النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب القسامة / باب تغليظ تحريم الدماء ... إلخ
أجراها فى أول برج الحمل، وكان الزمان الذى أشار إليه النبى عَّه صادف حلول الشمس
الحمل . ولما وقفت على قوله هذا دعا ذلك لتعديل هذا اليوم ، فَعُدِلَ لاختبار ماقال ، فلم
يوجد كما زعم ، ووجدت الشمس يوم التاسع من ذى الحجة سنة عشر قد قطعت من برج
الحوت نحو عشرين درجة ، لكن أظنها كانت فى مثل هذا اليوم سنة تسع فى أول الحمل ،
وأراه من هذه الجهة غلط ، لو كان الأصل الذى ذهب إليه ، لكنه لم يقله أحد من علماء
الشرع .
قال القاضى - رحمه الله - : نظرت فيما قالاه على تعين ترك النظر فيه ووجوب
طرحه لكن لما جاء من خطأ به فوجدت قول الشيخ : التاسع من ذى الحجة سنة عشر وهما
بينا؛ لأن الخطبة إنما كانت يوم النحر؛ اليوم العاشر، كما نص فى الحديث وعلى الوجهين،
فيكون ماقاله الخوارزمى خطأ ، لأنه يتبقى لقطع الشمس من برج الحوت وانتقالها إلى برج
الحمل نحو عشر درجات ، تقطعها فى عشرة أيام على ماحكوه عن أهل المعرفة بالحساب ؛
أنها إنما تقطع كل برج فى ثلاثين يوما .
ولمالك بن أنس وغيره من أئمة الهدى على هذا الباب لمعرفة الأوقات كلام على هذا
إلا أن مالكا قال فى ثلاثين يوما وثلث يوم وفى استدارة الزمان للغرب وجه هو معنى
الحديث إن شاء الله، هو ما قاله إياس بن معاوية ، وذلك أن المشركين كانوا يحسبون السنة
اثنى عشر شهرا وخمسة عشر يوماً ، فكأن الحج يكون فى رمضان وفى ذى القعدة وفى كل
شهر من السنة بحكم استدارة الشهور لزيادة الخمسة عشر يوما ، فحج أبو بكر- رضى الله
عنه - سنة تسع من ذى القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبى معَّ . فلما كان فى العام
المقبل وافق الحج ذا الحجة فى العشر ، ووافق ذلك الأهلة ، وقد روی أن أبا بکر - رضى
الله عنه - إنما حج فى ذى الحجة /.
٣٣ / ب
وروى عن ابن عباس معنى آخر قال : كانوا إذا كانت السنة التى ينسئ فيها قام
خطيبهم بفناء الكعبة ، وقد اجتمع إليه الناس يوم الصدر فقال: (( أيها الناس ، إنى قد
نسأت العام صفر الأول - يعنى المحرم - فيطرحون من الشهور ولا يعتدون به ويبتدئون
العدة فيقولون لصفر وشهر ربيع: صفران، ولربيع الآخر ولجمادى: شهر الربيع، ولجمادى
الأخرى ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، هكذا إلى محرم فيسمونه
ذا الحجة ، فيحجون فيه تلك السنة فى المحرم ، ويبطلون من هذه السنة شهرا يحجون فى
كل سنة فى شهرٍ حجتين ، ثم ينسئ فى السنة الثانية صفر الأول فى عدتهم وهو الآخر فى
العدة المستقيمة ، حتى يكون حجهم فى صفر حجتين ، كذلك الشهور كلها حتى يستدير
الحج فى كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم ، الشهر الذى ابتدؤوا فيه النسىء .
وعن ابن الزبير نحو هذا ، إلا أنه قال : يفعلون ذلك فى كل ثلاث سنين يزيدون
شهرا قبل ، وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة ، حتى تأتى الأزمان

كتاب القسامة / باب تغليظ تحريم الدماء ... إلخ
٤٨٢
قَالَ : (( أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةَ؟ )) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَأَىُّ بَلَدِ هَذَا؟ )) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيْهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟)) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ:
(( فَأَىُّ يَوْمِ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيْهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.
قَالَ: ((أَلْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ )) قُلْنَا: بَلَى. يَارَسُولَ الله قَالَ: ((فَإِنَّ دَمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكْمْ - قَالَ
واحدة ، قال : ووجدنا أيام شهور العجم فى السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما ، ووجدنا
شهور الأهلة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما ، وبيننا وبينهم أحد عشر يوما فى العام ،
فزادوا شهراً فى كل سنة ثالثة حتى يستقيم . وتأتى أسماء شهورهم موافقة لمعانيها لا تختلف
أوقاتها كشهور العجم ، فكأن رمضان يأتى أبداً فى الحر والرمضاء ، وبه سمى والربيع فى
زمان ابتداءً من المطر ونبات الربيع ، على مذهبهم أن زمان الربيع هو الخريف عندهم ،
وجمادى فى شهور البرد وجمود الماء لذلك ، قال الشاعر :
فى ليلة من جمادى ذات أندية
فلولا أنها كذلك أبدا عندهم لا يختلف حال ليالى جمادى لما حسن هذا الكلام
ولاصح ، كما لايصح لأحد منا أن يقوله اليوم ، فعلى هذا يستقيم لفظ الحديث ويتوجه
معناه، وينفهم المراد بقوله - عليه السلام -: (( اثنى عشر شهراً))، وعلى حكمهم فى
النسىء فى تحريم شهر وتحليل آخر لايختلف عدد الشهور ، وإنما يختلف فيها الشهور
للتحريم والتحليل، وقيل: لما وافق حج النبى معَّ﴾هذا الحجة قال: ((إن الزمان قد استدار
كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)) إنى قد ثبت الحج فى ذى الحجة وثبت التحريم فيه
لوقوعه أيضا موقعه .
وقوله: ((ورجب مضر))، قال الإمام - رحمه الله -: قيل: إن ربيعة كانت تجعل
رجبا رمضان ومضر تبقيه على حاله ، فلذلك أضافه إليهم ، وقيل لأنهم كانوا يعظمونه
أكثر من غيرهم، وأكثر ذلك بقوله: (( الذى بين جمادى وشعبان)) ، وزيادة في البيان
وتحرزا من تنقله بالسنين حتى كان يسمى باسمه غيره .
قال القاضى - رحمة الله - : وقيل : كانت العرب تسمى رجبا وشعبان الرجبين،
وقيل : بل كانت تسمى جمادى ورجب جمادين ، وتسمى شهر شعبان رجبا ، فلذلك
خص رسول الله عَمّ رجبا بعينه .
وقوله : ثم قال: (( أى بلد هذا ؟ ثم أليس البلدة)) يعنى مكة ، وعرفها للعهد
١/٣٤ والتخصيص والتعظيم، / وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَة﴾ (١)،
وقيل : هو اسم لمكة ، وقيل : اسم لمنى .
(١) النمل : ٩١ .

٤٨٣
كتاب القسامة / باب تغليظ تحريم الدماء ... إلخ
مُحَمَّدٌ: وَأَحْسُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا،
فِى شَهْرِكُمْ هَذَا. وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ . فَلاَ تَرْجِعُنَّ بَعَدِى كُفَّارًا - أَوْ
ضُّلالا - يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلا لِيُبَلَّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ . فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ
يَُّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَةٌ)). ثُمَّ قَالَ: ((أَلاَ هَلْ بَلَّغَتُ؟)).
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِى رِوَايَتِهِ: (( وَرَجَبُ مُضَرَ )) . وَفِى رِوَايَةٍ أَبِى بَكْرِ: (( فَلا تَرْجِعُوا
بَعْدی)).
وقوله - عليه السلام - لهم وسكوته بأنه كان سؤال على طريق التقرير والاستنصات.
وقوله: ((الله ورسوله أعلم)) صرف للجواب إليه ؛ لعلمهم أنه لم يجهل ماسأل عنه ،
ولاطلب منهم جوابه بالحقيقة ، بل تقريرهم كما يورده عليهم، أو لما ذكروه أنهم ظنوا أنهم
لما سألهم عنه إنما ذلك لما لم يعلموه ليسمى لهم ماسألهم عنه بغير اسمه ، لا يراد عجبا
ذلك ، كما سمى المدينة طابة ، وسمى العتمة العشاء ، وغير ذلك .
وقوله : ( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضکم حرام علیکم کحرمة یومکم هذا فی بلدكم
هذا، فى شهركم هذا)) كل هذا تأكيد لحرمة الدماء والأموال والأعراض ، وتحريم المظالم
العباد ، كتأكيد حرمة يوم النحر من شهر الحج فى حرم مكة .
وقوله: ((أى يوم تلقون ربكم؟)) دليل على أن تحريم مكة وذى الحجة وتعظيمها وتعظيم
يوم النحر تحريم الأعراض والأموال والدماء إلى الأبد ، وأنه لا رخصة فى شىء من ذلك.
وقوله: ((لا ترجعوا بعدى كفاراً أو ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض)) : تقدم
الكلام عليه ، وأنه لاحجة فيه لمن يكفر بالمعاصى ، وأن معناه كفر دون كفر ، وكفر نعمة
وشكراً من لايكفر دين وردة ، وقيل: كفر فعل مما تقدم لكم من البيان والتصديق والإيمان.
قيل : هذا الكلام من تحريم دمائكم . وقيل : كفار متكفرين فى السلاح للقتال ، قد يكون
ذلك فيمن ارتدوا فى الخوارج على القول بتكفيرهم ، وتكفير أهل البدع. فقوله: (( ألا
ليبلغ الشاهد الغائب )) حجة فى لزوم إبلاغ العلم ونشره .
قوله: (( فلعل بعض من لم يبلغه أوعى له من بعض من سمعه)) : حجة فى جواز
الحديث عن الشيوخ ومن لاعلم عنده ولافقه ، إذا ضبط مايحدث به . وفى كلامه هذا وهو
على بعيره حجة لاتخاذ المنابر للخطب ؛ لأن المقصود ارتفاع الخطيب على جماعة الناس
ليستمعوا كلامه، ولا يخفى عليهم خطبته بقوله: ((ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما
وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا)) هكذا هى (( خزيعة)) بالزاى عند كافة الرواة ، وكان
عند شيخنا أبى محمد الخُشَنى وبعضهم: (( خديعة)) وأراها رواية ابن ماهان - أيضاً -
بالذال ، وهو وَهْم ، والصواب الأول ، أى قطعة من . الغنم .

كتاب القسامة / باب تغليظ تحريم الدماء ... إلخ
٤٨٤
٣٠ - ( .. ) حدّثْنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىِّ الْجَهْضَعِىُّ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ
ابْنُ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنَّ أَبِيهِ . قَالَ: لَمَّأَ
كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، قَعَدَ عَلَى بَعيره وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخطَامِهِ. فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ أَىَّ يَّومِ هَذَا؟ )).
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيْهِ سوَى اسْمِهِ. فَقَالَ: ((أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟))
قُلْنَا: بَلَى، يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَأَىُّ شَهْرِ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ (( أَيْسَ
بذى الْحجَّةَ؟ )) قُلْنَا: بَلَى. يَارَسُولَ الله؛ قَالَ: ((فَأَىُّ بَلَدِ هَذَا)). قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيْه سوَى اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةَ؟ )) قُلْنَا: بَلَى، يَارَسُولَ الله.
قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَلَّكُمْ وَأَغْرَاضِكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كُحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِى
شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُلِّغِ الشََّهِدُ الْغَائِبَ)).
قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَّبَحَهُمَا ، وَإِلَى جُزَّيِّعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ فَقَسَمَهَا بَيْنَا .
قال الإمام - رحمه الله -: وقوله: ((ثم انكفأ))، الانكفاء الانقلاب ، يقال :
انكفأ إلى كذا ، أى انقلب إليه ومال نحوه . وانكفأ لونه ، أى تغير وزال عن حاله ،
ومال إلى حالة أخرى . قال الكسائى : الأملح: هو الذى فيه بياض وسواد والبياض أكثر .
قال القاضى - رحمه الله -: قَالَ الدارقطنى: قوله: ((ثم انكفأ)) إلى آخر الحديث،
وهم من ابن عون فيما قيل ، وإنما رواه ابن سيرين عن أنس (١) .
قال القاضى - رحمه الله - : وقد خرج البخارى هذا الحديث عن ابن عون ، فلم
يذكر فيه هذا الكلام (٢) ، ولعله تركه عن عمد . وقد رواه أبو قرة عن ابن سيرين فى مسلم
فى الباب ، فلم يذكر فيه هذه الزيادة ، إنما هى فى حديث آخر فى خطبة عيد الأضحى ،
فوهم فيهما الراوى وضمها إلى خطبة الحج ، أو هما حديثان ، ضم بعضهما إلى بعض .
وقد ذكر مسلم ذلك فى كتاب الضحايا بعد هذا من حديث أيوب وهشام عن ابن سيرين ،
عن أنس ؛ أن النبى معَّه صلى ثم خطب ، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ، ثم
قال آخر الحديث : (( وانكفأ رسول الله إلى كبشين أملحين فذبحهما ، فقام الناس إلى غيمة
فتوزعوها)) (٣)، فهذا هو الصحيح ورافع للإشكال ، ويصحح - أيضا - أن اللفظ الذى
هنا: ((خزيعة))بالزاى لقوله هنا: (( غنيمة)) / .
٣٤/ب
(١) الدار قطنى فى الإلزامات والتتبع ص ٢٢٠، ٢٢١ (٨٦).
(٢) البخارى، ك العلم، ب قول النبى عليه: ((رب مبلغ أوعى من سامع)) ٢٦/١.
(٣) مسلم، ك الأضاحى، ب وقتها ٣/ ١٠ .

٤٨٥
كتاب القسامة / باب تغليظ تحريم الدماء ... إلخ
( ... ) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَن ابن عَوْن، قَالَ : قَالَ
صلىاللّه
مُحَمَّدٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِهِ ، قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَّوْمُ جَلَسَ النَّبِىُّ
عَلَى بَعِيرِ. قَالَ: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِزِمَامِهِ - أَوْ قَالَ بِخِطَامِهِ - فَذَكَرَ نَحوَ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.
٣١ - ( .. ) حدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيِّمُونٍ، حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا قُرَّةٌ
ابْنُ خَالد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، وَعَنْ رَّجُل آخَرَ هُوَ
فِى نَفْسِى أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ. حَ وَحَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةً
وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُوَ عَامِرٍ ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو، حَدَّثَنَا قُرَّةٌ بَإِسْنَادِ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - وَسَمَّى الرَّجُلَ حُمَيْدَ بْنَّ عَبْدِ الرَّحْمَن - عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، قَالَ: خُطَبَنَا
رَسُولُ اللهِلَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: ((أَىُّ يَوْمِ هَذَا؟)) ، وَسَاقُوا الْحَدِيثِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ
عَون، غَيَّرَ أَنَّهُ لا يَذْكُرُ: (( وَأَعْرَاضَكُمْ))، وَلَا يَذْكُرُ: ثُمَّ انْكَفَ إِلَى كَبْشَيْنِ، وَمََّبَغَدَهُ .
وَقَالُ فى الْحَدِيثِ: ((كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَومٍ
تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)). قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ : ((اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ )) .
قالوا : وفى هذا الحديث دليل أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر لتعظيم أمره فى هذه
الخطبة ، وهو قول على وابن عمر ومالك فى آخرين . واختلف فيه عن ابن عباس ، وروى
عن عمر وابن الزبير فى آخرين : أن يوم الفتح الأكبر الحج الأكبر يوم عرفة ، وصحة القول
الأول ماتقدم من تخصيص النبى ◌ّ﴾ له ؛ ولأن فى يومه وليلته معظم أعمال الحج . وقوله
ذلك قوله فى البخارى فى بعض روايات هذا الحديث: (( أى يوم تعلمونه أعظم حرمة ؟ ))
قالوا : يومنا هذا .

٤٨٦
كتاب القسامة / باب صحة الإقرار بالقتل ... إلخ
(١٠) باب صحة الإقرار بالقتل وتمكين ولىّ القتيل من القصاص،
واستحباب طلب العفو منه
٣٢ - (١٦٨٠) حدّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذ الْعَنْبَرَىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ
سمَاكِ بْنِ حَرْب؛ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلَ حَدَّثَهُ ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ : إِنِّى لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِىِّ
صلاف
إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بنسْعَةٍ. فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ هَذَا قَتَلَ أَخِى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِعَيهِ:
((أَقَلْتَهُ؟» - فَقَال: إِنَّهُ لَوِّ لَّمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيْنَةَ - قَالَ: نَعَمْ قَتَلُهُ. قَال: ((كَيْفَ
قَتَلْتَهُ ؟)). قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبَطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنَى فَأَغْضَبَتِى، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى
قَرْنِهِ فَقَتَلُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ◌َِّ: ((َهَلْ لَّكَ مِنْ شِّىْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟)). قَالَ: مَالِى مَالٌ
قوله فى الذى جاء يقود آخر بنسعة، فقال: ((هَذا قتل أَخى)). النسعة : ماضفر
من الأديم كالحبال ، فإذا فتل ولم تضفّر فليس بنسعة . فيه العنف على الجناة وتثقيفهم
وأخذ الناس لهم حتى يحضروا بين يدى الولاة ، إذ لو لم يجعل للناس هذا لفَرُّوا وفاتوا ،
فَلَيَدِ الناس فى أخذهم سلطان عليهم ؛ لأنه من المعاونة لأولياء القتيل والمجنى عليه ، ومن
نصرة المظلوم ، وتغيير المنكر . وقد أمر الله - سبحانه - بذلك كله.
وقول النبى عَّ له: ((أقتلته؟)) فقال: إنه لولم يعترف أقمت عليه البينة : فيه
ترتيب القضاء فى الاستقرارات أولا للمدعى عليه قبل تكليف الطالب البينة ، لعل المطلوب
يقر فيكتفى عن التعب فى إحضار البينة ، وليكون الحكم أجلى باليقين باعتراف منه بغلبة
الظن بالبينة ، وفيه سؤال الحاكم ولى القتيل العفو عن الجانى بعد بلوغ الإمام ، وجواز أخذ
الدية فى العمد .
وقول القاتل: (( نعم قتلته . قال : كيف قتلته ؟ قال : كنت أنا وهو نختبط من
شجرة فسبنى فأغضبنى فضربته)): قالوا: ينبنى على قوله: ((فقتلته)) معنى ((يختبط))
أى يجمع الخبط وهو ورق السمر ، وهو خبط شجرة بالعظم ليسقط ورقها فيجمع ، ويعلقه
الإبل والماشية . وقرن الرأس : جانبه . فيه تقرير المسجون والمحبوس ، وأن اعترافه لازم
له. وقال : اختلف العلماء فى ذلك . واضطرب المذهب عندنا فى إقراره بعد الحبس
والتهديد، هل يقبل حمله أولا يقبل حمله والفرق ، فيقبل إذا عنى مااعترف به من قتل أو
سرقة، ولا يقبل إذا لم يبين .
وقول النبي ◌َّ له: ((هل لك من شىء تؤديه؟)) فيه الترغيب فى العفو وأخذ الدية
كما فعل فى غير نازلة ، فلما لم يكن عنده ولا رجى ذلك من قومه دفعه إلى ولى المقتول ،

٤٨٧
كتاب القسامة / باب صحة الإقرار بالقتل ... إلخ
إِلا كِسَائِى وَفَأَسِى. قَالَ: ((فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرَوْنَكَ؟)). قَالَ: أَنَا أَهُونُ عَلَى قَوْمِى مِنْ
ذَاك. فَرَمَى إِلَيْه بنسْعَتَه. وَقَال: ((دُونَكَ صَاحِبَك))، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُل. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ
الله عَُّ: ((إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ)) فَرَجَعَ. فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّكَ قُلْتَ: ((إنْ
قَتَلَهُ فَهِوُ مِثْلُهُ )) وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَُّ: (( أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْم
صَاحِبَكَ؟)) قَالَ: يَانَبِىَّ اللهِ - لَعَلَّهُ قَالَ - بَلَى. قَالَ: ((فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ )). قَالَ : فَرَمَى
بِسْعَتَهِ وَخَلَّى سَبِلَهُ.
وهو قوله فى الحديث: فرمى إليه بنسعته وقال: (( دونك صاحبك)).
وقوله: فلما ولى به قال: ((إن قتله هو مثله))، وقول الرجل : يارسول الله، قلت
لى إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك. فقال: (( أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟ »
قال: يانبى الله، لعله قال: بلى. قال: ((فإن ذلك كذلك)) قال: فرمى بنسعته وخلى سبيله.
وفى الرواية الآخرى: فقال النبى معَّه لما أدبر به: ((القاتل والمقتول فى النار)): وفيه أن
النبى ◌ّ سأله أن يعفو عنه، قال الإمام - رحمه الله -: أما قوله - عليه السلام -: ((إن
قتله فهو مثله)) فإن أمثل ماقيل فيه : أنهما استويا بانتفاء التباعد عن القاتل بالقصاص.
وأما قوله - عليه السلام -: ((أما تريد أن يبوءَ بإثمك وإثم صاحبك)) فيمكن أن
يريد أنه يتحمل إثم المقتول أو إثم أخيه ولى الدم لا على جنايته عليهما بقتل هذا أو فجعة
هذا بأخيه ، ويكون هذا قد أوحى إليه به فى هذا الرجل / ، ويمكن أن يريد أنه باء بإثم
القتيل ، وأضافه إليهما وإن كان فى الحقيقة هو أثم بالقاتل لابهما ؛ لأنهما كالشيئين فى
تأثيمه لما أدخله عليهما من المصائب، وفى الكتاب العزيز: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾(١)
فجعله رسولا لهم لاختصاصهم به وهو فى الحقيقة رسول الله .
٣٥ / أ
وفى كتاب أبى داود: ((أرسله فتبوء بإثم صاحبه وإثمه)) وفى بعض طرقه: (( أما
إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبك)) (٢) فقيل : المراد فى أخيه الإثمين؛
ماعلى القاتل من الآثام من غير قتل، فكأنه مطالب بها مع الإثم الثانى الذى هو إثم القتل،
علي
ولو قتل لكفرت عنه الآثام . وقد ذكر أبو داود أن القاتل ذكر ماأراد قتله ، وأن النبى
قال: ((إن كان صادقا فقتلته دخلت النار))، وهذا يشير إلى أن المراد بقوله: ((فهو مثله)).
أن القصاص يكون ظلما وعدواناً إذا علم الولى صدقه ، ولكن لايصح هذا التأويل مع
الاقتصار على مجرد قوله : ((إن قتله فهو مثله )).
قال القاضى - رحمه الله -: وقيل: ((هو مثله)) أى قاتل كما ذلك قاتل، وإن اختلفا
فى الجواز والمنع ، لكنهما استويا فى طاقة الغضب وشفاء النفس لاسيما مع رغبة النبى
(١) الشعراء : ٢٧ .
(٢) أبو داود، ك الديات، ب الإمام يأمر بالعفو فى الدم ٤٧٨/٢.

٤٨٨
كتاب القسامة / باب صحة الإقرار بالقتل ... إلخ
٣٣ - ( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتم، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ،
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَلَقَمَةَ بْنِ وَتِلٍ، عَنْ أَبِهِ . قَالَ: أُتِّىَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ بِرَجُل
قَتَلَ رَجُلًا . فَأَقَادَ وَلَىُّ الْمَفْتُولِ مِنْهُ . فَانْطَلَقَّ بِه وَفِى عُنُقُه نسْعَةٌ يَجُرُّهَا. فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَّ
رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُوَلُ فِى النَّارِ)) فَأَنَىَ رَجُلٌّ الرَّجُلَ فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُول الله
##، فَخَلَّى عَنَّهُ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالم : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبٍ بنِ أبِى ثَابِتٍ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِى ابْنُ
أَشْوَعَ؛ أَنَّ النَّبِّ ◌َّهِ إِنَّمَا سَأَلَّهُ أَنْ يَعْفُو عَنَّهُ فَأَبِى.
رغب له فى
له فى العفو على ماجاء فى الحديث . وأما فى غير مسلم ، فإن النبى
العفو فى أخذ الدية أربع مرات (١) كلها يأباه، ويحتمل قوله - عليه السلام -: ((القاتل
والمقتول فى النار )) أمر آخر ، علمهم - عليه السلام - من حال الولى لامن أجل قصاصه
هذا، أو يكون استحق هذا القاتل لعصيانه النبى ﴾ فيما أمره به من العفو مرة بعد أخرى،
وقيل: إن قول النبى معَّ: ((القاتل والمقتول فى النار)) ليس مراده فى هذين، وكيف
يصح وهو أقاد منه وأباح له قتله ؟ لكن أورده - عليه السلام - فى البغاة ، ومقاتلى
العصبة كقوله : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار)) (٢)، فلما سمع
الولى هذا لم يفهم معناه وتورع لعمومه. وهذا التأويل بعيد من ألفاظ الحديث وإقرار النبى
عَّ له على تركه وهو موضع البيان .
وقد يكون معنى قوله: (( تبوء بإثمك وإثم صاحبك)» : أى عفوك عنه يكفر الذنب
الذى استوجب به هذا الولى النار ، إن كان عنده أنه من أهلها لمعنى آخر كما تقدم ، أو
يبقى عليه ماكسب من ذنوب لمشيئة ربه . وفيه دليل أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل
بالكلية وإن كفر مابينه وبين الله تعالى، كما جاء فى الحديث الآخر: ((فهو كفارة له ،
وبقى حق المقتول)) ، وسيأتى من هذا فى كتاب القصاص .
وقد اختلف العلماء - رحمهم الله - فى أخذ الدية من قاتل العمد ، فذهب جماعة
إلى إجبار القاتل عليها إرث للولى ، وهو مذهب الليث والأوزاعى ، وإحدى الروايتين عن
مالك، وبه قال الشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور، وروى عن ابن المسيب وعطاء والحسن.
وقيل : ألا يكون ذلك إلا برضاهما معاً ، وهى الرواية الأخرى عن مالك ، وبه قال
الكوفيون (٣).
(١) النسائى، ك آداب القضاة، ب إشارة الحاكم على الخصم بالعفو ٨ /٢٤٤ برقم (٤٥١٥) .
(٢) مسلم ، ك الفتن وأشراط الساعة، ب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ١٥/٤.
(٣) انظر: المغنى ١٢ / ١٣، ١٤.

٤٨٩
كتاب القسامة / باب دية الجنين ... إلخ
(١١) باب دية الجنين ، ووجوب الدية فى قتل الخطأ
وشبه العمد علی عاقلة الجانى
٣٤ - (١٦٨١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ،
عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هذيّلِ، رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتَ
جَنِينَهَا ، فَقَضَى فِيهِ النَّبِىُّ ◌َّهِ بِغُرَّة: عَبْد أَوْ أَمَّة .
وقوله : (( إن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها ، فَقَضى فيه
النبى ◌َِّ بِغُرَّةِ: عبدٍ أو أَمَةٍ)): الرواية فيه: ((بغرة)) بالتنوين، ومابعده بدل منه.
وبعضهم يرويه بالإضافة / وله أولا وجه واضح .
٣٥ / ب
قال الإمام - رحمه الله -: تقدم الكلام على وجه المستوفى دية الأجنة ، الذكر
والأنثى ، وأن ذلك قطع للخصام لأنه مما يخفى فيكثر فيه الشارع . وقد قال بعض الناس :
إن العبد الذى يقضى به لذكره الغرة ، وديته عندنا عشر دية أمه ، وقيمة الغرة عندنا مقدرة
بعشر دية الأم ، وتورث على فرائض الله - سبحانه - وقد قيل : إن ذلك كعضو من
أعضائها فإذا قضى بالدية أخذتها الأم وحدها ، كما تأخذ دية سائر أعضائها ، وقيل :
ليس ذلك كعضو من أعضائها فلا تنفرد بديته بل يشاركها الأب .
قال القاضى - رحمه الله - : فسر الغرة هنا فى الحديث أنها عبد أو أمة ، وعلى
التفسير حمله مالك وغيره لاعلى الشك . وقيل : الغرة تطلق على الإنسان كان ذكراً أو
أنثى . قال ابن فارس : غرة كل شىء أكرمه وأنفسه . وقال أبو عمر : معناها : الأبيض،
ولذلك سميت غرة فلا يوجد فيها أسود. قال : ولولا أن رسول الله عَّه أراد بالغرة معنى
لا يدل على شخص لعبد ولا أمة لما ذكرها، وقيل : أراد بالغرة الخيار ، والوسط من الأعلى
يجزئ ، وليس الوسط من جملة العبيد . ومقتضى مذهبنا أنه يخير بين إعطاء غرة أو عُشْر
دية الأم من كسبهم إذا كانوا أهل ذمة فخمسون ديناراً ، أو أول ورق فستمائة درهم وخمس
فرائض من الإبل، وقيل : لا يعطى من الإبل . وعلى هذا فى قيمة الغرة جمهور العلماء ،
وخالف الثورى وأبو حنيفة فقالا : قيمة الغرة خمسمائة درهم ؛ لأن ديتها عندهم من
الدراهم خمسمائة درهم . وحجة الجماعة قضاء الصحابة فى ذلك مما قالوه ، ويشذ بعض
السلف منهم طاوس وعطاء ومجاهد فقالوا : غرة عبد ووليدة أو فرس . وقال بعضهم: أو

كتاب القسامة / باب دية الجنين ... إلخ
٤٩٠
٣٥ - ( ... ) وحدّثْنَا قَتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثْنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللهِ لَّهُ فِى جَنِيْنِ امْرَأَةً مِنْ بَنِىَّ لَحْيَانَ، سَقَطَ مَيًّا ،
بغل (١)، ورفعوا فى ذلك بنصه حديثاً . وقال داود وأصحابه: كل ما وقع عليه اسم غرة
يجزئ (٢) .
وقوله: ((فطرحت جنينها)) وفي الحديث الآخر: ((ميتا)) ولم يختلف أن هذا
حكم الجنين إذا زايل أمه ولم يستهل كما خلقه وتصويره ، مضغة كان أو علقة أم لا ،
سواءً كان ذكراً كان أم أنثى ، وهو قول أبى حنيفة . وقال الشافعي : حتى يتبين شىء من
خلقه وتصويره (٣) وإن قَلَّ : فإذا زايل أمه واستهل ومات ففيه الدية كاملة في الخطأ ،
والدية فى العمد بعد القسامة . وقيل : فيها الدية بغير قسامة ، وهو قول لأبى حنيفة.
وعندنا فى ذلك الوجهان .
واختلف فيه إذا لم يستهل صارخاً ، وكان منه مادل على الحياة من طول حركة إقامته
أو حركة أو عطاس أو رضاع اختلافا كثيرا عندنا وعند غيرنا (٤) ، وكذلك اختلف إذا خرج
بعد موت أمه ، هل فيه غرة ؟ وهو قول ربيعة والليث والزهرى وأشهب وداود ، أم لاغرة
فيه ؟ وهو قول مالك والشافعى وعامة العلماء .
واختلف قول مالك فى الغرة فى الباب كله ، هل هى على العاقلة ؟ وهو قول الكوفيين
والشافعى ، أم على الجانى ؟ وهو المشهور من قول مالك ، ومثله البصريون (٥) . واختلفوا
هل على الضارب مع الغرة كفارة أم لا ؟ فمالك يلزمه الكفارة (٦) .
قال الإمام - رحمه الله -: وقوله: ((قضى بميراث المرأة لبنيها وزوجها وجعل العقل
على عصبتها)) استدل به من يرى أن الابن لايعقل عن أمه، وهى مسألة اختلاف .
٠١/٣٦
قال القاضى - رحمه الله - قوله: ((ثم إن المرأه التى قضى عليها بالغرة توفيت
فقضى رسول الله عَّ بأن ميراثها لبنيها وزوجها ، وأن العقل على عصبتها)): فى هذا
الكلام تلفيق / والحديث الآخر بينه ؛ لأن قوله: (( المرأة التى قضى عليها بالغرة توفيت )»
ظاهره أنها الجانية ، وإنما هى المجنى عليها أم الجنين، لقوله فى الحديث للآخر: (( فقتلتها
ومافى بطنها)» نفى التى قضى عليها بها أو فيها، هذه الحروف تبدل من بعضها من بعض،
كما قالوا : بارك الله فيك وبارك الله عليك.
(١) انظر: الاستذكار ٢٥ / ٧٨ .
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٥ / ٨٣، ٨٤.
(٥) انظر : المصدر السابق ٢٥ / ٧٩،٧٨.
(٦) انظر: المصدر السابق ٢٥/ ٨١.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٥ / ٨٠.
(٤) انظر: المصدر السابق ٢٥ / ٨٣،٨٢ .

٤٩١
كتاب القسامة / باب دية الجنين ... إلخ
بِغُرَّةَ: عَبْد أَوْ أَمَة. ثمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتَى قُضىَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوْفِيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِعَّهُ
بِأَنَّ مِيرَتَهَا لِهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا .
٣٦ - ( ... ) وحدّثنى أَبُو الطَّهرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب. ح وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى
التُّجِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنَّى يُؤنُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ
أبْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيّل، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى
بِحَجَرَ فَقَتَلَتْهَا، وَمَافِى بَطْنِهَا. فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولَ الله عَّةَ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِّ أَنَّ
دَيَةً جَنّيْنِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلَيدَةٌ ، وَقَضَى بِدَيَةِ الْمَرْأَةَ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّتَهَا وَلَدَّهَا وَمَنْ
مَعَهُمْ . فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّبِغَةِ الْهُذِلِىُّ: يَرَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ،
والهاء فى قوله: ((والعقل على عصبتها)) يعنى هنا القاتلة ، كما قال فى الحديث
الآخر: (( فجعل رسول الله عَّ دية المقتول على عصبة القاتلة)) قد يحتج بهذا لأحد
القولين ؛ فى أن الغرة على القاتلة ، وهو بين فى الحديث الآخر وهو قوله: (( فقضى فيها
منه بغرة، وجعله على عاقلة المرأة))، وقد يحتمل رجوع الهاء فى ((عصبتها )) على
المقتولة؛ لأن عصبتها كانت عصبة القاتلة سواء، إذ قال فى الحديث: ((امرأتين من
هذيل)) . وقال أبو القاسم بن أبى صفرة : إذا كانت الضربة واحدة فعلى العاقلة دية المرأة
والغرة. قال الأصيلى: وإنما أوجب النبى معَّ العقل على عصبتها وهى متعمدة والعاقلة
لاتحمل عمدا ؛ لأن أولياءها تطوعوا بالدية ، قالوا : ماتطوعوا به إذا قبله الآخرون ، وقال
غيره : يحتمل أنها لم تقصد قتلها ، وقد يكون من شبه العمد الذى فيه الدية عند بعضهم.
وقول من استدل أن الابن لا يدخل فى العصبة من هذا الحديث ذهول بعيد عن الصواب؛
لأنه إن كانت الهاء عائدة على القاتلة فكيف يستدل على ماقال من ذكر ابن المقتولة ؟ وإن
كانت الهاء عائدة على المقتولة فابْنُها داخل فى عصبتها إن كان ابنًا لزوجها حَمَل بن النابغه؛
لأنه من هذيل أيضا ، وقد ذكر زوجها فيمن يرثها مع الابن ، وهو ممن عليه الدية لأنه من
عصبتها ، ألا تراه كيف قال: ((كيف تودى من لا أكل ولا شرب ؟ ))، وإنما لا يكون
على الزوج والابن شىء إذا لم يكن من عصبتها ، وهو قول كافة العلماء .
وقوله: ((وقضى بدية المرأة على عاقلتها)»: احتج به من لايرى القصاص فى القتل
بغير المحدد ، ويجعله شبه العمد وقد تقدم الكلام فيه . والجواب عن الاستدلال بهذا
الحديث أنه قد روى ابن جريج فى هذا الحديث: أنه قضى فى جنينها بغرة وأن تقتل المرأة .
فهذا يعارض حجتهم مع أن رواية مالك والليث وغيرهما ليس فيه ذكر موت المرأة ولاديتها،
وقيل : قد يحتمل أن أولياء المقتولة قبلوا الدية. لكن يعارض هذا قوله: (( فقضى رسول

٤٩٢
كتاب القسامة / باب دية الجنين ... إلخ
وَلَانَطَقَ وَلَااسْتَهَلَّ؟ فمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ: ((إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ
الْكُهَّانِ )) مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِى سَجَعَ .
( ... ) وحدّنَا عَبّدُ بْنُ حُمَيّدٍ، أَخْبَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ
أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ : اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بقصَّتَهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ:
وَرََّهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. وَقَالَ : فَقَالَ قَاتِلٌ: كَيْفََ نَعْقِلُ؟ وَلَمَّ يُسَمَّ حَمَلَ بْنَ مَالِكِ.
٣٧ _ (١٦٨٢) حدّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُور،
عَنْ إِبْرَاهِيم، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَّيْلَةَ الْخُزَاعِىِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَت امْرَأَةٌ
ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطِ وَهِىَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا. قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانيَّةٌ . قَالَ : فَجَعَلَ
رَسُولُ اللهِ عَِّ دِيَةَ الْمُقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ ، وَغُرَّةً لِمَا فِى بَطْنِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ
عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ : أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لاأَكَلَ وَلَاشَرِبَ وَلَااسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ . فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ عَّةِ: ((أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ )).
الله عيه بالدية على عاقلتها». وقد يحتمل أن الأولياء تطوعوا بالدية فألزموا بها أو عفا
عليها أولياء الدم .
وقول حمل بن النابغة: (( كيف أغرم من لاشرب ولا أكل ولانطق ولا استهل ؟)):
يدل أن الغرة فيمن لم يستهل ولاعرفت حياته .
وقوله : ((فمثل ذلك يطلُّ)) : كذا رويناه هنا عن جمهورهم بالباء بواحدة ، وعند
ابن أبى جعفر بالياء باثنتين مضمومة ، وروى عن مالك في الموطأ بالوجهين (١) .
قال الإمام - رحمه الله - : فمن رواه بالباء من البطلان ومن رواه بالياء المعجمة
باثنتين تحتها من قوله : طيل دمه ، أى هدر .
وأما قوله - عليه السلام -: ((أسجع كسجع الأعراب؟)) وفي الرواية الأخرى: (( إنما
هذا من إخوان الكهان))، قال الإمام - رحمه الله -: إنما ذمه لأن هذا السجع فى مقابلة
٣٦/ ب حكم الله كالمسْتَبْعد له /، ولاشك أنه كل ماعُورضت به النبوة مَذْمُوم إذا كان القصد به
برد الحكم وإلا قولَه سجع النبى معَّهِ فى مواضع .
قال القاضى - رحمه الله - وقيل: بل يكون عليه تكلف لاسجاع على طريق الكهان
وحواشى العرب، وسن سجع فصحاء العرب ، وبعضها كلام النبى عَّ ، وسجعه من
هذا النوع منه . وحمل هذا كان بدوياً وأعرابيا .
(١) الموطأ، ك العقول، ب عقل الجنين ٨٥٥/٢ (٦). (بالباء فقط) ولم توجد (بالياء).

٤٩٣
كتاب القسامة / باب دية الجنين ... إلخ
قَالَ : وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَّةَ .
٣٨ - ( .. ) وحدّثْنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ ، عَنْ
مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضِيََّةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ
ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاط، فَأُنِىَ فِيهَ رَسُولُ اللهِ عَّةٍ، فَقَضَى عَلَى عَاقِلَتَهَا بِالدِّيَةِ، وَكَانَتْ
حَامِلًا، فَقَضَّى فِى الَّجَنِينَ بِغَرَّةَ . فَقَالَ بَعْضُ عَصَبِتَهَا: أَنَدِى مَّنَّ لاَطَعِمَّ وَلَا شَرِبَ
وَلَاَصَاحَ فَاسْتَهَلَّ؟ وَمِثْلَّ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ قَالَ: فَقَالَ: ((سَجْعٌ حَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ » .
( .. ) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِىٌّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُنْصُورِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَّعْنَى حَدِيثٍ جَرِيرٍ وَمُفَضَّل .
( .. ) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُور ، بإسْنَادِهِمُ الْحَدِيثَ بقصَّتَه . غَيْرَ أَنَّ فيه
فَأَسْقَطَتْ. فَرُفِعَّ ذَلِكَ إِلَى النَّبِىِّ ◌َهُ فَقَضَىْ فِيهِ بِغُرَّةَ، وَجَعَلَهُ عَلَى أَوْلَيَاءِ الْمَرْأَةِ . وَلَّمَّ
يَذْكُرْ فِى الْحَدِيثِ : دِيَةَ الْمَرْأَةِ .
وفى قول حمل بن النابغة: (( كيف أغرم من لاشرب ولا أكل ؟ )) : حجة لليث
ولربيعة أن الغرة للأم خاصة ولو كانت على الفرائض - على مشهور قول مالك وأصحابه
وأبى حنيفة والشافعى - لكان للأب فيها أوفر نصيب ، وللأب ، وابنه على مذهب ابن
هذيل وأحد قولى مالك : لكان للأب الثلثان ، فلما كان هنا غارماً محضاً دل أنه لم يكن
له فى ذلك حق .
وقوله: ((كيف أغرم)): حجة لأحد القولين منها على العاقلة لأنه عصبة العاقلة
وزوجها. وقوله فيه: (( حمل بن النابغة)) فى حديث و « حمل بن مالك)» فى آخر ، هو
حَمَل بن مالك بن النابغة بهاء مهملة مفتوحة .
وقوله: ((امرأة من هذيل))، وفى الحديث الآخر: ((وأحدهما وإحداهما لحيانية))
يقال بفتح اللام وكسرها . ولحيان قبيل من هذيل ، وهو حيان بن هذيل .
وقوله: ((ضرتها)) : أى شريكتها ، وسميت بذلك للمضارة التى تلحق إحداهما من
أجل الأخرى .
وقوله : ((استشار عمر - رضى الله تعالى عنه - الناس فى ملاص المرأة))، قال
الإمام - رحمه الله -: ملاصها بالجنين: هو أن تزلقه قبل وقت الولادة ، وكل مازلق من
يد فقد ملص يملص ملصاً. وقال أبو العباس: ومنه حديث الدجّال: ((فأملصتْ به أمه )»
أىّ أزلقته. يقال : أملصت وأزلقت وأسهلت به وحطأت به بمعنى واحد .

٤٩٤
كتاب القسامة / باب دية الجنين ... إلخ
٣٩ - (١٦٨٩) وحدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْب وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -
وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْر - قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ : حَدَّثَنًا وَكِيعٌ - عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمَسْوَر بْنِ مِخْرَمَةَ. قَالَ: اسْتَشَّارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِى
ملاص الْمَرْأَةَ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بَنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ ◌َّهُ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبْد أَوْ أَمَّةَ .
قَالَ : فَقَالَ عُمَّرُ : اثْتِنِى بِمَّنْ يَشْهَدُ مَعَكَ . قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُّ مَسْلَمَةٌ .
قال القاضى - رحمه الله -: الرواية عندنا فى هذا الحرف فى مسلم: ((فى ملاص
المرأة)) هكذا، ووقع فى سائر النسخ، إلا أنه كان وقع فى كتاب أبى بحر: ((إملاص))
مصلحا غير رواية ، ورأيت أبا عبد الله بن أبى بشر الحميدى فى جمع الصحيحين له قد
ذكره ((ملاص)) على الصواب ، لكنه قد جاء : أملص الشىء وملص : إذا أفلت ، فإن
أريد به جنين صح مِلاَص ، مثل : لزم لزاما .
وفى سند هذا الحديث: ناوكيع عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن مسور بن مخرمة ،
قال: استشار عمر الناس - الحديث . قال الدارقطنى : وهم وكيع فى هذا الحديث ،
وخالفه أصحاب هشام فلم يذكروا فيه (( المسور )) وهو الصواب ، ولم يخرج مسلم غير
حديث وكيع ، وخرج البخارى فى حديث من خالفه فأتى بالصواب .
وقد احتج بهذا الحديث من لم ير الكفارة فى قتل الجنين، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة.
قلت : مالكا يستحبها ، وأوجبها الشافعى ، وروى عن جماعة من البصريين والكوفيين .
واختلفوا فى جنين الأمة ، فمذهب مالك والشافعى : أن فيه عشر قيمة أمة قياسا على
الحرة ، ذكراً كان أو أنثى ، وقال كذلك الحسن . وقال أبو حنيفة : فيه عشر قيمته لو كان
حياً إذا كان أنثى ، وأما إذا كان غلاماً فنصف عشر قيمته لوكان حياً ، هكذا بالتفريق يقول
أبو حنيفة ، وكذلك فى جنين الحرة إذا كان ذكراً فنصف عشر ديته ، وإن كان أنثى فعشر
ديته (١) .
(١) انظر: الاستذكار ١٥ / ٨٤، ٨٥.

٤٩٥
كتاب الحدود / باب حد السرقة ونصابها
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٩ - كتاب الحدود
(١) باب حد السرقة ونصابها
١ - (١٦٨٤) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى وَإِسْحِقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ -
وَاَللَّفْظُ لَيَحْيَى ◌ِ قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَ: وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَاَ سُفْيَنُ بْنُ
عُبَيْنَةَ -َعَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِعَّهُ يَقْطَعُ
السَّرِقَ فِى رَبَعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً.
( ... ) وحدّثنا إسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْد، قالا: أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّزَّاق،
أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أُبُو بَكْرَ بْنُ أَبِى شَيْبَةً. حُدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَرُونَ . أَخْبَرَنَاً
سُلَيْمَنُ بْنُ كَثِيرٍ وَاِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِمِثْلَهِ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ.
٢ - ( .. ) وحدّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَخْتَى، وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ -
وَاَللَّفْظُ لْوَلِيدِ وَحَرْمَلَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَاَ ابْنُ هْب، أَخْبَرَنَى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب،
عَنْ عُرْوَّةَ وَّعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهَعَّهُ قَالَّ: ((لا تُقْطَعُ بَّدُ السَّارِقِ إِلَّ
كتاب الحدود
السرقة
قوله - عليه السلام -: ((يقطع السارق فى ربع دينار فصاعداً)) وفى الحديث الآخر:
((لا تقطع اليد إلا فى ربع دينار فما فوقه))، وفى الآخر: ((يقطع فى مجن قيمته ثلاثة
دراهم))، وفى طريق آخر: (( لعن الله السارق يسرق البيضة ، فتقطع يده ويسرق الحبل
فتقطع يده ))، وفى الأخرى: ((لم تقطع يد السارق فى عهد النبى معَّه فى أقل من ثمن
المجن حجفةٍ أو تُرسِ وكلاهما ذو ثمن )) ، قال القاضى - رحمه الله -: صان الله تعالى -
الأموال بحد القطع فى السرقة فى أول حدود ماله من المال وأن يجعل ذلك فى غير السرقة
والزنا والاغتصاب لأن ذلك فى الأقل من أهل القدرة فى الأكثر ، لأن ماكان مجاهرة

٤٩٦
كتاب الحدود / باب حد السرقة ونصابها
فِى رُبْعِ دِتَارٍ فَصَاعِدًا » .
٣ - ( ... ) وحدّثَنِى أَبُو الطَّهر وَهَرُونُ بْنُ سَعيد الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى -
وَاَللَّفْظُ لِهَرُونَ وَأَحْمَدَ - قَلَ أَبُوَ الطَّاهر: أَخْبَرَناً. وَقَالَّ الآخَرَان: حَدَّثَنَاَ ابْنُ
وَهْبِ - أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَاَنَ ابْنِ يَسَارِ عَنْ عُمْرَةَ؛ أَنَّهاَ سَمَعَتْ
عَائشَةٌ تُحَدِّثُ؛ أَنَّهَاَ سَمَعَتْ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ: (( لا تُقْطَعِ اليَدُ إِلا فِى رُبَعِ دِينَارٍ
فَماَ فوقَهُ)) .
٤ - ( .. ) حدّثّنى بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الْهاَدِ ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّد، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائشَةً ؛ أَنَّهاَ
سَمِعَتِ الَِّّ ◌َُّ يَقُولُ:((لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِى رُبَعِ دِينَارٍ فَصَاعِدّاً)) .
( ... ) وحدّثنا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُور ،
جَمِيعًا عَنْ أَّبِى عَامِرِ الْعَقَدِىِّ ، حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ، مِنْ وَلَدِ الْمِسْوَرِ بَّنِ
فاسترجاعه ممكن بالعلم متوفر فيه السرقة مستشرى قلما يتوصل [ بالاطلاع ] (١) عليها ،
وإقامة الشهادة فيها فعظم فيها ، واتسعت العقوبة فيها الشدائد الزجر عنها ، وتجرد التوصل
إلى معرفة ما اشتهر به منها ، ولم يجعل تقدير ديته حيث يفصل العضو المقطوع فيه حمايةً
للعضو أيضاً ، وصيانة له ، فمعظم ديته تعظيم المتحقق من ذلك بخلاف قطع السارق ،
وإن اختلفوا فى تفضيله من صفات السارق والمسروق ، فالمسروق منه المسروق فيه وهو الحول
وفى ذلك فيمن وجب عليه القطع قطع يمينه .
قال الإمام : ورد القرآن أن يقطع السارق وهو أخذ المال على جهة الاستسراء ، وشرع
ذلك صيانة للمال . وينظر ها هنا فى جنس المسروق وقدره وموضعه وسارقه .
فأما جنس المسروق ، فكل ما يتملك وينتفع به ويحرز ، ففيه القطع ، فإن كان مما
يحرز ولا يملك كالجر الصغير ففيه خلاف ، إن كان مما لا يبقى كالفواكه الرطبة فيقطع
عندنا خلافاً لأبى حنيفة (٢) .
وأما مبلغه ، فاختلف الناس فيه ، فمنهم من يقطع فى القليل والكثير وهو مذهب أهل
(١) فى س : إلى الاطلاع.
(٢) الاستذكار ٢٣٣/٢٤ .

٤٩٧
كتاب الحدود / باب حد السرقة ونصابها
مَخْرَمَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الْهَدِ ، بِهَذَاَ الإِسْنَاَدِ ، مِثْلَهُ.
٥ - (١٦٨٥) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الله بْن نُمَيْرِ، حَدَّثَنَاَ حُمَيْدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَسِىُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ
يَدُ سَارِقٍ فَى عَهْدَ رَسُولِ الله ◌ُّهَ فِى أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِجَنَّ، حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسِ،
وَكَلاهُماً ذَوْ ثَمَن .
( ... ) وَحَدّثَنَا عُثِّمَنُ بْنُ أَبِى شَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَنَ وَحُمَيْدُ بْنُ
عَبّدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ . ح
وَحَدَّثَنَاَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَاَ أَبُو أُسَامَةَ، كُلَهُمْ عَنِ هِشَامٍ ، بِهَذَا الإِسْنَدِ، نَحْوَ حَديث
ابْنِ نُمَيْرِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤْأَسِىِّ، وَفَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمَ
وأَبِى أَسَامَةَ : وَهُوَ يَوْتَدِ ذُوَ ثَمَنٍ .
٦ - (١٦٨٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك عَنْ ناَفِعِ ، عَنِ
الظاهر لعموم الآية ولم يخصها بالأخبار . ومن الناس من قدَّر مبلَغ القطع بالدرهمين ،
ومنهم من قدره بالثلاثة ، ومنهم من قدره بالخمسة ، وقال : لا تقطع الخمس إلا فى
الخمس ومنهم من قدره بعشرة دراهم (١) لما روى فى بعض الطرق: ((أن المجنَّ كان ثمنه
عشرة دراهم على عهد النبى - عليه السلام)).
وأما قوله: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)) (٢): فمن الناس من يتأوله
على بيضة الحديد ، ويروى أنها تساوى ثلاثة دراهم ، ومنهم من يحمله على قصد المبالغة
والتنبيه على عظيم ما خسر وهى يده ، وحقير ما حصل مثل البيضة والحبل . وأراد جنس
البيض وجنس الحبال .
وأما موضع السرقة ، فالحرز معتبر . وقد اضطربت الروايات فى الحرز اضطرابا كثيراً
والنكتة فيه أن كل ماكان حرزاً فى العادة ، وقصد إلى التحرز به ففيه يجب القطع
والاختلاف إلى هذا يرجع ، فطائفة تقدر حصول هذا الوصف فى الشىء فتقطع ، وطائفة
أخرى تراه لم يحصل فلا تقطع .
(١) انظر: الاستذكار ٢٤/ ١٦٠، ١٦١.
(٢) حديث رقم (٧) بالباب .

٤٩٨
كتاب الحدود / باب حد السرقة ونصابها
ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ الله عَُّ قَطَعَ سَارِقًا في مجَنَّ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ .
( ... ) حدّثْنَا قُتَيْبةُ بْنُ سَعيد وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد. ح وَحَدَّثَنَاَ زُهَيْرُ
ابَنُ حَرْبٍ وَابْنُ الْمُثَنِى ، قاَلًا: حَدَّثْنَ يَحْبَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ. حَ وَحَدَّثَنَ ابْنُ نُمَيْرِ،
حَدَّثَنَاَ أَبِىَّ حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَاَ عَلِىُّ بْنُ مُسْهِر، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ الله.
ح وَحَدَّثَنِىِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَاً إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِىَ ابْنَ عُلَّةً. ح وَحَدَّثَنَ أَبُو الَرَّبِعِ
وَأَبُو كامل، قاَلًا: حَدَّثَنَاَ حَمَّدٌ ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَاَ عَبْدُ الرَّزََّقِ، أَخَبَرَنَاً
سُفْاَنُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتيانِيِّ وَأَيُّوبَ بْن مُوسَى وَإِسْمَّاعِيلَ بْنِ أُمَّةً. ح وَحَدَّثَنِي
عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أخْبَرََّ أَبُو نُعَيْمَ، حَّدَّثَنَاَ سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ
وَسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَّةً وَعُبَيْدَ اللهِ وَّمُّوسى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَّحَدَّثَناَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَاَ
عَبَّدُ الرَّزََّقِ، أَخْبَرَنَ ابْنُ جُرَيِّجٍ، أَخْبَرَنِىَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَّةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُوْ الطَّاهِرِ،
أَخْبَرَنَ ابْنُّ هْب ، عَنْ حَنَظَلَةَ بَّنِ أَبِى سُّفْاَنَ الْجُمَحِىِّ وَعُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ وَمَالِكِ بَنِ
أَنَس وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ اللَِّىِّ، كُلُّهُمَّ عَنْ نَفِعٍ ، عَنِ أَبْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِىِّ عَّهُ، بِمِثْلَ
حَدِيْثِ يَحْيَى عَّنْ مََّلِكِ: غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قَيْمتُهُ. وَبَعْضَهُمْ قَالَ: ثَمَنُهُ ثَلَاثَةٌ
دَرَاهِمَ .
٧ - (١٦٨٧) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْب، قالاَ: حَدَّثَنَاَ
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ
وأما السارق ، فألا تكون له شبهة فى المال كالأب ومن فى معناه . هذه عقود هذا
الباب ، وفروعه تتسع .
قال القاضى - رحمه الله -: اختلف العلماء فى القدر الذى يجب فيه القطع اختلافاً
كثيراً ، فأخذوا بمجموع الأحاديث الواردة فى ذلك فى أنه لا يقطع فى أقل من ربع دينار
عمداً ، وفى ثلاثة دراهم ، أو ما قيمته ذلك ، كانت أكثر من ربع دينار أو أقل ، ولم يراع
هل يكون الثلاثة دراهم ضرباً لربع الدينار أم لا ؟ وإلى هذا ذهب أحمد وإسحق ، وقال
آخرون : إنما يراعى فى ذلك ربع دينار أو صرفه من الفضة ، هو قول عائشة - رضى الله
عنها - وعمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - والشافعى والأوزاعى والليث وأبو ثور ،

٤٩٩
كتاب الحدود / باب حد السرقة ونصابها
الله ◌َّةُ: ((لَعَنَ اللهِ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)).
( ... ) حدّثَنَا عَمْرٌوَ النّقِدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَىُّ بَنُ خَشْرَمِ، كُلُّهُمْ عَنْ
عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَّشِ ، بِهَذَا الإِسْتَدِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: ((إنْ سَرَقَ
حَّلاً، وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً)).
وروى عن إسحق (١)، وقاله داود. وروى (٢): (( لا يقطع الخمس فى أقل من خمسة
دراهم)) وروى هذا عن عمر ، وهو قول سليمان بن يسار وابن أبى ليلى وابن شبرمة
والحسن (٣) .
٠
وقيل : لا قطع إلا فى عشرة دراهم أو ماقيمته عشرة من ذهب أو غيره ، وهو قول
لأبى حنيفة وأصحابه (٤) ، واختلف عنه فى الدينار إذا لم يبلغ الصرف عشرة دراهم ، هل
يعتبر بنفسه أو صرفه، قيل : القطع فى أربعة دراهم ، وروى هذا عن بعض الصحابة -
رضى الله عنهم - وقيل : فى درهم فما فوقه ، وهو قول النبى ، وقيل : فى درهمين ،
وهو مروى عن الحسن. وقيل : لا قطع فى أقل من أربعين درهما أو أربعة دنانير ، وروى
ذلك عن النخعى ، وقيل : فى كل ما له قيمة، وروى - أيضا - عن البصرى ، وهو قول
الخوارج وأهل الظاهر ، قليلا كان أو كثيرا على ظاهر الآية .
وكل هذه الأقاويل تردها الأحاديث الصحيحة المتقدمة المفسرة للآية ، ويصحح القول
الأول وأقرب ما يليه فى الصحة القول الثانى ، ولا يجب أن يُلتفت لما ورد من أن البيضة
بيضة الحديد ، ولا أن الحبل حبل السفن ؛ لأن مثل هذا له قيمة وقدر ، وليس مساق
الكلام وبلاغته على ذم من أخذ الكثير لا القليل وتقريعه بذلك ، بل مثل هذا إنما يرد على
تعظيم ما جنى على نفسه فيما تقل قيمته لا فيما كثر . والصواب تأويله على ما تقدم من
تقليل أمره ، وتهجين فعله ، وأنه إن لم يقطع فى هذا القدر فعادته تجره إلى ما هو أكثر منه
فيما يقطع فيه .
وقد قيل : إن النبى عَّه قال ذلك عند نزول الآية مجملة دون بيان قدر على ظاهر
الكلام حتى بين الله له حكم ذلك وحده . وما احتج به الحنفى من رواية قطع يده فى ثمن
قيمته عشرة دراهم ، والآخر فى رواية من روى خمسة دراهم ، فلا يعارض لهذه الأحاديث
(١) انظر: الاستذكار ١٥٩/٢٤.
(٢) فى س : قيل .
(٣) انظر: الاستذكار ١٦٣/٢٤.
(٤) انظر: الاستذكار ١٦٢/٢٤ ودليلهم مارواه ابن أبى شيبة فى مصنفه عن ابن عباس قال: كان ثمن المجنِّ
على عهد رسول الله عشرة دراهم . المصنف ٩/ ٤٧٤ .

٥٠٠
كتاب الحدود / باب حد السرقة ونصابها
الصحيحة لشهرتها وصحتها وضعف تلك ، مع أنه يحتمل أن يكون قطع فى مجان مرات
لها قيم مختلفة كما يكون القطع فى الكثير ، ولا ينكر القطع فى أكثر من الثلاثة والربع
دينار ، ويكون هذا حداً لا ما فوقه . ويجمع بين الأحاديث إن صحت .
ولعنه هنا السارق حجة فى لعن من لم يسم . وكذلك ترجم البخارى عليه (١) ؛ لأنه
لعن للجنس لا للمعين . ولعن الجنس جائز ؛ لأن الله - تعالى - قد أوعدهم، وينفذ
الوعيد على من شاء منهم وإنما يكره وينهى عن لعن المعين والدعاء عليه فى الإبعاد من
رحمة الله - تعالى - وهو معنى اللعن كما قال - عليه السلام -: ((لا تعينوا الشيطان على
أخيكم )) (٢) .
وقد ذهب بعض المتكلمين على معانى الحديث : أن اللعن جائز على أهل المعاصى
وإن كان معينا مالم يحد ، فإذا حد فلا . إذ الحدود كفارة لأهلها . وهذا كلام غير سديد
ولا صحيح لنهى النبى معَّه عن اللعن بالجملة ، فحمله عن المعين أولى ويجمع بين
الأحاديث. وقد قال - عليه السلام - للذين لعنوا شارب الخمر: ((لا تعينوا الشيطان على
أخيكم)). وقيل: لعن النبى ﴾ لأهل المعاصى تحذير لهم قبل وقوعها ، فإذا فعلوها
استغفر لهم ودعا لهم بالتوبة، وإذا غلظ عليهم فلعنه تأديبا. فقد قال: / (« سألت ربى
أن يجعل لعنى له كفارة ورحمة )).
١/٣٨
وقوله فى الحديث: ((المجن حجفة أو ترس، وكلاهما ذو ثمن)) : تنبيه ورد على
من يقول : يقطع فى القليل والكثير . والحجفة : الدرقة . قيل : المجن : اسم لكل ما
يستجن به ويستر من ذلك كله . وقيل : الترس : المتخذ من الجلود هو بمعنى الأول .
وتفرقه بينهما فى الحديث يدل أنهما شيئان .
واختلفوا فيما يقطع من السارق ، مع اتفاقهم أولاً على قطع يمينه . فقال مالك
وجماعة أهل المدينة والشافعى وأبو ثور وغيرهم : إن سرق ثانية قطعت رجله اليسرى ، ثم
فى الثالثة - يده اليسرى ، فى الرابعة رجله اليمنى ، ثم إن عاد حبس وعزر . وقيل :
تقطع فى الثالثة رجله اليسرى ولا قطع فى غيرهما ، ثم إن عاد حبس ، يروى هذا عن على
والزهرى وحماد وأحمد (٣) . وكافتهم على قطع اليد والرجل من الرسغ والمفصل (٤).
وقال على : يقطع الرجل من شطر القدم ويترك العقب ، وهو قول أحمد وأبى ثور . وقال
قائل : تقطع اليد من المرفق ، وقيل : من المنكب . وهذان شاذان جداً .
(١) البخارى ، ك الحدود، ب لعن السارق إذا لم يسم ١٩٨/٨.
(٢) البخارى ، ك الحدود ، ب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة ١٩٧/٨ من حديث
أبى هريرة .
(٣) انظر: الاستذكار ١٨٩/٢٤ وما بعدها، البدائع ٩/ ٤٢٧٢، المغنى ١٢ / ٤٤٦ .
(٤) بدائع الصنائع ٩/ ٤٢٧٧ .