصحاب الرأى والنخعى وحماد وإسحق وأكثرهم ،وروى مثله عن على .
وأباحه عطاء ومجاهد ومكحول والشعبى ، وقالوا : آية المائدة ناسخة لآية الأنعام ، ومستثناة
مخصصة منها ، وقالوا : قد علم الله - تعالى - أنهم يقولون ذلك ، وقاله ابن حبيب ،
وكرهه الشافعى .
واختلف إذا ذبح ولم يسم شيئا ، فمنعه أبو ثور ، وهو مذهب عائشة - رضى الله
عنها - وعلى وابن عمر - رضى الله عنهم . وقال أحمد وإسحق : لابأس به واختلفوا إذا
ذبحوا ما كان لمسلم وغير ملكهم ، فمنعه ربيعة . واختلفوا فيه عن مالك (٢) .
(١) الأنعام : ١٢١ .
(٢) انظر: الطبرى ٩ / ٥٧٥، القرطبى ٦ / ٧٧ .

١١٧
* إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
کتاب الجهاد / باب کتاب النبى
(٢٦) باب كتاب النبى عَّه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
٧٤ - (١٧٧٣) حدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الخَنْظَلِىُّ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنَ رَافِعِ
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَ ابْنُ رَافَعٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا . وَقَالٌ
الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ . قَالَ: انْطَلَقْتُ فِى المُدَّةِ الَّتِىّ
كَانَتْ بَيْنِى وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ. قَالَ : فَبَّنَا أَنَا بِالشَّمَ، إِذَ جِىءَ بِكْتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللهِعَّهُ
إِلَى هِرَقْلَ - يَعْنِى عَظِيمَ الرُّومِ. قَالَ : وَكَانَ دَحْيَةُ الكَلْبِىُّ جَاءَ بِهِ ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظيم
بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ . فَقَالَ هِرَفْلُ: هَلْ هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ
الَّذِى يَزْعُمْ أَنَّهُ نَبِىٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدُعِيتُ فِى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَدَخَلْنَا عَلَى مِرَقْلَ،
فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَِّ. فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نسَبًا مِنَّ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِىٌّ؟ فَقَالَ
حديث [ أبى ] (١) سفيان وهرقل
قول أبى سفيان: ((انطلقت فى المدة التى كانت بينى وبين رسول الله ﴾)): يريد
مصالحته (٢) مع أهل مكة سنة الحديبية عشرة أعوام إلى أن نقضوا عليه ، فكان سبب غزوة
الفتح .
وذكر فى الحديث أن الذى جاء بكتاب رسول الله ◌َّ دحية الكلبى (٣)، قال الإمام:
ويقال بفتح الدال وكسرها . وقال ابن السكيت : هو بالكسر لاغير . وقال أبو حاتم : هو
بالفتح لاغير . قال المطرز : والدحيى الدوساء ، واحدهم دحية .
(١) ساقطة من الأصل ، والمثبت من س.
(٢) فى س : صلحه .
(٣) هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن امرئ القيس بن الخزرج بن ثور بن كلب الكلبى ، صاحب رسول
الله ﴾ ورسوله إلى قيصر ملك الروم عام (٥هـ)، كما قال خليفة بن خياط . وغلطه الذهبى فقال: بل
السادسة بعد الحديبية كما ذكره أبو سفيان فى الحديث الطويل لهرقل ، روى عن النبى فى أبى داود ، وروى
عنه آخرون . وكان جبريل يأتى رسول الله على صورته ، وكان أجمل الناس وجهاً ، شهد المشاهد كلها مع
رسول الله إلا بدراً ، شهد اليرموك ثم سكن دمشق بعد ذلك وصح أن صفية وقعت فى سهم دحية يوم
خيبر فأخذها النبى منه وعوضه بسبعة أرؤس . انظر: طبقات ابن سعد ٤ / ٢٤٩، الاستيعاب ٢ / ٤٦١،
أسد الغابة ٢ / ١٥٨، تهذيب الكمال ٨ / ٤٨١ .

١١٨
كتاب الجهاد / باب كتاب النبى معَّ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
أُبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِى خَلْفِى، ثُمَّ دَعَا
بُتُرْجُمَانِه فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّى سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَِىٌّ، فَإِنْ كَذَّبَنِى
فَكَذْبُوهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأَيْمُ اللهُ، لَوْلا مَخَافَةَ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَىَّ الكَذِبُ لَكَذَّبْتُ. ثُمَّ
قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلُهُ: كَيّفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ : قُلْت: هَوَ فِينَا ذُو حَسَب . قَالَ: فَهَلْ كَانَ
مِنْ آبَائِهِ مَلَكَّ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولِ مَا قَالَ؟ قُلْتُ:
لَا. قَالَ: وَمَنْ يَتَبَعُهُ؟ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ : قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ:
أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا ، بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ ،
بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيه ، سَخْطَةً لَهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لا. قَالَ : فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَال: فَكَيّفَ كَانَ قَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْت: تَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يُصيبُ منَّا وَنُصِيبُ
مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ ؟ قُلْتُ : لا ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِى مُدَّةً، لا نَدْرِى مَا هَوَ صَانِعٌ فِيهَا .
قَالَ: فَوَالله، مَا أَمْكَتَنِى مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ .
قَالَ : فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قَالَ : قُلْتُ: لا. قَالَ لِتَرْجُمَانِه: قُلْ لَهُ : إِنِّى
سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبَهِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيَكُمْ ذُو حَسَب، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى أَحْسَابِ قَوْمِهَا .
قال القاضى: إنما هو هنا اسم لا صفة ، وهو دحية بن خليفة ، معروف . (( وعظيم
بصرى )) بضم الباء : أميرها ، وهى من مدن الشام ، وهى مدينة حروان .
وقول هرقل: (( هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل )) ثم قوله: (( أيكم أقرب نسباً منه)):
دليل على أن قوم الرجل أعلم به وبما يشينه ويلحق به ؛ لقربه منهم .
وقوله: ((فأجلسونى بين يديه وأجلسوا أصحابى خلفى))، وقول هرقل لهم: ((إن
كذب فكذبوه )) . قيل : إنما أجلسهم خلفهم (١) لئلا يستحيوه بالمواجهة إن كذب . وفيه أن
خبر الجماعة أوقع فى النفوس من خبر الواحد ، لاسيما إن كانوا عددًا كثيراً ، فقد يقع
العلم بخبرهم .
وقول أبى سفيان: ((لولا مخافة أن يؤثر عنى الكذب)»: دليل على أن الكذب
مذموم مهجور فى الجاهلية والإسلام (٢).
وقوله : (( كذلك الرسل تبعث فى أحساب قومها )) : دليل على أن الحساب أولاً
(١) فى س : خلفه .
(٢) انظر: الاستذكار ١٤ / ١٨٠ وما بعدها .

١١٩
كتاب الجهاد / باب كتاب النبى معَّه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ فِى آبَائِه مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلكٌ قُلْتُ
رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلَكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلَتَ : بَلْ
بالتقديم فى أمور المسلمين ومهمات الدنيا والدين ؛ ولذلك جعلت الخلافة على قول دهاة
المسلمين ، وصحيح الآثار فى قريش ؛ ولأن ذوى الأحساب أحفظ على تدنيس أحسابهم بما
لا يليق بهم .
وقوله فى الضعفاء : أتباع الرسل دون أشرافهم : لأن الرياسة (١) والشرف يأبى من
انحطاطه لغيره وتسويد غيره عليه برياسة ، وأنفسهم تأنف من الاتباع إلا من هداه الله -
سبحانه - لرشده . والضعفاء ليس عليهم معنى للشيطان من ذلك ، فكانوا أقبل للاتباع
وأطوع للهدى من أولئك ، وأعدم لأسباب الأنفة [ و] (٢) الحسد فى الظهور منهم .
وقوله: (( كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب)» : أصل البشاشة : اللطف
بالرجل وتأنيسه ، يقال: بش ويشش. وهذه الرواية أصح من رواية: (( بشاشة القلوب ».
قال الإمام : الذى استدل به هرقل على نبوته عليه مما لا ينتصب دليلا قاطعا عند
المحققين، وإنما الدليل القاطع على النبوءة المعجزات الخارقة للعادات المعلوم منها المعارضات .
وأما قوله: ((ذو حسب))، وكون أتباعه شرفاء / أو ضعفاء يزيدون أو ينقصون، ٨٠ / أ
وهل الحرب سجال أم لا؟ فليس بأدلة قاطعة على نبوة النبى عليه، كما قلنا. ولعل هرقل
كان عنده أخبار عن كون هذه علامات فى هذا للنبى #، وقد قال فى الحديث: ((وقد
كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم )) .
وكتابته ﴾ إليه فيه دلالة على أن اليسير من القرآن كالآية ونحوها بخلاف حكم
كثيره ؛ لأن القرآن لايسافر به إلى بلد الحرب (٣) والجنب أبيح له منه الآية والآيتان على
جهة التعوذ .
وقوله: ((الحرب سجال)) : أصل المستقيان بالسجل يكون لكل واحد منهما سجل .
والسجل : الدلو الملأى .
وقوله : ((فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)): قال الإمام : ويروى
((اليريسيين)) (٤) بالياء و((الأريسيين)) بالهمزة، وقد اضطرب فى معنى هذه اللفظة
(١) فى الأصل : الدياسة ، وهو تصحيف ، والمثبت من س.
(٢) فى الأصل : فى ، ولا معنى لها .
(٣) الاستذكار ١٤ / ٥٢ وما بعدها .
(٤) رواية حسن الحلوانى ، وعبد بن حميد . قال الخطابي : روى هكذا بالياء جميع روايات البخارى . انظر :
أعلام الحديث للخطابى ١ / ١٣٦ .

كتاب الجهاد / باب كتاب النبى معَّه إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
١٢٠
ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُل. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟
فَزَعَمْتَ أَنْ لا ، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبٍ فَيَكْذِبَ عَلَى
الله. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا،
وَكَذَلَكَ الإِيْمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ . وَسَأَلْتُكَ: هَلَ يَزِيْدُون أَوْ يَنْقِصُونَ؟ فَزَعَمْتَ
اضطرابا كثيرا ، وأمثل ما أحفظ فى ذلك أن المراد به : الأكارون (١) أو الملوك والرؤساء .
قال ابن الأعرابى : أرس الرجل يأرس أرساً صار أريسا ، أى أكاراً ، وآرس يورس مثله وهو
الأريس ، وجمعه الأريسيون ، والإريس وجمعه الأريسون وأرارسة .
قال الإمام : فيكون المعنى على هذا : إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون
لك . ونبه بالأكارين على الرعايا ؛ لأنهم الأغلب فى رعاياه ؛ إذ هم أكثر انقيادا من
غيرهم ، وقد يراد به - أيضا - الملوك والرؤساء فيكون المعنى على هذا التأويل : فإن عليك
إثم الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ويأمرونهم بها ، وهذا يعود إلى قريب
من المعنى الأول .
قال القاضى : يعضد التأويل الأول الذي اختاره أنه قد جاء منصوصا فى الحديث .
ذكره أبو عبيد فى كتاب الأموال ، وقال فيه : وإن لم تدخل فى الإسلام فاعط الجزية ، ثم
قال: وإلا فلاتحل بين الفلاحين وبين الإسلام. وفى رواية ابن وهب: ((وإثمهم عليك)).
قال أبو عبيد : الفلاحون هنا : الزارعون خاصة ، لكن أراد بهم جميع أهل مملكته ؛ لأن
كل من يزرع عند العرب فلاح ، ولِىَ ذلك بيده أو وليه له غيره . وأصل هذا فى كتاب الله
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتْنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين﴾ (٣). وقال بعضهم: من قال: ((اليريسيون)) فمن
التبختر ، يقال : رأس يرأس ريسا وريسانا : إذا تبختر ، ورأس يرأس رَوْساً أيضا . وحكى
الخطابى: إن الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوسا، يقول: عليك إثم المجوس (٤). وأنكر
أبو عبد الله القزاز الياء فى ذلك، وقال: صوابه عندى: ((الأريسيون)). وقال أبو عبيدة:
المحفوظ: ((الأريسين))، وفى كتاب ابن السكن فى تفسيره: يعنى اليهود والنصارى، قيل :
هم أتباع عبد الله بن أريس ، وهذا الذى ينسب إليه الأروسية (٥) من النصارى ، ولهم
(١) جاء فى رواية ابن إسحق: ((فإن إثم الأكاريين عليك)). البداية والنهاية ٤ / ٢٦٣ .
(٣) سبأ : ٣١ .
(٢) الأحزاب : ٦٧ .
(٤) أعلام الحديث ١ / ١٣٧ ، غريب الحديث ١ / ٤٩٩ وما بعدها .
(٥) فى الإكمال : الأرسية .