النص المفهرس

صفحات 521-540

- ٥٢١
كتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى
الأَعْرَبِ أَنتَى رَسُولَ الله عَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنْشُدُكَ اللهَ إلاَّ قَضَيْتَ لى بَكِتَاب
الله. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ، فَاقْض بَيْتَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأَتْذَنْ
لىَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((قُلْ)). قَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسيفًا عَلَى هَذَاً، فَزَنَى بَامْرَأَنه،
وَإِنِّى أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِى الرَّجْمَ، فَاقْتَّدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةٍ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ ، فَسَأَلَتُ أَهَّلَ
العِلْمُ فَأَخْبَرُونِى أَنَّمَا عَلَىَ ابْنِى جَلْدُ مَائَةَ وَتَغْرِيِبُ عَّامَ ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْم.
أرض الحرب من زنا ويخاف إذا رجم أن يهلك الجيش أخر حدَّ، قياسا على الحامل.
وقوله: ((فشُكَّت عليها ثيابها)): أى جمعت .
قال القاضى - رحمه الله -: ليس كل جمع شكا ، والشك إنما هو انتظام الشىء
بغيره ، ومنه شككت الصيد بالرمح : إذا انتظمته به ، ومنه هذا جمعت عليها ثيابها
وانتظمت بربط أو بشوك أو شبهه من الأخلة لئلا تنكشف عند حركتها . وكذا حكم
المرأة أن يبالغ فى سترها . وقد اتفق العلماء أنها لا تحد إلا قاعدة . واختلفوا فى الرجل
فجمهورهم على أنه يحد قائما ، ومالك يحده قاعداً ، وبعضهم خير فيه الإمام كيفما
شاء (١) . واستحسن بعض العلماء وبعض أصحابنا أن تجعل المرأة فى قفة مبالغة فى سترها
لئلا تضطرب فتنكشف . قال : ويجعل فيها رماد أو تراب وماء لئلا يكون منها شىء من
حدث فيستتر فى ذلك .
قوله : (( ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ))، ونحوه فى بعض روايات حديث ماعز،
وهو ظاهر قول أحمد ، وحكى عن أبى حنيفة : وقال قتادة : يحفر لها ، وهو قول أبى
ثور وأبى حنيفة فى رواية ، وأبى يوسف وأبى ثور - أيضا - والشافعى . ووسع الشافعى -
أيضا - وابن وهب للإمام وخخيراه فى ذلك لاختلاف الأحاديث فى ذلك (٢).
وقد ذكر مسلم اختلاف الأحاديث فى ذلك، ففى حديث ماعز فى رواية: (( لم
يحفر له))، وفى أخرى: ((حفر له)) وفى حديث الغامدية: ((حفر لها)). واستدل
مالك بحديث اليهوديتين وجوابه لهما ، فجعل يحنى على المرأة ، قال : ولو حفر لها لم
يحن عليها. وكذلك استدلوا بقوله: ((فلما أذلقته الحجارة هرب)) ولو كان فى حفرة لم
يمكنه ذلك . وقال بعض أصحابنا : لا يحفر للمقر لأنه له الرجوع ، فإن هرب ترك .
ويحفر للمشهود عليه .
قوله: ((إلى صدرها)»: كذا عند من يرى الحفر. قال: يحفر له كالبئر إلى رفيفه.
(١) انظر: المغنى ٣١١/١٢، الحاوى ٢٠٢/١٣، ٢٠٣.
(٢) انظر: الاستذكار ٣٩/٢٤، وانظر - أيضاً - السابق.

٥٢٢
-
كتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى
فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَّةُ: ((وَالَّذِى نَفْسى بَيَدِه، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بَكتَاب الله ، الْوَلِيدَةُ
وَالْغَنَمُ رَدِّ ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مَاتَةٍ ، وَتَغْرِيَبُ عَامٍ ، وَاغْدُ يَا أَيْسَُ إِلَّى أَمْرَأَةٍ هَذَا،
فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَاَ » .
قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهاَ، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهاَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ فَرُجِمَتْ.
( .. ) وحدّثَنِى أَبُو الطَّهرِ وَحَرْمَلَةُ، قاَلَ: أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْب ، أخْبَرَنِى يُونُسُ .
ح ◌َوَحَدَّثَنِى عَمْرُوَ النَّقِدُ، حَدَّثَنَاً يَعْقُوُبُ بْنُ إِْرَاهِيمَ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ.
ح وَحَدََّ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرََّّاقِ، عَنَّ مَعْمِّرٍ، كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ،
بِهَذَا الإِسْنَاَد ،نَحْوَهُ .
١/٤١
وقوله: ((فأمر الناس فرجموها)) : فيه حجة أنه لا يلزم الإمام أن يبدأ بالرجم/ ولا
يحضره . وهذا مما اختلف فيه العلماء، فمذهبنا أنه لا يلزم الإمام ولا الشهود أن يبتدئوا ولا
يحضروا، وهو مذهب الشافعى. وحجتنا أن النبى ◌َّي لم يحضر أحدا ممن رجم، ولا يرجم
ولا أمر الشهود بذلك . وذهب أبو حنيفة إلى حضور الإمام والشهود أنه إن كان الحد
بالاعتراف أن يبدأ الإمام ، وإن كان بالشهادة أن يبدأ الشهود ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل
وبعض شيوخنا المتأخرين (١) .
ومعنى قوله: ((تفطمه)) و ((حتى فطمته)» : أى قطعت رضاعه باستغنائه عنها ،
على ما تفسر فى الحديث من قوله: (( أتته بالصبى وفى يده كسرة خبز ، فقالت : يا
رسول الله ، هذا قد فطمته وأكل الطعام )) .
وقوله: (( فتنضح الدم)): روايتنا بالحاء المهملة ؛ وفى رواية أخرى بالخاء المعجمة ،
وهما صحيحتان ، وكلاهما من الرش والصب ، وبعضهما أقوى من بعض ، على اختلاف
فى ذلك تقدم فى كتاب الطهارة .
وقوله: ((لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له )) : فيه دليل على عظيم
ذنب صاحب المكس، وذلك لكثرة تباعات الناس عليه وظلامتهم قِبَله ، وأخذه أموالهم
بغير حقها، وسن سنة سيئة مستمرة استمرار الحقوق . وفيه وفى حديث ماعز دليل على أن
التوبة لا تسقط حد الزنى والسرقة والخمر ، إنما تنفع عند الله - تعالى - وأن التوبة لا
تسقط حدا إلا حد الحرابة ، وهذا قول الشافعى لقوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن
تَقْدِرُوا عَلَيْهِم﴾(٢). ولم يقل مثله فى السارق، وإنما قال: ﴿فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه
(١) انظر: المغنى ٣٢٦/١٢ .
(٢) المائدة : ٣٤ .

٥٢٣
کتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنی
يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾(١)، وحكى الماوردى عن مالك أنه يسقط عنه كل حق إلا الدماء ، وهو خطأ
عليه ، وقيل : لا تسقط التوبة عن المحارب حدا ولا حقا ، وهذا قول ابن عباس وغيره .
وعن على : أنها تسقط عنه كل شىء . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إنه لا يحد بالشهادة
عليه بالزنا القديم ، ولا بالإقرار بالسرقة القديمة . وروى عن الشافعى أن التوبة تسقط حد
الخمر(٢) .
وقوله: (( فرجمت ثم صلى عليها ))، قال الإمام - رحمه الله - : مالك يكره
الصلاة للإمام على من قتل فى حد، وإنما ذلك على جهة الردع. وقد ذكر النبى عمّهم لعمر
هاهنا وجه صلاته عليها .
قال القاضى - رحمه الله -: يريد صدق توبتها . وهذا يدل على كراهة صلاة أهل
الفضل على أهل المعاصى ، وهو مذهب مالك فى رواية ابن وهب ،لكن لا يتركون بغير
صلاة ، ويصلى عليه أهله . وبقول مالك قال أحمد بن حنبل .
ولم يختلف العلماء فى الصلاة على أهل الفسوق والمعاصى المقتولين فى الحدود ، وإن
كره بعضهم ذلك لأهل الفضل ؛ ردعًا لأمثالهم، إذا رأى تجنب أهل الفضل الصلاة على
مثله ، إلا ماذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف فى المحاربين ، إذا قتلوا أو صلبوا ، وكذلك
فى الفئة الباغية عندهم ، وما ذهب إليه الحسن فى الميتة من نفاس الزنا لا يصلى عليها ،
وما ذهب إليه الحسن والزهرى فى المرجوم وفى قاتل نفسه أنه لا يصلى عليه ، وما قاله
قتادة فى ولد الزنا لا يصلى عليه . والناس كلهم/ على خلاف من ذكرنا فى هذه المسائل ،
وقد مضى منها فى الجنائز . وهذا الحديث وغيره حجة للكافة .
٤٢/ب
ووقع فى حديث ابن أبى شيبة: (( ثم أمر بها فصَلَّى عليها)) بفتح الصاد واللام
لجماعتهم . وعند الطبرى: ((فصُلى عليها )) بضم الصاد ، وكذا فى كتاب أبى داود وابن
أبى شيبة (٣). وفى كتاب أبى داود - أيضا -: (( ثم أمرهم أن يصلوا عليها)) (٤) ، لكن
حديث أبى غسان بعده ظاهره أنه - عليه السلام - صلى عليها بنفسه لقوله: (( ثم صلى
عليها))، ولم يذكر مسلم صلاته عليها ، عنه . قد ذكرها البخارى (٥) وعلل هذه الرواية
(١) المائدة : ٣٩ .
(٢) انظر: المغنى ١٢ /٤٨٤، ٤٨٥.
(٣) مصنف ابن أبى شيبة ، ك الحدود ، ب من قال : إذا فجرت وهى حامل انتظر بها حتى تضع ثم ترجم
٨٦/١٠ برقم (٨٨٥٨) أبو داود، ك الحدود ، ب المرأة التى أمر النبى معَّه برجمها من جهينة ٤٦٢/٢.
(٤) أبو داود، ك الحدود، ب المرأة التى أمر النبى عَّه برجمها من جهينة ٢/ ٤٦٢.
(٥) البخارى ، ك الحدود، ب الرجم بالمصلى ٢٠٥/٨ .

٥٢٤
كتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى
أبو عبد الله بن أبي صفرة فيما حكاه عنه المهلب أخوه ، وقال : رواها محمد بن يحيى عن
عبد الرزاق، عن معمر، وقال: فقال له النبى عَّهُ: ((خيرا ولم يصل عليه)) (١).
ومحمد ابن يحيى أضبط من محمد بن غيلان ، الذى روى الزيادة عنه عن عبد الرزاق عن
معمر البخارى ، قال : وتابع محمد بن يحيى ونوح بن حبيب ، رواه عنهما النسائى .
· قال القاضى - رحمه الله -: وكذا رواه عبد الرزاق عن الحسن بن على ومحمد بن
المتوكل. وهذه الأحاديث - فى أنه لم يصل - خرجها النسائى وأبو داود والترمذى
وغيرهم (٢). وما أرى ترك مسلم حديث محمد بن غيلان إلا لمخالفة هو له ، مع أن
مسلما وغيره قد خرجوا حديث أبى سعيد، وفيه: (( فما استغفر له ولا سبه ))، وأين هذا
من الصلاة عليه ؟ قيل : يحتمل ذكر الصلاة على المرأة والصلاة على ماعز الدعاء لهما -
والله أعلم - أو أضافت الصلاة إليه إذ أمر بها .
قال الإمام - رحمه الله -: خرج مسلم فى هذا الحديث عن محمد بن العلاء ، عن
يحيى بن يعلى بن الحارث ، عن غيلان - وهو ابن جامع . هكذا فى نسخة ابن العلاء
وغيره ، والصواب مافى نسخة الدمشقى : عن يحيى بن يعلى ، عن أبيه ، عن غيلان ،
وهو الصواب . قد نبه عليه عبد الغنى على الساقط من هذا الإسناد فى نسخة أبى العلاء .
ووقع فى كتاب الزكاة من السنن لأبى داود : نا عثمان بن أبى ليلى، نا يحيى بن يعلى، نا
أبى ، نا غيلان، عن جعفر، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ
يَكْتِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة ) الآية (٣). فهذا السند يشهد بصحة ما تقدم. قال البخارى فى
تاريخه : يحيى بن يعلى سمع أباه وزائدة بن قدامة (٤) .
قال القاضى - رحمه الله -: فى حديث ماعز والغامدية - حين قال كل واحد له
منهما : طهرنى -: ((ارجع فاستغفر الله)): دليل على وجوب الستر على المسلم ، وأن
السؤال والاستفسار عن اللفظ المبهم فى شكل هذا غير واجب ، بل قال فيه بعضهم : إنه لا
يحل لأنه من باب التجسس وكشف المسلم . والنبى - عليه السلام - قد ردهما ولم
يستفسرهما حتى ألحّا وصرحت الغامدية . وفيه أن الحد لا يجب إلا بالتصريح البين ، لا
بالكناية واللفظ المبهم والمحتمل .
(١) النسائى فى الكبرى، ك الرجم، ب ذكر الاختلاف على الزهرى فى حديث ماعز ٤/ ٢٨٠ برقم (٧١٧٦).
(٢) انظر: السابق، وأبو داود، ك الحدود، ب رجم ماعز بن مالك ٢/ ٤٥٧، الترمذى ، ك الحدود ، ب
ما جاء فى درء الحد عن المعترف إذا رجع ٣٦/٤ برقم (١٤٢٩).
(٣) التوبة: ٣٤. والحديث فى أبى داود، ك الزكاة، ب فى حقوق المال ٣٨٥/١ برقم (١٦٦٤).
(٤) البخارى فى التاريخ ٣١١/٨ (٣١٣٩).

٥٢٥
كتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى
وقوله فى حديث الأعرابى : أنشدك الله إلا قضيت بكتاب الله ، فقال الآخر - وهو
أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لى. فقال رسول الله عَه: ((قل))، وفى
الموطأ وغيره: ((وأذن لى فى أن أتكلم)) (١): ومعنى ((أنشدك الله)): أى أسألك به.
١/٤٣
قوله (( بكتاب الله)): قيل: بحكم الله ، وقيل / : بفرض الله ، وقيل بما تضمنه
كتاب الله من القضاء بالحق أو فى حكم الزانى البكر والمحصن ، على ما ذكر عمر أنه كان
مما يتلى .
وقوله: ((موافقتهما)) إما لأنه كان بتلك الصفة ، أو يكون لوصفه القضية على
.. وحذره
التى
وجهها ، أو لقوله : (( وأذن لى فى أن أتكلم )) تزاد به فى سؤال النبى
الوقوع فى النهى من التقدم بين يديه ، ومخاطبته بخطاب بعضهم بعضا ضد ما فعل الآخر
من قوله: ((أنشدك الله)) وكلامه له بجفاء الأعراب .
وقوله: ((إن ابنى كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته )»، قال الإمام - رحمه الله - :
العسيف: الأجير ، وجمعه عسفاء ، نحو أجير وأجراء، وفقيه وفقهاء. أما قوله: (( لأقضين
بينكما بكتاب الله)): يحتمل أن يكون المراد به قضية الله تعالى والكتاب يكون بمعنى
القضاء، ومن الناس من قال : فإن الرجم مشار إليه فى الكتاب بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ
اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢)، وقد قال فى الحديث المتقدم: قد جعل الله لهن سبيلا، وذكر الرجم.
وقيل : قد كان الرجم مما يقرأ من القرآن ثم نسخ، وهو قوله: (( الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموهما البتة)).
وقوله: (( فسألت أهل العلم )) ولم ينكر عليه فيه جواز الاستفتاء لمن كان مع النبى
عَّه فى مصر واجد ، وإن كان يجوز على غير النبى معَّه من الخطأ والحيف عن الحق ما لا
يجوز عليه ، وهذا كالاقتصار على الظن مع القدرة على اليقين . وقد يتعلق به من أهل
الأصول من يجوز استفتاء الفقيه ، وإن كان هناك أفقه منه . وقد قال بعضهم : لِمَ لَمْ
يجده للمرأة ، وقد قال : فزنا بامرأته ؟ وهذا لأنها اعترفت فرجمها .
قال القاضى - رحمه الله -: قيل فى قوله: ((لأقضين بينكما بكتاب الله)): يحتمل
فى بعض صلحكما الباطل الفاسد ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (٣)،
ويحتمل أن يريد بما قرأه فى كتاب الله تعالى من قوله: ﴿ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةً
جَلْدَة) (٤)، وبما كان يتلى من الرجم فى المرأة. وفى حد النبى عَّة ابنه، وإن لم يجز
(١) موطأ مالك، ك الحدود، ب ما جاء فى الرجم ٨٢٢/٢، أبو داود، ك الحدود، ب فى المرأة التى أمر
النبى برجمها من جهينة ٢/ ٤٦١، الترمذى، ك الحدود، ب ما جاء فى الرجم على الثيب ٣٩/٤.
(٢) النساء : ١٥ .
(٤) النور : ٢.
(٣) البقرة : ١٨٨.

٥٢٦
كتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى
فى الحديث لإقراره ولا للشهادة عليه ذكر ، قال : ما يدل أنه لابد من صحة اعترافه بذلك.
فإنما أغفل ذلك الراوى أو عول فى تركه على علم السامع بذلك ؛ أنه لا يؤخذ أحد بغير
إقراره إلا لو تمت الشهادة عليه لأنه يردها ذا الفضل من [ العضل ] (١) الحديث . وإنما فهم
المقصود منه فسخ الصلح الحرام ، وإقامة الحدود على الزناة .
وفى الحديث ضروب من الفقه سوى ما تقدم منها : أن أولى الناس بالقضاء منهم
الخليفة إذا كان عالماً بوجوه القضاء، وأن الحكم بالرجم وشبهه - من حدود القتل والنفس -
إنما يكون بحضرة الإمام وبين يديه ، ووجوب الأدب مع النبى عَّهُ والخليفة وأهل العلم ،
وللناظرين بين الناس فى استبذالهم فى السؤال والإخبار عن قصصهم ؛ إذ قد يكون فى
بعض الأوقات بسبيل عذر وتحت شغل ، أو ليتكلم من ليس له الكلام أولاً ، إذ هو الداعى
للإنصاف فهو المتكلم أولا .
قال الخطابي : وفيه أن للإمام إذا اجتمع الخصمان بين يديه أن يبيح الكلام لمن شاء
منهما ، وفيه أن كل صلح خالف السنة لا يدخل فى ملك قابضه ، وفيه أن الحدود لا
يصالح فيها ولا يمض الصلح . ولا خلاف عندنا فى ذلك فيما تعلق بحق الله تعالى
محضاً ؛ كحق الحرابة والزنا والردة والسرقة، بلغ السلطان أم لا؛ لأنه أكل مالٍ بالباطل فى
إيطال حد إن بلغ السلطان ، أو أكل مال على ألا يبلغ وهو حرام ورشوة .
٤٣/ب
واختلف عندنا فى الصلح عما / تعلق منه بحق العباد فى الأعراض بعد رفعه ؛ كحد
القذف . ففيه قولان وإن كان يكره بكل حال ؛ لأنه أكل مال فى ثمن عرض . ولا خلاف
أنه يجوز قبل رفعه . ولم يختلف فى جواز ما كان منه فى الأبد أن من القصاص فى الجراح
والنفس ؛ أن الصلح فيه جائز لا يرد بما اتفق عليه .
وفيه أن النبى معَّي لم يحضر الرجم وهو الإمام ، وقد تقدم الخلاف فى ذلك ، ولا
ذكر الحفر للمرجوم . وفيه رجم الثيب دون جلده ، وجلد البكر ونفيه ، وقد تقدم هذا .
وفيه من الفقه سؤال الإمام إذا قذف عنده قاذف المقذوف ، فإن اعترف حد ودرئ عن
القاذف الحد ، وإن أنكر وأراد ستراً سقط الحد عنهما ، وإلا سئل القاذف البيئة ، وإلا حد
للقذف ، كما وجه النبى أنيسًا للمرأة . فأما لو شهد عند الإمام أن فلانا قذف فلانا فلا
يحده الإمام حتى يطلبه المقذوف . وعند أبى حنيفة والشافعى والأوزاعى ، وقال مالك :
يرسل إليه ، فإن أراد سترا تركه وإلا حده . وقد اختلف قول مالك فى عفوه وإن لم يرد
ستراً .
(١) ضرب عليها بخط فى الأصل .

٥٢٧
کتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى
وفيه قبول خبر الواحد . وفيه استتابة الحاكم غيره فى مثل هذه وشبهه ، وهو أمثل فى
اتخاذ القضاء والحاكم، وأصل فى وجوب الإعذار. وفى جوازه لو حد فى ذلك عندنا قولان.
وقد يمكن أن النبى ◌ّه ثبت عنده اعترافهما بذلك شهادة هذين الرجلين ، فكان توجيه
أنيس لهذا إعذاراً لها . وقد احتج به قوم فى جواز حكم الحاكم فى الحدود وغيرها . بما
أقر به عنده الخصم ، وهو أحد قولى الشافعى فى إقامة الحد بذلك ، وقول أبى ثور وفى
الحد بذلك . والجمهور على خلافه .
وإنما اختلفوا كثيرا فى غير الحدود . وعندنا فى هذا قولان ولا حجة فيه للمخالف ؛ إذ
ليس فيه بيان، ويحمل قوله: ((فإن اعترفت )) على الإعذار فيما ثبت قبل واعتراف على ما
عهد بالبيئة. ويحتمل قول النبى معَّه لأنيس: ((فارجمها)) أى قد وجب عليها الرجم بعد
مطالعة النبى معَّ باعترافهما وأمره بذلك ، ويحتمل أنه فوض الأمر كله إلى أنيس فإذا
اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولها - إن كان لم يثبت بعد - فقد جعل إليه الحكم
فيها، هذا يدل على أن أنيساً وحده لا ينفرد بأمرها ؛ إذ لابد من حضور جماعة لإقامة الحد
عليها .
وفى الحديث: ((فاعترفت فأمر بها رسول الله عَد فرجمت))، فدل أن النبى
حكم فيها بعد ما أعلمه أنيس بما صح عنده من اعترافها . فيه : أنه لم يفرق بين الزانية
وزوجها ، ولا أمر بتكرار الاعتراف منها . وقيل: فيه دليل على صحة الإجازة . وقيل :
فيه تأخير الحدود إذا ضاق الوقت إلى أوسع منه ؛ لقوله: ((واغد يا أنيس)).
قال القاضى : وليس بين إن لم يأت أن هذا كان عشاء . ((واغد )) بمعنى : سر أى
وقت كان ، معروفاً فى كلام العرب. وفيه الاكتفاء بمجرد الإقرار دون مراعاة عدد كما تقدم ،
وليس فيه جلد مع الرجم . وفيه مراعاة الإحصان فى الرجم وقد صحت فى هذه المرأة ،
وأنها متزوجة . ولعل حال الدخول بها - وقد صحت فى هذه المرأة - كان معروفاً أو طول
الإقامة مع الزوج أو وجود الولد ، فاستغنى عن ذكره فى الحديث . وقد جاء فى الحديث
المتقدم قول النبى معَّةٍ للمعترف له: ((هل أحصنت؟)).
ولم يختلف العلماء فى مراعاة الإحصان / للمرجوم ، واختلفوا فى صفته ، وما هو ؟
فعند مالك أنها الوطء المباح بعقد صحيح تام لحر مسلم عاقل حين وطئه بالغ (١) ، ولم
يراع هذه الصفات فى الزوجة الموطوءة كيف كانت ؛ أمة أو كافرة أو مجنونة أو صغيرة .
ويراعى الصفات فيها هى إن زنت بعد الإحصان كالرجل ، إلا إذا كان زوجها صبيا غير
بالغ فلا يحصنها بخلاف الصبية مع البالغ .
١/٤٤
(١) انظر: الاستذكار ٦١/٢٤ ما بعدها .

٥٢٨
کتاب الحدود / باب من اعترف على نفسه بالزنى
واختلف أصحابنا فى الوطء المكروه والممنوع فى النكاح الصحيح ، هل يحصن أم لا ؟
ولم يشترط بعضهم العقل جملة فى واحد منهما ، وبعضهم اشترطه فى الرجل دون المرأة.
قال : فإذا كان عاقلا كان إحصانا لهما إذا كانت مجنونة ، وإن كان مجنونا لم يكن منهما
إحصان وإن كانت عاقلة . ولم يراع أبو حنيفة الوطء المحظور مع موافقته لنا فى شروط
الإحصان ، وراعاه الشافعى ولم يجعل به إحصانا ، ولم يشترط هو ولا أحمد فى
الإحصان الإسلام فى نكاح الزوجين .
واختلف أصحاب الشافعى فى الحرية والبلوغ ، فمنهم من جعل النكاح دون ذلك
إحصانا ، ومنهم من لم يجعله ، ومنهم من فرق فجعل البلوغ شرطا لازما للحرية ،
ومنهم من عكس . ولم يشترط أبو يوسف وابن أبى ليلى فى الإحصان الحرية إذا كانت
الزوجة حرة ، فلم يراع الوطء الممنوع . وقال الليث والثورى نحو قول مالك ، إلا أن
الليث لا يراعى الوطء الممنوع (١) .
(١) انظر السابق .

٥٢٩
کتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
(٦) باب رجم اليهود، أهل الذمة ، فى الزنى
٢٦ - (١٦٩٩) حدّثنى الْحَكَمُ بْنُ مُؤْسَى أَبُو صَالِحِ، حَدَّثَنَاَ شُعَيْبُ بْنُ
إِسْحَقَ، أَخْبَرَنَاَ عُبَيْدُ الله عَنْ نَفع؛ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَّه ◌ُتِىَ
بِيَهُودِىٌّ وَبَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَاَ، فَنْطَلَقْ رَسُولُ اللهَُّ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ. فَقَالَ: (( مَا تَجِدُونَ
٠٠
وقوله فى حديث اليهوديين اللذين زنيا ، وأنه - عليه السلام - رجمهما ، قال الإمام -
رحمه الله - : من الناس من يقول : إن إحصان الكافر يعد إحصاناً وتعلق بهذا الحديث،
ومالك لا يراه إحصانا ، ويحمل هذا على أنه لم تكن له ذمة ، فكان دمه مباحاً . ولكنه
يعرض على هذا عندى برجمه للمرأة، ولعله يقول: كان هذا قبل النهى عن قتل النساء.
قال القاضى - رحمه الله -: وقيل فى رجم النبى عليه اليهوديين لأنهم هم تحاكموا
إلينا، وطلبوا ذلك منا؛ بدليل قوله فى الموطأ: (( جاءت اليهود إلى رسول الله عَليه ،
فذكروا له أنَّ رجلا منهم وامرأة زنيا (١) فعندنا أنهم إذا أتوا هكذا أن الحاكم مخير ، إن
شاء حكم بينهم وإن شاء لم يحكم . فإن حكم حكم بحكم الإسلام ، ذلك برأى المحكوم
عليه منهما ورأى أساقفتهم ورهبانهم، وهو دليل قوله: ((جاءت اليهود)). فى غير الأم: أن
أحبارهم أمروهم بذلك، ويتخير الحاكم فى الحكم بينهم، قاله الشافعى وجماعة من السلف،
وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْتَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢) . وقال أبو حنيفة .
يحكم بينهم بكل حال، وقاله جماعة من السلف ، وهو قول الزهرى وعمر بن عبد العزيز،
وروى عن ابن عباس والحكم وأحد قولى الشافعى (٣) .
ثم اختلف أصحابنا وأصحاب أبو حنيفة ، هل يحكم بين المتحاكمين منهم بمجىء
أحدهما ؟ أو حتى يجيئا معاً ؟ أو حتى يعلمهما بما يحكم به ويرضيان به وقال الشافعى -
أيضاً - : لا يحكم بينهم فى الحدود وحكم النبى بما حكم عليهما يحتمل أنه بحكم
دينهما، وأنه لم يكن بعدُ نزل حكم الزنا عليهم ، وكذلك قال بعض العلماء ، قال: ولا
يتفق لنا نحن اليوم بذلك . وقال بعض أصحابنا ، ويدل عليه قوله فى غير مسلم (٤) حين قدم
(١) انظر: مالك فى الموطأ، ك الحدود، ب ما جاء فى الرجم ٨١٩/٢.
(٢) المائدة : ٤٢ .
(٣) انظر: الاستذكار ١٢/٢٤ وما بعدها .
(٤) أبو داود، ك الحدود، ب فى رجم اليهوديين ٢/ ٤٦٣.

٥٣٠
كتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
سَوِّدُ وُجُوهَهُمَاَ وَنُحَمِّلُهُمَا، وَ نُخَلِفُ
و ر رو و ور
فِى التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟)) . قَالُوا: نُسَوِّدُ وُ
رسول الله عَّه المدينة، وهذا يدل أنه فى أول الأمر وسؤال النبى عَّ لهم عما فى التوراة.
٤٤/ب
قيل : هذا يحتمل أنه قد علم به بالوحى، وأنه مما لم يغيروه منها ؛ ولهذا مالم يخف
عليه حين كتموه ، أو أن يكون علم ذلك ممن وفق ممن أسلم من علمائهم . وفى الصحيح
أن عبد الله بن سلام قال له : إن فيها الرجم. (١) / ويحتمل أن يكون سألهم عن ذلك
استخبارا عما عندهم ثم يستعلم صحته من قبل الله تعالى ، ويكون حكمه بما فى التوراة ،
إما لأنهم رضوا بذلك وصرفوا حكمهم إليه ، أو لأن شرع من قبلنا لازم لنا مالم ينسخ
على أحد القولين لأهل الأصول . قد قيل : إن هذا كان خصوصا للنبى - عليه السلام -
إذ لا فضل عن أى معرفة ما أنزل عليهم ، وللإجماع أن أحداً لم يعمل به بعده لقوله
تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَِّيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (٢).
وقد احتج الدارقطنى وأبو داود وغيرهما وبعضهم يزيد على بعض حديث اليهوديين
مبيناً ، وفيه: فقال لهم النبى معَّه: (( ائتونى بأعلم رجلين فيكم )) ، فأتوه بابنى صوريا.
وفيه: أنه سألهما: ((كيف تجدون حدهما فى التوراة؟)). فقالا : الرجل مع المرأة ريبة
وفيه عقوبة ، والرجل على بطن المرأة ريبة وفيه عقوبة ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله
فيها كالمرود فى المكحلة رجم. قال: ((ائتونى بالشهداء))، فشهد أربعة فرجمهما (٣). قال
الدار قطنى تفرد به مجالد عن الشعبى وليس بالقوى .
وقولهم : ((نسود وجوههما ونحملهما)) كذا للعذرى والسمرقندى ، وعند السجزى :
(( نجملهما)) بالجيم المفتوحة، وعند الطبرى: ((نحملهما)) بالحاء الساكنة.
قال الإمام : المحمم : المسوَد الوجه ، وهو مفعل من الحمم ، والحمم : الفحم ،
واحدتها حممة .
قال القاضى: فمن رواه: ((نحممهما)) فهذا معناه، ومن رواه: ((نجملهما)) بالجيم
فمعناه: نحملهما على الجمال، كما قال فى الرواية الأخرى: ((نُحَمِّلْهُمَا )).
وقوله: ((ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما )) : هذا كله مبالغة فى التنكيل بهما .
(١) البخارى، ك الحدود، ب الرجم فى البلاط ٢٠٥/٨، النسائى فى الكبرى، ك الرجم، ب إقامة الإمام
الحد على أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه ٢٩٣/٤ برقم (٧٢١٣) .
(٢) المائدة : ٤٤ .
(٣) أبو داود، ك الحدود، ب فى رجم اليهوديين ٢/ ٤٦٦.

٥٣١
کتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
بَيْنَ وُجُوهِهمَا، وَيُطَافُ بهماَ. قالَ: ((فَأَنُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )) ، فَجَاؤُوا
بهاَ فَقَرُؤُوهَا.، حَتَّى إِذَا مَّرُّوا بِآيَّةِ الرَّجْمِ، وَضَعَ الْفَتَّىَ - الَّذِى يَقْرَأُ - يَدَهُ عَلَى آيَةً
الرَّجْم، وَقَرَأَ مَابَيْنَ يَدَّيْهاَ وَمَا وَرَاءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بْنُ سَّلَام - وَهُوَ مَعَ رَسُولِ
الله عَِّ ــ: مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ. فَرَفعَهَا، فَإِذَا تَحْتَهاَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بهماَ رَسُولُ الله
◌َ، فَرُجمَا .
قاَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ
بِنَفْسِهِ .
٢٧ - ( .. ) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَاَ إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ
أُوبَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُّ وَهْبَ، أَخْبَرَنِى رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ
الْعلم - مِنْهُمْ مَالَكُ بْنُ أَنَسَ - أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ عن ابْنَ عُمَرَ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِعَُّ
رَجَمَ فِى الزََّى بَهُودِبَيْنِ، رَجُلاً وَامْرَأَةَ زَنَّا. فَأَنَّتِ الَّهُودُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَّهُ بِهِمَا.
وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ .
وقد قال كثير من أهل العلم بمثل هذا فى شاهد الزور من عظم حرمته فى التعزير ، وأنه
يحمم وجهه ويحلق رأسه ، ويطاف به ، وروى عن ابن الخطاب ، وفعل ذلك فى شاهد
الزور بعض قضاة البصرة وحلق نصف رأسه ، ولم ير مالك فى آخرين حلق الرأس ولا
التحميم .
وقوله: ((فأمر بهما رسول الله عَلّ. فرجما)): حجة على ما تقدم من أنه لا يلزم
الإمام تولى ذلك بنفسه، وإنما يكل الرجم إلى المسلمين، ومضى ما فيه من الخلاف. ورجم
النبى ◌َّ لهما وهما كافران مضى الكلام فيه، وبه يحتج من قال: لا يشترط الإسلام فى
الإحصان، وهو قول أبى يوسف وابن أبى ليلى على الجملة، وهو قول أبى حنيفة فى
الذميين وأن إحصائهم إحصان ، وأحد قولى الشافعى ، وتقدم قول مالك (١) : إنما ذلك
لأنهم كانوا غير أهل ذمة حينئذ ، وتحاكموا إليه . قال الطحاوى: وإذا كان ذلك فيمن له
ذمة أخرى (٢) .
وقوله: ((فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)» : حجة لمن يقول : لا يحفر له كما
(١) انظر: الاستذكار ٦١/٢٤ وما بعدها .
(٢) انظر: الاستذكار ١٧/٢٤ وما بعدها، التمهيد ٣٩٢/١٤ وما بعدها .

٥٣٢
كتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
( ... ) وحدّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ تَّهِ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَاً.
وَسَقَ الَّحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عُبِّدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ .
٢٨ - (١٧٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، كَلاَهُمَا عَنْ
أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ يَحْمَى : أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعَّمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةً،
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِىِّ ◌َّهُ بَيَّهُودِيِّ مُحَمَّمَا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ
◌َ فَقَالَ: « هَكَّذَاً تَجدُونَ حَدَّ الزََّنى فى كِتَابَكُمْ؟)). قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلاً
مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: (( أَنْشُدُكَ بالله الَّذِىَ أَنْزَلَ النَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ
حَدَّ الزَّانِى فِى كِتَابِكُمْ؟ )). قَالَ: لاَ، وَلَوَلاَ أَنَّكَ نَشَدْتَنِى بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ
الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِى أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ
تقدم ، وفيه حجة أنه لايربط ولا تشتد يداه .
وقوله: ((يترك له يداه يتقى بهما)) ولم يذكر فى الحديث فى الأم من أين استحق -
عليه السلام - عليهما الزنا. وقد ذكر أبو داود أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذَكَرَهُ فى
فرجها .
١/٤٥
وقوله فى الحديث الآخر عن البراء بن عازب: مر على النبى معَّه يهودى محمماً ،
وسؤاله إياهم وذكرهم ما أحدثوه فى ذلك / من التحميم، والجلد فى أشرافهم، فقال: ((اللهم
إنى أول من أحيا أمرك إذ أماتوه )) فأمر به فرجم : ليس فيه إن - شاء الله - مخالفة لما
تقدم من أنهم حكموه، ولا حجة للمخالف فى إقامة حد الزنا على الكتابيين وإن لم يحكمونا
لما فى آخر الحديث: فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾
إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (١) يقول : ائتوا محمداً فإن
أمركم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ،فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ (٢) ، فهذا من نفس هذا الحديث بيان أنهم
حكموه ، واختصرها الراوى . فيحتمل أن التحكيم كان بعد أن مروا عليه ، وأنكر عليهم
فعلهم ، والله أعلم .
(١) المائدة : ٤١ .
(٢) المائدة : ٤٤ .

٥٣٣
کتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَىءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ،
فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمَ. فَقَالَ: رَسُولَ اللهِ عَُّ: «اللَّهُمَّ، إِنَّىَ أَوَّلُ
مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوُهُ)) ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا
يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١) يَقُولُ:
اثْتُوا مُحَمَّدًا عَهُ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَقْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ
فَاحْذَرُوا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾(٢)،
﴿ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(٣) ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(٤) فى الْكُفَّارِ كُلُّهَا.
( ... ) حدّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
بِهَذَ الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. إِلَى قَوْلِهِ: فَأَمِّرَ بِهِ النَّبِىُّ ◌َّهِ فَرُجِمَ. وَلَّمْ يَذْكُرْ: مَا بَعْدَهُ مِنْ
تُزُولِ الَآيَةِ .
٢٨م - (١٧٠١) وحدّثنى هَرُونُ بْنُ عَبْد الله، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّد، قَالَ:
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَّابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: رَجَمَ النّبِىّ
عَّهِ رَجُلاً مِنْ أُسْلَمَ، وَرَجُلاً مِنَ الَيَّهُودِ، وَأَمْرَأَتَهُ .
وقد احتج بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة حد الزنا على الذميين إذا زنيا ، وهو
قول أبي حنيفة وأحد قولى الشافعى (٥) . وحجة من قال بهذا القول قوله تعالى: ﴿ وَأَنِ
احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّه﴾ (٦) وجعلوها ناسخة لآية التخيير، وهو قول ابن عباس فى
آخرين وقال مالك : إذا زنا أهل الذمة فلا يعرض عليهم الإمام ويردهم إلى أهل دينهم ،
إلا أن يظهر منهم ذلك بين المسلمين ويضروهم بذلك فيمنعوا ، وهو قول جماعة من
العلماء، وأحد قولى الشافعى وأبى ثور فى آخرين. وقال مالك: إذا زنا أهل الذمة فلا يعرض
عليهم الإمام. وذهب المغيرة من أصحابنا إلى أنهما يحدان حد البكر كيف كانا. وقد بينا
(٢) المائدة : ٤٤ .
(١) المائدة : ٤١ .
(٣) المائدة : ٤٥ .
(٤) المائدة ٤٧ .
(٥) انظر: الاستذكار ١٧/٢٤ وما بعدها .
(٦) المائدة : ٤٩ .

٥٣٤
كتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
( ... ) حدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
بِهَذَا الإِسْنَاَدِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَلَ : وَأَمْرَأَةً .
٢٩ - (١٧٠٢) حدّثنا أبوُ كَامِلِ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الْوَاحد، حَدَّثَنَاَ
سُلَيْمَنُ الشََّنِىُّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الِّ بْنَ أَبِى أَوْفَى. ح وَحَدَّثَناَ أَبُو بَكَرِ بْنُ أَبِى
شَيْيَةَ - وَاللَّفْظُّ لَهُ - حَدَّثَنَاَ عَلَىُّ بْنُ مُسْهَرٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَقَ الشََّنِىِّ، قَالَ: سَأَلَتُ
عَبْدَ الله بْنَ أَبِى أَوْفَى: هَلْ رَجَمَ رَسُولَ اللهِ عَّهُ؟ قَلَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: بَعْدَمَا
أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهاَ؟ قَالَ : لا أَدْرِى .
٣٠ - (١٧٠٣) وحدّثنى عيسَ بْنُ حَمَّد الْمِصْرِىُّ، أَخْبَرَنَاَ اللَّيْثُ، عَنْ سَعيد
ابْنِ أَبِى سَعيد، عَنْ أَبيه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمَعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعَ
يَقُولُّ: ((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَّنَ زِناَهَاَ، فَلْيَخَلِدْهَا الْحَدَّ ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهاً. ثُمَّ
إِنْ زَنَتْ ، فَلَيَجْلدهَا الْحَدّ ، وَلا يُثَرَّبْ عَلَيْها. ثَمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّلِئَةَ، فَتَبَّنَ زِنَهاَ
فَلِعْهاَ، وَلَوْ بِحَبَّلٍ مِنْ شَعَرٍ )) .
٣١ - ( .. ) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ
عُبَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَاَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدَ، أَخْبَرَنَاَ مُحَمَّدُ بَّنُ بَكْرِ الْبُرَّسَانِىُّ، أَخْبَرَنَاَ هِشَامُ بْنُ
حَسَّان، كلاهُمَا عَنْ أُّوبَ بْنٍ مُوسَى ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَّكْرِ بْنُ أَبِ شَيْبَةَ، حَدََّا أَبُو
أُسَامَةَ وَبْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. حٍ وَحَدَّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِىُّ، حَدََّنَ
ابْنُ وَهْب ، حَدَّثَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيّدَ. ح وَحَدَّثَنَاَ هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَأَنَ ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ إِسْحَقَّ، كُلُّ هَؤُلاءِ عُنَّ سَعِيد
الْمَقْبِىُّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َةِ. إِلاَ أَنَّأَبَّنَ إِسْحَقَ قَلَ فِى حَدِيثِه: عَنَّ
﴾ (١)، وأما الإتيان فحكمان
أنه لا حجة لهم بهذا الحديث لما فيه من أنهم حکموا النبى
عند هؤلاء وهو قول عطاء والحسن وليس المعنى عندهم بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْتَهُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّه ﴾ (٢) على الوجوب، وإنما هو بمعنى الذى فى آخر الآية الأولى ومعطوف عليها فى
قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ﴾ (٣)
(١) انظر: الاستذكار ١٧/٢٤ ما بعدها.
(٢) المائدة : ٤٩ .
(٣) المائدة : ٤١ .

كتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
٥٣٥
سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيّرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّةُ، فِى جَلْدِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ ثَلاثاً: (ثُمَّ
لْيَبَعْهَا فى الرّابعَة)) .
٣٢ - ( ... ) حدّثنا عَبدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَاَ مَالكٌ. ح وَحَدَّثَنَاَ يَحْبَى
ابْنُ يَحْتَى - وَاَللَّفْظُ لَهُ - قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالكَ ، عَن ابْن شهَاب ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ
عَبْد الله، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَُّ سُئِلَ عَنِ الأَمَّةَ إِذَا زَنَّتْ وَلَمْ تُحْصِنْ؟
قَالَّ: ((إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَّتْ فَاجْلَدُوهَاَ، ثُمَّ إِنَ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَاَ، ثُمَّ
بِيعُوهَا وَلَّوْ بِضَغِيرٍ)) .
قَالَ ابْنُ شِهَاب: لا أَدْرِى، أَبَعدَ الثَّالثَة أَو الرَّابِعَة.
وَقَ الْقَعْنَبِىُّ، فِى رِوَتِهِ : قاَلَ ابْنُ شِهَابٍ : وَالضَّغِيرُ الْحَبْلُ .
٣٣ - (١٧٠٤) وحدّثنا أَبُو الطَّاهر، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْب، قَالَ: سَمعْتُ مَالِكًا
يَقُولُ: حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَبٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةً، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيِّدِ
ابْنِ خَالِدِ الَّجُهَنِىِّ؛ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عََّ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ. بِمِثْلِ حَدِيثِهِماَ. وَلَمْ يَذْكُرَّ
قَوْلَ ابْنَ شِهَابٍ: وَالضَّغِيرُ: الْحَبَّلُ.
( ... ) حدّثَنِى عَمْرٌو النَّاقدُ، حَدَّثَنَاَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد ، حَدَّثَنِى أَبِى
عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّزََّقَ، أَخْبَرَنَاَ مِّعْمَرٌ، كَلاهُمَاً
عَنِ الزُّهَرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيّدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ نَلِ﴾.
بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَالشَّكُ فِى حَدِيثِهِمَاَ جَمِيعًا،َ فِى بَيِّعِهَا فِىَ الثَّلِئَةِ أَوْ الرَّبِعَةِ .
ثم مرت التلاوة فى هذه القصة وما تعلق بها ، ثم أكد الحكم بينهم بالقسط وبما أنزل الله
إن حكم ، واختار ذلك من الأمرين فمعناه عندهم : وأن احكم بينهم بما أنزل الله إن
حكمت كما قال: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْتَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾(١) .
(١) المائدة : ٤٢ .

٥٣٦
كتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
وقوله : ((رجم رجلا من اليهود وامرأته )) أى صاحبته ، ولم يرد زوجته ، وفى
الرواية الآخرى: (( وامرأة)).
وقوله : رجم رسول الله عَّ﴾، ثم قال: نعم . قلت : بعد ما أنزلت سورة النور أم
قبلها ؟ قال: ((لا أدرى)): اختلف السلف والعلماء فى آية النور ، هل هى ناسخة لآيتى
النساء، قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت﴾ (١) وقوله: ﴿فَذُوهُمَا﴾؟ (٢) قيل: بالقول
والضرب بالأيدى ، وقيل : هى منسوخة بحكم الرجم الثابت ، وقيل : هى محكمة لا
منسوخة ولا ناسخة ، وأنها فى البكرين ثابتة الحكم ، وآية النساء فى المحصنين ، وأن الآية
الأخرى من آيتى النساء ناسخة للأولى ، ثم نسخ ذلك آية النور فى البكرين وحكم الرجم
فى المحصنين .
وقوله : ((إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يُثَرِّب عليها ))، قال
الإمام : فيه حجة لنا أن السيد يقيم على عبده الحد فى الزنا / خلافا لمن منعه .
٤٥/ب
قال القاضى : جمهور العلماء على ما ذهب إليه مالك من إقامة السيد الحد على عبده،
وأمته فى الزنا ، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين خلافا لأهل الرأى والسنة من هذا
الحديث وشبهه فقطع آراءهم .
واختلف القائلون بإقامة الحد فى الزنا فى إقامة الحد عليه فى القطع ، مع اتفاق هؤلاء
أن حدود الجلد كلها كحد الزنا يقيمها السيد . فقال الشافعى : يقطع يد عبده ، وقاله
بعض أصحابنا إذا قامت على السرقة بينة . ومنع ذلك مالك وغيره فى القتل والقطع
وقصاص الأعضاء ؛ مخافة أن يمثل بعبده ، ويدعى أنه أقام عليه حداً لئلا يعتق عليه ، وأن
ذلك للإمام. ((فليجلدها الحد )): دليل على وجوب الحد على العبيد فى الزنا ، خلافا لمن
قال غير ذلك كما سنذكره (٣) .
وقوله: (( فتبين زناها)) : بين فى أن الحد لا يكون إلا بعد الثبات والبيان التام وصفة
الشهادة عليها على ما يكون على غيرها ، وهل يكتفى فى ذلك السيد بعلمه ؟ عندنا فى
ذلك روايتان : الحد وإقامته وسقوطه عندنا ، كانت ذات زوج أم لا . وعن ابن عمر : إن
كانت ذات زوج رفع أمرها إلى السلطان .
وقوله: ((ولا يثرب عليها)): التثريب: التوبيخ والمؤاخذة بالذنب ، هذا حكم فى
هذا الباب وشبهه من ترك التعبير لأصحاب الذنوب بما سلف منهم ، والمؤاخذة لهم بما قد
(١) النساء : ١٥ .
(٢) النساء : ١٦ .
(٣) انظر: الاستذكار ١٠٧/٢٤ وما بعدها، المغنى ٣٣٤/١٢ وما بعدها .

٥٣٧
كتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
حدوا فيه وعوقبوا عليه ، ولومهم على ما سلف منهم وتوبيخهم عليه ؛ إذ لم يكونوا
موافقين له فى الحين . وأيضا فإن فى تكرار ذلك على الإماء والنساء سقوط بحشمتهن
وكشف ستر الحياء بينهن وبين ساداتهن ، حتى تسقط هيبتهن لهم فى ذلك فيكون سبب
العود له ؛ لأن الشىء إذا أكثر من ذكره أنس به ولم يبال عنه .
وقوله: ((ثم إن زنت فاجلدوها)): سنة فيمن تكرر منه الزنا وشبهه من المعاصى
بعد حده عليها إن تكرر حده ، ولا يسقطه الحد الأول .
وقوله : ((ثم إن زنت مرة فليبعها ولو بضفير)): جاء مفسرا فى الرواية الأخرى :
((فليبعها ولو بحبل من شعر)) وكل حبل ضفير ، وكذلك كل ما ضفر وفتل حض على بيعها
وتأكيد فى الخروج عن ملكها البعد عن صحبتها بعد الرابعة ، وليس ذلك بواجب عند
جمهور العلماء ، خلافاً لداود وأهل الظاهر فى وجوبه ، وفى هذا مجانبة أهل المعاصى
ومباعدتهم . قالوا : وفيه جواز التغابن وبيع الخطير بالثمن اليسير. ولا خلاف فى هذا مع
العلم به ، إنما الخلاف إذا كان عن جهالة من الغبون. وعندنا فى ذلك قولان: المعنى كيف
كان والالتفات إلى الخروج عن عادة الناس فى التغابن إلى ما يكثر ويسمح فيرد وحده قائل
هذا بالزيادة على ثلث الثمن والنقص منه ، وليس فى الحديث عندى ما يستدل به على
المسألة، وإنما هذا على طريق المبالغة فى بيعها بما أمكن ، ولا تحبس ليرصد بها ما يرضى
من الثمن .
وقوله فى رواية مالك فى الحديث: أنه - عليه السلام - سئل عن الأمة إذا زنت ولم
تحصن؟ فقال: ((اجلدها)). كذا فى حديث مالك. قال الطحاوى: لم يقله غير مالك. قال
غيره: قد رواه كذلك ولم يخص ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما / قال
مالك.
١/٤٦
واختلف فى معنى الإحصان هنا فقيل : الحرية ، وقيل : التزويج، وقيل : الإسلام ،
وهذا على الاختلاف فى قوله تعالى فيهن: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة ) الآية (١)، قرئ
بفتح الهمزة والصاد وبضم الهمزة وكسر الصاد . واختلف فى تفسير ذلك ، هل هما بمعنى
التزويج أو الإسلام ؟ أو هما بمعنيين ؟ بالفتح: الإسلام ، وبالضم التزويج ، وبحسب
ذلك اختلف العلماء فى حد الأمة إذا زنت. فروى عن ابن عباس وبعض السلف: لاحد على
أمة فى الزنا حتى تحصن بزوج ، ولا حد على عبد ، وهو مذهب أبى عبيد وذلك على
قراءة (( حصن)) بالضم. وذهب الجمهور من السلف وفقهاء الأمصار فى أنها تحد نصف حد
الحرة، كانت بزوج أم لا (٢) وهذا الحديث حجة لهم ، وحديث علىّ المذكور بعد هذا وفيه:
(١) النساء : ٢٥ .
(٢) انظر: الاستذكار ١٠١/٢٤ وما بعدها، المغنى ٣٣١/١٢.

٥٣٨
كتاب الحدود / باب رجم اليهود ... إلخ
(( من أحصن منهم ومن لم يحصن )) . وقالوا : أحصنت معناه : أسلمت ، وقد روى عن
عمر بن الخطاب جلدهن فى الزنا . وروى عنه - أيضا - ما ظاهره لاحد على أمة ، وروى
نحوه عن ابن عباس أيضاً ، وروى عنه : حتى تحصن تحد . قاله طاووس وعطاء وابن
جريج (١)، ذلك من لم يوجب الحد إذا لم يحصن ، ويتأوله أنه إذا لم يسلمن يرى
العقوبة، ويتأول قوله فى هذا الحديث: (( فاجلدوها )» ولم يقل: فحدوها . قوله فى
الحديث الأول: ((فليجلدها الحد))، ففسره وقال القاضى أبو القاسم : هما حديثان فى
أمتين ، أحدهما : مسلمة تحد : والأخرى : كافرة لم تحصن ، أى لم تسلم : تعاقب .
(١) انظر : السابق .

٥٣٩
كتاب الحدود / باب تأخير الحد عن النفساء
(٧) باب تأخير الحد عن النفساء
٣٤ - (١٧٠٥) حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرِ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَاَ سُلَيْمَانُ أُبُو دَأُودَ ،
حَدَّثَنَاَ زَائِدَةُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ سَعْدَ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ :
خَطَبَ عَلَىٌّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَّى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ
لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُول الله عَِّ زَنَتْ، فَأَمَرَنَى أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِىَ حَديثُ
عَهْدِ بِنْفَاسِ ، فَخَشِيتُّ إِنْ أَنَّ جَلَّدْتُهَاَ أَنْ أَقْتُلَهَاَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ◌َِّ. فَقَلَ:
((أَحْسَتَ)).
( ... ) وحدّثناه إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ يَحْبَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ
السُّدِّىِّ، بَهَذَا الإِسْنَد. وَلَمْ يَذْكُرْ: مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ . وَزَادَ فِى
الْحَدِيثِ: ((اتْرُكُهَاَ حَتَّى تَمَثَلَ )).
قال الإمام: وقول على: (( أقيموا على أرقائكم الحد ، من أحصن منهم ومن لم
يحصن)) : هذا قولنا فى إقامة الحد على الأمة وإن لم يكن لها زوج ، خلافاً لمن أَبَىَ ذلك
واعتقد أن فى شرط حدها إحصانها بالتزويج، وتأول قراءة من قرأ: ((إذا أحصن )) بفتح
الهمزة والصاد على معنى التزويج، وقد تقدم الحديث المذكور فيه: ((إذا زنت فاجلدوها))
ولم يفرق. وفى بعض طرقه أنه عَّة قال عن الأمة إذا زنت ولم تحصن: ((إن زنت
فاجلدوها)) .
قال القاضى: وفى قوله: إن أمة لرسول الله عليه زنت فأمرنى أن أجلدها ، فإذا هى
حديث عهد بنفاس ، فخشيت إن أنا أجلدتها أن أقتلها ، فذكرت ذلك للنبي عَّ فقال:
((أحسنت)) : حجة لما تقدم أنه لا يحد بالجلد المريض والنفساء حتى تستقل من نفاسها لأنه
مرض ، وأما من حده القتل فيحد كل حين لارتفاع العلة .
٠٠

٥٤٠
كتاب الحدود / باب حد الخمر
(٨) باب حد الخمر
٣٥ _ (١٧٠٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، قالا: حَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ
ور،و، و پ ھ
ابْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَاَ شُعْبَةُ، قاَلَ: سَمْعتُ قَتَدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِّ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّالنَّبِىَّ
◌َُّ أَفَى بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَجَّلَدَهُ بِجَرِيدَقَيْنِ، نَحْوَ أَرْبَعِينَّ.
قَالَ : وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ ، فَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ :
أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَنِينَ فَأَمَرَّبِهِ عُمَرُ .
( .. ) وحدّثْنا يَحْبَى بْنُ حَبيب الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَاَ خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنِ الْحَارِثِ -
حَدَّثَنَاَ شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَ قَتَدَةُ. قَلَّ: سَمِعْتَّ أَنَساً يَقُولُ: أَنَّىَ رَسُولُ الهِ مَّهُ بِرَّجُلٍ .
فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
٣٦ - ( ... ) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَاَ مُعَاذُ بْنُ هشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ
قَتَدَةَ، عَنْ أَنَس بْن مَالك؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ لَّهِ جَلَدَ فى الْخَمْرَ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَلَ، ثُمَّ
جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَدَنَ النَّاسَُ مِنَ الرِّيَّفَ وَاَلَقُرَّى ، قَالَ: مَا
جلد فى الخمر بجريدتين نحو أربعين ، وفعله أبو بكر ، وأن
وقوله : أن النبى
عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن: ((أخف الحدود ثمانين (١) ))، فأمر به عمر ، وفى
الرواية الأخرى : أنه - عليه السلام - كان يضرب فى الخمر بالنعال والجريد أربعين ،
وذكر قول على: ((جلد النبى معَّه وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة)).
قال الإمام - رحمه الله -: لو فهمت الصحابة عن النبى عليه حداً محدودا فى الخمر
لما عملت فيه برأيها ولا خالفته، كما لم تفعل ذلك فى سائر الحدود/، ولعلهم فهموا أنه -
عليه السلام - فعل ذلك على موجب اجتهاده فيمن فعل فيه ذلك .
٤٦/ب
قال القاضى - رحمه الله -: أجمع المسلمون على وجوب الحد فى الخمر ، وأجمعوا
أنه لا يقتل إذا تكرر منه ذلك ، إلا طائفة شاذة قالوا : يقتل بعد حده أربع مرات ،
الحديث الوارد فى ذلك وهو عند الكافة منسوخ بقوله - عليه السلام -: (( لا يحل دم مسلم
(١) فى الأصل : ثمانون .