النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الوصية / باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً)) فَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ يَهْجُرُ .
٢٢- ( ... ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ
رافِعٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنَّ عُبيد الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاس، قال: لَمَّ حُضرَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ وَفَى البَيْتِ رِجَالٌ فيهم عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ،
فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َُّ: ((هَلُمَّ اكُتُبَ لَكُمْ كِتَابَاَ لاَ تَضِلُّونَ بَعْدَهُ)). فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ الله
◌َّهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبْنَ كِتَابَ اللهِ. فَأَخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْت ،
فاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرَّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ عَِّ كِتَابًا لِنْ تَضِلُّوا بَعْدُهُ،
الصورة صورة الاستفهام والتقدير والمعنى النفى المحض، وإلا صحت الروايات الآخر، فيكون
من قائلها خطأ وعلى غير تحقيق، بل لما أصابه من الحيرة والدهش العظيم ما شاهده من النبى
ـ٣ من هذه الحال التى دلت على فقده، وعظيم المصاب به، وخوف الفتن والضلال بعده،
فلم يضبط ما قاله ، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع ، كما حملهم الإشفاق عليه على
حراسته ، والله تعالى يقول له ويسمعهم: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾(١). وقد رواه بعضهم:
((هُجر)) بضم الهاء فى غير مسلم ، ويحتمل أن يرجع هذا إلى الحاضرين ، أى جئتم
باختلافكم وتنازعكم هُجراً ومنكرًا من القول . والهجر الفحش فى المنطق ، وسيأتى الكلام
على ما أشار إليه من حديث سحره - عليه السلام - فى موضعه إن شاء الله تعالى.
واختلف العلماء - رحمهم الله - فى معنى هذا الحديث مما تقدم . وقيل : إن معنى
هذا الحديث بما تقدم، وقيل: إن معنى الحديث أن النبى معَّه لم يكن المبتدئ بالأمر به، وإنما
سئل ذلك فأجاب إليه ، فلما رأى اختلافهم فيه وعدم اجتماعهم على كتابه قال: (( قوموا
عنى ، ودعونى )) وهذا عند القائل بهذا يدل أنه كان غير مبتدئ بل مسؤول ، وأن الذى أنا
فيه من إرسال الأمر وترككم ، وكتاب(٢) [ وتدعونى بما طلبتم ] (٣) خير.
وقول عمر - رضى الله عنه -: ((حسبنا كتاب الله)): رد على مَنْ نازعه لا على
أمر النبى عليه. وقيل: خشى عمر - رضى الله عنه - أن يُكتب فى الكتاب ما لعلهم
يعجزون عنه فيحصلون بالحرج بالمخالفة ، وأن الأرفق بهم سعة الاجتهاد ورحمة الخلاف /
وثواب المخطئ والمصيبة مع تقرر أصول الشريعة، وكمال الدين، وتمام النعمة. وقيل: قد يكون
امتناع عمر إشفاقا على النبى معَّ من تكليفه فى تلك الحال إملاء كتاب ؛ ولذلك قال :
(١) المائدة : ٦٧ .
(٢) فى الأبى : وكتاب الله .
(٣) لعلها حشو .
١/١٤

كتاب الوصية / باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
٠٣٨٢
وَمَنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ . فَلِمَّا أَكْثَرُوا اللغْوَ وَالاخْتِلافَ عنْدَ رَسُولِ اللهِعَّهُ ، قَال
رَسُولُ اللهِ عَُّ: ((قُومُوا)).
((إن النبى عَّ اشتد به وجعه، حسبنا كتاب الله)).
وقوله: (( أوصيكم بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب )): المراد بالمشركين
هنا : اليهود ، وكذا جاء مفسراً فى غير هذا الحديث. وقد كان المشركون قتلوا ودخلوا فى
الإسلام. قال أبو عبيد عن الأصمعى : جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف
العراق فى الطول ، وأما فى العرض فمن جدة وما والاها إلى أطوار الشام. وقال أبو عبيد:
هى ما بين حفر أبى السماوة فى العرض(١).
وإنما سميت جزيرة ؛ لإحاطة البحار بها وانقطاعها من الماء. وأصل الجَزْر : القطع ،
وأضيفت إلى العرب ؛ لأنها الأرض التى كانت بأيديهم قبل الإسلام. وذكر الهروى عن
مالك : جزيرة العرب المدينة. وقال المغيرة المخزومى : جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة
بإخراج على مَنْ كان على غير الإسلام من هذه البلاد ، ولا يمنع من التردد فيها مسافرين،
وقاله مالك والشافعى وغيرهما ، إلا أن الشافعى خص هذا الحكم بالحجاز وحده من أرض
العرب والحجاز عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن. قالوا : ويضرب لهم حيث
حلوا منه أجل ثلاثة أيام لينظروا فى حوائجهم ، كما ضرب لهم ذلك عمر - رضى الله
عنه - حين أجلاهم ، ولا يدفنون فيه - عند الشافعى - موتاهم ، ويخرجون إلى الدفن
لغيرها ما لم يتغيروا . وأجاز أبو حنيفة استيطانهم هذه البلاد .
قال الطبرى: سنّ رسول الله عَّه لأمته إخراج كل من دان بغير الإسلام من كان بلد
للمسلمين كانت ، مما أسلم عليها أهلها ، أو من بلاد العنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة
إليهم ، يريد إما لعمارة أرض ونحوها ، كما أبقى عمر - رضى الله عنه - مَنْ أقر من ذمة
الشام والعراق لعمارة أرضها ، وإنما خص فى هذا الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن يومئذٍ
للإسلام ظهور فى غيرها. فأما إقرارهم مع المسلمين فى مصر لم يتقدم لهم عقد صلحٍ قبل
عقد الإقرار به فما لا نعلمه عن أئمة الهدى. وذكر أحاديث منها عن النبى ◌ّ: (( لا يبقى
قبلتان بأرض)) ومنها إخراج أهل الذمة من الكوفة إلى الحيرة . وعن ابن عباس - رضى
الله عنه -: ((لا يساكنكم أهل الكتاب فى مضاربها)). قال الطبرى: فالواجب على كل
إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه السلام، إذا لم يكن من بلادهم التى صولحوا عليها،
إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم لعمارتها ، فإذا كان فلا يدعوهم فى مصر مع المسلمين أكثر من
ثلاثة أيام، وليسكنهم الخارج عنهم، وليمنعهم اتخاذ المساكن فى مصار المسلمين ويبيعها
(١) انظر: غريب الحديث للهروى ٢/ ٦٧.

٣٨٣
كتاب الوصية / باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ : فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إنَّ الرِّزِيَّةَ كُلَّ الرَِّيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ الله
﴿ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، مِنْ اخْتِلافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.
عليهم إن ملكوها. وقال غيره : إن الحكم مختص بمن كان بجزيرة العرب ، كما جاء فى
الحديث ، غدروا أو لم يغدروا ، ويخرجون بكل حال ، فأما غيرهم فلا يخرجون ، إلا أن
يغدروا أو يخاف ذلك منهم ، فينقلون إلى حيث يؤمن شرهم .
وأما الحرم ، فمعظم الفقهاء على منع كل كافر من حوله لا مستوطناً ولا ماراً فيه، وإن
مات فيه ميت ممن دخله نقل عنه ، إلا أن يتغير. وجوّز أبو حنيفة مرورهم فيه ودخولهم
إياه .
وقوله: ((وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم)): سنة منه - عليه السلام - فى
ذلك لازمة للأئمة بعده للوفود عليهم ، / تطييبًا لنفوسهم وترغيبًا لأمثالهم ممن يستألف ،
وقضاء لحق قصدهم ، ومعونة بهم على سفرهم ، وسواء عند أهل العلم كانوا مسلمين أو
كفاراً ؛ لأن الكافر إذا وفد إنما يفد فيما بينهم وبين المسلمين وفى مصالحهم غالبًا .
١٤/ب
وأما قوله: ((وسكت عن الثالث)) يعنى ابن عباس وقال: ((أنسيتها )) يعنى سعيد
ابن جبير . قال المهلب : الثالثة : تجهيز جيش أسامة .
قال القاضى - رحمه الله -: وقد يحتمل هذا قوله - عليه السلام -: ((لا تتخذوا
قبرى وثنا يعبد)) ، فقد ذكر مالك فى الموطأ معناه ، مع إجلاء اليهود من حديث عمر -
رضى الله عنه (١)، وقال: آخر ما تكلم به رسول الله عليه قوله: ((قاتل الله اليهود ،
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لا يبقين دينان بأرض العرب)) (٢).
(١) الموطأ ٨٩٣/٢ (١٩).
(٢) الموطأ ٢/ ٨٩٢ (١٧).

٣٨٤
كتاب النذر / باب الأمر بقضاء النذر
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٦ - کتاب النذر
(١) باب الأمر بقضاء النذر
١ - (١٦٣٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجرِ، قَالاً:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنِ ابْن شهَاب ، عَنْ عُبيد الله بنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَقْتِى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ عَه فِى نَذْرِ كَانَ عَلَى
کتاب النذور
قوله : إن سعد بن عبادة استفتى النبى معَّيه فى نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن
تقضيه، فقال: ((اقضه عنها)). قال الإمام - رحمه الله - : قد قدمنا أن الميت تقضى
عنه الحقوق المالية ، وذكرنا الخلاف فى البدنية ، وما تقدم يغنى عن إعادته هاهنا .
قال القاضى - رحمه الله تعالى - : فى هذا الحديث جواز النذر للطاعة . وقد جاء فى
كتاب الله وسنة رسول الله عَّه كثيرًا، وأمر بالوفاء به وأثنى على فاعل ذلك ، وذمّ مَنْ لم
يوف به . وما ورد من النهى عنه فمعناه ما كان لمعنى من أمر الدنيا ، كقوله : إن شفانى
الله من مرضى تصدقت بكذا ، وإن قدم غائبى صمت كذا فيكره هذا ؛ لما خالطه من غرض
الدنيا والاشتراك فى عمله، ولذلك جاء فى الحديث: (( إنما هو شىء يستخرج به من
البخيل)) . فأما إن كان نذرًا مطلقًا لله وإرادة الثواب ، وشكرا لما أولاه الله وقضاه من
حاجته - فلا يكره . وسنذكر بعد .
والنذر لازم فى الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَلْيُوقُوا نُذُورَهُم﴾(١) وقال - عليه السلام -:
(( مَنْ نَذر أن يطيع الله فليطعه)) (٢)، وقال ذامًا للآخرين: ((وينذرون ولا يوفون)) (٣).
ويلزم النذر عند مالك مطلقا، كقوله: على نذر، أو مقيد كقوله: علىَّ نذر صدقة أو صيام(٤).
والشافعى فى المطلق قولان: مرة ألزمه ومرة أبطله، وجعل فيه أقل ما يقع عليه ذلك الإثم(٥).
(١) الحج : ٢٩.
(٢) البخارى ، ك الأيمان والنذور، ب النذر فى الطاعة ٨/ ١٧٧، أبو داود ، ك الأيمان والنذور، ب ما جاء
فى نذر المعصية ١٠٨/٢، الترمذى، ك النذور والأيمان، ب من نذر أن يطيع الله فليطعه ١٠٤/٤،
كلهم عن عائشة - رضى الله عنها .
(٣) البخارى ، ك الأيمان والنذور، ب إثم من لا يفى بالنذر ١٧٦/٨، أبو داود، ك السنة ، ب فى فضل
أصحاب رسول الله عَ ٥١٨/٢، أحمد ٤٢٦/٤، ٤٣٦، كلهم عن عمران بن حصين.
(٥) انظر : الحاوى ٤٦٧/١٥.
(٤) التمهيد ٢/ ٦٢ .

٣٨٥
كتاب النذر / باب الأمر بقضاء النذر
أُمِّه، تُوُقِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّةِ: ((فَاقْضِهِ عَنْهَا )).
وعند مالك وكافة العلماء: فيه كفارة يمين، ويأتى فيه أثر مفسرٌ عن النبى معَّ﴾ٍ صحيح ،
وسواء كان عندنا لا على وجه القصد والتوبة ، أو وجه الخوف ووجه الغضب فى الحرج إذا
قيده أو أطلقه يلزم . وقال الشافعى : هو مخير فى نذر الحرج المقيد أن يفى به أو يكفر
كفارة يمين ، وسيأتى ذكره .
وأما النذر بشىء مباح كالقيام والمشى إلى السوق ونحوه ، فعند مالك وكافة العلماء :
لا يلزم ، وهو مكروه ؛ لأنه من تعظيم ما لا يعظم ، بل ظاهر كلام مالك أنه من نذر
المعصية (١). وقال أحمد بن حنبل : هو لازم يخير بين فعله أو كفارة يمين .
وقوله: ((ولم تقضه)) : يحتمل أنه وجب عليها فلم تقضه ؛ ولهذا حضه - عليه
السلام - على قضائه عنها ، وهو أظهر من لفظ الحديث ، لاسيما مع الحديث المتقدم :
(إنما ماتت فجأة)) (٢) . وقيل : يحتمل أن تكون عقدته ولم يجب عليها .
١٥ / ب
وهذا الحديث مما يحتج به الشافعى/ فى أن مَنْ وجب عليه حق فى ماله من يمين أو
نذر أو كفارة - فهى مقضية من ماله كديونه اللازمة. ومالك وأبو حنيفة وأصحابهما يخالفونه
فى ذلك، ويرون أنه لا يقضى شىء من ذلك إلاّ أن يوصى به. ثم اختلفوا هل يكون فى
ثلثه ؟ وهو قولنا ، وعند غيرنا فى رأس ماله . واختلف أصحابنا فيما لم يفرط فيه من زاد
كالزكاة الحالة وشبهها ، فعند ابن القاسم : أنها تخرج إذا أوصى بها من رأس المال ، ولا
يلزم إذا لم يوصٍ بها . وعند أشهب : يخرج من رأس المال ، أوصى بها أم لا .
واختلف فى نذر أم سعد ما كان ؟ فقيل : كان نذرًا مطلقًا ، وقيل : كان صوما ،
وقيل: كان عتقا، وقيل: كان صدقة . واستدل كل قائل بأحاديث وردت فى قصة أم سعد.
ويحتمل أن النذر عليها ورد فى تلك الأحاديث، والله أعلم (٣). وأظهر ما فيها أن نذرها
كان فى المال أو نذرًا مبهما ، ويكون حديث من احتج لذلك برواية مالك لما قيل لها:
أوصى ، قالت : فيم أوصى وإنما المال مال سعد ؟ أى فأوصى فيه بقضاء نذرى . ويطابق
هذا قول من روى: ((فأعتق عنها)) ، فإن العتق من الأموال ومن كفارة النذور وليس فيه
كفارة قطع على أنه كان عليها عتقا ، كما استدل به من قال : إنه كان عليها رقبة ، ولأن
هذا كان من باب الأموال المتفقة على النيابة فيها ، ويعضده - أيضا - ما رواه الدار قطنى من
حديث مالك: فقال له - يعنى النبى عَّه: ((اسق عنها الماء)). وأما حديث القوم فقد
قاله أهل الصنعة للاختلاف بين رواته فى سنده وكثرة اضطرابه .
(١) التمهيد ٢/ ٦٣.
(٣) انظر: الاستذكار ١٥/ ١١.
(٢) سبق فى ك الوصية .

٣٨٦
كتاب النذر / باب الأمر بقضاء النذر
( .. ) وحدّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالك. ح وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى
شَيْيَةَ وَعَمْرو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ. حَ وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى،
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ . ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالاً:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ.ح وَحَدِّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْئَةً، حَدَّثَنَا عَبْدَةٌ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزَّهْرِىِّ، بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، وَمَعْنَى حَديثه .
وقوله: ((فاقضه عنها)): على غير الوجوب عند كافة العلماء ؛ لأنه إنما سأل النبى
◌َّ هل يفعل ذلك ؟ فأباح له ذلك ، وحمله غيرهم على الندب والترغيب لقوله :
((فينفعها))، ولا شك أن كل نافع يرغب فيه ، وهذا عند كافتهم ما يتعلق بالمال . وحمل
أهل الظاهر هذا على الوجوب ، فألزموا الوارث قضاء النذر عن الميت (١) مكانه . وأما غيره
يلزم ذلك الأقعد منهم فالأقعد.
(١) الاستذكار ١٦/١٥.

٣٨٧
کتاب النذر / باب النھی عن النذر وأنه لا يرد شیئا
(٢) باب النهى عن النذر، وأنه لا يردّ شيئًا
٢ - (١٦٣٩) وحدّثَنِى زُهْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ :
أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُور، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِعَ يَوْمَا يَنْهَنَا عَنِ النَّدْرِ، وَيَقُولُ: ((إِنَّهُ لاَ يَرُدُّ شَيْئًاَ، وَإِنَّمَاَ
يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ)).
٣ - ( ... ) حدّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَكِيم ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَِّىِّ ◌َّهُ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((النَّذْرُ لاَ يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلاَ يُؤَخِّرُهُ،
وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ )).
وقوله: أخذ رسول الله عَّه يوما ينهانا عن النذر، ويقول: ((إنه لا يرد شيئًا))،
وفى الحديث الآخر: ((لا يقدم شيئًا ولا يؤخره))، وفى الحديث الآخر: ((إنه لا يأتى
بخير))، وفى الحديث الآخر: (( لا يرد من القدر ، وإنما يستخرج به من البخيل ما لم
يكن البخيل يريد أن يخرج))، قال الإمام - رحمه الله -: ذهب بعض علمائنا إلى أن
الغرض بهذا الحديث التحفظ على النذر والحفظ على الوفاء به . وهذا عندى بعيد من ظاهر
الحديث، ويحتمل عندى أن يكون وجه النهى أن الناذر يأتى القربة مستقلاً لها لما صارت
عليه ضربة لازم ، وكل محبوس الاختيار كأنه لا يبسط للفعل ولا يبسط إليه نشاط مطلق
الاختيار . فقد كره مالك - رحمه الله - أن ينذر الإنسان صوم يوم بعينه ويوقفه ، وعلل
قوله شيوخنا بمثل هذا للذى قلناه .
ويحتمل - أيضا - أن يكون الناذر لما لم ينذر ما بذل من القربة إلا بشرط أن يفعل له
ما يختار ، صار ذلك كالمعاوضة التى تقدح زمينة التقرب ، ويذهب الأجر الثابت للقربة
المجردة، وفى الحديث: ((مَنْ عمل عملاً أشرك فيه غيرى فهو له)) (١) ، ويشير إلى هذا
التأويل قوله عَّ: ((إنه لا يأتى بخير))، وقوله عَّه: ((إن النذر لا يغنى من القدر
شيئا))، وقوله تعَّه: ((إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن/ الله قدره له ، ولكن
النذر قد يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج » ،
(١) مسلم ، ك الزهد، ب من أشرك فى غير الله ٤ / ٢٢٨٩، ابن ماجه، ك الزهد، ب الرياء والسمعة
١٤٠٥/٢، وأحمد ٢/ ٣٠١، كلهم عن أبى هريرة - رضى الله عنه.
١٥ / ب

٣٨٨
كتاب النذر / باب النهى عن النذر وأنه لا يرد شيئا
٤ - ( .. ) حدّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةً، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةً. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ الْمُثَّى وَابْنُ بَشَّارِ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ،
عَنْ مَنّصُورٍ ، عَنْ عَبِّدِ اللهِ بْنٍ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَِّىِّ ◌َّهُ، أَنَّهُ نَهَى عَنِ الَّذْرِ .
وَقَالَ: ((إِنَّهُ لاَ يَأْتِى بِخَّرٍ ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)).
( .. ) وحدّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ ، كِلاَهُمَا عَنْ
مَنّصُورِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ .
٥ - (١٦٤٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَن
الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهُ قَالَ: ((لاَ تَنْذُرُوا، فَإِنَّ الَّذْرَ لاَ
يُغْنِى مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)).
٦ - ( .. ) وحدّثْنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتّى وَابْنُ بَشَّار، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ◌َّهِ، أَنَّهُ
نَھَى عَنِ النَّذْرِ. وَقَالَ: «إِنَّهُ لاَ يَرُدُّ مَنَ الْقَدَرِ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)).
٧ - ( .. ) حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَر - عَنْ عَمْرو - وَهُوَ ابْنُّ أَبِى عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النََِّّ ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّالنَّذْرَ لاَ يُقَرِّبُ مِّنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنٍ
اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ ، وَلَكِن النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ
أَنْيُخْرِجَ)).
وهذا كالنقر على هذا التعليل الذى قلناه ؛ لأنه أخبر تَّ : أن موافقة القدر تخرج منه ما
لم يرد أن يخرج ، وأن القدر ليس هو الجالب للقدر .
قال القاضى - رحمه الله تعالى - : قد يقال : هل ذلك على طريق الإعلام بما ذكر
فيه من أنه لا يخالف القدر ولا يأتى الخير بسببه والنهى عن اعتقاد خلاف هذا وأن يقع بظن
جاهل ، وهو بالجملة عند مالك مباح فيما تأوله بعض شيوخنا، إلا إذا كان مؤبدًا ، فلذلك
كرهه لتكرره عليه فى أوقات قد يثقل عليه فعله، وقد لزمه فيفعله بالرغم لا بالرضى،

٣٨٩
کتاب النذر / باب النھی عن النذر وأنه لا يرد شيئا
( ... ) حدّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ -
وَعَبّدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ- كِلاَهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
ويتكلفه غير طيب النفس ولا منشرح الصدر، ولا خالص النية فيكثر عناه ويقل أجره وثوابه،
وهذا آخر محتملات قوله: (( لا يأتى بخير)) ، أى أن اعتقاده قد لا يحمد والوفاء به قد لا
يصح ، وقد يكون معناه : لا يكون سببًا لخيرٍ لم يقدر وكما جاء فى الحديث .

كتاب النذر / باب لا وفاء لنذر فى معصية الله ... إلخ
٣٩٠ -
(٣) باب لا وفاء لنذر فى معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد
٨ - (١٦٤١) وحدّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَعَلَىُّ بْنُ حُجْر السَّعْدِىُّ - وَاللَّفْظُ لزُهَيْر -
قَالاَ: حَدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِمَ ، حَدَّثَنَا أَيَوْبُ، عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِى الْمُهَلَّبِ، عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : كَانَّتْ تَقِفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيْفُ رَجُلَيْنِ مِنْ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ عَُّ، وَأَسَرَ أَصْحَبُ رَسُولَ اللهِ عََّ رَّجُلاً مِنْ بَنَى عُقَّيْل ، وَأَصَابُوا
مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عَّهُ وَهُوَ فِى الْوَثَاقِ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ. فَقَالَ:
((مَا شَأْنُكَ؟ )). فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِى؟ وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ - إِعْظَامًا لذلكَ -:
((أخَذْتُكَ بِجَرِيرَةٍ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ))، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنَّهُ فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ،
وقوله : كانت ثقيف حلفًا لبنى عُقَيل ، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله
وأسر أصحاب رسول الله عَّه رجلاً من بنى عقيل، وأصابوا معه العضباء ، فأتى
عليه رسول الله عَّه وهو فى الوثاق، فقال: يا محمد، فأتاه فقال: ((ما شأنك؟))
فقال: بم أخذتنى؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال - إعظامًا لذلك -: (( أخذتك بجريرة
حلفائك ثقيف ))، ثم انصرف عنه فناداه ، فقال: يا محمد ، يا محمد . وكان عَ﴾ رحيما
رقيقا. فرجع إليه فقال: ((ما شأنك؟)) فقال: إنى مسلم. قال عَّه: ((لو قلتها وأنت
تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)) ، ثم انصرف فناداه : يا محمد ، يا محمد . فأتاه فقال
: ((ما شأنك؟)) فقال: إنى جائع فأطعمنى، وظمآن فأسقنى. قال علي: ((هذه
حاجتك )) ، ففُدى بالرجلين . قال: وأسُرت امرأة من الأنصار وأُصيبت العضباء: وفى
هذا الحديث : ((فانطلقت ونذروا بها ، فطلبوها [ولاذوا بها ] (١) فأعجزتهم ، ونذرت إن
نجاها عليها لتنحرنها)) وفيه: قال عَّه: ((بئس ما جزيتها، لا وفاء بنذر فى معصية الله،
ولا فيما لا يملك ابن آدم))، قال القاضى - رحمه الله - : ذكر فى أول هذا الحديث :
أسر المسلمون هذا الرجل، وأصابوا معه العضباء، وقال فى آخره: ((وأسرت امرأة من
الأنصار وأصيبت العضباء)) . العضباء غير القصواء على ما قاله ابن قتيبة وغير واحد ،
وقد تقدم قبل هذا ، ما أشرنا إليه من أنه يحتمل أنها واحدة وأن العضبى والقصواء والجدع
بمعنى من سمات الأذن وإن اختلفت صفاتها ، وأنها اسم ناقته والقصوى والعضبى ،
فقد جاء فى حديث الحج أنه خطب على ناقته الجدعاء (٢) ، وفى رواية أخرى :
(١) هذه الجملة حشو لیس فى الحديث .
٠
(٢) أحمد ٢٥١/٥ عن أبى أمامة.
.

٣٩١
كتاب النذر / باب لا وفاء لنذر فى معصية الله ... إلخ
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: (( مَا شَأْنُكَ؟)) . قَالَ : إِنِّى مُسْلِمٌ .
قَالَ: ((لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلاَحِ)) ثُمَّ انْصَرَفَ . فَنَادَاهُ. فَقَالَ : يَا
مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: (( مَا شَأْنُكَ؟)) . قَالَ: إِنِّى جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِى، وَظَمْآَنُ
القصواء (١) ، وفى أخرى : الخرمى (٢)، وفى أخرى : المخضرمة (٣) ، وفى حديث
مالك: كانت للنبى معَّ ناقة لا تسبق يقال لها : القصواء (٤) ، وفى حديث غيره : يقال
لها : العضباء (٥) [وأبو بيد] (٦) يقول: هو اسم لها ، وهذه الأحاديث تدل على أنها
صفة فرب صفة صارت اسما ، لكن هذا الحديث والذى بعده فى كتاب مسلم وغيره يدل أن
النبى عَّ إنما اكتسبها فى المدينة، وأنها كانت لبنى عقيل، وأن المشركين أغاروا عليها ثانية
/ فحملوها كما جاء فى الحديث ، وهو بين فى غير مسلم ، قال : فحبس رسول الله ﴾﴾
العضباء لرحله ، وأغار المشركون على سرج رسول الله عَّ فذهبوا به وبالعضباء ، وأسروا
امرأة من المسلمين ، وهى امرأة ابن أبى ذر (٧) . وذكر بقية خبر المرأة كما ذكر مسلم.
١٦ / ١
وقوله: إنى مسلم، فقال له - عليه السلام -: ((لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت))
ثم ذكر الحديث: (( فادى به ))، قال الإمام - رحمه الله -: كيف قال له: إنى مسلم، ثم
فادى به ، ومَنْ أظهر الإسلام قُبِلَ منه من غير بحث عن باطن ، وقد وقع فى أحاديث
كثيرة الأخذ بالظواهر فى هذا، أو التنبيه على أنه لم يؤمر أن يبحث على البواطن والقلوب.
قيل : يمكن أن يكون هذا من خصائص النبى مي مع هذا الرجل ، فأوحى إليه فيه أنه غير
مؤمن ، وأنه مستباح ، ألا ترى قوله - عليه السلام - بعد هذا لما سأله أن يطعمه ويسقيه:
(« هذه حاجتك)».
قال القاضى - رحمه الله -: ليس فى الحديث ما يدل أنه رده إلى دار الكفر ، وإنما
فيه أنه لم يطلق سراحه أولاً وأنه فادى به. فأما أنه لم يطلق سراحه فإنه إنما أسلم بعد الأسر
وملك المسلمين له فبقى لهم، وأما المفاداة إذا لم يرد إلى دار الكفر فصواب لا اعتراض فيه ؛
(١) مسلم، ك الحج، ب حجة النبي ◌َّ ١٢١٨/٢، ابن ماجه، ك المناسك، ب حجة النبى
١٠٢٢/٢، كلاهما عن جابر بن عبد الله.
(٢) أحمد ٧٨/٤ من حدیث قیس بن عائذ.
(٣) أحمد ٣ / ٤٧٣ عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ، ابن ماجه، ك المناسك، ب الخطبة يوم النحر ٢/
١٠١٦ ٠
(٤) انظر : كنز العمال وقد نسبها للطبرى ٧ / ٩٦ .
(٥) أبو داود، ك المناسك، ب من قال: خطب يوم النحر ٤٥٣/١ .
(٦) رسمها الناسخ هكذا ، وفى الأبى واللسان : أبو عبيد .
(٧) أبو داود ، ك الأيمان والنذور، ب فى النذر فيما لا يملك ٢١٤/٢ من حديث عمران بن حصين.

٣٩٢
كتاب النذر / باب لا وفاء لنذر فى معصية الله ... إلخ
فَأَسْقِنى. قَالَ: ((هَذه حَاجَتُكَ))، فَقُدِىَ بِالرَّجُلَيْنِ. قَالَ: وَأُسْرَتِ امْرَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ،
وَأُصَيَّتِ الْعَضْبَاءُ ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِىَ الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِبِحُونَ نَعَمَّهُمْ بَيْنَ يَدَىْ
◌ُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَنَتْ ذَاتَ لَيْلَةٌ مِنَ الْوَثَاقِ فَأَنَّتِ الإِبلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا
فَتََّّكَّهُ، حَتَّى تَنْتَهِىَ إِلَى الْعَّضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ. قَالَ: وَنَاقَةٌ مَنَوَقَةٌ ، فَقَعَدَتْ فِى عَجُزِهَا ثُمَّ
زَجَرَتِهَا فَانْطَلَقَتْ، وَنَذْرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتَّهُمْ. قَالَ: وَتَذَرَتْ لله؛ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا
لَتْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدمَتَ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُِ. فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ، نَاقَةٌ رَسُول الله عزّ ..
فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ؛ إِنْ نَجَّهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَأَنَّوْا رَسُولَ اللهِلَّهِ فَذَكَرُوا ذَلَكَ لَهُ.
فَقَالَ: (( سُبْحَانَ الله! بْسَمَا جَزَتْهَا، نَذَرَتْ لله إنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَاَ وَفَاءَ لنَّذْرِ
فِى مَعْصِيَةٍ، وَلاَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ)).
وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرِ : ((لاَ نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ الله)) .
لأنه أطلقه من أسر الرق ليطلق أولئك ، ثم إن كل واحد منهم بعد الإطلاق موكول إلى
حاله من بقائه بالأرض التى أطلق من أسره فيها أو رجوعه إلى أرضه ، فقد يحتمل أن
النبى ◌ّ قد اطلع من صحة إيمانه ووفق بصدق يقينه من حيث فادى ، وأطلقه من الرق
بإطلاق الآخرين ، وبقى هو حر مع المسلمين لم يرجع إلى دار الكفر ، فيكون معنى قوله:
((( لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)) أى نجوت فى الدنيا من الرق وفى الآخرة
من النار ، لكنك قلتها وقد ملكت ، أفلحت بالنجاة من النار ، ولم يتم فلاحك بالحرية .
وأما قوله: ((هذه حاجتك)) التى احتج بها قائل ما تقدم فما فيه عندى ظهور ، لما تأوله
من أنه اتهمه فى إيمانه ، ولو اتهمه فى إيمانه لم يقل له: ((لو قلتها وأنت تملك أمرك))،
بل كان يقول: لو قلتها من قلبك وصدق نيتك، وإنما معنى ((هذه حاجتك)) : حاضرة
مقضية غير متعذرة .
قال الإمام - رحمه الله -: وأما قوله: (( لا وفاء بنذر فى معصية ، ولا فيما لا يملك
العبد))، ولم يذكر فى ذلك كفارة ، خلافا لمن نذر ، زعم أن النذر فى المعصية يكفر ،
تعلقًا بما ذكره الترمذى وأبو داود: ((لا نذر فى معصية الله، وكفارته كفارة يمين)) (١).
والجريرة: الجناية والذنب. وقد احتج بقوله - عليه السلام - فى ناقته: ((لا وفاء بنذر
(١) أبو داود، ك الأيمان والنذور، ب من رأى عليه كفارة إذا كان فى معصية ٢٠٨/٢، الترمذى، ك النذور
والأيمان، ب ما جاء عن رسول الله عَّي أن لا نذر فى معصية ٤/ ١٠٣، عن عائشة - رضى الله عنها.

٣٩٣
كتاب النذر / باب لا وفاء لنذر فى معصية الله ... إلخ
( .. ) حدّثنا أَبُو الرَّبيعِ العَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّقَفِىِّ، كلاَّهُمَا عَنْ أَيُّوبَ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
نَحْوَهُ، وَفِى حَدِيثَ حَمَّادِ قَالَ : كَانَتِ الْعَضَاءُ لِرَجُلٍ مِّنْ بَنِى عُقَبْلٍ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ
فى معصية ، ولا فيما لا يملك العبد )) أصحاب الشافعى على أن مال المسلم باق على ملكه
وإن غنمه الجيش من أرض الحرب وقسموه ، وأن صاحبه يأخذه بعد القسمة . ولعلنا أن
نتكلم عليه فى كتاب الجهاد إن شاء الله . والعضباء اسم ناقة النبى
وقوله: ((هى ناقة منوقة)): أى مذللة، ومنه الحديث الذى فيه: وسار معه على
جمل له قد توقد ، أى بأرضه وذلله . يقال : جمل منوق ومخيس ومعبد ومديث .
وقوله: ((ونذروا بها)): أى علموا بها ، يقال : نذرت بالشىء ، بكسر الذال نذارة،
أى علمت به ، ونذَرت الشىء لله، بفتح الذال ، أنذر نذرًاً. قال ابن عرفة : النذر ما كان
وعدًا / على شرط ، فكل ناذر واعد وليس كل واعد ناذر ، فلو قال قائل : علىَّ أن أتصدق
بدينار لم يكن ناذرًا ، ولو قال : إن شفى الله مريضى أو ردّ علىّ غائبى فعلىّ صدقة دينار
أو غيره ، کان ناذرًا .
١٦ / ب
قال الإمام - رحمه الله -: هذا الذى ذكره ابن عرفة مال إليه بعض الفقهاء، ورأى
أن النذر الغير المشروط لا يُسمَّى نذرًا؛ ولهذا استحب الوفاء به ، ولا يجب كما يجب
المشروط المسمى نذرًا ، الداخل فى عموم الظواهر الواردة بالأمر بالوفاء بالنذر . ومال غير
هؤلاء من الفقهاء إلى أن الجميع يسمى نذرًا وأنشد قول الشاعر :
والناذرين إذا لم ألقهما دمى
الشاتمی عرض ولم أشتمهما
وقول جميل :
دمى وهموا بقتلى يا بثين لقونى
فلیت رجال فیك قد نذروا
والأظهر أنّ النذر المذكور فى البيتين غير معلق بشرط .
وقوله: ((مجرسة)) : أى مذللة . يقال : جرسته الأمور ، أى راضته وذللته .
قال القاضى - رحمه الله -: قوله: ((مدربة)) بدال مهملة معنى مذللة، ومعنى
منوقة ومجرسة ، كله بمعنى واحد . وفى هذا الحديث جواز سفر المرأة مع غير ذى رحم عند
الضرورة ، وإنما ذلك مع الاختيار . وقال بعضهم : إن هذا النهى إنما هو فى الأسفار
المباحة ، وأما الواجبة فى الدين فلا نهى فيها . وهذا لا يصح إلاّ عند الضرورات ،
كضرورة هذه من الهروب من دار الكفر والخروج من الأسر ، وقد تقدم الكلام على هذه
المسألة فى كتاب الحج .

٣٩٤
كتاب النذر / باب لا وفاء لنذر فى معصية الله ... إلخ
الْحَاجِّ. وَفِى حَديثه أَيْضًا: فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةَ ذَلُول مُجَرَّسَة. وَفِى حَديثِ الثَّقَفِىِّ: وَهْىَ نَاقَةٌ
مُدَرَّبَةٌ.
وقوله: ((لا نذر فيما لا يملك ابن آدم)) : هذا إذا أطلق النذر بالصدقة أو العتق فيها
مطلقا ، فإن قيده بملكه متى ملكه لزم فى العتق عندنا على مشهور مذهبنا ولم يلزم على غيره
وهذا الحديث لهذا المذهب حجة .
وقوله : ((لا نذر فى معصية الله)): نفى النذر عنها ، إذ النذر المقصد فيه التبرك
والتقرب ، والمعصية تنافيه ، فلا نذر يصح فيها ولا يلزم ، بل نهى عنه وعن الوفاء به.
ولم يذكر فى الحديث كفارة ، وهذا قول مالك وكافة العلماء أنه لا كفارة فى نذر المعصية(١)
وقال الكوفيون : لا يلزم وفيه كفارة يمين ، واحتجوا بما ورد فى حديث عائشة - رضى الله
عنها -: (( لا نذر فى معصية، وكفارته كفارة يمين))(٢). وهو حديث مقلوب معتل عند أهل
الحديث، مع أنه محتمل تأويل رجوع الكفارة إلى النذر الجائز كما جاء فى الحديث مبينًا.
(١) انظر: التمهيد ٦٤/٢.
(٢) انظر: الاستذكار ١٣/١٥.
١

٣٩٥
كتاب النذر / باب من نذر أن يمشى إلى الكعبة
(٤) باب من نذر أن يمشى إلى الكعبة
٩ - (١٦٤٢) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى النَّمِيمِىُّ، أخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زَرَيْع، عَنْ حُمَيّد،
عَنْ ثَابتٍ ، عَنْ أَنَس. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً
الْفَزَارِىُّ، حَدَثْنَا حُمَّدٌ حَدَّثْنِى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النََِّّ ◌َ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَهُ.
فَقَالَ: (( مَا بَالُ هَذَا؟)). قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشَىَ. قَالَ: ((إِنَّ اللَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ
لَغَنِىٌّ)) وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ .
١٠ - (١٦٤٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتََّةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -
وَهُوَ ابْنُ جَعْفَر - عَنْ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ أَبِى عَمْرٍو - عَنْ عَبّدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النََِّّ ◌َُّ أَدْرَكَّ شَيْخًا يَمْشِى بَيْنَ ابْنَيْهِ، يَتَوَكَأُ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َ: (( مَا شَأَنُ
وقوله: أنه رأى شيخًا يهادى بين ابنيه. فقال: ((ما بال هذا؟)) قالوا : نذر أن
يمشى. قال: ((إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنى)) وأمره أن يركب، وفى الرواية
الأخرى: ((اركب، إن الله غنى عن نذرك))، قال الإمام - رحمه الله -: يحمل هذا
على أنه عجز عن المشى، وكذلك مجمل الحديث الذى بعده عن عقبة : أنه قال : إن أختى
نذرت أن تمشى إلى بيت الله حافية، فأمرتنى أن أستفتى لها النبى عمّه فاستفتيته . فقال :
((لتمش ولتركب)) محمله - أيضا - عندنا على أنها عجزت . وقد ذكر أبو داود فى هذا
الحديث أنها نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك ، فقال - عليه السلام - : ((إن الله
لغنىٌّ عن مشى أختك، فلتركب ولتهد بدنة)) (١)، فقد / نبه هاهنا - عليه السلام -
على أنها غير مستطيعة وهكذا مذهب مالك - رحمه الله - أن الناذر إذا عجز عن المشى
مشی ما قدر علیه ، ثم ركب وأهدی (٢) .
١٧ / أ
قال القاضى - رحمه الله -: اختلف العلماء بحسب اختلاف هذه الآثار والروايات ،
واتفقوا على ناذر الحج والعمرة أن يلزمه فعل ذلك والسير إليه .
واختلفوا إذا نذر مشيًا أو سيرًاً ولم يذكر حجاً ولا عمرة ، فذهب مالك (٣) إلى ما
تقدم مِنْ أن مَنْ نذر المشى سَمّى حجا أو عمرة أو لم يسم لزمه المشى ولم يركب، وإن
(١) أبو داود، ك الأيمان والنذور، ب من رأى عليه كفارة إذا كان فى معصية ٢١١/٢.
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ٦٣، والسابق.
(٢) انظر: التمهيد ٦ / ٩٧، ٩٨ .

٣٩٦
كتاب النذر / باب من نذر أن يمشى إلى الكعبة
هَذَا؟)). قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َجْهِ: ((ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ،
فَإِنَّ اللّهَ غَنِىٌّ عَنّكَ وَعَنْ نَذْرِكَ)) وَاللَّفْظُ لِقُتَةً وَابْنِ حُجْرٍ .
( ... ) وحدّثنا قُتَّةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَوَرِْىَّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ
أَبِى عَمْرو ، بِهَذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ .
١١ - (١٦٤٤) وحدّنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْتَى بْنِ صَالِحِ الْمِصْرِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ -
يَعْنِى ابْنَ فَضَالَةَ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَّاشِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ،
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ: تَذَرَّتْ أُخْتِى أَنْ تَمْشِىَ إِلَى بَيَّتِ اللهِ خَافِيَةً، فَأَمَرَتِّى أَنْ
عجز فى بعض الطريق أو مشى رجع من قابل فمشى ما ركب ، وجعل ذلك فى حج أو
عمرة ، وأهدى لتفريق المشى إلا أن يأيس القدرة على المشى جملة ، فليركب ويهدى .
روى مثله عن علىّ وابن عباس(١) - رضى الله عنهما. وقال الحسن البصرى : إن نذر حجا
أو عمرة فلا مشى عليه ويركب ، وعليه دم . وقاله أبو حنيفة (٢) ، وحُكى عنه أنه متى لم
يسم حجا ولا عمرة فلا يلزمه مشى ولا سير جملة فى القياس ، ولكن الاستحسان فى قوله
على المشى إلى بيت الله أو الكعبة أو مكة دون سائر هذه الألفاظ ، يسير ولا يلزمه مشى.
وقال الشافعى : يلزمه المشى إن قدر عليه سَمّى حجا أو لا (٣) ، كقول مالك ، إلا
أنه إن عجز ركب ويهدى احتياطا ، ولم يلزمه رجوع لشىء ما عجز عنه ، وهو مذهب أهل
الكوفة. وقد روى مثله عن ابن عمر، ومذهب السلف وأهل المدينة (٤) وهى إحدى الروايتين
عن ابن عمر، ومذهب ابن الزبير أن يرجع فيمشى ما ركب ولم يجعل عليه دمًا(٥). وروى
عن علىّ - رضى الله عنه - قول آخر: أنه مخير إن شاء مشى، وإن شاء ركب وأهدى (٦).
وأحاديث مسلم يحتج بها الشافعى فى إسقاط وجوب الرجوع والدم وإنما جعله احتياطا .
ومالك ومَنْ يوجب عليه الرجوع والدم يحتجون بزيادة مَنْ روى فى حديث أخت عقبة :
((ولتهد)). ذكره أبو داود (٧) وغيره، وزاد فى بعض الروايات: ((ولتهد بدنة))، ذكره
ابن المنذر . وهذه حجة لمالك فى إيجابه البدنة لمن وجدها فى هذه المسألة . وتأولوا
الأحاديث فى ترك الرجوع لمن لم يقدر جملة وقد روى فى حديث أخت عقبة ، فعجزت
عنه ، فأمّا مَن نذر فعليه الوفاء بنذره .
(١، ٢) انظر: الاستذكار ٣٣/١٥، ٣٤.
(٤) الاستذكار ٣١/١٥، ٣٢ .
(٦) المصدر السابق ٣٣/١٥.
(٣) انظر: الحاوى ١٥/ ٤٨٢.
(٥) المصدر السابق ٣٢/١٥ .
(٧) سبق فى نفس الباب .

٣٩٧
كتاب النذر / باب من نذر أن يمشى إلى الكعبة
أَسْتَفْتِىَ لَهَا رَسُولَ الله عَّهُ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ. فَقَالَ: ((لِتَمْشِ وَلَتَرْكَبْ)).
١٠
١٢ - ( ... ) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج ،
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ؛ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةً
ابْن عَامِر الجُهَنَىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِى. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُفَضَّلٍ . وَلَمْ يَذْكُرْ فِى
الْحَدِيثَ: حَافِيَّةً. وَزَادَ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لاَ يُفَارِقُ عُقْبَةً .
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَابْنُ أَبِى خَلَف، قَالاَ: حَدَّثَنَا رَوَحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
وفى قوله فى حديث أخت عقبة: (( فلتمش ولتركب )) : حجة على أبى حنيفة فى
إسقاط المشى جملة . قوله فى هذا الحديث : نذرت أختى أن تمشى إلى بيت الله وإلى مكة
والمسجد الحرام ، وإن لم يذكر حجا ولا عمرة ، وكذلك متى ذكر جزءًا من الكعبة أو
البيت فله حكمه . وهذا قول مالك وأصحابه .
واختلف أصحابه إذا قال : إلى الحرم ، أو مكان منه ، أو مكان من مدينة مكة ، أو
المسجد ، هل له حكم ذكر البيت أم لا ؟ وقال الشافعى : متى قال : علىّ المشى إلى شىء
بما يشتمل عليه الحرم لزمه ، وإن ذكر ما خرج عنه لم يلزمه ، وهو قول أبى يوسف
ومحمد والحسن وابن حبيب من أصحابنا (١) زاد : إلا إذا ذكر عرفة فيلزمه وإن لم يكن من
الحرم . وقال أبو حنيفة : لا يلزمه فى هذا مشى ولا سير فى القياس ، لكن الاستحسان فى
قوله : إلى بيت الله، أو الكعبة ، أو مكة فقط (٢) / أن يسير ولا يلزمه ركوب على
أصله.
١٧ / ب
وقوله فى الحديث: حافية، فقال: ((لتمش ولتركب)) : ظاهر مع ما جاء فى
الحديث الآخر: ((إن الله غنى عن تعذيب هذا نفسه)) وأمره أن يركب : أنه لا يلزم ما فيه
تعذيب للنفس ، لكن كل ما ذهب فيه المشقة على نفسه فلم يلزمه ، إذ ليس فيه قربة ،
يستحب له فيه الدم ، ولا يلزمه مثل المشى حافيًا ، أو حمل شىء على عنقه (٣) . فالدم
هاهنا استحباب بخلاف مجرد المشى لَمَنْ عجز عنه ؛ لأن المشى مقدور عليه وطاعة ، والخطا
فيه مكتوبة ، وقد قال الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ (٤)، فليدم الإنسان ما نذر من ذلك ،
(١) انظر: الحاوى ١٥ / ٤٨٢، الاستذكار ٤٢/١٥، ٤٣.
(٢) سبق فى كتاب الحج .
(٣) انظر: التمهيد ٦٢/٢ وهو قول الإمام مالك.
(٤) الحج : ٢٧ .

٣٩٨ -
كتاب النذر / باب من نذر أن يمشى إلى الكعبة
ابْنُ جُرَيّجٍ ، أَخْبَرَنِى بَحَْى بْنُ أَبِى أُوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَزَاقِ.
فإذا عجز عنه وجب عليه الدم عندنا ، وسقط عند غيرنا ، واستحبه آخرون على ما تقدم .
وكذلك عندنا وعند أبى حنيفة : إذا حلف بالمشى إلى مكة لزمه اليمين (١) إذا حنث ،
وكلاهما على مذهبه المتقدم فى لزوم المشى أو سقوطه . وقال الشافعى (٢) وفقهاء أصحاب
الحديث كلهم: لا يلزم فى اليمين بخلاف النذر ، وعليه فيهما كفارة يمين . وحكى مثله عن
ابن القاسم (٣) من أصحابنا . قال المروزى : وهو قول أصحابنا كلهم فى الأيمان سوى
الطلاق والعتق ، وروى هذا عن جماعة من السلف . وقال داود : كل يمين كمشى أو صدقة
فلا تلزم ولا كفارة فيها ، قال : ولا كفارة إلاّ فى اليمين بالله ، وهو قول ابن أبى ليلى
والشعبى والحسن ومحمد بن الحسن كيفما حلف .
(١) أى كفارة اليمين .
(٢) انظر: الاستذكار ١٥/ ٣٤.
(٣) المصدر السابق ١٥ / ٤٣ .

٣٩٩
كتاب النذر / باب فى كفارة النذر
(٥) باب فی کفارة النذر
١٣ - (١٦٤٥) وحدّثَنِى هَرُونُ بْنُ سَعيد الأَّيْلَىُّ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ
عِيسَى - قَالَ يُونُسُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ -َ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ
ابْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُول الله عَّةُ، قَالَ: (( كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَارَةُ الْيَمِينِ)).
وقوله - عليه السلام -: ((كفارة النذر كفارة اليمين))، قال الإمام - رحمه الله -:
النذر المبهم عندنا كفارته كفارة يمين خلافا للشافعي وهذا الحديث حجة عليه .
قال القاضى - رحمه الله - : وقد قدمنا أول الكتاب اختلاف قول الشافعى فيه .
وبهذا الحديث احتج فقهاء أصحاب الحديث أن كفارة اليمين تجرى فى جميع أبواب النذر ،
وأبو ثور معهم وزاد العتق ، وحجتنا عليهم : أن ظاهره النذر المبهم المطلق . وأما المقيد
بطاعة فالمخرج منه بفعلها ، ولا يحتاج إلى كفارة .

-
٤٠٠
كتاب الأيمان / باب النهى عن الحلف بغير الله
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٧ - كتاب الأيمان
(١) باب النهى عن الحلف بغير الله تعالى
١ - (١٦٤٦) وحدّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب ، عَنْ
يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَاب،
عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبّدِ اللهِ ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بَّنَ الْخَطَّبِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
◌َّهُ: ((إِنَّاللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمَّ أَنْ تَحْلِفُوا بِأَبَائِكُمْ )).
وقوله (١): ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان حالفا فليحلف بالله أو
ليصمت))، قال الإمام - رحمه الله -: هذا لئلا يشرك بالتعظيم غير الله - سبحانه. وقد
قال ابن عباس : لأن أحلف بالله فآثم ، أحب إلىّ من أن أضاهى : فقيل معناه : الحلف
بغير الله ، وقيل: معناه: الخديعة، يرى أنه حلف وما حلف ، وقد قال ابن عباس -
أيضا -: لئن أحلف بالله مائة مرة فآئم ، خير من أن أحلف بغيره فأبر ، فلهذا ينهى عن
اليمين بسائر المخلوقات .
ولا يعترض على هذا بقوله عَّه: ((أفلح وأبيه إن صدق)) (٢)؛ لأنه لا يراد بهذا
القسم ، وإنما هذا قول جارٍ على ألسنتهم ، فقد قال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾(٣)، قيل:
معناه : ورب التين والزيتون ، أو يكون المراد به التنبيه على ما فيهما من العجائب والمن
بهما عليهم ، ولا يراد بهما القسم . ولو سلمنا أن المراد بها القسم من غير حذف وإضمار
لم يبعد أن يكون البارى - سبحانه - يقسم بهما ويمنعنا من القسم بهما ، وتعظيم البارى
جلت قدرته للأشياء بخلاف تعظيمنا لها ؛ لأن كل حق بالإضافة إلى حقه - سبحانه --
حقير . وكل عظيم عند الإضافة إليه تعالى هين ؛ إذ لاحق لأحد عليه ، وله الحق على كل
أحد ، وإنما تعظيمه لبعض/ الأمور تنبيه إلينا على قدرها عنده أو تعبد لنا بأن نعظمها ،
فلا يقاس هذا على هذا .
١٨ / أ
(١) لم يذكر القاضى أنه دخل فى كتاب الأيمان وكذلك فى ع .
(٢) مسلم ، ك الإيمان ، ب بيان الصلوات التى هى أحد أركان الإسلام ١١/١، من حديث طلحة بن عبيد
الله .
(٣) التين : ١ .