النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
شهادة من هو فى يديه ، ولو كان حقاً تستحق المطالبة به لم يعط إلا ببينة لحق أهل الجيش
فى المغنم ، ولكن لما كان من الخمس على جهة الاجتهاد أداه عَّة اجتهاده إلى إعطائه إياه
على هذه الصفة. وقد أعطى سلب أبى جهل أحد قاتليه مع قوله عَّه: ((كلاكما قتله))،
وهذا لا يصح إلا على مذهبنا أنه يصرفه حيث شاء ، وقد كانت وقائع لم يعط فيها السلب
للقاتلين، وقد قال عز من قائل: ﴿وَاَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلْهِ خُمُسَهُ
وَلِلرَّسُول﴾(١)، فعم السلب وغيره .
قال القاضى : واختلف العلماء فى حمل هذا اللفظ على العموم والخصوص ، فحمله
بعضهم على العموم فيمن يسهم له ومن لايسهم له ، رجلا كان أو امرأة أو صبياً ، وهو
أحد قولى الشافعى . وعندنا أنه لا يستحق إلا من يقاتل ، وقاله الشافعى مرة . وقال الليث
والشافعى والأوزاعى وأحمد وإسحق والطبرى والثورى وأبو ثور: السلب للقاتل على كل
حال ، قاله الأمراء ولم يقله ، وهى قضية من رسول الله عي ، إلا أن الشافعى اشترط أن
يقتله مقبلا ، والأوزاعى اشترط أن الحرب إذا التحمت فلا سلب حينئذ لقاتل وإنما ذلك قبل
التحامها ، وهو مذهب الشاميين ، وغيرهم لايشترطون شيئا ، ويرون ذلك لكل قاتل فى
معركة أو غيرها ، قتل مقبلا أو مدبرا . وذهب مالك وأبو حنيفة والثورى أنه ليس بحق
للقاتل وأنه غنيمة الجيش ، إلا أن يجعل الأمير ذلك للقاتل (٢).
واختلفوا فى تخميسه فقال مالك والأوزاعى ومكحول: يخمس، وقاله إسحق إذا كثر ،
ونحوه عن عمرو . قال الشافعى : يخمس ، وقاله أحمد والطبری وحكى ابن خويز منداد
عن مالك أن الإمام مخير بالاجتهاد فيه ، إن شاء خمسه وإن شاء لم يخمسه (٣) . واختاره
إسماعيل القاضى .
واختلفوا ماهو السلب الذى يستحق القاتل ، فقيل : فرسه الذى يركبه وكل شىء عليه
من لبوس وسلاح وآلة له ولفرسه ولسلاحه ؛ كالشوكار والمنطقة والسوار والخاتم والطوق
والتاج واللجام والسرج / وإن كان فيها الذهب والفضة والجوهر ، وهذا مذهب الأوزاعى ، ٦٧ / أ
وبه قال ابن حبيب من أصحابنا ، وبه عمل جماعة من الصحابة ، ونحوه مذهب الشافعى ،
إلا أنه تردد فى السوارين والحلية ومافى معناها من غير حلية الحرب . ومذهب ابن عباس :
الفرس والسيف والدرع والرمح وفى معناه السلاح ، وهو معنى مذهب مالك . وذهب
سحنون إلى نحو مذهب الشافعى من الفرس واللباس والسلاح ، وحلية السلاح دون حلية
الحرب ، ولم ير أحمد الفرس من النفل ووقف فى السيف وشز فى هذا ، ورأى ابن حبيب
(١) الأنفال : ٤١ .
(٢) انظر: المغنى ١٣ / ٧٠ وما بعدها، الاستذكار ١٤ / ١٣٧ وما بعدها.
(٣) انظر: الاستذكار ١٤ / ١٤٠ ومابعدها .

٦٢
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
إلِى؟ ثُمَّ جَلَسْتُ . ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ . فَقَالَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِى؟ ثُمَّ جَلَسْتُ .
ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ، الثَّالثَّةَ. فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَِّ: ((مَكَ؟ يَا أَبَا قَتَادَةَ! ))، فَقَصَصْتُ
عَلَيْهِ القِصَّةَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ : صَدَقَ يَارَسُولَ اللهِ ، سَلَبُ ذَلِكَ القَتِيلِ عِنْدِى،
فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّه . وَقَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيقُ: لاهَا الله، إذًّا لا يَعْمَدُ إِلَى أَسَدِ مِنْ أُسْد الله
يُقَاتِلَّ عَنِ اللهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيَعْطِيْكَ سَلَبَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِمثلُ: ((صَدَقَ، فَأَعَطِهِ إِيَّةً)) ،
من أصحابنا ما فى منطقته من دنانير ودراهم لنفقة داخلة فى السلب ، ولم ير ذلك
الأوزاعى ولاغيره . وللشافعى قولان فيما وجد فى عسكر العدو من أموال المقتول ، هل هو
من سلبه أم لا ؟
واحتج مخالفنا بقوله فى هذا الحديث: (( من قتل قتيلا له عليه بينة)) (١) . وقالوا :
لا يستحق السلب القاتل إلا بالبينة أو شاهد ويمين ، وهو قول الشافعى والليث وبعض
أصحاب الحديث . وقال الأوزاعى: يعطى بقوله ولايحتاج إلى بينة ، وهو قول المالكية (٢)،
وحجتهم فى هذا الحديث : أن النبى عَّ أعطاه بشاهد واحد ولم يحلفه معه ، وأنه لم يرد
عَّ البينة وإنما أراد أن يعلم ذلك ، ونحو هذا الليث أيضا ، وأنهم عندهم باب خبر لا
باب شهادة .
وأجاب المخالف بأن النبى معَة إنما أعطاه أبا قتادة بإقرار الذى حازه لنفسه ، ولقول
أبى بكر - رضى الله عنه - ماقال، فحصل شاهدان له واعتراف الذى فى يديه الشىء
يكفى . وهذا لاحجة فيه ؛ لأن أبا بكر لم يشهد إنما رد قوله بما قاله ، ولأن المقر إنما ينفع
إقراره لغيره بخلاف مالك لغيره فيه ، وإنما النزاع فيه بينه وبين المقولة ، وهذا السلب ملكه
صحيح لجميع الجيش حتى يثبت لقاتل صاحبه .
قالوا : وفى هذا الحديث من الفقه من الحديث جواز كلام الوزير والمستناب عن الأمير
وغيره ، ممن يتقدمه بما يعلمه من جواب الأمير ومقدمة قبل كلامه ؛ لقول أبى بكر - رضى
الله عنه -: ((لاها الله، إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك
سلبه)). ومعنى قوله: ((يقاتل عن الله ورسوله)) أى: لتكون كلمة الله وكلمة رسوله هى
العليا . فيه حجة أن من قاتل فى الجيش من أهل الذمة وقتل قتيلاً فلا سلب له .
وقوله: ((فيعطيك سلبه)): مما قد يحتج به المخالف باستحقاقه السلب بإضافته إليه ،
٠٠
(١) انظر: الاستذكار ١٤ / ١٤٨، الحاوى ٨ / ٣٩٩، ٤٠٠.
(٢) انظر: الاستذكار ١٤ / ١٤٧ .

٦٣
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
فَأَعْطَانِى. قَالَ : فَبَعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرِفًا فِى بَنِى سَلِمَةَ ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَال تَأَثَّلْتُهُ فى
الإِسْلامِ.
ــ: ((فله سلبه )) وتسويغه له ذلك .
ولاحجة له إنما استحق بقوله
وقول أبى بكر - رضى الله عنه -: ((لاها الله إذاً)): قال الإمام: هكذا روى ،
وصحيحه عند أهل اللغة : لاها (١) الله ذا، بغير ألف قبل الذال، و((ها)) بمعنى الواو
التى للقسم ، فكأنه قال : والله ذا . وفى الكلام حذف تقديره : لا والله يكون ذا يمينى وذا
قسمى. وقال أبو زيد: (( ذا)) صلة فى الكلام . وقد تقدم الكلام عليه فى حديث بريرة .
وقوله: ((فابتعت به مخرفا)»، قال الإمام : المخرف ، بفتح الميم والراء : البستان ،
والمخرف ، بكسر الميم وبفتح الراء : الوعاء الذى يجعل فيه مايخترف من الثمار .
قال القاضى : رويناه بفتح الميم وبكسرها ، فمن كسرها / جعله مثل مربد ، ومن فتحه ٦٧ / ب
جعله مثل مضرب . ورويناه - أيضا - بفتح الميم وكسر الراء ، كما قالوا : مَسْكِن ومَسْجِد
ومَسْجَد ومَسْكَن . وقيل : المخرف : السكة من النخل هل يكون صغيرة تخترف من أيها
شاء ، أى يجتنى . قال أبو عبيدة: والمخرف : التمر الذى يجتنى . وأنكره عليه ابن
قتيبة ، وقال : إنما هى النخل ، وأما التمر نفسه فمخروف . قال ابن وهب : هى الجنينة
الصغيرة ، وقال غيره : هى النخلات غير الكثيرة ، وقال غيره : هو ما يجتنى . وقال أبو
عبيد : يقال للنخل نفسه : مخرف . وقال الأصمعى : المخرف : جنى النخل ؛ لأنه
يخترف منها ، أى يجتنى . وفيه حجة أن التمر من الفاكهة ؛ لأن الخرفة الفاكهة . فمن
حلف ألا يأكل فاكهة فأكل تمراً حنث ، إلا أن تكون له نية أو عرف استعمال عندهم .
قال الإمام: وقوله : ((إنه لأول مال تَأَثَّلْتُهُ)): أى تأصلته. وأثلة الشىء: أصله.
قال القاضى: وبقى فى هذا الحديث ألفاظ؛ منها: قوله: (( فكانت للمسلمين جولة )»،
يريد انهزاماً وخفة ذهبوا معها، وهذا إنما كان فى مقدمة الجيش دون النبى عمّه. والخبر
بذلك معلوم ، وسيأتى فى حديث يوم حنين . وقد ذكر بعض علمائنا الإجماع أنه لا يجوز
أن يقال: إن النبى ◌َُّ انهزم أو هزم، ولم ير واحد قط فى حقه ذلك عَّه ، بل خلافه
فى الثبات والإقدام .
وقوله: ((فرأيت رجلاً قد علا رجلاً من المسلين)): يحتمل أنه ظهر عليه وأشرف
على قتله أو صرعه وجلس عليه ليقتله .
(١) فى الأصل : لا ، والمثبت من س .

٠٦٤
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
وَفِى حَدِيثِ اللَّيْثِ فَقَالَ أَبُو بَكْر: كَلا، لايُعْطِيهِ أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ
◌ُسْد الله .
وَفِى حَدِيثِ اللَّيْث : لأَوَّلُ مَالِ تَأَّلُهُ.
٤٢ - (١٧٥٢) حدَّنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الَّميمىُّ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُون،
عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ عَوْفٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ؛
أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِى الصَّفَهِّ يَوْمَ بَدْرِ، نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِى وَشَمَالِى، فَإِذَا أَنَا بَيَّنَ
غُلامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، ثُمَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا. فَغَمَزَنِى
وقوله : (( فضربته على [ حبل] (١) عاتقه)): قيل: هو موضع الرداء من العنق .
قال الخطابي : هو وصل مابين العنق والكاهل (٢) . وقيل: الحبل: الوريد نفسه . والوريد
عرق بين الحلقوم والعلباوين، قال الله عز وجل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣).
وقوله: (( فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت)) : أى شدته وألمه ، ويحتمل أن
يكون استعارة لمقاربته لما يجد من الموت ؛ لأنه من شىء وجد ريحه ، ومن بعد عنه لم
يجده .
وقوله فى حديث الليث: (( كلا ، لايعطيه أصيبغ من قريش)) كذا عند السمر قندى
بالصاد المهملة والغين المعجمة . قيل : كأن حقره وذمه بسواد لونه ، وقيل : أى ذا لون
غير محمود ، وقيل : وصفه بالمهانة والضعف . قال الخطابي: والأصيبغ نوع من الطير .
قال : وقد يجوز أن يشبهه بنبات ضعيف يقال له : الصيبغا ، أول مايطلع من الأرض
فيكون مايلى الشمس منه أصفر (٤) . قال الهروى : الطاقة من النبت أول مايخرج يكون
صبغاً ، مايلى الشمس من أعاليها أخضر .
قال القاضى : الأشبه على هذا أن يسمى به لتغير لونه لالضعفه أو بهما . وعند سائر
الرواة (( أضيبع)) بضاد معجمة وعين مهملة . وكذلك اختلف فيه رواة البخارى أيضا (٥).
قيل : هو تصغير ضبع على غير قياس ، كأنه لما وصف الآخر بالأسد صغر هذا بالإضافة
إليه . وشبهه بالضبع لضعف افتراسها وما توصف من الحمق والعجز .
وقوله: (( بينما أنا واقف فى الصف يوم بدر ، نظرت عن يمينى فإذا أنا بين غلامين
(١) ساقطة من الأصل ، والمثبت من س ، والحديث المطبوع .
(٣) ق : ١٦ .
(٢) انظر: معالم السنن ٤١/٤.
(٤) انظر: أعلام الحديث ٣ / ١٧٥٤ .
(٥) البخارى ، ك الأحكام ، ب الشهادة تكون عند الحاكم فى ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم ٩ / ٨٦ .

٦٥
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
أَحَدُهُمَا. فَقَالَ: يَاعَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلِ؟ قَالَ : قُلْتُ: نَعَمْ، ومَا حَاجَتُكَ إلَيْهِ يَا ابْنَ
أَخِى؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ عَةٍ، وَلَّذِى نَفْسِى بَيَدَه، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لا يُفَارِقُ
سَوَادِى سَوَادَهُ، حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لَذَلَكَ. فَغَمَزَنَى الآخَرُ فَقَالَ
مِثْلَهَا. قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِى جَهْلِ بَزُولُ فِى النَّاسِ، فَقُلْتَّ: أَلا تَرَيَان ؟
هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِى تَسْأَلان عَنَّهُ. قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيِّهمَا ، حَتَّى قَتَلَاهُ. ثُمَّ
انْصَرَفَا إِلَى رَسُول الله عَُّ، فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: (( أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ ))، فَقَالَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا: أَنَا
من الأوس ، فتمنيت لو كنت بين أضلع منهما )) : لاأعلمه وقع فى كتاب مسلم فى جميع
النسخ إلا هكذا، ووقع فى بعض روايات البخارى: ((أصلح)) (١) بالحاء ، وهكذا رواه
مسلم دون رواية جماعة من الحفاظ ((أضلع)) / وهو أصوب .
٦٨ / ١
قال الإمام : كذا وقع فى بعض الروايات - يعنى أضلع - والأشبه أحد ، أراد به :
لو كنت بين رجلين أقوى منهما . ويقال للرجل الشديد الخلق : إنه لضليع [الخلق ] (٢)
وفى حديث على - رضى الله عنه - فى وصف النبى ◌ّ: كما حمل فاضطلع بأمرك.
هو افتعل من الضلاعة وهى القوة ، ويقال : هو مضطلع عليه ، أى قوى عليه ، وقد تقدم
ذكر السلب قبل هذا .
قال القاضى: وقوله: ((لئن رأيته لايفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا)) :
أى شخصى شخصه. والشخص يسمى سواداً، وفى الحديث: (( أنت السواد الذى رأيت
أمامی» (٣).
وقوله : (( حتى يموت الأعجل منا )) قيل : هو شىء استعمل فى كلام العرب ، كأنه
يريد الأعجل أجلا والأقرب موتا .
وقوله: (( فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يزول فى الناس )) : كذا روايتنا عن
كافة شيوخنا فى الكتاب وعند بعضهم عن ابن ماهان: (( يرفل))، والرواية الأولى أظهر
وأوجه. ومعنى ((يزول)) : أى يتحرك ويترجح ولا يستقر على حال ولافى مكان .
والزوال الزمام والقلق ويصححه رواية من رواه : (( يرقل )) إن صحت ، أى يسبل ثيابه أو
درعه ويجرها. ومعنى ((لم أنتشب)): لم يطل الأمر ، أى لم أشتغل بشىء ولم يشغلنى
وهو استعارة لمن تعلق بشىء ، يقال : نشب فيه .
(١) الفتح ٦ / ٢٤٨ .
(٢) ساقطة من الأصل ، والمثبت من س ، ع .
(٣) سبق فى كتاب الجنائز، فى باب مايقال عند دخول القبر برقم (١٠٣).

كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
٦٦
قَتَلْتُ. فَقَالَ: ((هَلْ مَسَخْتُمَا سَيْفَيَكُمَا؟)) قَالا: لا. فَنَظَرَ فِى السََّيْنِ فَقَالَ: (( كِلاكُمَا قَتَلَهُ))
وقول النبي عَيْه لهما: ((أيكما قتله؟)) فقال: كلنا قتله، فقال: «هل مسحتما
سيفيكما؟)): قالا: لا، فنظر فى السيفين فقال: ((كلاكما قتله))، وقضى بسلبه لمعاذ
ابن عمرو بن الجموح. قال ابن القصار وغيره: لما خص النبى عمّ به أحدهما بعد
قوله: ((كلاكما قتله)) علم على أن السلب غير مستحق للقاتل إذ يعطيه الإمام .
وقد اختلفوا فى الرجلين إذا قتلا قتيلا ، لمن سلبه ؟ فقيل : ذلك لمن أجهز عليه إذا
كان يقدر على التخلص من ضرب الأول ، وإن كان لا يمتنع فلمن أثخنه ، كما لو قطع
الأول يديه ورجليه وقتله الآخر فالسلب للأول ، وهذا مذهب الشافعى (١) . ولو جرحه
الأول عنده وأثخنه بذلك وذبحه الآخر كان للآخر ، ولو عانقه الأول فقتله الآخر فللآخر
سلبه . وقال الأوزاعى (٢): [ سلبه] (٣) للمعانق. وقال مكحول: إذا قتله الأول وأجهز
عليه الآخر فالسلب للأول .
ولم أجدهم يختلفون لو كانا مشتركين فيه على سواء أنه بينهما على السواء ، فقال
أصحاب الشافعى فى هذا الحديث: إنما خص النبى معَّه به أحدهما لأنه استطاب نفس
الآخر ، وليس فى الحديث مايدل عليه ، وهذا تحكم . وقد قال بعضهم : بل كان هو
الذى أثخنه، وإنما قال: (( كلاكما قتله)) تطييبا لنفس الآخر إذ كان شاركه فيه بعض
المشاركة. وهذا أيضا لادليل عليه؛ لأن النبى عَّه حين نظر إلى سيفيهما قال لهما: (( كلاكما
قتله)) ونظره ليرى فى ذلك دليلاً يرجح به جهة القاتل، من أثر طعام أو مبلغ الدم وشبهه .
وهذا كله مع تسليمنا أصل المسألة لهم فى هذا الحديث ، إذ لم يكن من النبى معَّه فى
زالخ
ذلك عهد ، وإلا فعل ماقد ورد فى رواية أصحاب السير وغيرهم ؛ أن النبى
٦٨ / ب بدر: (( من قتل قتيلا فله سلبه))، كما قال يوم حنين ، فإنما أخذها من أخذها / فى
اليومين بأمر النبى عَّه وإذنه ، ولو كان هذا حكما منه تمليكا لازماً فيما مضى ويأتى لما
اختلف الصحابة بعده فى ذلك والخلفاء ، وأخذوا باجتهادهم فى ذلك .
فإن صح أن النبى معَّه قال ذلك فتخصيص النبى معَّه معاذاً به مع قوله: ((كلاكما
قتله)) إما لأنه رجح فى نظره إلى السيفين أن معاذاً هو الذى أجهز عليه ، أو يقدر على
بحسب ماعلم من نجدة معاذ وإقدامه ، ويكون الآخر
مقاتلته ، أو یکون باجتهاده
كالمعين له إن كان لم يقل ذلك .
(١، ٢) انظر: التمهيد ٢٣ / ٢٥٨، ٢٥٩، المغنى ١٣ / ٦٦ وما بعدها.
(٣) ساقطة من س .

٦٧
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
وَقَضَ بِسَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ - وَالرَّجُلانِ: مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ
وَمُعَاذُ بْنِ عَقْرَاءَ .
٤٣ _ (١٧٥٣) وحدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبِ ، أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَّدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ
مَالِكَ، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حَمْيَرَ رَجُلاً مِنَ العَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالدُ بْنُ الوَليد -
وَكَانَ وَالِيَا عَلَيْهِمْ - فَأَتَى رَسُولِ اللهِ عَه عَوْفُ بْنُ مَالِك، فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لِخَلد: (( مَا
مَتَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟)). قَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ، يَا رَسُولِ اللهِ. قَالَ: ((ادْفَعْهُ إِلَيْهِ )) ، فَمَرَّ
خَالِدٌ بَعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولَ اللهِّهِ ؟
فَسَمَعَهَ رَسُولُ اللهِعَ فَاسْتُغْضِبَ. فَقَالَ: (( لا تُعْطِه يَا خَالدُ، لا تُعْطَهِ يَا خَالِدُ هَلْ أَنْتُمْ
تَارِكُّونَ لِى أُمَرَتِى؟ إِنَّمَا مَثَلُّكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أُسْتُرَعِىَ إِلاً أَوَ غَمَا فَرَعَاهَا ، ثُمَّ
وقوله آخر الحديث: (( والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء )) : كذا
فى كتاب مسلم وكتاب البخارى من طريق يوسف بن الماجشون (١). وقد جاء فى البخارى -
أيضا - فى حديث إبراهيم بن سعد ؛ أن الذى ضربه ابنا عفراء (٢) . وذكره ـ- أيضا -
من حديث ابن مسعود ، وأن ابنا عفراء ضرباه حتى برد (٣) . وذكر ذلك مسلم بعد هذا ،
أو ذكر غيرهما ؛ أن ابن مسعود هو الذى أجهز عليه وأخذ رأسه ، وكان وجده وبه رمق ،
وله معه خبر معروف وكلام مروى ذكروه . وهو قول أكثر السير .
وفى هذا الحديث من الفقه : أن المبادرة والسبق للفضائل والغضب لله - سبحانه -
ولرسوله عَّ لقولهما: إنه سب رسول الله عَلَّه. وجواز ستر نية الإنسان مايريد به من
الخير عن غيره مخافة أن يسبق إليه . وفيه الحجة لمالك ومن تابعه أنه لايلزم البينة لمن قتل
القتيل ويصدق إذا علم ذلك ولم يخف ؛ إذ لم يسألهما النبى معَّه البينة على ذلك .
وقوله : قتل رجل من حمير رجلا من العدو ، فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان
والياً عليهم، وقول النبى عَمّ لخالد: ((مامنعك أن تعطيه سلبه ؟ )) قال : استكثرته ،
وأنه أمره بدفعه إليه، ثم ذكر الحديث وفيه آخر: (( لا تعطه ياخالد )): قال الإمام : فى
(١) البخارى، ك فرض الخمس، ب من لم يخمس الأسلاب ٤ / ١١١، ١١٢.
(٢) البخارى ، ك المغازى ، ب فضل من شهد بدراً ٥ / ٩٨، ٩٩.
(٣) البخارى ، ك المغازى، ب قتل أبي جهل ٥ / ٩٥ .

٦٨
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتَرَكَتْ حَدِرَهُ، فَصَفْوُهُ
لَكُمْ وَكَدِرهُ عَلَيْهِمْ)) .
٤٤ - ( .. ) وحدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ
عَمْرو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ جُبَيْرِ بْنٍ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفٍ بْنٍ مَالِكِ الأَشْجَعِىِّ،
قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنٍ خَارِثَةَ ، فَى غَزْوَةٍ مُؤْتَةً . وَرَافَقَنِى مَدَدِىٌّ مِنَ
اليَمَنِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهُ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِى الَحَدِيثِ: قَالَ عَوْفَ:
فَقُلْتُ: يَ خَالدُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عَلَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلَقَائِلِ؟ قَالَ: بَلَى ، وَلَكِنِّى
اسْتَكْثَرْتُهُ.
هذا الحديث - وفيما وقع فى حديث قاتل أبى جهل - حجة لمالك فى السلب وقد تقدم ،
ولو كان حقا للقاتل على كل حال ما أمر به عَّ ثم رجع عنه .
فإن قيل : وأنتم إذا قلتم بأنه يعطيه على جهته الاجتهاد فلم رجع عنه ؟ قلنا : لتبدل
اجتهاده لأنه رآه أولاً أهلاً لأن ينفل السلب ، فلما وقع مايدل على الرد (١) على الأمير
وتوقع فيه أن يجسر على أمرائه فيما بعد ، رأى من المصلحة إمضاء مافعلوه أولاً ؛ ليكون
ذلك أبلغ فى نفوذ أوامرهم وأمنع من الجرأة عليهم .
فإن قيل : فقد صارت هبة ، والهبة لايرجع فيها ، قلنا : فى الوجوب عنها خلافا مع
أن هذه خارجة من هذا القبيل ، وإنما هو مال الله يعطيه من يشاء بحسب الاجتهاد ، فإذا
ظهر له اجتهاد آخر هو أولى رجع إليه .
وقد وقع فى بعض طرقه أن عوفاً قال : ياخالد ، أما علمت أن النبى معَُّ قضى
بالسلب للقاتل ؟ فقال : بلى ، ولكنى استكثرته فإن قال الشافعى : ظاهر هذا أنه حكم
قضى به وشرع خلاف تأويلكم ، قلنا بعد أن نسلم أن ظاهر هذا اللفظ هكذا ، فإنما هو قول
٦٩ / أ الصاحب وفيه احتمال /، وقد قدمنا من فعل النبى عَّ مادل على ماقلناه .
قال القاضى : وقوله : فمر خالد بعوف فجر رداءه ، فقال : هل أنجزت لك ماذكرت
لك عن النبى عَّ؟ فسمعه رسول الله على فاستغضب وقال: ((لاتعطه ياخالد، هل أنتم
تاركون لى أمرائى)» : فيه ما يلزم من ترك الطعن على الأمراء وتوقيرهم وبرهم ، وأن
للإمام أن يترك ما أمر به ويرجع عنه أو يأمر بما قد نهى عنه فى أشياء، إذا رأى فيها
مصلحة المنهى عنه أو غيره أو معاقبته ، لنهيه هنا عن إعطاء السلب بعد تسويغه لما أنفهم له
ما على خالد فى ذلك من الغضاضة من كلام عوف ، وهذا كقوله: (( اسق يازبير حتى
(١) فى ع : الافتيات ، وكذلك فى س .

٦٩
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
٤٥ _ (١٧٥٤) حدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّار ، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِى أَبِى، سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ : غَزَوْنَا
مَعَ رَّسُولِ اللهِلَّ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَخَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ عَّهُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلِ
أَحْمَرَ ، فَأَنَاَخَهُ ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ فَقََّ بِهِ الْجَمَّلَ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ القَوْمِ،
تبلغ الجدر)) فاستوعب له حقه بعد أن كان اقتصر به على بعضه لما رأى من حضه عدم
الرضا بقوله .
وقوله فى الأمراء فى هذا الحديث: (( إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا))
الحديث، وقوله: ((فَصَفْوه لكم وكدره عليهم)) : صفو الشىء : خالصه ، بفتح الصاء
لاغير . فإذا ألحقوه التاء قالوا : صَفْوة وصِفْوة ، يريد أنه تقاضاه جميع المال وحيطة البلاد،
ومداراة الناس على الأمراء، وللناس أعطياتهم صافية، ثم ماكان من خطأ فى ذلك أو غفلةٍ ،
أو عبث ، أو سوء قالة فعلى الأمراء ، والناس منه أبرياء .
وقوله: (( فشرعت)) : أى شربت ، والمشارع أمكنة الشرب من المياه ومواردها .
وقوله: (( خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة فى غزوة مؤتة)) : حكاها ثعلب
والفراء بالهمز .
وقوله: ((رافقنى مددى من اليمن)) : يريد ممن جاء فى مدد اليمن الذى مد بهم
جيش مؤتة وحشد ما معه .
وقوله : (( غزونا مع رسول الله ٤ هوازن ، فبينا نحن نتضحى إذ جاء رجل على
جمل أحمر ، فأناخه ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل )) الحديث ، إلى أنهم كانوا
يتقدمون فى ذلك الوقت. والطلق: القيد من الجلود. والحقب: حبل يشد على حقو البعير .
قال القاضى: (( نتضحى هنا نحوها)) قال الخطابى معناه : نتغدى ، كما جاء مفسراً
فى الحديث : ثم قعد يتغدى مع القوم . وأما الحقب فقال بعض شيوخنا فيما كتبناه عنه :
الصواب أن يكون هذا الحرف من حقبه بسكون القاف ، أى مما احتقب ضلعه وجعله فى
حقيبته ، وهى الرفادة فى مؤخرة القتب .
قال القاضى : ولم نروه إلا بالفتح فى القاف ، وكذلك انطلق فى الدار ، وروى أبو
داود هذا الحرف ((حقوه)) (١) وفسره : مؤخره .
قال القاضى: وأشبه عندى أن يكون معنى ((حقوه )) على هذه الرواية حُجْزته وحزامه،
(١) أبو داود، ك الجهاد، ب فى الجاسوس المستأمن ٢ / ٤٥ .

٧٠
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرَقَّةٌ فى الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ
فَأَطْلَقَ قَيِّدَهُ، ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ، فَاشْتَكَّ بِهِ الْجَمَلُ ، فَتَّبَعُهُ رَجُلٌّ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ .
قَالَ سَلَّمَةُ : وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ، فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّقَةِ، ثُمَّنَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ
وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَنَّخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَهُ فِى
الأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيَفِى فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ. فَنَدَرَ ، ثُمَّ جئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيْهِ
رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَنِى رَسُولُ اللهِ عَّهُ وَلنَّاسُ مَعَهُ. فَقَالَ: ((مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟)).
قَالُوا : ابْنُ الأَكْوَعِ. قَالَ : ((لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ )) .
والحقو : معقد الإزار من الرجل ، وبه سمى الإزار حقوا ، وقد يكون ربط هذه الطلق وشده
بالحقب صوناً له فتستقيم الرواية والمعنى على مافى الكتاب ، وبه فسر القتبى . ووقع فى
رواية السمرقندى: (( من جعبته )) فإن صح ولم يكن تصحيفاً فله وجه إن علقه بجعبة
سهامه وأدخله فيها .
وقوله: (( وفينا ضعفة ورقة)) : كذا ضبطناه بسكون العين هنا ، وهو الصواب ، أى
حالة ضعف وهزال .
قال القاضى : ومن رواه بفتح العين فجمع ضعيف ، والأول أوجه .
وقوله: ((إذا خرج يشتد)) أى يجرى ((فأتى جَمَله فأطلق قيده فقعد عليه فأثاره)»:
٦٩ / ب أى بعثه وأقامه ليمشىَ / به . وناقة ورقاء : فى لونها بعض سواد كالغبرة ، وقد تقدم .
وقوله: ((فاخترطت سيفى)) أى فسللته ((فضربت رأسه فندر)): كذا رويناه بالنون
فى مسلم وغيره ، أى زال عن ساكنه وبان منه .
قال الإمام: ((فندر)) يشبه أن يكون أراد سقط ، قال : وقد تقدم الكلام على هذه
اللفظة وتصريفها قبل .
وقوله: فاستقبلنى رسول الله عَّه والناس معه فقال: ((من قتل الرجل؟)) قالوا: ابن
الأكوع، قال: ((له سلبه أجمع)): قال القاضى : فيه استقبال السرايا ، والتنويه بمن فعل
جميلاً ، وأن السلب إنما يكون للقاتل بتسويغ الإمام، وأن قول النبى عمّ هذا فى هذا
الموطن - وفى غيره من المواطن التى قالها فيه - لو كان أمراً أوجبه لكل قاتل أبداً،
وجعله له حقا، لاكتفى بالمرة الواحدة فيه، ولم يحتج إلى تكراره فى قوله: (( له
سلبه أجمع )) دليل على هذا ، وفيه حجة أنه لا يخمس كما قاله المخالف وكما ذكر فى
الشاذ عن مالك . وفيه أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السرية من الغنيمة لمن يراه من
أهلها ، على قول من رآه من أهل العلم إذ جاء أنه قد كان مع سلمة غيره . وفيه قتل

٧١
كتاب الجهاد / باب استحقاق القاتل سلب القتيل
الجاسوس من الحربيين ، ولا خلاف فى ذلك. وقد ذكر النسائى أن النبى عَّ كان أمرهم
بطلبه وقتله(١).
واختلف فى الجاسوس المعاهد والذمى ، فعندنا أنه نقض للعهد ويقتل ، وإن رأى
الإمام استرقاقه استرقه ، وهو قول الأوزاعى . وقال معظم الفقهاء : لا يكون نقضا للعهد
ويسجنهم الإمام (٢) .
واختلفوا فى الجاسوس المسلم ، فجلهم على اجتهاد الإمام فيه بغير من الضرب
والحبس، وهو قول أبى حنيفة والأوزاعى ، وللشافعى وبعض أصحابنا . وقال مالك :
يجتهد فيه الإمام ولم يفسر . وقال كبار أصحابه : يقتل . واختلفوا فى إقالته بتوبته . وقال
ابن الماجشون : إن عرف بذلك قتل وإلا نكل ، قال القابسى : هذا الحديث أصل فى قتل
الجاسوس والسارق من المشركين من أهل الحرب وكل داخل إلينا منهم بغير أمان ، إلا أن
يدعى أنه أتى نازعا فيرد إلى مأمنه أو أشكل أمره فيقبل قوله .
(١) النسائى فى الكبرى، ك السير، ب قتل عيون المشركين (٨٨٤٤ / ١).
(٢) انظر: المغنى ١٣ / ٤٤ وما بعدها.

٧٢
كتاب الجهاد / باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
(١٤) باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
٤٦ - (١٧٥٥) حدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عِكْرَمَةُ بْنُ
عَمَّار، حَدَّثَنِى إِيَسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِى أَبِىَ، قَالَ : غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْر ، أَمَّرَهُ
رَسُولُ اللهِ عٌَّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَا وَبَيْنَ الَمَاءِ سَاعَةً، أَمَرَنَا أُبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ
الغَارَةَ، فَوَرَدَ المَاءَ ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ، وَسَبَى. وَأَنْظُرُ إِلَى عُنْقٍ مِنَ النَّاسِ ، فِيهِمُ
الذَّرَارِىُّ، فَخَشِيْتُ أَنْ يَسْقُونِى إِلَى الْجَبَّلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوْا
السَّهْمَّ وَقَفُوا، فَجِثْتُ بِهِمَّ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمُ امْرَةٌ مِنْ بَنِىَ فَزَارَةَ، عَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَمٍ -
قَالَ : القِشْعُ النِّطَعُ - مَعَهَا ابْنَةُ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ ،
وقوله: (( غزونا فزارة مع أبى بكر - رضى الله عنه - فلما كان بيننا وبين الماء ساعة)):
كذا للجماعة، وعند الهوزنى: (( بيننا وبين المساء ساعة))، وكلاهما صحيح ؛ لأن الماء
هو موضع اجتماعهم . وفى المساء - أيضا - وقت هدوئهم وسكونهم واجتماعهم لمائهم ،
لكن قوله: ((أمرنا أبو بكر فعرَّسنا، ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل)): يدل على
صواب رواية غيره ، فإنما يكون التعريس بالليل وهو النزول فيه ، وكذلك الغارات إنما
عادتهم بها مع الصباح .
قال الإمام: وقوله: ((شن الغارة)) أى فرقها . وقيل : صبها عليهم صباً ، كما
يقال : شن الماء ، أى صبه .
قوله: ((وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذرارى)) أى جماعة ، قال القاضى: وقوله :
((فيهم الذرارى )» هذه الكلمة تنطلق عند العرب على الأطفال والنساء .
قوله: ((فيهم امرأة عليها قشع)) بالفتح رويناه عن الأسدى ، وبكسرها عن الصدفى ،
وبالكسر ذكرها الهروى، وبالوجهين ذكرها الخطابى وفسره فى الحديث بالنطع وهو صحيح .
قال الإمام : / وفيه لغتان : كسر القاف ، وفتحها . وقشعت الشىء . إذا قشرته.
٧٠ / ١
وقوله : معها ابنة لها من أحسن العرب فسقتهم ، حتى أتيت بهم أبا بكر الصديق -
عَد: ((هب لى المرأة))،
رضى الله عنه - فنفلنى ابنتها ، فقدمنا المدينة ، فقال لى النبى
ففعلت ، فبعث بها عَّ إلى أهل مكة ، فقدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسروا بمكة ،
قال الإمام فى الرجل الكافر إذا أسره : أن يقتله أو يبقيه للجزية ، وله أن يمن عليه أو

٧٣
كتاب الجهاد / باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
فَتَفَّلَنِى أُبُو بَكْرِ ابْتَتَهَا. فَقَدَمْنَا الَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقَيَنِى رَسُول اللهِعَّهُ فِى
الابته
السُّوْقِ. فَقَالَ: ((يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِىَ الَرََّةَ)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ، لَقَدْ أَعْجَبَتْنِىَ،
وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. ثُمَّلَقِيَنِى رَسُولُ اللهِ لَّهُ مِنَ الغَدِ فِى السُّوقِ. فَقَالَ لِى: ((يَا سَلَمَةُ،
هَبْ لى المَرْأَةَ، لله أَبُوكَ! )) فَقُلْتُ: هىَ لَكَ. يَا رَسُولَ اللهِ . فَوَالله، مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا،
فَعَثَ بِهَا رَسُولُ اله ◌َّهِ إِلَى أَهْلِ مَكًَّ ، فَقَدَى بِهَا تَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ، كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةً .
يفادى به . ومنع أبو حنيفة المن والفداء . وفى هذا الحديث المفاداة بهذه المرأة ، وقد تقدم
أنه عَّ فادى بالرجل الذى أظهر الإسلام ولم يقبله منه برجلين من أصحابه . وقد قدمنا
الكلام على هذا الحديث ، فإن كان يمنع المفاداة بالمرأة فهذا الحديث حجة عليه . قال بعض
الناس : فيه التفرقة بين الأم وولدها ، خلافاً لمن قال : لايفرق بينهما أبداً ؛ لأنه لم يذكر
أنه لما نفلها إياه جمع بينها وبين أمها .
قال القاضى : وممن قال بقول مالك فى جواز المن والفداء: الشافعى وأحمد وأبو ثور
وكافة العلماء ، وأجازوا هذا بالمال وبالأسرى . وقال أبو حنيفة : فمرة لايفادى ولا يمن
جملة ، وقال مرة : لابأس بفدائهم بالمسلمين ، وهو قول محمد وأبى يوسف (١) .
قال القاضى : ويحتج بهذا الحديث من يرى النفل قبل الخمس . وليس فيه حجة ، إذ
قد يمكن أنه علم قيمتها حتى يخمس أو كان بعد التخميس . وفيه استيهاب الإمام أهل
جيشه بعض ماغنموا ليفادى به أو يصرفه فى مصالح المسلمين ، كما فعل فى هوازن وكذلك
لما نفله ، وأنه ليس من باب الرجوع فى الهبة ؛ إذ لم يهبه ماله ولا استرجعه أيضا لنفسه .
(١) انظر: المغنى ١٣ / ٤٤ وما بعدها ..

٧٤
كتاب الجهاد / باب حكم الفىء
(١٥) باب حكم الفىء
٤٧ - (١٧٥٦) حدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَتّبَل وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، قَالا: حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَّاق،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَّا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَ هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولَ اللهِ عَ .
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللهِعَِّ: (( أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَيْتُمُوهَا ، وَأَقَّمْتُمَّ فِيهَا ،
فَسَهْمُكُمْ فِيَهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ الهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمسَهَ للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّهِىَ لَكُمْ)).
وقوله : (( أيما قرية أتيتموها وأقمتم فسهمكم فيها ، وأيما قرية عصت الله ورسول الله
فإن خمسها لله ورسوله )) : يحتمل أن يكون الأول فى النفى مما لم يوصف عليه بخيل
ولاركاب مما أجلى عنه أهله أو مما لحق عليه ، فيكون حقهم فيها ، أى قسمهم فى العطاء ،
ويكون المراد بالثانى ما فيه الخمس مما أخذ عنوة . ولم يختلف العلماء أنه لاخمس فى
الفىء إلا الشافعى وحده ، وقد خالفه بعض أصحابه فى ذلك .
وقوله: ((فخمسها لله ورسوله ثم هى لكم)) مثل قوله فى الحديث الآخر: (( مالى
مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم)) (١) . وقد اختلف العلماء فى معنى قوله
عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ (٢) فقيل: ((لله)) هنا
استفتاح كلام للتبرك باسمه تعالى ؛ إذ كل شىء لله تعالى ، قال : وللرسول سهم يختص
به ، غاب أو حضر . وقيل : خمس الله وخمس الرسول واحد ، ويخمس الخمس على
خمسة أخمس : خمس لله وللرسول ، وخمس لذوى القربى ، وخمس لليتامى ، وخمس
للمساكين ، وخمس لابن السبيل . وهذا قول الشافعى .
وقيل: ((لله ورسوله)) أى مما يقرب لله ورسوله ، أو الحكم فيه لله ورسوله ،
ويفرق سائره على اجتهاد الإمام فى أقرباء رسول الله عَمّ وغيرهم ، وليس هو مقسوم على
السهام ، وأن المراد بمن سمى فى الآية من يجوز ذلك من الأصناف لا على القسمة عليه ،
وإن شاء أوقفه لنوائب المسلمين ، وهو قول مالك وأصحابه . وقيل : معناه : خمس واحد
كان يعزله النبى عَّه ويقسم الأربعة بين الناس ، ثم يقبض على الخمس . فما خرج بيده
جعله للكعبة ، فهذا هو المسمى لله ، ثم يقسم بقية الخمس المعزول ؛ سهم منه للنبى :
يخصه ، وسهم لذى القوبى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل .
(١) أبو داود، ك الجهاد، ب فى الإمام يستأثر بشىء من الفىء لنفسه ٢ / ٧٤، ٧٥، أحمد ٤ / ١٢٨،
مالك في الموطأ، ك الجهاد ،ب ما جاء فى الغلول ٢ / ٤٥٧ (٢٢).
(٢) الأنفال : ٤١ .

٧٥
کتاب الجهاد / باب حكم الفیء
٤٨ - (١٧٥٧) حدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ
وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةُ - قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ :
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - عَنْ عَمْرو، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْس، عَنْ عُمَرَ . قَالَ : كَانَتْ
أَمْوَلُ بَنِى النَّضِيرِ مِمَّا أَفَّاءَ اللهُ عَلَى رَّسُولِهِ، مِمََّ لَمَّ يُوَجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيّلٍ وَلَا
فيقسم خمس الخمس عند قائل / هذا على ستة أسهم (١) .
٧٠ / ب
وقيل : يقسم الخمس كله على أربعة بينهم ؛ لله ورسوله ولذى القربى واحد ،
والثلاثة للباقين ، وروى هذا عن ابن عباس .
وقيل : يقسم الخمس على ستة أسهم ؛ سهم لله يرد على عباد الله المحتاجين ،
وسهم للرسول ، وأربعة أسهم لمن سمى الله - سبحانه - فى كتابه .
وقال ابن عيينة : إنما افتتح الكلام فى الفىء والخمس بذكر نفسه لأنها أطيب الكسب ،
وإنما ينسب إليه مايشرف ويعظم . ولم يقل ذلك فى الصدقات لأنها أوساخ الناس .
وقوله : (( كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله مما لم يُوجَّف عليه
بخيل ولاركاب ، فكانت للنبى عليه خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة ، ومابقى يجعله
فى الكراع والسلاح)): قال الطبرى: كان ما أفاء الله - سبحانه - على رسوله طعمة من الله
له على أن يأكل هو منه وأهله ما احتاجوا ، ويصرف مافضل عن ذلك فى تقوية الإسلام.
وعن عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - أنه - عليه السلام - كان يعود منها على فقراء
بنى هاشم ويزوج أيمهم. ومعنى (( ما أفاء الله)): أى ما رد وصرفه عليهم من أموال
الكفر .
قال الإمام : أما ماغنمه المسلمون بالقتال فلاخلاف أنه یخمس ویصرف خمسه حيث
أمر الله عزوجل، والأربعة الأخماس هى للغانمين على ظاهر القرآن . وما أجلى عنه أهله
من غير قتال فعندنا أنه لايخمس ويصرف فى مصالح المسلمين ، كما كان ◌ٍَّ يصرف
مايؤخذ من بنى النضير ، وعند الشافعى أنه يخمس كالذى غنم بالقتال ، يصرف خمسه
فيما يصرف فيه خمس ماغنم بالقتال .
وقوله: ((ما لم يوجف )) : الإيجاف : الإسراع ، ووجيف الخيل والركاب إسراعها
بالسير .
قال الإمام : خرج مسلم سند هذا الحديث عن جماعة من شيوخه ، كلهم عن سفيان
ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن الزهرى . هكذا إسناده عند أبى أحمد الجلودى ،
وسقط ذكر الزهرى فى هذا الإسناد من نسخة ابن ماهان والكسائى ، والحديث محفوظ لابن
(١) انظر: الاستذكار ١٤ / ١٦٢ وما بعدها، الحاوى ٨ / ٤١٢ وما بعدها .

٧٦
-
كتاب الجهاد / باب حكم الفىء
ركَابٍ ، فَكَانَتْ لِلنَّبِىِّ ◌َّهِ خَاصَّةٌ . فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٌ ، وَمَا بَقِىَ يَجْعَلُهُفِى
الكُرَاعِ وَالسِّلاحِ ، عُدَّةً فِى سَبِيلِ اللهِ .
( ... ) حدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ .
٤٩ - ( .. ) وحدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّد بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ
مَالِك، عَنْ الزهْرِىِّ، أَنَّ مَالك بْنَ أَوْس حَدَّثَهُ ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَىَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ،
فَجَتُ حِينَ تَعَلَى النَّهَارُ. قَالَ : فَوَجَدْتُهُ فِى بِيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ، مُقْضِيًا إِلَى رِّمَالِهِ ،
عيينة عن عمرو بن دينار ، عن الزهرى ، عن مالك بن أوس ، عن عمر .
قال القاضى : فى هذا الحديث جواز ادخار قوت سنة، وفعل النبى عمّ فى هذا لم
يكن لنفسه شيئا ، وأن الادخار لرب العيال مما لا يقدح فى التوكل . ولاخلاف عند الفقهاء
فى جواز ادخار مايرفعه الرجل من أرضه وزراعته ، مما لم يشتره من السوق . ورفع النبى
قوت سنة لعياله إنما كان من زراعته . واختلفوا فى ادخار قوت سنة من السوق ،
فأجازه قوم واحتجوا بهذا الحديث . ولاحجة فيه لما قدمناه ، وضعفه الأكثر على مقدار مالا
يضر بالسعر ، فإن كان ضيقا لم يشتره إلا بحسب الحال لشهره أو يومه ، وهو مع الرجاء
أوسع للسنة ، وأكثره بجواز الاحتكار . قال معمر وابن المسيب وغيرهما : وهذا فى غير
الضرر. ومنعه آخرون للحديث الآخر: (( لا يحتكر الأخاطير)) . قال بعضهم : ليس
ادخار قوت سنة من الحكرة .
وفيه حجة لمالك ومن لم ير تخميس الفىء ولاقسمته على الأخماس، ومن سمى فى
الآية خاصة ، وأنه موكول إلى اجتهاد الإمام ، إذ لم يذكر فى الحديث منه إلا نفقته منه
٧١ / أ على أهله، وتصريفه فى العدة والسلاح. وفيه أن للإمام الأكل من / الفىء والنفقة على
عياله لأنه من العاملين. هذا إذا لم يقل بقولنا : إن معنى السائر لرسوله أى له فيه نصيب ،
أو لأن له حقا فى الفىء كما لسائر المسلمين .
وقوله: ((كانت للنبى عليه خاصة)): ظاهر فى أنه لا يخمس كما قال الشافعى.
وذكر مسلم حديث مالك بن أوس فى قصة على والعباس - رضى الله عنهما - ومكالمتهما
بين يدى عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فى صدقات النبى معَّه.
وقوله: ((فوجدته على سرير مفضياً إلى رماله)) أى ليس على السرير فراش. ورمال
السرير وهو ما ينسج للمضجع فيه عليه من سعف وشريط وشبهه ، يريد أنه باشر رمال
السرير بجنبه .

٧٧
-
كتاب الجهاد / باب حكم الفىء
مُتَكِنًا عَلَى وِسَادَةَ مِنْ أَدَم. فَقَالَ لِى: يَا مَالُ، إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمك، وَقَدْ أَمَرْتُ
فِيهِمْ بِرَضْخِ ، فَخُذْهُ فَاقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ أمَرْتُ بَهَذَا غَيْرِى؟ قَالَ: خُذْهُ. يَا
مَالُ. قَالَ: فَجَاءَ يَرْفَا. فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِى عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدِ؟ فَقَالَ عُمَرُ : نَعَمْ . فَأَذِنَ لَهُمَّ، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِى عَّاسِ
وَعَلَىّ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَأَذْنَ لَهُمَا. فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضٍ بَيْنِى وَبَيْنَ هَذَاً
الكَاذِبِ الآثمِ الغَادِرِ الْخَائِنِ. فَقَالَ القَوْمُ: أَجَلْ ، يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَاقْضٍ بَيْنَهُمْ وَأَرِحْهُمْ، -
فَقَالَ مَالِكُّ بْنُ أَوَسٍَ: يَّخَيَّلُ إِلَىَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمَّ لِذَلِكَ - فَقَالَ عُمَرُ: أَّتِدَاً .
أَنْشُدُكُمَّبِاللهِ الَّذِىِ بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ الله عَّ قَال:
وقوله أول الحديث: (( يا مال))، قال الإمام : وهو ترخيم مالك ، كما يقال :
ياحار، فى ترخيم حارث. وقد قرئ فى الشاذ: ((ونادوا يا مال)) . ولك فيه وجهان :
إذا رخمت مالكا فتكسر اللام ؛ إشعاراً بالمحذوف . والثانى : رفعها ورد إعراب آخرها
عليها كأنه لم يكن ، وكان الباقى هو الكلمة كلها ، فيقع الضم فى آخرها ، وتقديراً أن
الضمة مع حذفه علامة عليه ، وإذا ضممت قدرت المحذوف كأنه لم يكن ، وكان الباقى هو
الكلمة كلها فيقع الضم فى آخرها .
وقوله: ((قد دفَّ أهل أبيات من قومك)) : الدف : المشى بسرعة ، فكأنهم جاؤوا
يسرعون لضرٍ أصابهم .
قال القاضى : الدف : السير ليس بالشديد .
وقوله: (( حين تعالى النهار)) : أى ارتفع، وهو بمعنى متع فى رواية البخارى (١).
وقوله: ((قد أمرت فيهم برضخ )) بسكون الضاد ، قال الإمام : الرضخ : هو العطية
القليلة ، يقال : رضخت له من مالى رضخة .
وقوله: ((أنشدكما بالله)): معناها : يسألكما بالله . يقال: نشدتك بالله ذكرت به
مستحلفاً والنشيد (٢) : رفع الصوت .
قال القاضى: وقوله: ((اتئدا)) معناه : تمهلا ولا تعجلا .
وقول العباس: ((اقض بينى وبين هذا الكاذب الآثم الخائن الغادر))، قال الإمام :
اللفظ الذى وقع من العباس لايليق بمثله ، وحاشا علياً منه أن يكون فيه بعض هذه
الأوصاف ، فضلا عن كلها ، أو عن يُلِمَّ بها، ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبى عَّ أو لمن
(١) البخارى ، ك فرض الخمس ، ب فرض الخمس ٤ / ٩٦، ٩٧ .
(٢) فى الأصل: الشد، والمثبت من ع .

٧٨
كتاب الجهاد / باب حكم الفىء
((لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)). قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقَبَلَ عَلَى العَبَّاسِ وَعَلَىٌّ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا
بالله، الَّذِى بِإِذْنه تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمَان أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((لا نُورَثُ، مَا
تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ )). قَالا: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّاللّهَ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ مَّهُ بِخَاصَّةً لَمْ
يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ. قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُول﴾(١) .-
مَا أَدْرِى هَلْ قَرَأَ الآيَةَ الَّتِى قَبْلَهَا أَمْ لا - قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ عَُّ بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِى
شهد له بها ، لكنا مأمورون بتحسين الظن بالصحابة - رضى الله عنهم - ونفى كل رزيلة
عنهم ، وإضافة الكذب لرواتها عنهم ، إذا استدت طرق التأويل . وقد حمل بعض الناس
هذا الرأى على أن أزال من نسخته ماوقع فى هذا الحديث من هذا اللفظ ، وما هو بعده مما
هو فى معناه ؛ تورعاً عن إثبات مثل هذا ، أو لعله يحمل الوهم على رواته .
وإن كان هذا اللفظ لابد من إثباته ولا يضاف الوهم إلى رواته ، فأمثل ماحمل عليه
أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه ؛ لأنه فى الشرع أنزل منزلة أبيه ،
وقال فى ذلك مالا يعتقد وما يعلم براءة ابن أخيه منه ، ولعله قصد بذلك ردعه وزجره عما
يعتقد أنه مخطئ فيها ، أو أن هذه الأوصاف وقع فيه على مذهبه من غير قصد لها ، بل
كان على - رضى الله عنه - عنده متأولا فيها ، فكأنه يقول : أنا على رأى إذا فعلت هذا
عن قصد أو وقعت فى مثل هذا الوصف ، وإن كان عند على - رضى الله عنه - لايوجب
على مذهبه وقوعه فيها ، وهذا كما لو قال المالكى فى رجل شرب النبيذ : هو عندى ناقص
الدين ساقط القدرات ، لكان ذلك كلاماً صحيحاً على أصله ، وإن كان الحنفى يعتقد أنه
٧١ / ب أتى من ذلك / مباحاً لا يفسد مروءته ، ولا يسقط عدالته .
ومن الدليل على أن هذه الطريقة هى التى تسلك فى التأويل أو ما فى معناها ؛ أن
مجلساً حضر فيه عمر بن الخطاب - رضوان الله عليهم - وهو أمير المؤمنين ، وقد عرف من
تشدده فى الحدود والأعراض ، وبعده عن المداهنة ما فات به الناس ، وفيه عثمان وعبد
الرحمن بن عوف والزبير وسعد - رضوان الله عليهم - ثم قال هذا ولاينكره منكر ،
ولا يزجر عنه عمر - رضى الله عنه - وهو الخليفة، وإليه صيانة الأعراض، وما ذاك إلا لما
تأولناه ؛ من أنهم فهموا بقرينة الحال أنه قال مالا يعتقد على جهة المبالغة فى الزجر لعلى -
رضى الله عنه ــ وزاد له حرمة الأب ، والأب لاينبغى أن ينصف منه فى العرض . هذا
عندى وجه تأويل ماوقع فى هذا . وكذلك قول عمر - رضى الله عنه - : ((إنكما جئتما أبا
بكر - رضى الله عنه)) وذكر ما قال لهما، وذكر عقيب ذلك: ((فرأيتماه كاذباً آثما خاذلا
(١) الحشر : ٧.

٧٩
کتاب الجهاد / باب حكم الفیء
النَّضير. فَوَالله، مَا اسْتَثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بقىَ هَذَا الْمَالُ ، فَكَانَ رَسُولُ
الله ◌َ يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٌ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِىَ أُسْوَةَ الْمَالِ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ، الَّذِى
بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّنَشَدَ عَبَّاسًا وَعَلِيًّا بِمِثْلِ مَا
نَشَدَ بِهِ القَوْمَ: أَتَعْلَمَانِ ذَلَكَ؟ قَالا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ عَِّ قَالَ أَبُو بَكْر :
أَنَا وَلَىُّ رَسُولِ اللهِ عََّ، فَجِثْتُمَا، تَطلُبُ مِيرَاثَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ
امْرَأَنَ مِنْ أَبِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْر: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: (( مَانُوَرَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))،
فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا آئمًا غَادِرًا خَائِنًا، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارِّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ . ثُمَّ تُوُفِّىَ أَبُو
خائنا )) وكذلك أيضا ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك وتأويل هذا أيضا نحو مما تقدم ذكره
المراد به: أنكما تعتقدان أن الواجب يفعل فى هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر ،
فنحن على موجب مذهبهما (١) لو أتينا ما أتينا، ونحن معتقدان أن ما تعتقد أنه على هذه
الأوصاف . أو يكون المراد : أن الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف ويتهم فى
قضاياه ، فكان مخالفتكما لنا تشعر من رآها أنكما تعتقدان ذلك . هذا أمثل ماتأول عنهم -
رضى (٢) الله عنهم .
وأما الاعتذار عن على وعباس - رضى الله عنهما ــ فى أنهما ترددا إلى الخليفتين مع
قوله تعالى: ((لانورث، ما تركناه صدقة)) هو تقدير عمر عليهما لأنهما يعلمان ذلك،
فأمثل مافيه مما قاله بعض الأئمة : إنهما إنما طلبا أن يقسماها بينهما بنصفين ينتفعان بها ،
على حسب ما ينفعهما الإمام بها لواليها بنفسه . فكره عمر - رضى الله عنه - أن يوقع
اسم القسمة عليها ؛ لئلا يظن بذلك مع تطاول الأزمنة أنها ميراث، وأنه عمله ورث ،
لاسيما وقسمة الميراث بين البنت والعم نصفان ، فيكون مطابقة للشرع بما يقع اتفاقا
واجتهادا من آكد مايلبس ويوهم فى ذلك ؛ أنه عَّه ورث ماترك ، وإن كان منهما ومن
فاطمة - رضى الله عنهم - قبل ذلك مايوهم أنهم طلبوا التمليك. فلعلهم قبل سماعهم
الخبر: (( لانورث )).
ومما يدل على ماقلناه : ماقاله أبو داود : أنه لم يختلف على - رضى الله عنه - أنه لما
صارت الخلافة إليه لم يغيرها عن كونها صدقة ، وبنحو هذا احتج السفاح . قال ابن
الأعرابى : فإنه لما خطب أول خطبة قام بها ، قام إليه رجل معلق فى عنقه المصحف ، فقال
له : أناشدك الله إلا ماحكمت بينى وبين خصمى بهذا المصحف . وقال : من هو ؟ قال :
(١) فى ع : مذهبكما .
(٢) فى الأصل : رضوا ، والمثبت من ع .

٨٠
كتاب الجهاد / باب حكم الفىء
بَكْرِ، وَأَنَا وَلَىُّ رَسُول الله ◌َّهُ وَوَلَىُّ أَبِى بَكْرِ، فَرَأَيْتُمَانِى كَاذِبًا آئمًا غَادِرًا خَائِنَا. وَاللهُ يَعْلَمُ
إَِّ لَصَادِقٌ بَارِّ رَاشِدٌ تَابَعٌ لِلْحَقِّ، فَوَلَيْتُهَ. ثُمَّ جِثْشَى أَنْتَ وَّهَذَا، وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ، وَأَمْرُكُمَا
وَحِدٌ ، فَقُلْتُمَا: ادْفَعَهَا إِلَيْنَا. فَقُلْتُ : إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ الله أَنْ
تَعْمَلا فِيهَا بِالَّذِى كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ عَُّ. فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلك. قَال: أَكَذلكَ؟ قَالًا:
نَعَم. قَالَ: ثُمَّ جِنْثُمَانِى لِأَقْضِىَ بَيْنَكُمَا. وَلَا، وَهِ ، لا أَقْضِى بَنَكَّمَا بِغَيْرٍ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ
السَّاعَةِ، فَإِنَّ عَجَزْتُمَا عَنّهَا فَرُدَّاهَا إِلَىَّ.
أبو بكر فى منعه فدك. قال : أظلمك ؟ قال نعم . قال : فمن بعده ؟ قال: عمر . قال :
أظلمك ؟ قال نعم . وقال فى عثمان مثل ذلك ، وسأله عن على : أظلمك ؟ فسكت
الرجل ، فأغلظ له السفاح . هكذا حكى ابن الأعرابى أو نحواً منه .
قال القاضى: قطع مسلم هذا الحديث عند قوله: (( فإن عجزتما عنها فرداها علىَّ )) زاد
البخارى: ((فأنا أكفيكماها)) (١) فلم يكملا الحديث . وقد ذكر مسلم بعد هذا - أيضا -
زيادة، قال : فدفعها عمر إلى على وعباس - رضى الله عنهم - فغلبه عليها على، أى
٧٢ / أ على القيام بها . وقد خرجه بتمامه / أبو بكر البرقانى فى صحيحه ، قال : فغلب على
عليها العباس ، فكانت بيد على ، ثم كانت بيد حسن بن على ، ثم بيد حسين بن على ،
ثم بيد على بن الحسين ، ثم بيد الحسن بن الحسين ، ثم بيد زيد بن الحسن ، ثم بيد عبد
الله بن الحسن ، ثم تولاها بنو العباس. وقد ذكر البخارى فى بعض هذا كما تقدم إلى قوله :
ثم بيد حسين بن على ثم قال : ثم بيد على بن حسين وحسين بن حسن . كذا قال ولم
يزد . وقد بين مسلم - أيضا - أن الذى دفع لهما عمر - رضى الله عنه - إنما هى صدقات
النبى على مما أفاء الله تعالى عليه بالمدينة، يعنى بنى النضير ومخيريق (٢) وغيره لك مما
أمسكه لنوائب المسلمين .
وقد تأول قوله : إن طلب فاطمة - رضى الله عنها - ميراثها من رسول الله عَّه،
يحتمل أنها تأولت الحديث إن كان بلغها فيما له بال ويختص بالأصول من الأموال، فهى
(١) سبق تخريجه فى نفس الباب .
(٢) هو مُخَيْرِيق النَّضَرى الإسرائيلى من بنى النضير، وقد ذكر الواقدى فى المغازى ص ٢٦٢ أنه أسلم
واستشهد بأحد ويقال : إنه من بنى قينقاع وقال : قال عبد العزيز : بلغنى أنه كان من بقايا بنى قينقاع وكان
عالما وقال: قد أوصى بأمواله للنبى معَّه وهى سبع حوائط: الميثب والصائفة والدلال وحسنى وبرقة
والأعواف ومشربة أم إبراهيم فجعلها النبى معَّه صدقة .
وروى فى أخبار المدينة أن مخيريق سابق اليهود. انظر : الإصابة ٦ / ٥٧ .