النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب الأقضية / باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ◌َّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ سَمعَ جَلَبَةَ خَصْم بَابِ حُجْرَتَهِ ،
فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ : ((إِنَّمَاَ أَناَ بَشَرٌ ، وَإِنَّهُ يَأتينى الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ
أَبْلَغَ مِنْ بَعَضٍ ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَأَقْضِى لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ،
قال القاضى: وقوله لهما: ((إنما أنا بشر)): تنبيه على حالة البشرية ، وأن البشر
لا يعلمون فى الغيب والبواطن إلا ما يطلعهم الله - سبحانه - عليه وأنه منهم ، وأنه يجوز
عليه فى أمور الظاهر باللحون عليهم. وفيه أن حكمه عَّه بين الخلق إنما كان على الظاهر،
وإن كان باطن أمرهم بخلافه ، فقضى باليمين وبالشاهدين والعفاص والوكاء حكمة من الله
تعالى فى ذلك ؛ ليتعلم منه أمته طريق الحكم ، ويقتدى به فى القضاء ، ولو شاء الله
لأطلعه على سرائر الخصمين ومخفيات ضمائر المدعين ، فيتولى الحكم بمجرد يقينه ،
ويقضى بقطع مغيبه دون حاجة إلى اعتراف أو بينة أو يمين أو شبهه . ولكن لما أمر الله -
سبحانه - أمته باتباعه والاقتداء به فى أقواله وأفعاله وكان هذا مما يخص الله تعالى - به لم
يكن للأمة سبيل الاقتداء ، فى شىء من ذلك ولا قامت حجة بقضية من قضاياه ؛ لأنا لا
نعلم بما أوحى به فيه إليه ، ولا ما اطلع من أمر الخصمين عليه بحكمه هو ، إذ المكنون من
علم الله. فأجرى الله - تعالى - أحكامه عَّه على الظاهر الذى يستوى فيه هو وغيره من
البشر ؛ ليصح اقتداء أمته به فى قضاياه ، ويأت ما أتوا من ذلك على علم من سنته ،
واعتماداً على علمه ؛ إذ البيان بالفصل إجلاء فيه من القول وأرفع لاحتمال اللفظ .
وقوله: ((فأقضى له على نحو ما أسمع)) : احتج به من لا يجيز له حكم الحاكم
بعلمه لقوله: ((فلعل بعضكم أن يكون ألحن فى حجته من بعض))، ولقوله: (( فأحكم
له بما أسمع)) ، ولم يقل : بما أعلم ، ولأن من يرى أحكام الحاكم بعلمه لا يلتفت إلى
ماسمع منه الخصم، خالف أو وافق ، لا يلتفت إلى حجج الخصم ولا ببيانه إذا علم خلاف
ذلك .
وقد يتعلق للاحتجاج به من يجيز حكم الحاكم بما اعترف به عنده فى مجلسه لقوله :
((بما أسمع)) ولم يقيده بثبات بينة، ويتأول (( أقضى له)) بمعنى: أقضى عليه ، وكلاهما
ليس ببين فى الحجة ؛ إذ قد يكون معناه : بما أسمع منه من حجة وثبت عندى له من بينة،
ألا تراه إنما جعل السماع / هنا للمقضى له لا للمقضى ، ولو كان ما سمع منه إقراراً لكان
الحكم إذاً للمقضى عليه الغير ، وكان يحتمل الكلام ، وإنما أراد : فأقضى له بما يأتى به
فأسمع له من حجة وبينة .
٥١ / أ

كتاب الأقضية / باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
٥٦٢ -
فَإِنَّمَ هِىَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلَيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا)) .
٦ - ( ... ) وحدّثنا عَمْرٌوَ النَّاقدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، حَدَّثَنَا
أَبِى، عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
كلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيث يُونُسَ .
فأسمع له من حجة وبينة .
وقد اختلف العلماء فى حكم الحاكم بعلمه وما سمعه فى مجلس نظيره ، فمذهب
مالك وأكثر أصحابه : أن القاضى لا يقضى فى شىء من الأشياء بعلمه ، لا فيما أقر به
فى مجلس قضائه ولا فى غيره ، وهو قول أحمد وإسحق وأبى عبيد ، وروى عن شريح
والشعبى . وذهب جماعة من علماء المدينة إلى أن القاضى يقضى بما سمعه فى مجلس
قضائه خاصة لا قبله ولا فى غيره ، إذا جحده ولم يحضر مجلسه بينة فى الأموال خاصة ،
وبه قال الأوزاعى وجماعة من أصحاب مالك المدنيين وغيرهم ، وحكوه عن مالك . وذهب
أبو حنيفة إلى أنه يحكم بما سمعه فى قضائه وفى مصره ، لا قبل قضائه ولا فى غير مصره
فى الأموال خاصة لا فى الحدود (١) . واستثنى بعض أصحابه القذف ولم يشترط مجلس
القضاء . وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه يقضى فى الأموال بعلمه فى القضاء وقبله وما
سمعه بمصره وغيره ، وهذا أحد قولى الشافعى . وقال الشافعى فى مشهور قوليه وأبو ثور
ومن تبعهما : إنه يقضى بعلمه فى كل شىء من الأموال والحدود وغيرهما بما سمعه ورآه
وعلمه قبل قضائه وبعده ، بمصره وغيره .
وقوله: ((فإنما أقطع له قطعة من النار)) معناه: إن قضيت له فى الظاهر بما الحكم فى
الباطن خلافه . وترجم عليه البخارى : أن القضاء فى القليل والكثير(٢) سواء لقوله :
((بشىء)).
وقوله: ((قطعة من النار)) : قيل : أى من العذاب بالنار ، فسمى العذاب بها
باسمها ، كما قال : إنى أنا الموت . وقد يكون على طريق التمثيل لما يضره من ذلك فى
أخراه كما تضره النار، بدليل قوله فى الرواية الأخرى: ((فليحملها أو ليذرها)) . وفيه
وعظ الحاكم المتخاصمين ، وقد ترجم عليه البخارى - أيضا.
(١) انظر: التمهيد ٢١٩/٢٢ - ٢٢٢.
(٢) البخارى ، ك الأحكام ، ب القضاء فى كثير المال وقليله ٩/ ٩٠ .
(٣) البخارى ، ك الأحكام، ب من قضى له بحق أخيه فلا يأخذه ٨٩/٩.

٥٦٣
كتاب الأقضية / باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
وَفِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ : قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِىُّ ◌َّهُ لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ.
لفظ التخيير، والمراد به النهى المحض والوعيد كقوله: ((اعملوا ما شئتم)) (١)، ﴿فَمَن شَاءَ
فَلْيُؤْمِنِ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر ﴾ (٢) .
وقوله: ((سمع جلبة خصم)) : الجلبة : اختلاط الأصوات ، ومثله اللجبة فى الرواية
الأخرى ، وكلاهما يفتح وسطه . والخصم يطلق على الواحد والجمع .
وقوله: (( فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض)) تفسير معنى قوله: (( ألحن
بحجته من بعض )) أى أفطن .
(١) البخارى، ك التفسير، ب ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوُكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١٨٦/٦.
(٢) الكهف : ٢٩ .

٥٦٤ -
-
كتاب الأقضية / باب قضية هند
(٤) باب قضية هند
٧ - (١٧١٤) حدّثَنِى عَلَىُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِر، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ. قَأَلَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ ، امْرَأَةُ أَبِى
سُفْيَانَ، عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهِ فَقَالَتَ: يَارَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا
يُعْطِنِى مِنَ النَّفَقَةِ مَيَكْفِيِنِى وَيَكْفِى بَنِىَّ، إِلا مَا أَخَذَّتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ
عَلَىَّ فِىَ ذَلِكَ مِنْ جُنَاحَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ تَُّ: (( خُذِى مِنَّ مَّالِهِ بِالَّمَغْرُوفِ،
مَكْفِيكِ وَيَكْفِى بَنِيكِ » .
( .. ) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْب، كلاهُمَا عَنْ عَبْد الله بْن
نُمَيْرٍ وَوَكِيعٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْنَى بْنَّ يَخَىَ، أَخْبُرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بَنُ مُحَمَّد. ح وَحَدَّثَنَ
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيَكِ ، أَخْبَرَنَا الضَّحََّكُ - يَعْنِى أَبْنَ عُثْمَانَ -
كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ .
٨ - ( .. ) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائشَةَ. قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَىَ النَّبِىِّ ◌َِّ، فَقَالَتْ:
يَارَسُولَ اللهِ، وَالله، مَا كَانَ عَلَىَ ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلَ خَبَاءَ أَحَّبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يُذَلَّهُمُ اللهُ
مِنْ أَهْلِ خِبَّائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أَهْلُ خِبَاء أَحَبَّ إِلَىَّ مِّنْ أَنْ يُعِزَّهُمُ اللهُ مِنْ
أَهْلِ خَبَّائِكَ. فَقَلَ النَّبِىُّ ◌َّهِ: (( وَأَيْضًاَ، وَالَّذِىَ نَفْسِى بِيَدَهِ)). ثُمَّ قَالَتْ: يَاَرَسُولَ
الله، إنَّ أَباً سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ
قوله فى حديث هند بنت عتبة : إن أبا سفيان رجل شحيح ، لا يعطينى من النفقة ما
يكفينى ويكفى بنى إلا ما أخذت من ماله بغير علمه ، فهل على فى ذلك من جناح ؟ فقال
رسول الله عَّ: (( خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك))، قال الإمام : نبه
الناس فى هذا الحديث على فوائد منها :
وجوب نفقة الزوجة ونفقة البنين .
ومنها : أن الإنسان إذا أمسك آخر حقه وعثر له على ما يأخذ منه فإنه يأخذه ؛ لأنها

٥٦٥
كتاب الأقضية / باب قضية هند
إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َهِ: (( لا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِى عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ)) .
٩ - ( ... ) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى
الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمِّ، أَخْبَرَنَى عُرْوَةُ بَّنُ الزُّبَيْرِ ؛ أَنَّ عَائِشَةً قَالَتَ: جَاءَتْ هِنْدُ بِثَتُ
عُتْبَةَ بَّنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَاَرَسُولَ اللهِ، وَللهِ، مَاكَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّإِلَىَّ
ذكرت أنها تأخذ بغير علمه .
ومنها : جواز إطلاق الفتوى والمراد تعليقها بثبوت ما يقوله الخصم ؛ لأنها ذكرت أنه
يمنعها حقا، فقال عَّ لها: ((خذى))، وهذه إباحة على الإطلاق ، ولم يقل : إن ثبت
ذلك ، ولكنه هو المراد . ولهذا لا يقول كثير من المفتيين / فى جوابهم : إذا ثبت ذلك ،
ويحذفونه اختصارا .
٥١ / ب
ومنها : أنه علق النفقة بالكفاية ، وهو مذهبنا ، خلافاً لمن زعم أنها مقدرة . وهذا
حجة عليه . وفيه إشارة إلى أن لها مدخلا فى كفالة بنيها فى الإنفاق عليهم .
قال القاضى : وفيه من الفوائد غير ما ذكر ، منها : الحكم على الغائب ، فقد استدل
به البخارى (١) وترجم عليه ؛ لأن أبا سفيان لم يكن حاضرا . وقد اختلف العلماء فى
الحكم على الغائب ، قال الكوفيون : لا يقضى عليه فى شىء . وقال الجمهور : يقضى
عليه فى كل شىء ، وعن مالك فى الحكم عليه فى غيرها (٢)، وقيد الحكم بالعرف لقوله :
(( ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وذلك على ما جرت به عادتهم فى الإنفاق وبقدر حاجتهم
وقدر ماله ، وتحرى القصد والوسط دون الإكثار والإقتار . وفيه أن ذكر الرجل بما فيه عند
الحاكم والمستفتى ليس بغيبة .
وفيه جواز خروج المرأة فى حوائجها ، وأن المرأة تستفتى للعلماء ، وأن كلامها
وصوتها ليس بعورة . وفيه دلالة على حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعرف . وكذا ترجم
البخارى عليه : باب حكم الحاكم إذا لم يخف الظنون والتهمة ، وكان أمرا مشهورا إذ
يحوجها إلى إثبات دعواها ولا زوجيتها .
وفيه تكلم الحاضن على محضونيه ، والغُنْمُ بالأمر فيما أسند إليه أو تكلف من قبل
نفسه، وصحة ذلك له . وقد أدخل هذا الحديث البخارى تحت ترجمة قصاص المظلوم إذا
(١) البخارى، ك النفقات، ب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها ونفقة الولد ٨٣/٧، ٨٤ .
(٢) انظر: المسألة فى المغنى ١٤/ ٩٣ .

٥٦٦ -
كتاب الأقضية / باب قضية هند
مِنْ أَنْ يَذَلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَاَ أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّ إِلىَّ
مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مَنْ أَهْلِ خَبَّائِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّةِ: (( وَأَيْضًا، وَالَّذِى نَفْسِى بَيَدَهُ)).
ثُمَّ قَتَ : يَاَ رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَباَ سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ مِنْ أَنْ أُطْعِمَ ،
مِنَ الَّذِى لَهُ، عَيَالَنَا؟ فَقَالَ لَهَا: ((لا، إلا بِالْمَعْرُوفِ)) .
وجد مال ظالمه (١) ، هل يباح له أخذه ؟
واختلف العلماء فيمن منعه رجل حقه ثم قدر له الممنوع على مال ، هل يأخذ حقه منه
بغير رضاه أو خفية عنه ؟ فأجازه جماعة ، واحتجوا بهذا الحديث ، منهم الشافعى وابن
المنذر. ومنعه آخرون للحديث الآخر: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))(٢)
منهم مالك وأبو حنيفة ، وحكى الداودى القولين عن مالك (٣) .
وقولها : ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى من أن يذلهم الله من أهل
خبائك ، وما على ظهر الأرض اليوم أهل خباء أحب إلىّ من أن يعزهم الله من أهل
خبائك)) الحديث: أرادت به نفسه عَّ، ولأنه أعلم ، فكنّت عنه بهذا، أو أكبرته عن
مخاطبته وتعيينه بذلك لما فيه . وقد يحتمل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته . والخباء يعبر
عنه عن مسكن الرجل وداره .
وقول النبى عليه لها: ((وأيضا والذى نفسى بيده)): أى سيتمكن الإيمان من قلبك ،
ويزيد حبك لله ولرسوله ، ويقوى رجوعك عن بعضه .
قيل : وأصل هذه الكلمة الرجوع ، يقال : أخفى الشىء : رجع .
وقوله فى الرواية الأخرى: ((إن أبا سفيان [هكذا] (٤) رجل مسيك)) هكذا ضبطناه
عن الأسدى هنا بفتح الميم وتخفيف السين ، وضبطناه عن الصدفى وعلى الخشنى عن
الطبرى: ((مسيك)) بكسر الميم وتثقيل السين ، وبالوجهين حملناهما عن ابن سراج ،
وكانوا يرجحون فتح الميم . ومعناه : شحيح كما جاء فى الحديث الأول - وممسك - كما
جاء فى الثانى - والوجه الآخر على المبالغة، كما قالوا: شريب وسكير. والأول - أيضا -
من أبنية جموع / المبالغة. وهذه اللفظة حجة على ابن قتيبة فى قوله: لأنه لا يقال : مسك،
٥٢ / ١
(١) البخارى ، ك المظالم، ب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه ٣/ ١٧٢ .
(٢) الترمذى ، ك البيوع: ٥٦٤/٣ برقم (١٢٦٤)، وقال : حديث حسن غريب ، الدارمى ، ك البيوع، ب
فى أداء الأمانة واجتناب الخيانة ١٧٨/٢ .
(٣) انظر المسألة فى المغنى ٣٣٩/١٤، التمهيد ١٥٩/٢٠.
(٤) ليست من متن الحديث .

٥٦٧
-
كتاب الأقضية / باب قضية هند
وإنما يقال: أمسك. وقد ذكرنا صواب الوجهين فى كتاب الحيض، و(( مسيك)) إنما يأتى
من مسك كقدير من قدر ، وإذا كان من أمسك لقال : ممسكا .
وقولها: ((شحيح)) الشح عندهم فى كل شىء ، وهو أعم من البخل ، وقيل :
الشح لازم كالطبع (١) .
وقوله: ((إلا بالمعروف)) كذا روايتنا عنهم ، ومعناه : لا حرج عليك . ثم ابتدأ
بقوله: ((إلا بالمعروف))، أى لا تنفقى إلا بالمعروف. وسقط ((إلا)) من بعض
الروايات ، وبسقوطها يأتى الكلام أبين ، أى لا حرج إن أنفقت بالمعروف .
(١) فى س : كالطبيعة .

٥٦٨
كتاب الأقضية / باب النهى عن كثرة المسائل ... إلخ
(٥) باب النهى عن كثرة المسائل من غير حاجة . والنهى عن منع
وهات ، وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه
١٠ - (١٧١٥) حدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبيه ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَكْرَهُ لَكْم
ثَلاثًا. فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا،
وَلَا تَفَرَّقُوا. وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ الَسُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الَّمَالِ)) .
١١ - ( ... ) وحدّثْنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْل ، بِهَذَا
الإِسْنَاد، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (( وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا )). وَلَمْ يَذْكُرْ: (( وَلَا تَفَرَّقُوا)).
١٢ - (٥٩٣) وحدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
وقوله: ((إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا ـــ ويروى ويسخط (١) -:
أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . ويكره لكم
قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) : الرضى والكراهة والسخط من الله تعالى
يرجع إما إلى لأمره ونهيه، أو لثوابه وعقابه، أو إرادته للثواب وللعقاب لأهل هذه الخصال.
الاعتصام بحبل الله هو والتمسك بعهده ، وهو اتباع كتابه، والتزام شريعته وطاعته وتقواه .
والحبل فى كلام العرب كلمة منصرفة ، منها العهد والأمان والوصلة ، وأصل ذلك
استعمال العرب الحبل فى مثل هذه الأمور الاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم ، ومعاناة
صعابها وصلة المفترق من الأشياء يربطونها (٢) [ به ] (٣) ولأخذها من سادات البلاد أمانا
فى بلادها . فاستعير اسمه لهذه الأمور ولكل ما يشبه ما كان يستعمل فيه .
وقوله: ((ولا تفرقوا)»: أمر بالاجتماع والألفة، وهى إحدى دعائم الشريعة ،
ونهى عن الفرقة والاختلاف. وقد يكون قوله: ((ولا تفرقوا)) راجع إلى الاعتصام بحبل
الله، والتآلف على كتابه وعهد شريعته ، وتكون خصلة واحدة ، والثنتان قبلها ؛ إحداهما :
(١) الحديث فى مسند أحمد ٣٦٧/٢، ولفظه: عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّه: ((إن الله يرضى
لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا ... )) الحديث.
(٢) فى الأصل : يربطها ، والمثبت من الأبى.
(٣) مثبتة من س .

٥٦٩
كتاب الأقضية / باب النهى عن كثرة المسائل ... إلخ
عبادة الله. والثانية: ألا يشرك معه غيره؛ بدليل أن قوله: ((ولا تفرقوا)) لم يأت فى
بعض الروايات .
ومعنى (( قيل وقال)): الخوض فى أخبار الناس وحكايات ما لا يعنى من أحوالهم ؛
قيل كذا ، وقال فلان كذا ، فقيل كذا وعلى هذا نقول: (( قيل)) منصوبة فعل لما لم يسم
فاعله، و((قال )) فعل ماض أيضا ، ويصح أن يكون اسمين مخفوضين . والقيل والقال
والقول بمعنى ، وكذلك القيل والقالة .
و((كثرة السؤال)» فيه تأويلات ، أنه من مسألة الناس ما بأيديهم ، وقيل : يحتمل
النهى عن كثرة السؤال والتنطع فى المسائل فيما لم ينزل ، وقد كان السلف يكرهون ذلك
ويرونه من التكلف . وقال مالك فى هذا الحديث : لا أدرى أهو ما أنهاكم عنه من كثرة
المسائل ؟ فقد كره رسول الله عَّه المسائل وعابها ، أو هو مسألة الناس أموالهم ؟ وقد يكون
المراد به سؤال النبى ◌َّهُ عما لم يأذن فى السؤال عنه لقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن
◌ُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم ) الآية(١)، وفى الصحيح: ((إن أعظم الناس جرما من سأل عن [شىء ](٢)
عن النبى ◌َُّ لم يحرم فحرم من أجل مسألته )) (٣). [وقد ] (٤) يكون كثرة السؤال عن
أخبار / الناس وأحداث الزمان ، وما لا يعنى من الأمور والاشتغال بمثل هذا ، فتكون
[ بمعنى ] (٥) النهى عن قيل وقال. وقد يكون [ كثيرة ] (٦) سؤال (٧) الرجل الناس عن
أخبارهم وأحوالهم وتفاصيل أمورهم ، فيدخل بذلك الحرج ؛ إما بكشف ما لا يريدون
كشفه من ذلك بضرورة سؤاله ، وبالكذب والتعريض لستر ذلك عنه إذا كان مما لا يفشى ،
وبالجفاء وسوء الأدب أو بالكذب إن ترك الجواب له عنه .
٥٢ / ب
وأما (( إضاعة المال)) يكون فى تعطيله ، وترك القيام عليه ، أو مصلحته ، مصلحة
دنياه ، ومصلحة دنياه صلاح دينه بتفرغ باله له ، وتركه التعرض لما فى أيدى الناس . وقد
تكون إضاعته إنفاقه فى غير وجوهه والإسراف فى ذلك .
(١) المائدة : ١٠١ .
(٢) مثبته من س .
(٣) البخارى، ك الاعتصام، ب ما يكره من كثرة السؤال ١١/٩، مسلم، ك الفضائل، ب توقيره معي
وترك إكثار سؤاله (٢٣٥٨/ ١٣٢) .
(٤) من س .
(٥) فى س : من معنى .
(٦) مثبتة من س .
(٧) فى س : السؤال .

٥٧٠
كتاب الأقضية / باب النهى عن كثرة المسائل ... إلخ
مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ وَرَّادِ مَوْلَى الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ،
عَنْ رَسُولِ اللهَ يَِّ قَالَ:(إِنَّاللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَّ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَتَ، وَوَأَدَّ الْبَنَات،
وَمَنّعًا وَهَاتٍ. وَكَرِهَ لَكُمْ ثَّلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةً الَّمَالِ» .
( .. ) وحدّثْنِى الْقَآَسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ
مَنْصُور، بِهَذَا الإِسْنَاَد، مثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِعَّهِ. وَلَمْ
يَقُلْ: إِنَّ اللَّحَرَّمَ عَلَيْكُمَّ .
١٣ - حدّثنا أُبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً عَنْ خَالد الْحَذَّاء ،
حَدَّثَنِى ابْنُ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِىِّ، حَدَّثَنِى كَاتِبُ الَّمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ. قالَ: كَتّبَ مُعَاوِيَةٌ
إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَّىَّ بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عََّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّى سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهَِ عَّهُ يَقُولَ:(( إِنَّ اللهُ كَرِهَ لَكَمْ ثَلاَثَا قَلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَال، وَكَثْرَةَ
السُّؤَال )) .
١٤ - ( ... ) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ
مُحَمَّد بْنِ سُوقَةَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِىُّ، عَنْ وَرَّاد، قَالَ: كَتَبَ الْمُغيرَةَ
إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلامٌ عَلَيْك. أَمَّا بَعْدُ ، فَإِّىَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُول: ((إِنَّالهَ حَرَّمَ
وأما قوله فى الحديث الآخر: (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات ،
ومنع وهات )) فلا خلاف أن العقوق من الكبائر ، وكذلك الوأد للبنات . والوأد : دفنهن
أحياء ، كما كانت تفعله الجاهلية . وحق الأمهات ؛ لأنهن أعظم حقا وأكثر حقوقا على
الولد، وقد قال عَّه: ((أمك، ثم أمك، ثم أباك)) (١). وأيضا فإن النساء عند العرب
لم تكن لهم تلك الحرمة بخلاف الرجال ، فحض عَّه على بر الأمهات ، وخص النهى
عن عقوقهن تأكيداً لحقوقهن. وقد جاء فى الحديث الآخر مكان ((الأمهات)): ((الوالد)) والمراد
به الجنسين من الذكر والأنثى - والله أعلم - وكذلك خص النهى عن الوأد للبنات ؛ لأن
ذلك كانت عادة العرب ، إنما كانوا يخصون به الإناث للغيرة عليهن . ومنهم من كان
يفعله فى الشدائد وخشية الإملاق ، كما قال الله تعالى (٢). وكانوا يتجملون بالذكران
ويجملون مؤنثهم بكل حال لرغبتهم فى شدة العضد وكثرة العدد .
(١) سيأتى فى كتاب البر والصلة إن شاء الله تعالى.
(٢) يعنى آية (٣١) من سورة الإسراء.

كتاب الأقضية / باب النهى عن كثرة المسائل ... إلخ
٥٧١
ثَلاَثًا، وَنَهَى عَنْ ثَلاث: حَرَّمَ عَقَوقَ الوَالد، وَوَأَدَ الْبَنَات، وَلَا وَهَاتٍ . وَنَهَى عَنْ
ثَلاث: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثَِّةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَّةً الْمَال)) .
وقوله: ((ومنع وهات))، وفى الرواية الأخرى: ((ولا وهات)) وهما بمعنى ، فحرم
منع الحقوق والبخل بها ، وطلب ما لا يجب للإنسان طلبه ، وأخذ ما لا يحل له ولا يصح
لفظ ((حرم)) إلا فى مثل هذا، وهو من معنى ما كره من كثرة السؤال ، ومما يقوى أحد
التأويلات فيه: أنه فى الأحوال بمعنى: هات هنا. لكن لفظ (( كره)) هناك أوسع ؛ لأنها
تقع على ما ذكرناه هنا مما يحرم ، وعلى ما يجب التنزه عنه من سؤال ما يستفتى الإنسان
عنه ، ولا تدعو ضرورة إليه مما يباح ويحل ، لكن جمعهما فى الحديث الآخر ، فدل أنهما
المعنيين ؛ إذ تكرار الكلمتين فى كلام واحد بمعنى واحد ليس من جيد الكلام ، ولا من نمط
كلامه عَّ .
وتخصيصه فى أحد الروايات بعضهما بأن الله حرم ، وبعضهما بأن الله نهى إبانة
الفصل ما بين هذه الممنوعات ، وتفريق حكمها من التحريم والتنزيه ، وأن الثلاث الأول -
من العقوق والوأد والمنع وهات - محرمات . ولا مرية أن العقوق والقتل من الكبائر
الموبقات ، وكذلك منع حقوق الله من الزكوات وحقوق عبادة الواجبات وأخذ شىء منها
لمن لا يحل له من المحرمات . ثم جاء النهى عن الثلاث الأخر من الشغل بقيل وقال ،
وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، على التنزيه والحض .
ويخرج من تفريق النبى ◌ّه بين لفظ التحريم والنهى/ الحجة لمن يقول: إن مجرد ٥٣ / أ
النهى بلفظه أو صيغته لا يقتضى الوجوب إلا بدليل .

٥٧٢
كتاب الأقضية / باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد ... إلخ
(٦) باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، فأصاب أو أخطأ
١٥ - (١٧١٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّميمىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
مُحَمَّدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْد الله بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ إِيْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْر
ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى قَيْسِ مَوْلَّى عَمْرِو بْنِ الَعَصِ، عَنْ عَمْرِوَ بْنِ الْعَاصَِ؛ أَنَّهُ سَمِعٌ
رَسُولَ اللهِ عْ قَالَ: ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَّمَ
٠,٠٠٠
فَجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأً ، فَلَهُ أَجْرٌ )) .
( .. ) وحدّثَنِى إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ، كِلاهُمَا عَنْ الْعَزِيزِ بْن
مُحَمَّدٍ، بَهَذَا الإِسْنَاد، مثْلَهُ. وَزَادَ فى عَقْبِ الْحَديث : قَالَ يَزِيدُ فَحَدَّثْتُ هَذَاً
الْحَدِيثَ أَبَاَ بَكْرٍ بَّنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بَنِ حَزَّمٍ. فَقَالَ: مَّكَذَا حَدَّثَنَّى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ .
( ... ) وحدثنى عَبّدُ اللهِ بْنِ عَبد الرَّحْمَن الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ
مُحَمَّد الدِّشْقِىَّ - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثَنِىَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنٍ
الْهَادِ الَِّىُّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، مِثْلَ رِوَةٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ . بِلَإِسْتَادِّيَّنِ جَمِيعًا.
قوله : ((إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ
فله أجر)): قال أهل العلم: وهو ما لا خلاف [ فيه ولا شك] (١) ، أن هذا إنما هو فى
الحاكم العالم الذى يصح منه الاجتهاد ، وأما الجاهل فهو مأثوم فى اجتهاده بكل حال ،
عاص بتقلده مالا يحل له من ذلك ؛ ولأنه متكلف فى دين الله متحرض على شرعته
متحكم فى حكمه ، فهو مخطئ كيفما تصرف ، ومأثوم فى كل ما تكلف ، وإصابته ليس
بإصابة إنما هو اتفاق وتخرص ، وخطؤه غير موضوع لأنه يجهله كالعامد ، والجاهل والعامد
هما سواء. قد جاء فى الحديث الآخر: (( القضاة ثلاثة : اثنان فى النار ، وواحد فى الجنة.
فقاضٍ قضى بغير الحق وهو يعلم بذلك (٢) ففى النار ، وقاض قضى وهو لا يعلم فأهلك
(١) فى س : ولا شك فيه .
(٢) فى س : فذلك .

٥٧٣
كتاب الأقضية / باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد ... إلخ
حقوق الناس فذلك فى النار ، وقاض قضى بالحق فذلك فى الجنة)) (١) . وفى الرواية
الأخرى: (( وقاض علم قوله هذا، فعدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه)) . ومعنى قوله
هنا: ((أخطأ)) يعنى وجه الحكم . وجعل له الأجر لاجتهاده لأنه فى طاعة بعلمه ، ولم
يكمل لعدم إصابته ، والآخر تم له الأجر لكمال أجره فى الاجتهاد والإصابة لوجه الحكم ،
فكان له من الأجر الكثير الجسيم بقدر ذلك .
وقد استدل بهذا الحديث من يرى أن الحق فى طرفين، وأن كل مجتهد مصيب ، قال:
لأنه ◌َّ جعل له أجراً. واحتج به - أيضا - أصحاب القول الآخر بأن المصيب واحد
والحق فى طرف واحد ؛ لأنه لو كان كل واحد مصيباً لم يسم أحدهم مخطئا ، فجمع
الضدين فى حالة واحدة . ومعنى الحديث عند الطائفة الأولى فى أنه أخطأ النص وذهل
عليه (٢)، أو ما لا يسوغ الاجتهاد فيه من الدلائل القطعية مما خالفه إجماع، وما اطلع الله -
سبحانه - أو نبيه عليه على حقيقه الحق [ فيه ] (٣) ووجه الحكم ، فهذا متى اتفق لحاكم
الخطأ فيه بعد اجتهاده لم يختلف فى نسخ حكمه [ ورد نظره وإخبار خطئه، وهو ] (٤) الذى
يصح عليه إطلاق الخطأ .
وأما للمجتهد فى قضية ليس فيها نص ولا إجماع فمن أين يقال: إنه أخطأ ؟ ولا
يلتفت إلى قول من لم يحقق لقوله: ((إن فى كل نازلة حكما عند الله تعالى هو الصواب ،
فإذا أخطأ المجتهد كان مخطئا ، وإذا أصابه كان مصيبا )) فى أن هذا تخييل وتوهيم ، ممن
لا تحقيق عنده ؛ إذ النوازل التى لم يبرز الله لها حكما ولا نص لنا على وجه حكمها من
حرمها لاحكم لله فى شىء منها ، سوى ما سبق فى قديم مشيئة علمه فى آحادها من
اختلاف المجتهدين فيها ، وأن الشافعى يحكم فى نازلة فلان بالجواز، ومالك يحكم فى
نازلة فلان آخر وهى مثلها بالمنع ، وأبو حنيفة يحكم فى قضية فلان بالتعزير ، ومالك
يحكم فيها بعينها لآخر بالرجم . وهكذا فى تفصيل آحاد النوازل فى علم الله - سبحانه -
وسابق كتابه ، الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء .
فإذا وقعت هذه النوازل فكل حاكم حكم فيها باجتهاده فهو الذى علمه الله - تعالى -
وشاءه ، وما نفذ فيها فهو قضاؤه - تعالى - بها وحكمه ، ولا تناقض فى هذا كما زعم
الآخرون حتى يكون الشىء حلالاً / معاً وصحيحا فاسداً فى حالة واحدة وواجباً حراما فى
٥٣ / ب
(١) أبو داود، ك الأقضية، ب فى القاضى يخطئ ٢٦٧/٢، الترمذى، ك الأحكام ، ب ما جاء عن الرسول
٦٠٤/٣ رقم (١٣٢٢)، ابن ماجه، ك الأحكام، ب الحاكم يجتهد فيصيب الحق ٢ / ٧٧٦ بمعناه.
(٢) فى س : عنه .
(٣) ساقطة من س .
(٤) فی س : ودرء نظره وخبر خطئه وهذا .

٥٧٤
كتاب الأقضية / باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد ... إلخ
أخرى ، فإن تناقض اختلافهم بتضاد أحكامهم إنما هو على الجملة وجنس النازلة ،
وبحسب تقدير اجتماع ذلك فى النازلة الواحدة ، والنظر فى إصابة صواب الحكم ومراد الله
فيه فإنما هو بعد وقوعه ، ولا يصح أن يقع إلا على صفة واحدة فلا ينفذ فى الشأن القتل
والاحتياط فى حالة ، ولا يجتمع التحليل والتحريم فى حكم واحد .
فبان أن الذى نفد به الحكم فى هذه النازلة من المالكية من قتل هذا هو حكم الله -
تعالى - فيه لا سواه ، وفى هذه الأخرى من جلد آخر فيها بحكم الحنفى هو حكمه أيضا لا
سواه ، ومن تصريح آخر وترك التبعة له فى مثلها . بحكم الشافعى لذلك ، وأن الصواب
فى هذه النوازل كأنها ما نفذ فيه حكم المجتهدين وفتاويهم فيها بخاصة كل قضية ، وأنها
أحكام الله - سبحانه - فيها ، ومراده فى أزله ، وسابق علمه لا غير ذلك؛ إذ لاحكم لله
فى نازلة إلا ما نص عليه ، أوقام مقام نص بما شرعه رسوله قطعاً ، أو اجتمعت عليه أمته
أو مستنده إلى مثل ذلك ، أو ما كشف الغيب مراده أنه حكمه بتقييد مجتهد له ولا تناقض
ولا تضاد فى ذلك، إذ التناقض والتضاد إنما يتصور فى المحل الواحد، وهذا كله بين جلى .
والقول بأن الحق فى طرفين هو قول أكثر أهل التحقيق من المتكلمين والفقهاء ، وهو
مروى عن مالك والشافعى وأبى حنيفة ، وإن كان قد حكى عن كل واحد منهم اختلاف
فى هذا الأصل ، وهذا كله فى الأحكام الشرعية وما لا يتعلق بأصل وقاعدة من أصول
التوحيد وقواعد التوحيد ، مما مبناه على قواطع الأدلة القطعية ، فإن الخطأ فى هذا غير
موضوع ، والحق فيها فى طرف واحد بإجماع من أرباب الأصول ، والمصيب فيها واحد ،
إلا ما حكى عن عبيد الله بن الحسن العنبرى أن مذهبه فى ذلك على العموم . وعندى أنه
إنما يقول ذلك فى أهل الملة دون الكفرة . والاجتهاد المذكور فى هذا الباب هو : بذل الوسع
فى طلب الحق والصواب فى النازلة .

٥٧٥
كتاب الأقضية / باب كراهة قضاء القاضى وهو غضبان
(٧) باب کراهة قضاء القاضى وهو غضبان
١٦ - (١٧١٧) حدّثْنَا قُتَبِيَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْد الْمَلكِ بْنِ
عُمَيْر عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَّبِى بَكْرَةَ. قَالَ: كَتَبَ أَبِى - وَكَتَبْتُ لَهُ - إِلَّى عُبَيْدَ الله
ابْنِ أَبِى بَكْرَةً وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ: أَلا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْن وَأَنْتَ غَضَْبَانُ ، فَإِنِّىَ
سَمَعْتُ رَسُولَ الله ◌َيْ يَقُولُ: (( لا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)).
( ... ) وحدّثَناه يَحْبَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ،
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حِ وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا وَكَيْعٌ، عَنْ سُفْيَانَ .
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذ،
حَدَّثَنَا أَبِى، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُّ عَلِىٌّ عَّنْ
زَائِدَةَ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَبِّدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةً، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ النَِّّ ◌َ، بِمِثْلٍ حَدِيَثٍ أَبِىَ عَوَةٌ .
وقوله: (( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) ، قال الإمام : قال الحذاق من
الأصوليين : إن هذا جارٍ مجرى التنبيه بالشىء على ما فى معناه ، وأن المراد بذكر الغضب
هاهنا : العبارة عن كل حال تقطع الحاكم عن السداد ، وتمنع من استيفاء الاجتهاد ؛
كالشبع المفرط الموقع فى القلق ، وجمود الفهم ، وكالجوع المفرط المؤدى إلى موت الحس
وانحلال الذهن ، وكالردع العظيم المشتغل للنفس المغير للحس ، وكالحزن الشديد المؤدى
إلى نحو من ذلك ، إلى غير ذلك مما يطول العداد .
وإنما نبه عن الغضب لأنه أكثر ما يعرض للحاكم ؛ لأنه لا بد مع مراجعته العوام أن
تقع منهم الهفوة وتسمع منهم الجفوة ؛ فلهذا خص بالذكر .
وإن عورض هذا الحديث بحديث شِرَاج الحرة وأنه تَّهِ حكم بعد أن أُغْضِبَ ، قيل :
هو عَّ معصوم ، وأيضا. فلعله علم الحكم قبل أن يغضب ، وأيضا فلعله لم ينته الغضب
به إلى الحد القاطع عن سلامة الخواطر .

٥٧٦
كتاب الأقضية / باب نقض الأحكام الباطلة ... إلخ
(٨) باب نقض الأحكام الباطلة ، وردّ محدثات الأمور
١٧ - (١٧١٨) حدّثَنا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنِ الْهِلالِىُّ،
جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد . قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثْنَا إِبْرَاهَيمَ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَّوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ الْقَاسِمِ بْنٍ مُّحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتَ:
قَالَّ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِىَ أَمْرِناً هَذَا مَّالَّيْسَّ مِنْهُ فَهُوَ رَدِّ)) .
١٨ - ( .. ) وحدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَامر .
قاَلَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلَكِ بْنُ عَمْرَو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنٌ جَعْفَرَ الزُّهْرِىُّ عَنْ سَعَّد
ابْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: سَأَلْتُ اَلْقَسِمَ بْنَ مُحَمَّد عَنْ رَجُلَ لَهُ ثَلاثَةُ مَسَاكَنَ ، فَأَوْصَى
بُلُثَ كُلَّ مَسْكَن مِنْهَا. قَالَ: يُجَّمَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِى مَسْكِّنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتِى
عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلاَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَّاً فَهُوَ رَدِّ)) .
وقوله عَّ: ((من أحدث فى أمرنا هذا ماليس منه فهو رد))، قال الإمام: يحتج
٥٤/أ بهذا من/ أهل الأصول من يرى أن النهى يدل على فساد المنهى عنه ؛ لأنه أخبر إن كان
أحدث بما ليس من الدين فهو رد . والمنهيات المحرمات كلها ليست من أمره عمله فيجب
ردها ، ومن أنكر من أهل الأصول ممن يرى كون النهى يدل على فساد المنهى عنه على
الإطلاق يقول : هذا خبر واحد ، يتطرق إليه الاحتمال والتأويل ، فلا يستمسك به فى مثل
هذه المسألة .
قال القاضى - رحمه الله -: معنى قوله: ((رد)): أى فاسد . وفائدة الخلاف
المتقدم هذا فيمن يقول : إن النهى يدل على فساد المنهى عنه ، وهو قول جمهور الفقهاء ،
وأن العقود المنهى عنها إلا من دليل آخر . ومذهب معظم أئمة المتكلمين من شيوخنا أن
مجرد النهى لا يدل على الفسخ ولا على فساء المنهى عنه ، وإنما يستدل على فساد ما فسد
منه بغير مجرد النهى عنه. ومعنى قولهم: ((رد )) : أى غير موافق لسنة ، وصاحبه غير
مأجور فيه ومردود علیه
وقوله فى هذا الحديث: (( سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى
بثلث كل مسكن منها ، قال: يجمع ذلك كله فى مسكن واحد ، ثم قال : أخبرتنى عائشة -
رضى الله عنها)) وذكر الحديث : حكم الوصايا أن تنفذ على ما أوصى به الميت ما لم

٥٧٧
كتاب الأقضية / باب نقض الأحكام الباطلة ... إلخ
يحدث ذلك ضررا على الورثة فى ثلثيهم الموروث ، وهذا لما أنفذت وصيته بثلثه فى كل
مسكن لم يلزم إلا بحكم ينفذ بينه وبين الورثة ، بما يجب من الحكم بين الشركاء ولو
أوصى بذلك الميت ، وبينه بقوله : لا يفرق نصيبه لم يلتفت إلى وصيته ؛ لأن وصيته إنما
هى فى ملكه فى المال لا فيما يوجبه الأحكام ، فوجب إذا دعا هو أو دعا الورثة إلى تمييز
حقوقهم وجمعها أن يحكم بينهم بواجب السنة فى ذلك ، يأمر بجمعها وتقسيمها بالتعديل
والتقويم وإخراج نصيب كل واحد متميزاً منحازاً ينفرد بسكناه ومنفعته ، إلا لو كانت هذه
الدور من البعد فى الأماكن بحيث لا يضم بعضها إلى بعض فى القسم لبقى الأمر على ما
أوصى به ، كما تبقى الورثة على وراثتهم فيها إذ كانت لا تقسم ، أو تقسم كل دار منها
إن احتملت القسم على أنصبائهم على واجب سنة القَسْمِ ، أو تكون هذه الدور مما لو
قسمت أيضا على صاحب الثلث . والورثة لم يحصل الواحد منهم دار مفردة إلا بشركة ؛
مثل أن يكون اثنان ودارين مستويتين ، فنحن نعلم إذا تفاوت فى القسم لكل واحد من
الوارثين والموصى لهم ثلثا دار ، ولا بد أن أحدهما يخرج سهمه مفرقا فى دار بالاشتراك ،
ولا بد من جمعهم ، فلا معنى لهذه القسمة هنا إذا لم تتميز الحقوق حتى الآن ؛ لأنهم
انتقلوا من اشتراك إلى اشتراك ، وإنما القسمة تمييز حق وانفراد بملك .

٥٧٨
كتاب الأقضية / باب بيان خير الشهود
(٩) باب بيان خير الشهود
١٩ - (١٧١٩) وحدّثْنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالك عَنْ عَبْد الله
ابْن أَبِى بَكْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْد الله بْن عَمْرو بْن عُثْمَانَ ، عَنِ ابْنْ أَبِى عَمْرَةً
الأَنْصَارِىِّ،َ عَنْ زَيْدَ بَنِ خَالِدِ الْجُهَنِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ◌َّهِ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ
الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأْنِى بِشَّهَدَتِهِ قَبَّلِ أَنْ يُسْأَلَهَا)) .
وقوله : (( ألا أخبركم بخير الشهداء ؛ الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها))، قال
الإمام : يحتمل أن يراد به من تحمل شهادة ولم يعلم بها المشهود له ، فإنه ينبغى له أن
يعلمه ؛ ليكون مستعداً بشهادته ؛ ليفعل ما يفعل مع خصمه وهو على ثقة بما له وعليه .
قال القاضى - رحمه الله -: بنحو هذا فسر مالك الحديث ، وزاد : ويرفع ذلك إلى
السلطان . وقيل : قد يحتمل أن يكون فيما لا يختص بحق آدمى ، ويكون من حقوق الله
تعالى الذى لا ينبغى السكوت عليها ؛ كإنكار الطلاق والعتاق والحيس والصدقات / ، من
علم شيئا من ذلك وجب رفعه إلى الإمام، والشهادة به عنده لغيره. قال الله - عز وجل - :
﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للَّه ﴾ (١) ،فإن كان الشهود جماعة وجب علی کل واحد منهم رفع ذلك،
حتى إذا قام بذلك بعضهم سقط عن الباقين ؛ إذ القيام بالشهادة من فروض الكفاية .
وكذلك يلزم من رفع الشهادة بالحدود ، وإذا كان صاحبها قائما عليها ؛ كمعاقرى الشراب
والمختلى بالمرأة للفجور ؛ ولأن ذلك من تغيير المنكر .
٥٤ / ب
ولا يلزم من ذلك إذا كانت المعصية قد انقضت ؛ لما جاء فى الستر على المسلم ، إلا
أن يكون مشهوراً بالفسوق ، ومشتهرا بالمعاصى ، مجاهراً بذلك . فقد كره مالك وغيره
الستر عن مثل هذا ، ورأى رفعه والشهادة عليه بما اقترفه ليرتدع عن فسوقه ، وليس يخرجه
سكوته وستره عليه لما فعل . وأما الأول المستديم للمعصية بركوبها ، أو ببقائه مع المطالعة،
أو استخدامه الفسق ، فسكوت العالم بها ، وترك رفع أمره ، وتغيير منكره والشهادة به -
جرحة فى شهادته .
واختلف مذهبنا فى تجريحه بسكوته عن الشهادة بحقوق الآدميين وترك رفعها وهو يرى
حقوقهم بيد غيرهم، وصاحب الحق حاضر غير عالم، هكذا أطلق بعض شيوخنا عن مذهب
ابن القاسم أنها جرحة ، وعند بعضهم أن تكون جرحة فى الشهادة نفسها وجَوْرًا عليها لا
(١) الطلاق : ٢ .

٥٧٩
كتاب الأقضية / باب بيان خير الشهود
يصلح له أداؤها بعد وهو الأظهر ، وقيل : إنما تكون جرحة فى شهادته إذا سكت حتى
رأى صاحب الحق صالح عن حقه واضطر إلى شهادته ولم يعرفه بها حتى بطل حقه فهذه
جرحة فى شهادته ، فأما على غير هذا لا بمجرد سكوته ، فلعل صاحب الحق لا يطلب حقه
أو وهبه أو باعه ممن هو فى يده فليس بجرحة. وأما سحنون ومن وافقه فيرى القيام بالشهادة
وإن طال حوذها على الشهادة ، إلا فيما كان من حقوق الله - سبحانه - وقد قيل: يحتمل
أن يكون قوله : غير الشهود الذى يأتى بشهادته ، قبل أن يسلبها على السرعة والمبادرة
لأدائها إذا سلبها لا قبل سؤالها ، كما يقال : الجواد يعطى قبل سؤاله ، عبارة عن حسن
عطائه . ولا يعارض هذا الخبر الحديث الآخر فى ذم من يأتى .
وقوله: ((يشهدون ولا يستشهدون)) (١): فقد احتج به قوم وقالوا : لا تجوز شهادة
من يشهد قبل أن يستشهد . ومعنى هذا عند أهل العلم : أنه ورد مورد الذم لمن يأتى بعد
القرون الفاضلة بخصال وصفهم بها، من فشو الكذب والخيانة ، وكثرة الحلف ، وقلة الوفاء
والأمانة ، فكانت هذه الشهادة من هذا الباب أنها شهادة كذب لا أصل لها ، شهدوا بما لم
يستشهدوا ولا استشهدوا عليه ، كما خانوا وكذبوا وحلفوا . وقد يكون معناه : أنهم
يتصدرون الشهادة وليسوا بأذكياء ولا من أهلها ، ولا يرضى أحد أن يستشهدهم ، كما
قال: (( يخونون ولا يؤتمنون)).
وقيل : معنى الشهادة هنا : اليمين ، وروى عن النخعى، ويدل عليه قوله: (( يسبق
يمين أحدهم شهادته، وشهادته يمينيه)) ويدل عليه قوله/ آخر الحديث: (( وكانوا يضربوننا
على الشهادة والعهد )) . قيل: معناه : أن يقول أشهد بالله لكان إلا كذا . وقيل معنى
قوله: ((يشهدون ولا يستشهدون )) : أنه فى القطع على المغيب وقيل : يشهدون لقوم
بالجنة ولقوم بالنار .
١/٥٥
(١) سيأتى فى ك فضائل الصحابة، برقم (٢١٤) .

٥٨٠
كتاب الأقضية / باب بيان اختلاف المجتهدين.
(١٠) باب بيان اختلاف المجتهدين
٢٠ _ (١٧٢٠) حدّثنی زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنِى شَبَابَةٌ، حَدَّثْنَى وَرْقَاءُ عَنْ أَبی
الزََّاد، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِىِّ عَّهِ، قَالَ: (( بَيْنَمَا امْرَ أَتَانِ مَعَهُمَا
ابْنَهُمَا، جَاءَ الذِّْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هَذِه لِصَاحِبَتَهَا: إنَّمَّا ذَهَبَ
بِابْنك أَنْت. وَقَالَت الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بابْنك، فَتَحَاكَّمَتَا إلى دَاوُدَ ، فَقَضَى به
لَلْكُبْرَى، فَخَرَجَنَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِمَا السَّلامُ - فَأَخْبَرَتَاهُ. فَقَالَ :
وذكر قصة داود وسليمان - عليهما السلام - فى المرأتين.
قوله: (( بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت هذه
لصاحبتها : إنما ذهب بابنك . وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك . فذهبتا إلى داود -
عليه السلام - فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان فأخبرتاه ، فقال : انتونى بالسكين
أشقه بينكما . فقالت الصغرى : لا ، يرحمك الله، هو ابنها . فقضى به للصغرى)):
ويحتمل أن داود - عليه السلام - إنما قضى به للكبرى على مقتضى شرعنا إذ كان لا
يخالفه، إما لكونه فى يدها أو يشبهها إن كان القضاء فى شرعه فى الإلحاق بالشبهة ،
وحكم سليمان بعد هذا التوسط والتلطف به للصغرى ؛ لما رأى من إشفاقها بعد تعجيزه
الكبرى بذلك وفضيحته لها ؛ إذ لو كان ولدها لأشفقت عليه فيكون منها حينئذ لتلك
الخجلة والفضيحة ما يوجب الاعتراف والتسليم ، ومثل هذا يفعله نبهاء الحكام مالاً استدلال
بأمور لو تجردت لم يقضى بها فى شىء ، لكن يقيم بها الحجة والإرهاب على المدعى حتى
يستبين منه الاضطراب ، ويضطر إلى الاعتراف ، ورب قوى الشكيمة فى الباطل لا تنفع فيه
رقية ولا حيلة .
وحكم سليمان - عليه السلام - فى القضية بعد حكم أبيه ، قيل : لأن داود لم يكن
أنفذ الحكم بعد. وظاهر الخبر خلافه لقوله: ((فقضى به للكبرى)) ، ويحتمل أن يكون
فتوى من داود - عليه السلام - لا حكما ، ويحتمل أن فى شرعهم نسخا ، فحكم الحاكم
لحاكم آخر متى طلب ذلك بعض الخصوم ، ويحتمل أنهما رضيتا بالتراجع وابتداء الحكم
عند سليمان - عليه السلام - ويحتمل أن سليمان صنع ذلك بعد حكم أبيه ملاطفة ، فلما
حصل الاعتراف لزم الحكم به ، كما إذا اعترف الخصم بعد الحكم عليه باليمين لإنكاره ،
فإن الحق يؤخذ منه .